أمين كعابنة (ابن البادية ىى- ا٧ رر#مدارس البادية... التعليم الذي لا يحتمل الانتظار

#في البادية، لا تبدأ حكاية المدرسة من الجرس الصباحي، ولا تنتهي بانصراف الطالبات والطلاب من بوابتها.

#المدرسة هنا جزء من حياة الناس نفسها. هي المكان الذي يحاول فيه الطفل أن يصنع مستقبله، وتحاول فيه الأسرة أن تحمي حق أبنائها في التعليم، وتحاول فيه الإدارة والمعلمون أن يؤدوا رسالتهم وسط ظروف اجتماعية واقتصادية ليست سهلة، وفي منطقة تتداخل فيها ضغوط الحياة اليومية مع ضغوط المكان والوجود والصمود.

#ولهذا فإن الحديث عن مدارس البادية لا ينبغي أن يبقى حديثا عن نقص غرفة أو مقعد أو جهاز أو وسيلة تعليمية. المسألة أوسع من ذلك. نحن نتحدث عن العدالة في التعليم، وعن حق أبناء البادية في فرص تعليمية لا تجعل موقعهم الجغرافي سببا في تقليص أحلامهم.

#وقد تكون مدرسة بنات الزويدين واحدة من هذه المدارس، لكنها في الحقيقة تفتح الباب على صورة أوسع.

#في زيارتي الأخيرة للمدرسة، لم أكن أرى فقط مديرة تدير مدرسة وطالبات يجلسن في مقاعدهن. كنت أرى إدارة تحمل فوق مسؤوليتها التربوية اليومية أعباء أخرى كثيرة؛ احتياجات المدرسة، ومتابعة الطالبات والمعلمات، والتعليمات والضوابط، والمعايير، والملفات، والإجراءات والمتابعات، وفي الوقت نفسه محاولة التعامل مع واقع اجتماعي واقتصادي يزداد ضيقا على الناس.

#وهنا ربما يجب أن نتوقف قليلا.
مدير المدرسة أو مديرة المدرسة ليس مطلوبا منه أن يكون رجل إطفاء لكل شيء. وظيفته الأساسية أن يقود العملية التربوية، وأن يتابع التعليم، وأن يبني بيئة مدرسية قادرة على احتضان الطلبة والمعلمين. لكن حين تصبح الإدارة منشغلة في كل يوم بتوفير ما تحتاجه المدرسة، ومعالجة نقص هنا، ومشكلة هناك، ومتابعة احتياج لا يجد له تمويلا، فإن جزءا من طاقتها التربوية يذهب رغما عنها إلى معالجة ما هو خارج جوهر العمل التربوي.

#وهذا ليس نقدا للإدارة، بل هو دعوة إلى أن نحمي الإدارة المدرسية نفسها من الاستنزاف.

#في مدارس البادية، لا يجوز أن ننظر إلى المدير أو المديرة باعتباره مسؤولا عن كل ما تعجز عنه الإمكانات.
#الإدارة تحتاج إلى سند حقيقي من الوزارة والمديرية والمجتمع المحلي، حتى تستطيع أن تتفرغ لما جاءت المدرسة من أجله: التعليم والتربية وبناء الإنسان.

#والحقيقة أن مدرسة بنات الزويدين ليست وحدها في هذا المشهد.

#ففي مدرسة الزويدين الأساسية للبنين، التي تضم الصفوف من الأول إلى الرابع، يتوزع الطلبة بين صفوف في كرفانات وصفوف أخرى في بناء مستأجر. الطفل الذي يبدأ خطواته الأولى في التعليم يجد نفسه في بيئة مدرسية تفرض عليها الظروف أكثر مما ينبغي أن يفرضه التعليم.

#وحين نضع المدرستين أمامنا، مدرسة البنات ومدرسة الذكور، لا تعود القضية مرتبطة بمدرسة بعينها. تصبح أمامنا صورة من واقع التعليم في البادية عموما، حيث تتقاطع الحاجة المدرسية مع الشح الاقتصادي، وتتقاطع مسؤولية الأسرة مع مسؤولية الوزارة، ويتقاطع التعليم مع سؤال أكبر: كيف نحافظ على حق أبنائنا في تعليم كريم، وفي الوقت نفسه نحافظ على بقاء أهل البادية في أرضهم؟

#وهنا يأتي دور وزارة التربية والتعليم.

نحن لا نريد شعارات كبيرة بقدر ما نريد أن تنظر الوزارة إلى مدارس البادية بعين مختلفة؛ عين ترى المسافة، والظروف، وطبيعة المجتمع، ونقص الإمكانات، لا أن تطبق المعايير بمعزل عن الواقع الذي تعيشه المدرسة.

#المعيار مهم، والضابط مهم، والتعليمات مهمة، لكن الأهم أن تخدم جميعها العملية التعليمية ولا تتحول إلى عبء إضافي على مدرسة تحاول أصلا أن تسد ما تستطيع من فجوات.

#نحتاج إلى أولويات واضحة في مدارس البادية: أبنية مدرسية مناسبة، غرف صفية آمنة، بيئة تعليمية لائقة، وسائل تعليمية، متابعة حقيقية للاحتياجات، ودعم للإدارات والمعلمين. والأهم أن تكون هناك آلية تستمع إلى المدرسة قبل أن تطلب منها المزيد.

#وفي المقابل، للأهالي دور لا ينبغي أن نتجاهله.

#صحيح أن الناس اليوم يمرون بضيق اقتصادي، وأن القدرة على التبرع ليست كما كانت. والأسرة التي بالكاد تدبر احتياجات بيتها لا يمكن أن نحملها ما يفوق طاقتها. لكن هذا لا يعني أن نتخلى عن روح الفزعة التي عرف بها أهل البادية.

#القليل، حين يجتمع، يصنع كثيرا.

من يستطيع أن يتبرع فليتبرع، ومن يستطيع أن يخدم المدرسة بجهده فليفعل، ومن يملك علاقات أو خبرة أو وسيلة يمكن أن تسند المدرسة فلا يبخل بها. وليس المطلوب أن يحل الأهالي محل الوزارة، ولا أن تتحول التبرعات إلى بديل عن المسؤولية الرسمية. التبرع الأهلي مساندة للمدرسة وليس إعفاء للدولة من واجبها.
والتعليم لا يخص الوزارة وحدها.

#هو مسؤولية وطنية، نعم، لكنه أيضا مسؤولية مجتمع. والفتاة التي تجلس في مقعدها في مدرسة بنات الزويدين ليست رقما في سجل المدرسة. هي إنسانة من حقها أن تبني حياتها، وأن تختار طريقها، وأن تشارك في بناء أسرتها ومجتمعها واقتصاد بلدها.

#والطفل الذي يجلس في كرفان أو في غرفة مستأجرة ليس أقل استحقاقا من طفل يدرس في مبنى حديث داخل المدينة.

#لهذا أعود من مدرسة #بنات الزويدين وأنا لا أحمل معي فقط قائمة احتياجات مدرسة، بل أحمل سؤالا أكبر عن مدارس البادية كلها.

#إذا أردنا من أهل البادية أن يصمدوا في المكان، فعلينا أن نجعل المدرسة جزءا من هذا الصمود، لا أن نتركها تصارع وحدها.

#وإذا أردنا لأبنائنا وبناتنا أن يبقوا في قراهم وهم يحملون طموحا يليق بهم، فعلينا أن نمنحهم تعليما يفتح الطريق أمامهم، لا تعليما يجعلهم يشعرون منذ طفولتهم أن نصيبهم من الفرص أقل لأنهم ولدوا في البادية.

مدارس البادية لا تطلب امتيازا.#إنها تطلب عدلا.

#والعدل في التعليم لا يكون بأن نساوي بين مدارس مختلفة الظروف بالورقة نفسها، وإنما بأن نعطي كل مدرسة ما تحتاجه حتى يصل أبناؤها إلى الفرصة نفسها.

#من هنا يبدأ الإنصاف، ومن هنا يصبح دعم مدارس البادية دعما للتعليم، ودعما للإنسان، ودعما لبقاء المجتمع في أرضه.

#وهذا، في النهاية، ليس مطلب مدرسة واحدة.
إنه سؤال وطن...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...