١
استغفال :
اليوم استغفلت من جهة ما . سرقت . سرق مني سبعة شواكل . هل لشركة الاتصالات دور في هذا؟
المهم أنني سرقت .امرأة ما اتصلت على جوالي الجديد مرتين وحين أردت ان أعرف من المتصل فسألتني إن كنت انأ خضر ثم اعتذرت وتأسفت.لم تدم المكالمة سوى دقيقة واحدة فإذا بشركة الاتصالات تخصم سبعة شواكل .
هل كنت أتكلم مع واحدة منهن ؟ .. هن.. هن . دقيقة اتصال ب7شواكل .
ماذا جرى يا شركة الاتصالات .افهميني .
هل أنا غافل مغفل .
ارفع رأسك فأنت فلسطيني.
حنطلة...
٢٠١٣
٢
ماذا في ذهنك هذا الصباح ؟
بقايا الانفلوانزا الحادة هو ما في ذهني .
منذ أيام والمرض يجعلني بلا تركيز .
هل من ضرورة للكتابة؟
أتذكر رواية "مريم الحكايا " لعلوية صبح ودعاء المومس فيها وهي في كبرها وقد استبد بها الضعف والفقر ؟ اللهم يوم فراق ويوم وداع ويوم فراق الروح .
ما قيمة الانسان مريضا؟
شخصية خالة الراوية في الرواية طريفة جدا فهي حين ترى مومسا مثلها وقد أفلت هي الأخرى ، فتتذكر أيام الثراء التي عاشتها مع القيادة في بغداد وتعقب على ما وصلت اليه زميلتها " مال النيك...مصيره هيك " .
نحن نقول : " المال اللي بتجيبه الريح بتاخده الزوابع ". أما خالة الراوية فتقول مثلا طريفا لم أعد احفظه . لعله " مال الن..بذهب هيك " .
صباح الخير يا مظفر النواب ولا بد من إعادة قراءة الصيغ الثلاث لقصيدتك " في الحانة القديمة" .
٢٠١٢
٣
من أشكال السخرية :
قولك للأحيمق يا حليم
( كقولي للاحيمق يا حليم )
والسخرية هي أن تقول شيئا وتقصد عكسه .
ترى كيف نقرأ قصيدة المتنبي :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا .
٢٠١٢
٤
اليوم تذكرت محمود درويش لاجئا في وطنه :
وانا في مكتبي في الجامعة ، وراسي يتصدع من صوت المقدح يقدح ، زارتني طالبتان وأخبرتاني أنني أدرسهما مساق مناهج النقد الأدبي . سألتهما عن البلد الذي تقيمان فيه ، فأخبرتني إحداهما أنها من قرية من قرى نابلس ، وأن أمها من المدينة .
الكلام يجر الكلام ، والفتاة الخجولة الوديعة بدات تقص لي عن الحياة في قريتها ؛ عن الناس وعاداتهم وتقاليدهم و ..و ...
- ما الذي فتح السيرة ؟
لم أعد أذكر ، غير أن الفتاة التي أمها مدنية تشعر في القرية بالغربة ، مع أن أباها ريفي .
الفتاة قالت لي : حتى في القرية نفسها يميزون بين ابن قرية أصلي ووافد عليها ، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك ، إذ شرحت لي أن هناك مقبرتين في القرية ، واحدة لأبناء القرية والثانية يقال لها مقبرة الغرباء ، وغالبا ما يتم الدفن على أساس الأصيل والطاريء ، لكن هذا لا يمنع أحيانا من أن يدفن الطاريء في مقبرة الأصيل أو الأصيل في مقبرة الغرباء .
قلت للطالبة :
- أيعقل هذا؟فاجابت :
- نعم ، هذا يحدث .
سأخبرها بقصة محمود درويش وهو في الصف الأول الابتدائي أو الثاني أو الثالث ، حيث عاد مع أهله من لبنان متسللا ، وأقاموا في قرية قريبة من قرية البروة المدمرة في 1948 .
كم كتب الشاعر أنه كان ينظر إليه وإلى أهله على أنهم لاجئون في وطنهم . وكل من تابع مسلسل في حضرة الغياب يتذكر غيرة الطالبة منه ، لأنه حصل على علامات أعلى منها :
ذ- انت لاجيء .
هل تذكرت مظفر النواب ؟
بالتأكيد ، فأنا أحفظ بعض أشعاره ، ولا أنسى مقطعه :
" هنا دفنت طفلة آخر الأمر
يا أرض غزة فاسترجعيها
لئلا مقابرهم تستفز "
لكن ذلك كان في ظاهر الشام ، وكان يقال لنا غرباء .
الكلام ذو شجون ، والطالبة الخجولة غادرت ، وأنا دونت الفكرة ، وقلت لها :
- ساكتب الحوار الذي جرى بعضه ، و ..و ..
خربشات ، إن هي إلا خربشات
٢٠١٤
٥
جميل السلحوت :
" هوان النعيم " 2012
تسيبوري / عصفورة وأبو سالم والإسقاط من خلال أفلام الجنس :
وأنا أكتب عن رواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " 2015 أشرت إلى خطورة الرواية ﻷنها تعالج موضوعا قلما عالجته الرواية الفلسطينية بهذا القدر كما عالجته رواية شاهين .
الكاتب جميل السلحوت لفت نظري إلى روايته " هوان النعيم " 2012 .
إن فكرة تسخير الفتيات اليهوديات من الحركة الصهيونية لخدمة أهداف الحركة فكرة تعود جذورها إلى ما قبل العام 1948 . وسيستمر الكتاب في التركيز على الفكرة بعد العام 1948 كما في روايتي ناصر الدين النشاشيبي " حبات البرتقال " 1964 و " حفنة رمال " 1962
ما رأيته جديدا في رواية شاهين كتابته عن إسقاط العملاء الفلسطينيين لفتيات ونساء عربيات يسخر العميل صورهن ليصبحن مخبرات وساقطات مسقطات . وبكم كبير . إنها شبكات من العملاء سقطوا بعد خداعهم/ن من عميل ساقط .
رواية جميل السلحوت " هوان النعيم " تأتي على إسقاط العربي الفلسطيني أبو سالم من خلال استدراج ضابط المخابرات اليهودي ( نمرود ) له إلى تل أبيب لتغويه تسيبورا /عصفورة وتنام معه بعد أن أسكرته ، وتصوره وتأخذ صوره إلى نمرود الذي يطلب منه التعاون معه وإلا شهر به من خلال صوره . وينجح نمرود في ابتزاز ابن العشيرة ويحوله إلى مخبر .
اليهود يحتقرون العرب ، كما تقول روح الرواية ، ويرون فيهم بهائم ، ومع هذا تنام تسيبورة مع أبو سالم ، رغم أنها تتعالى عليه وترى فيه عربيا قذرا . ولا تختلف نظرة نمرود ﻷبو سالم . أبو سالم كلب حقير في نظر تسيبورة ونمرود . إنه مخبر بأجر ليس أكثر .
أعتقد أن اﻷفكار في كثير من الروايات متكررة ، ولا عجب في اﻷمر ، فاﻷسلوب القديم يتجدد .
الزمن الكتابي لرواية جميل 2012 أما الزمن الروائي فيعود إلى اﻷعوام 1966.- 1968 . والسؤال هو :
- لماذا لم يكتب جميل روايته هذه ورواية أميرة أيضا في 80 ق 20 ، وكان يومها يمارس الكتابة .
لرواية جميل هذه ولروايته أميرة ، كما لرواية حسام شاهين ، قيمة اجتماعية وأما القيمة الجمالية الفنية فعادية . ربما يدرك زياد خداش لماذا أركز على الجانب الاجتماعي في نقدي . وهناك أسباب أخرى .
30 / 9 / 2015
٦
لماذا نكتب ؟
وما علاقة الكتابة بالحياة ؟ :
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب أن يراجع المرء مسيرته الكتابية منذ بدأ يكتب .
ثمة مراحل مر بها الكاتب ، أي كاتب ، وكان سؤال :
- لماذا أكتب يراوده .
يكتب المرء في بداية حياته مدفوعا بهاجس التعبير عن شيء ما يلح عليه . يكتب ربما بهاجس الظهور ، ولكن الأمور تبدأ تتغير وتتخذ منحى آخر .
في ٧٠ ق٢٠ وجدت نفسي أعيش في مجتمع يعاني من مشاكل كان لا بد من إبداء رأي فيها . و وجدت نفسي أتجادل مع آخرين لهم وجهات نظر مغايرة . بدأ وعيي يختلف وبدأ تفكيري يختلف .
في اقترابي من اليسار وطروحاته بدأت أكتب لإصلاح هذا العالم أو لأشارك في إصلاحه . وكان لأشعار شعراء المقاومة تأثير كبير في هذا . و وجدت نفسي أسير في طريقهم . كانوا يكتبون لتغيير واقعهم . وكانت الكلمة من وجهة نظرهم مصباحا منيرا يعبرون من خلالها عن أحزان أمة .
وأنا أقرأ كتاب صلاح عبد الصبور " حياتي في الشعر " توقفت مطولا أمام رأيه في الفيلسوف والنبي والشاعر . إن مهمة هؤلاء إصلاح العالم وكان عبد الصبور يكتب مدفوعا بشهوة إصلاح العالم . لكنه مات ولم يصلح شيئا ، بل ازداد العالم فسادا .
في تتبع قضية الكتابة ودافعها لدى محمود درويش لاحظت أن هذا السؤال أرقه في مراحل حياته الشعرية . وقد أنجزت دراسة في الموضوع ولاحظت اختلاف رأيه في هاجس الكتابة ودافعها وأهميتها في تغيير العالم وعلاقتها بالواقع ، وأن اليقين الذي لازمه في بداية حياته تحول إلى شك ، فعودة إلى يقين فشك .
من :
الكلمات المصباح ، إلى :
ما جدوى الكتابة ؟ إلى :
لم يكن الشعر بريئا .
إنني أكتب ، الآن ، لأنه لا بديل لي عن الكتابة . هناك أكثر من دافع ، وتجمعت كلها معا :
مواجهة الحياة .
أنا مواطن محتلة أرضه ويجب أن أروي حكايتي ، وأنا أعيش في مجتمع فيه من الفساد والتخلف ما فيه ، وأنا أكاديمي يعيش في بيئة أكاديمية فيها من الفساد والبؤس ما فيها ولا بد من إبداء رأي في هذا كله . أأقول إنني مثقف عضوي ؟ أم آخذ برأي ادوارد سعيد حول المثقف الذي لا بد من أن يكون له رأي فيما يجري ولا بد من أن يعلنه ؟
الأمر ليس بهذه السهولة .
٧
موتيفات وأفكار في الأدب
سؤال الهوية في الرواية العربية:
بقلم :
عادل الاسطة
قبل الحديث عن سؤال الهوية في الرواية العربية لا بد من الخوض في هوية الرواية العربية ، فماذا نعني بالرواية العربية؟
هل الرواية العربية هي النتاج الذي صدر باللغة العربية ،في العالم العربي ، من محيطه إلى خليجه ؟
هل هي الرواية التي كتبها روائيون عرب في العالم العربي ؟
في تحديد هوية أدب ما يعتمد الدارسون على معايير عديدة منها معيار اللغة ومعيار المكان ، ومعيار الهوية السياسية والمعيار الديني والفكري .
إذا قصرنا الموضوع على اللغة فإن إشكالين ، وربما أكثر ، سيقفان أمامنا ؛ الأول : وماذا عن الروائيين العرب الذين يقيمون في أماكن شتى من هذه المعمورة ، ويكتبون بلغات أخرى غير العربية ، كالفرنسية والانجليزية والألمانية والإسبانية ؟ بل وماذا سيكون موقفنا من روائيين عرب فلسطينيين أخذوا يكتبون بالعبرية ؟
والثاني : ماذا عن أجانب ليسوا من أصول عربية يكتبون بالعربية ؟ وربما نذهب إلى إلى ما هو أبعد من ذلك فنتساءل عن أدباء ولدوا من زواج مختلط وأخذوا يكتبون بلغتين إحداهما العربية ؟
ما من أحد منا لا يعرف روائيين كتبوا بلغات أخرى غير العربية ، وخاضوا في موضوعات تمس عصب الحياة العربية وسؤال الهوية فيها . من أمين معلوف ورفيق شامي ، وجبرا ابراهيم جبرا من قبل ، وليس اننهاء بانطون شماس وغيره . فهل ندرج روايات هؤلاء ضمن الرواية العربية ؟
إن قلنا : نعم ، فأنا لست مؤهلا للخوض في الموضوع ، لأنني لا أجيد اللغات الأجنبية التي تعلمتها لأقرأ النصوص المكتوبة فيها بدقة متناهية لا توقعني في سوء القراءة ، ثم إنني لا أعرف الفرنسية والإسبانية و .. و .. ولا أظن أن هناك دارسا عربيا مؤهلا للحديث في الموضوع . هنا لا بد من فريق عمل ينجز كل دارس فيه بحثا يقتصر على اللغة أو اللغتين اللتين يتقنهما .
وإذا ما اعتمدنا معيار المكان وقصرنا الدراسة على الروائيين العرب الذين يقيمون في العالم العربي ، فإننا نجد أنفسنا في ورطة حين يثار السؤال التالي : وماذا عن الروائيين العرب الذين يقيمون في أماكن أخرى خارج العالم العربي ، وهم في العقود الأخيرة ، والحمد لله ، في تزايد مستمر ؟
سنان أنطون وإنعام كجه جي العراقيان ، وعبد الله مكسور السوري ، وربعي المدهون الفلسطيني ؟ هؤلاء من أصول عربية ، وقضوا شطرا من حياتهم في العالم العربي ، ثم أجبرتهم الظروف أن يرحلوا إلى الغرب ، وهناك كتبوا رواياتهم أكثرها ، بل إن قسما منهم حصل على جنسية البلد الجديد وأخذ يفخر بهذا ، والطريف أنه برواياته التي كتبها في الغرب وهو يحمل الجنسية الفرنسية أو البريطانية او .. حصل على جائزة الرواية العربية ، أو وصلت روايته إلى القائمة القصيرة للجائزة ؟
إن سؤال الهوية في روايتي أنعام كجه جي " الحفيدة الأميركية " ( ٢٠٠٩ ) و " طشاري " ( ٢٠١٣ ) حاضر حضورا لافتا ، فالفتاة زينة التي ولدت في العراق وهاجرت منه عادت إليه بزي الجيش الأميركي ، بل وبزي عسكري ، إذ عملت مترجمة للضباط الأميركيين . وفي " طشاري " يثار السؤال الآتي : من هو العراقي ؟ بخاصة بعد التحولات التي طرأت على المجتمع العراقي وفتتته إلى طوائف ، اضطر بعضها إلى مغادرة العراق والإقامة في دول غربية والحصول علي جنسيتها .
لم تكن د . وردية اسكندر في ٦٠ و ٧٠ ق٢٠ ، وحتى سقوط بغداد في ٢٠٠٣ تشعر بأنها مسيحية بالدرجة الأولى . كانت ترى نفسها عراقية وكانت تشارك العراقيين الأخرين أفراحهم وأتراحهم وتدخل إلى بيوتهم في المناسبات الدينية الخاصة بهذه الجماعة أو تلك ، وكانت هي بدورها تدعوهم الى بيتها . بل إنها كانت لا ترى في العرب القادمين إلى العراق غرباء ، ولقد عاشت مع هؤلاء حياة طبيعية عادية ، ثم اختلفت الأحوال بعد الغزو الأميركي ، فتقوقعت كل طائفة على نفسها ، وبدأت الطائفية تقوى وتتغول ، حتى وجدت د . وردية نفسها ، تغادر العراق إلى فرنسا وتستقبل هناك على أنها مسيحية لا عراقية .
لا أظن أن ما سبق هو ما خطر بذهن منظمي مؤتمر السرد هذا ، ويخيل إلي أن ما خطر بأذهانهم هو سؤال آخر ، وربما أسئلة ، يدور على ألسنة الشخصيات الروائية حول انتمائها .
هل يمكن الكتابة عن رواية عربية في زمن القطريات ؟
غالبا ما أخذت الدراسات النقدية ، منذ عقود ، تدرس الأدب العربي اعتمادا على القطر الذي تنتمي اليه ، فهناك الآن كتابة عن رواية مصرية او رواية فلسطينية أو رواية أردنية أو رواية خليجية او رواية جزائرية ..... الخ ... الخ .
وغالبا ما يكتفي أصحاب هذه الدراسات بقصرها على أدبهم الوطني ، وغالبا ما ينسبون الروائي إلى بلده الذي يحمل هويته السياسية ، وربما ما يساعدهم على هذا التوجه أن الروائي يعالج في نصوصه قضاياه المحلية وهموم بلده . هل يمكن هنا الحديث عن رواية عربية ؟
إن المعيار اللغوي يتراجع لصالح المعيار السياسي ، والمشروع القومي الذي حاوله محمد علي ، وأراد جمال عبد الناصر مواصلته ، أخفق مع هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، ومع بداية الحديث عن الدولة الوطنية والقرار الوطني وسيادة شعارات مثل " نابلس أولا " ومن قبل م . ت . ف هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني .
ليس غريبا ، والحالة هذه ، أن يثار سؤال الهوية على أساس وطني/ قطري ، وكان الشاعر مظفر النواب هجا حزب البعث لأنه الحق بدال العربي دالا آخر يعبر عن قطرية الحزب :
" قالوا بالوحدة وأضافوا القطرية ذيلا قبليا " .
يتجسد هذا السؤال في روايات عربية عديدة ، تعد رواية الكاتب سعود السنعوسي " ساق البامبو " واحدة منها ، ولعلني أجد وقتا للحديث عنها .
وماذا عن أدباء يساريين ؟
منذ ٥٠ ق ٢٠ بدأ الأدب ذو التوجه الاشتراكي ، في العديد من البلدان العربية ، يبرز بروزا لافتا ، في لبنان وسورية ومصر والعراق وفلسطين ، وحفلت روايات عديدة بشخصيات رئيسة وثانوية تتبنى الأطروحات الماركسية وتدعو لها ، وهذه الشخصيات تنظر إلى الهوية من منظور مختلف يقوم على أساس الصراع الطبقي . إن الهوية الوطنية او القومية تتراجع ، ولو جزئيا ، لتحل محلها ، أو لتعلو عليها ، الهوية ذات البعد الأممي . يدعو الكاتب هنا ويناضل من أجل مجتمع إنساني بالدرجة الأولى ، حتى في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي يقوم أساسا بين قوميتين على الأرض قرأنا نصوصا لأدباء ذهبوا إلى أن الصراع في عمقه هو صراع طبقي ، ويمكن هنا الإشارة إلى بعض روايات أفنان القاسم " المسار " وسميح القاسم " إلى الجحيم أيها الليلك ".
هل نتحدث هنا عن هوية عربية او فلسطينية ؟
الأدب الاسلامي : هوية عربية أم وطنية أم إسلامية ؟
مع بداية ثورة الخميني بدأ المد الاسلامي . وربما قبل ذلك بقليل .
ومع بروز حماس وميل صدام إلى التدين حين أغلق الخمارات وكتب على العلم عبارة " لا إلاه إلا الله " بدأ هذا المد يزداد ويقوى .
إن متابع بعض كتب النقد الأدبي الصادرة مع بدايات ٩٠ ق ٢٠ سيلحظ بروز مصطلح " الأدب الإسلامي " بل ويقرأ عناوين كتب عن المناهج النقدية الحديثة من وجهة نظر إسلامية . هذا يعني الحديث عن هوية إسلامية للأدب المكتوب باللغة العربية . هل تتقدم الهوية الدينية على الهوية القومية .
في الرواية العربية ستكتب روايات ذات توجه إسلامي من أدباء توجههم إسلامي ، وهم يكتبون بالعربية ، مثل وليد الهودلي من فلسطين وأيمن العتوم من الأردن .
هنا سأتوقف أمام نماذج روائية عربية تساءلت بعض شخصياتها عن هويتها .
.
- سؤال الهوية في نماذج روائية :
غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ )
" الإنسان في نهاية الأمر قضية " يقول سعيد . س بعد أن التقى بابنه خلدون ( دوف ) وتجادل معه وطلب منه أن يعود إليه ، فآثر الابن أن يظل مع والديه اللذين ربياه ، ورفض منطق الأبوين اللذين تخليا عنه .
هل كان لرواية " عائد إلى حيفا " تأثير في رواية إميل حبيبي " المتشائل " ؟
إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ... " ( ١٩٧٤ )
لا يختلف سعيد المتشائل عن سعيد . س حين يرفض كلاهما أن يلتحق ولاء وخالد بالمقاومة ، ثم يتوصلان إلى رأي مغاير ، بحكم التجربة . فبعد حوار سعيد . س مع خلدون يتمنى الأب أن يلتحق ابنه الثاني بالمقاومة ، وحين يسجن المتشائل ويلتقي ، في السجن ، بالفدائي سعيد ، يشعر أنه كبش ومقيم ، ويحتار في هويته .
إن سؤال الهوية في " المتشائل " سؤال مركزي ومحوري .. يعرف الفدائي على نفسه : " فدائي و لاجيء " ويسأل : " وأنت ؟ " فيجيب المتشائل : " فتحيرت في هويتي كيف انتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن ، ويتكلم حتى لا يئن . هل أقول له إنني كبش ومقيم ؟ أم أقول له إنني دخلت إلى بلاطكم زحفا ؟ " - أي السجن . ( ص١٧٢ من طبعة حيفا ، ١٩٨٥ ) .
هل سعيد المتشائل فلسطيني أم إسرائيلي ، هو المتعاون مع سلطات الاحتلال ؟
ممدوح عدوان " أعدائي " ( ٢٠٠٠ )
سيكون سؤال الهوية في رواية ممدوح عدوان " أعدائي " ( ٢٠٠٠ ) سؤالا محوريا أيضا . والرواية التي يعود زمنها الروائي إلى الحرب العالمية الأولى لا تخلو من اسقاطات معاصرة ، فقد أقر كاتبها في لقاء معه نشر في مجلة " الكرمل " ( عدد ٦٨ صيف ٢٠٠١ ) إنه حين كتب عن تجربة ابراهيم كان يسقط تجربته هو على بطله ، فلماذا لا يسقط بعض أسئلته على لسان بعض شخوص روايته ، فيما يخص الهوية ؟
لقد عالجت السؤال في رواية " أعدائي " معالجة مفصلة في كتابي " اليهود في الرواية العربية " ( ٢٠١٢ ، ص٥٧ وما بعدها ) ، ويمكن أن يتوقف المرء أمام فقرتين دالتين في ص ٣٤٠ ، ٤٨٠ ، فالعرب عربان والمسلمون قسمان وأكثر ، وهؤلاء كلهم في حالة حرب مع بعضهم .
" لم يبق أمامنا إلا أن نفكر بأننا عرب يجب أن نحمي هذه الأرض من الإنكليز واليهود والأتراك . والله العظيم نحس أننا دائخون لا نفهم ما يجري . يا ليتها كانت حربا صليبية . كنا فهمناها . مسيحيون ضد إسلام . اوروبيون ضد مشرقيين . كانت سهلة . ولكن مسلمون وانكليز وفرنسيون يهاجموننا ومسلمون وألمان يدافعون عنا . عرب في الجيش الانكليزي وفي جيش الشريف يهاجموننا . وعرب في الجيش العثماني يقاومونهم . خليفة المسلمين في اسطمبول يعلن الجهاد المقدس باسم الإسلام . والشريف حسين سليل الرسول ، يعلن الجهاد ضد العثمانيين الكفرة . حتى اليهود لم نعد نستطيع ان نفهمهم . يهود يتبرعون للجيش العثماني ويدعون إلى التطوع فيه ويهود يتجسسون لصالح الإنكليز ضد العثمانيين ....... " ( ص ٣٤٠ ) .
ويكتب عدوان عن التباس هويات حين يأتي على الختان و مواعين الزلم .
" تصور أن كل إنسان تصير هويته في مواعينه . طيب . شلنا من الضحك . هذه وحدها ألا تستحق مني أن أظل متشبثا بك ؟ ليس لكي أوصلك إلى حبل المشنقة فقط ، بل أن امشي بك بعد هذا الشنق لأضمن بيدي دخولك إلى جهنم . تقول لي إن المسلمين نزعوا الطبخة عليكم لأنهم يختنون مثلكم ، وبالتالي قد يغلط الأجداد . وما الحل ؟ إما أن يظل اليهود معزولين في الغيتو ، إذا ظلوا ضعفاء ، فيضمنون عدم اختلاطهم بغيرهم ، ويزداد الغيتو انغلاقا إذا كان داخل المجتمعات الإسلامية لأنه سيصير هناك التباس هويات من خلال تشابه مواعين الزلم . وإما أن يصير اليهود أقوياء فيقتلون كل مسلم في الدنيا . يعني على حسب خرافيتك هذه لا عدو لكم إلا نحن . طيب . قبلت . ولذلك ، أو بدون ذلك ، أنا أعتبرك عدوي وعدو شعبي وعدو ديني ثم عدو جنسي البشري كله ، الذي ترى نفسك أفضل منه . وترى أنك ستنقله من الهمجية إلى الحضارة. " ( ٤٨٠ ) .
إن حيرة بطله عارف هي حيرته هو ، ولو ظل على قيد الحياة وتابع ما يجري في سورية والعراق لغرق في الحيرة .
جبور الدويهي "شريد المنازل" (٢٠٠٩)
في رواية جبور الدويهي "شريد المنازل " ( ٢٠١٠ ) يعاني بطلها نظام العلمي الأمرين . الطفل المسلم الذي يتربى في أسرة مسيحية ، يوم كان المسلمون والمسيحيون سمنا على عسل ، يقع ضحية ولادته وتربيته والحرب الأهلية .
أيضا الختان له حضوره هنا . يعرف نظام أنه مسلم ، حين يقع بأيدي الكتائبيين ، من ماعونه ، علما بأنه يمتلك هوية مسيحية ، وحين تقع هذه الهوية التي يغدو فيها جوزيف صافي بأيدي القوات الوطنية يقتل عليها مع أنه مختون . وتبلغ المأساة قمتها حين لا يعترف به أخواه ويرفضان أن يشارك معهما في جنازة أبيه محمود العلمي . إن مأساة نظام مبكية حقا .
الرواية التي تأتي على تغيرات المجتمع اللبناني بسبب الحرب لا تغفل تمثيل تيارات سياسية هويتها لا تنبني على معايير دينية أو طائفية . إن خلية فرج الحلو الشيوعية لا تلتفت إلى الدين باعتباره معيارا يحدد الهوية ، فهي تضم أفرادا من طوائف دينية مختلفة ، بل إنها لا تكترث للمعيار القومي ، إذ يجتمع معها أساتذة جامعة قدموا من أميركا ، ورأوا في اجتماع أفراد هذه الخلية صورة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع اللبناني . يندمج نظام في أفراد هذه الخلية التي ضمت أيضا يهوديا لبنانيا ، ويعطي كل فرد من أفرادها مفتاحا لشقته ، غير مكترث إطلاقا للطائفة التي انحدر منها . إن هوية الإنسان هنا يحددها انتماؤه للفكر الذي ينتمي إليه وهو الفكر الماركسي الذي يرى في الصراع صراعا طبقيا بالدرجة الأولى، لا صراعا دينيا أو قوميا . وحتى اللبنانيون أنفسهم ليسوا كلا متجانسا ، فالرواية تأتي على الصراع بين فقراء طرابلس والأغنياء الذين يريدون احتكار صناعات ومهن .
سنان انطون " يا مريم "(٢٠١٢):
في روايته " يا مريم " يأتي سنان أنطون على الواقع العراقي ، ويستعرض فيها صور المجتمع العراقي من خلال النظر في البوم عائلة ؛ الملبس والأصدقاء ومآل أفراد العائلة ؛ من مات ومن عاش ومن هاجر ومن وصل إلى أسوأ سنوات حياته .
لقد فسد كل شيء في العراق . تفرق الأصدقاء وتخرب النسيج الاجتماعي وبرز وحش الطائفية.
كان العراقيون سنة وشيعة ومسيحيين ويهودا وكلدانيين و..و..ولكنهم كانوا عراقيين .كانت هويتهم هوية وطنية ، ثم جاء حزب البعث ، كما ترى إحدى شحصيات الرواية ليفسد كل شيء . أراد ان يعرب العراق فقاده الى ما قاده إليه ، ومع الاحتلال الأميركي برز وحش الطائفية . أراد حزب البعث أن يكحلها فعماها ، وأراد الأميركيون إحلال الديموقراطية محل الدكتاتورية ، فأوصلوا العراق إلى الطائفية وخربوه .
تنظر إحدى شخصيات الرواية في صورة لها تضم أصدقاء ثلاثة ؛ يهوديا ومسيحيا ومسلما ، وتأتي الصهيونية ، وتخلف المجتمع العربي وسوء قيادته ، فيهاجر نسيم اليهودي العراقي إلى فلسطين ، وسيهاجر مسيحيون كثر بعد الاحتلال ٢٠٠٣ ، إلى الغرب . لم يعد هؤلاء عراقيين ، فلقد غدوا يهودا أسقطت عنهم الجنسية ، ومسيحيين طلب بعض المسلمين المتشددين منهم دفع الجزية.
لقد غدت الهوية مختلفة وازداد انقسامها أكثر ؛ سنة وشيعة وبرزت القبلية وامحت الهويتان ؛ الوطنية والقومية امحاء لافتا .
هكذا نصغي إلى إحدى شخصيات الرواية تقص " كل ما أريده هو أن أعيش في مكان أكون فيه مثل الآخرين . أمشي وأخرج وأدخل ولا يشار إلي أو يتم تذكيري بأني مختلفة . قال لي أحد الموظفين ذات يوم ، وهو يقرأ استمارة ملأ تها بالمعلومات الشخصية لأكمل معاملة ، معلقا على اسم والدي : جورج أجنبي مو ؟! فأجبته بحزم :
" لا مو أجنبي ، عراقي .
" شلون مو أجنبي ؟ مثل جورج بوش ."
" لا، مثل جورج وسوف ... وجورج قرداحي ."
دفع الاستمارة وأعادها إلي وأحسست بالتعالي والكره يسيل من نظراته عندما تبرم قائلا :
- " يعني قحط أسامي؟ شوفو لكم أسامي عربية ." (ص١١١ )
وتتابع مها :
" لم أقل شيئا ، فما فائدة الجدال مع جاهل حقير . ولم تكن تلك أول مرة ولا آخر مرة . عندما حكيت القصة لأبي حدثني عن عبد السلام عارف الذي حكم البلاد قبل أن أولد أنا بسنين طويلة وكيف قال ذات يوم وهو يلقي كلمة أمام حشد كبير :
" لا جوني ولا جورج بعد اليوم . بوية حمد وخوية حمود . "
.
سعود السنعوسي " ساق البامبو " ( ٢٠١٢ )
تعد رواية سعود السنعوسي "ساق البامبو" من الروايات اللافتة لمناقشة سؤال الهوية في الرواية العربية ، فشخصيتها الرئيسة عيسى/خوزيه لها اسمان وتتوزع على عالمين ؛ الكويت والفلبين .وهو يقول في ص (٣٨٥) من الرواية ، وهو يتحدث عن مصطافين كان التقى بهم :
" هل سيصادفون نصف كويتي على شواطيء تلك الدول؟ الله وحده يعلم ! " .
ولد عيسى لأب كويتي وأم فلبينية كانت تعمل خادمة في بيت عائلة راشد . أحبها وتزوجها سرا دون علم أمه ولما عرفت هذه استشاطت غضبا وطلبت منه أن يطلقها ، فهذا عار يلحق بعائلة الطاروف . يتردد راشد فتطرده أمه من بيت العائلة ، ولما أنجب طفلا يحمل اسم العائلة يذهب إلى أمه لمراضاتها عل الطفل يشفع له .
تصر الأم على رأيها وتجبر ابنها أن يطلق زوجته وأن يعطيها الطفل أيضا . أمام ضغط الأم يترك راشد زوجته وطفله ويعيدهما الى الفلبين ، وأما هو فيتزوج وينجب خولة ثم يستشهد في مقاومة الجيش العراقي أثناء احتلاله الكويت .
حين يكبر عيسى/ خوزيه ترسله أمه إلى بلاد أبيه / الكويت /الجنة ، ليتعرف على أبيه ويعمل هناك .
لا ترحب الجدة بحفيدها العائد ، وخشية من الفضائح تمنحه سكنا في بيتها زاعمة أنه خادم فلبيني ، دون أن تعرف أن الخدم يعرفون القصة التي شاعت ، ما يجبر الجدة وبعض بناتها على إجباره على ترك المنزل ، وتستمر بعض عماته في التضييق عليه حتى يغادر الكويت إلى الفلبين ثانية . وتظل هويته موزعة على بلدين : الكويت والفلبين . وحين يشاهد مباراة في كرة القدم بين الدولتين يحتار لمن ينحاز ، فهما وطناه ، وهو فلبيني وكويتي في الوقت نفسه." اسمي Jose هكذا يكتب .ننطقه في الفلبين ، كما في الانكليزية ، هوزيه . وفي العربية يصبح ، كما في الإسبانية خوسيه . وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه .أما هنا في الكويت فلا شأن لكل ذلك بالاسماء بإسمي حيث هو ...عيسى !'.(ص٣٨٩). وتحتاج مناقشة سؤال الهوية في هذه الرواية الى كتابة مفصلة.
إلياس خوري " أولاد الغيتو"(٢٠١٦)
في "أولاد الغيتو "يثير إلياس خوري سؤال الهوية على لسانه وعلى لسان بطله آدم.في المقدمة يتساءل إلياس عن بطله :" إلا أنها لا تعرف هوية هذا الرجل بالضبط .هل هو فلسطيني يدعي انه اسرائيلي أم العكس ،لكنه شخصية فذة." كأن السؤال عن الفلسطيني الإسرائيلي (آدم) هو وجه آخر لسؤال الهوية في رواية اميل حبيبي :الفدائيون اللاجئون فلسطينيون ،فماذا عن عرب فلسطين الذين بقوا،ومنهم من خدم الاحتلال؟ أهم فلسطينيون ام إسرائيليون؟
يكرر إلياس سؤاله عن آدم :" إن هذا الرجل كاذب ،يدعي أنه إسرائيلي مع عشيقاته ،مع أنه فلسطيني ،وهويته الفلسطينية هذه كانت حجته الكبرى ضد روايتي ،كأنه لا يحق لي أن أكتب عن فلسطين لمجرد أنني لست من ابوين فلسطينيين."(ص١٤).
والياس نفسه كتب عن الفلسطينيين واحبهم وعاش معهم ، وربما عده بعض الفلسطينيين فلسطينيا ، بل إن بعضهم يحبه ويدافع عنه أمام بعض الفلسطينيين.
إن أسئلة الهوية التي أثارها إلياس في مقدمة الرواية وفي المقابلات التي أجريت معه ،يعود قسم منها ليظهر في الرواية على لسان بطلها آدم."أهرب من كتاب لم يكتب ،فاكتشف أنني لا أعرف من أكون ؟" يتساءل آدم في ص ١١٧.
إن سؤال الهوية لا يلازمه على مستوى فردي وحسب :من هو أبوه الذي بذره ومن هي أمه التي حملت به ؟ من هو أبوه الذي رباه ؟ ومن هي منال التي ربته ؟ هل هو ابن مأمون الأعمى الذي التقطه من حضن أمه تحت شجرة الزيتون وأعطاه إلى منال؟ هل هو ابن الشعب الفلسطيني الذي شرد أم أنه "ابن الدولة اليهودية "حيث يجعل نفسه ابنا لابوين يهوديين :"اخترعت لنفسي ابا يدعى اسحق واما تدعى سارة "(ص ٢٦٩).
"أنا سليل ذي النون المصري المتصوف الكبير ،وابن مدينة الخضر ،ومواطن عربي أو فلسطيني في دولة إسرائيل ،وحين تركت منزل أبي اكتشفت أنني ابن نفسي "(١٦٢) ،ومثل سعيد أبو النحس لم يخطر بباله الالتحاق بالكفاح الفلسطيني المسلح ،" أردت أن أكون مواطنا في هذه الدولة وأنسى "( ص٢٨٣) ، وهكذا اخترع لنفسه ذاكرة جديدة وانزلق فيها إلى النهاية بحيث "أنني لم أعد أعرف من أكون بالضبط؟ هل أنا ابن منال وحسن دنون أم ابن يتسحاق دانون وزوجته المريضة ،ام أنا مجرد حكاية مصنوعة من الكلمات ؟".
من هو الشاعر العربي الذي سأل امته العربية : يا امتي هل أنت امة؟ وهل يستحضر إلياس بأسئلته ،على لسان بطله ،عنوان قصيدة نزار قباني :"متى يعلنون وفاة العرب؟"
المصادر:
- الياس خوري ، أولاد الغيتو ، ٢٠١٦.
- إميل حبيبي ، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل ،١٩٧٤.
- أنعام كجه جي ، الحفيدة الأميركية ، ٢٠٠٩.
-أنعام كجه جي ، طشاري ، ٢٠١٣.
- جبور الدويهي، شريد المنازل،٢٠١٠.
سنان انطون ، يا مريم ، ٢٠١٢
- سعود السنعوسي ، ساق البامبو، ٢٠١٢.
- غسان كنفاني ، عائد إلى حيفا، ١٩٦٩.
-ممدوح عدوان ، أعدائي ، ٢٠٠٠.
٢٠١٦
٨
سهيل كيوان :" بلد المنحوس " 4 :
يخلص المرء بعد قراءة رواية سهيل إلى ما قاله محمود درويش في " مديح الظل العالي " وما ركز عليه سميح القاسم في نصوصه النثرية الثلاثة ، وتحديدا الجزء الثالث ، وما أراد ربعي المدهون قوله في " مصائر " ، ولكن مع اختلاف طبعا في التفاصيل التي بذل سهيل جهدا واضحا فيها .
في " مديح الظل العالي " كتب درويش " ضحية قتلت ضحيتها وصارت لي هويتها " وفي " بلد المنحوس " يتحول ( راشينسكي ) / ( ايزاك ) من ضحية إلى جلاد ، ويصبح الفلسطيني ضحية الضحية - أي ضحية اليهودي القادم من أوروبا .
اختصر درويش الفكرة في سطر وكتبها سهيل في 328 صفحة .
كان العرب يختصرون الحكاية أو التجربة في مثل أو بيت شعر ولم يطنبوا ، ولم يعرفوا فن الرواية ، والروائي يخوض في التفاصيل ، وفي " بلد المنحوس " تفاصيل نحن بحاجة لمعرفتها .
30 ايلول 2018
٩
إن كان أمل دنقل قال :
" أبانا الذي في المخابرات "
فيجب أن أقول :
" أبانا الذي في المخابرات والاتصالات والمحافظات والمقاطعات والوزارات والفيس بوك " :
" كيف تموت ،
وأغنية الثورة الأبدية ليس تموت ؟ "
جهة ما تسيطر على اجهزتنا وتعبث فيها .
رحم الله نجيب سرور . تحتاج الأمور إلى أكثر من ( ك .... أمياتكم ".
30 ايلول 2018
١٠
" معلق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي - بالموت - محنية
لأنني لم أحنها . . حية ! "
أمل دنقل
من قصيدة " كلمات سبارتاكوس الأخيرة.
١١
عاشق من فلسطين :
في قراءة مدلول العنوان يمكن أن تثار الأسئلة الآتية :
من هو العاشق ؟
من يعشق أو ماذا يعشق؟
هل يعشق امرأة فلسطينية؟
هل يعشق مكانا فلسطينيا؟ مثلا فلسطين أو حيفا أو يافا؟
هل كان الشاعر قرأ ديوان الشاعر العربي محمد الفيتوري "عاشق من أفريقيا " وتأثر به؟( هنا أذكر القاص توفيق فياض الذي كان شاهدا على كتابة قصائد الديوان ويمكن أن يدلي بدلوه)
هل وحد الشاعر بين الوطن والمرأة؟
من هي المرأة التي عشقها في الفترة التي كتب فيها الديوان؟
يتغزل الشاعر بامرأة ملامحها فلسطينية واسمها كذلك وأهدابها ورموشها و .. و ..
طيب:
ماذا لو فحصنا الآتي:
-أنا المتكلم في الديوان في القصائد كلها ؟
- أنا المخاطب في القصائد كلها؟
- علاقة الشاعر بالفتيات في أثناء كتابة قصائد الديوان؟
- نظرة الشاعر إلى الصراع والمنظور الذي انطلق منه؟
-كيف نظر الشاعر إلى الآخر ؟ من هو الآخر من وجهة نظره في تلك الفترة؟
طيب :
- إذا كانت هناك فتاة يهودية أحبها وكتب فيها قصيدة " قصائد عن حب قديم " فهل نطمئن إلى تأويلات النقاد العرب في أن الشاعر وحد بين فلسطين والمرأة وأن المرأة فلسطينية وفلسطين معا؟
كل قراءة هي إساءة قراءة
وليس هناك قراءة نهائية لنص من النصوص.
٣٠أيلول ٢٠١٩
١٢
رشاد أبو شاور " ترويض النسر " وأخطاء دالة في الطباعة 3 :
في الصفحتين ٩٤ و ٩٥ من الرواية ثمة خطأ في الطباعة يتكرر مرتين ، فالطالبة أمينة تصبح الدكتورة أمينة ، والدكتورة في الرواية هي الدكتورة وداد . هل يعود هذا الخطأ إلى الطباعة والمسؤول عنه هو الطابع / ة أو المراجع في دار النشر ؟ ولا أدري إن كان الروائي انتبه إليه وسوف يصححه في طبعة لاحقة .
قبل أعوام كتبت مقالا مطولا نشرته ، على حلقتين ، في موقع " فسحة ثقافية " / " عرب ٤٨ " وأثار جدلا مع الروائيين المكتوب عنهم ؛ حسن حميد Hasan Hamid و واسيني الأعرج Waciny Laredj وابراهيم نصرالله Ibrahim Nasrallah ، وهو جدل أدبي حول الكاتب وعلاقته بالبيئة المكانية والفترة الزمانية التي يكتب عنها ومدى تمثله لهما .
لا أعرف إن كانت هناك مقابلات أجريت مع رشاد ابوشاور أتى فيها أصحابها على علاقته بموضوعه وشخوصه ومدى صلته بها .
هل عرف شخوصه والبيئة المكانية وأحاط بها إحاطة تامه ، أم أنه خلقها من وحي خياله لتناسب أفكارا يقرأ عنها واقتنع بها اقتناعا تاما ؟
إن كانت الشخوص فصلت لتناسب الأفكار أو المعلومات التي جمعها فإن الخطأ قد لا يكون خطأ في الطباعة ، وقد يكون سببه عدم رسوخ الشخصيات في ذهن المؤلف .
أتمنى أن أقرأ مقابلات مع الروائي رشاد أبو شاور يسأل فيها عن روايتيه " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " ، أما روايتاه " وداعا يا زكرين " و" ليالي الحب والبوم " فهما تغرفان من حياته في طفولته وشبابه ، ولو عثرنا على بعض أخطاء في المعلومات فأغلب الظن أن مرد ذلك لتأثير الذاكرة وتأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي ، لا لتمثله شخصياته وتجارب غيره .
٣٠ أيلول ٢٠٢٠
١٣
مدرسة المشاغبين في نابلس
لا أعرف تفاصيل ما جرى في مدرسة عبد الحميد السائح في نابلس .
كل ما في الأمر أنني قرأت فقرات تشير إلى اعتداء الطلاب وأهاليهم على بعض المعلمين ، وممن كتبوا عن مكانة المعلم أحد طلابي في البكالوريوس والماجستير ، وفيما كتبه مناداة بإعادة الاعتبار إلى المعلم .
طالبي حين كان على مقاعد التعليم - أي حين كان طالبا - كان أحيانا طالبا مشاكسا ، وكلما سألته عن أسباب تأخره عن موعد المحاضرة كان يجيبني بأنه يبيع التين ، وهو من قرية تل المشهورة بزراعة التين ، لأنه يريد أن يدفع الأقساط وينفق على نفسه ، وكنت أغض الطرف عن تأخره ، وعندما علمته في الماجستير صار أكثر مشاكسة ، ما دفعني إلى التشدد معه لدرجة أدت إلى توتر العلاقة بيننا .
الآن صار طالبي معلما وأخذ يطالب بضرورة احترام المعلم وإعادة الاعتبار إليه .
عندما كنا صغارا نتمرد على أهلنا كانوا يقولون لنا :
- غدا تصبحون آباء و يثأر ابناؤكم منكم .
هل يقتصر العنف على المدارس أم أنه ظاهرة اجتماعية عامة ؟
الجريمة بين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ تتصاعد منذ بداية العام ، والأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة ليست على ما يرام ، ففي الأسبوع الماضي عمم شريط فيديو عما جرى في إحدى مدارس قطاع غزة ، يري اختباء المعلمين في غرفتهم تلافيا لغضب الطلاب وحجارتهم . وأول أمس تم السطو على محل للصياغة في مدينة طولكرم أسفر عن سرقة سبعة كيلوات من الذهب ، وأما عن الصدامات مع الإسرائيليين فحدث ولا حرج .
وأنا أقرأ ما كتبه المعلم عن اعتداء الطلبة وأهاليهم على معلمي مدرسة عبد الحميد السائح تذكرت الشاعر أحمد شوقي وما كتبه عن المعلم ورد الشاعر إبراهيم طوقان عليه .
كتب شوقي :
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
ولم يكن شوقي جرب التعليم ، خلافا لطوقان .
عمل طوقان في مهنة التدريس فلم ترق له وفيها قال :
شوقي يقول ، وما درى بمصيبتي ،
قم للمعلم وفه التبجيلا
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا
حسب المعلم غمة وكآبة
مرآى الدفاتر بكرة وأصيلا
و :
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا
وكان للمعلم يومها مكانة معتبرة ، وكان الأهل يطلبون منه أن يتشدد مع أبنائهم لدرجة قولهم " لك اللحم ولنا العظم " - أي تشدد معهم .
لا أرمي إلى كتابة مفصلة عن مكانة المعلم ؛ ما كانت عليه وما صارت إليه وما بينهما . كل ما أقصده هو القول إننا نشهد تحولات اجتماعية تبدو لنا ، لتسارعها وكثرتها ، غير محتملة وغير مصدقة ، لأننا لم نكن نتوقعها ولأننا ربينا على نقيضها .
في الأمثال مثل نصه " عش رجبا تر عجبا "
٣٠ / ٩ / ٢٠٢١
١٤
في وداع الكاتب محمد الأسعد : " أطفال الندى " واسترجاع الطفولة زمن النكبة
( مقالي الأحد ٣ تشرين الأول في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه )
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في الحادي والعشرين من أيلول توفي في الكويت الشاعر والروائي والناقد والمترجم الفلسطيني محمد الأسعد ابن قرية أم الزينات التي ولد فيها وهاجر منها في عام الخروج الكبير ١٩٤٨ وكتب عنه بعد أربعة عقود كتابه " أطفال الندى " (١٩٩٠ ) الذي عده رواية ، مع أنه يقارب المائة صفحة من الحجم الصغير ويبدو أقرب إلى السيرة الذاتية لفترة من حياة كاتبه هي فترة الخروج وإن عرج على وصف مشاعره في زمن الكتابة والنشر ١٩٩٠ .
ما يجب أن يقال هو أن المرء يقرأ هذا العمل بمتعة ممزوجة بمشاعر من الحزن والحسرة ؛ الحسرة على خسارتنا بلادنا وإقامتنا في المنافي نعاني من الغربة وعدم الشعور بالاستقرار والأمان ونشعر بالحنين إلى ما هو أكثر من الفردوس ؛ الحنين إلى الفردوس المفقود ، وهذا النوع من الحنين لخصه الشاعر التركي ناظم حكمت بسطر اقتبسه منه محمود درويش هو " أدخلوا الشاعر إلى الجنة ، فصاح يا وطني " ( محاولة رقم ٧ / ١٩٧٤ ) .
" أطفال الندى " في كتابته عن التهجير ليس استثنائيا في الأدب الفلسطيني ، فهناك أعمال كثيرة استرجعت لحظة الخروج ، عدا أعمال عالمية وعربية ؛ سابقة ولاحقة له ، مثل " الطريق إلى بئر سبع "( ١٩٦٣) ل ( اثيل مانين ) و " وأولاد الغيتو " (٢٠١٦ ) لالياس خوري و " وداعا يا زكرين " (٢٠١٦) لرشاد أبو شاور و " بحيرة وراء الريح " (١٩٩١) ليحيى يخلف و" كتاب الابن : سيرة الطرد والمكان " ( ١٩٩٧ ) لمحمد القيسي و" هنا .. هناك "( ١٩٩٧) لأحمد دحبور ، وبعض قصص غسان كنفاني القصيرة المبكرة في خمسينيات القرن ٢٠ التي أتى فيها على خروج عائلته ، وهناك كتاب آخرون طبعا .
ما سبق يدفع إلى الربط بين خمسة أسماء هي محمد الأسعد (١٩٤٤) ومحمد القيسي (١٩٤٥) ورشاد أبو شاور ( ١٩٤٢) ويحيى يخلف (١٩٤٤) وأحمد دحبور (١٩٤٦) ، وجميعهم ولد قبل العام ١٩٤٨ ، ولم يكن أكبرهم يتجاوز السادسة ، فمروا بتجربة التهجير والترحيل التي علق قليلها بذاكرتهم وعززه قص الأهل عنها ، وبالتحديد قص الأم باستثناء رشاد الذي فقد أمه فناب أبوه في السرد عنها ، فتشكلت لديهم صورة عن قراهم ومدنهم ( أم الزينات / الأسعد وكفر عانة / القيسي وزكرين / أبو شاور وسمخ / يخلف وحيفا / دحبور ) .
بعد أربعة عقود وأكثر استحضر الكتاب في كتاباتهم الصورة ، والطريف أن أكثرهم في كتاباته الأولى قلما كتب عن البلاد ، إلا إذا كان زارها بتصريح ، مثل محمد القيسي فكتب ديوانه " الحداد يليق بحيفا " (١٩٧٥) .
في " أطفال الندى " يكرر الأسعد عبارة " تحدثني أمي " ( ٩) و " تقول أمي "( ٧١ ) و تقول " (٨٠) و " وتقول أمي " (٨٤ /٨٩) و " يقول خالي "(٧٦) " ولكنني أتوقف أمام أمي وحسرتها الدائمة ، هي التي تعرفني على الطرق التي جئت منها والمنافذ التي تسربت خلالها وأنا في حالة الندى " (١١٤) " أمي هي التي وضعتني في حالة الندى ، وسواء كانت تعرف أم لا فإن ذبذبات صوتها والأسماء الغريبة التي تكررها وكأنها تحدث نفسها ، تضعني خارج الأشياء " ، ويكتب أيضا عما بقي عالقا في ذاكرته .
ما سبق يعني أن الأسعد والكتاب المذكورين اعتمدوا في كتابتهم على ذاكرة الذين عاشوا تجربة الخروج وكانوا واعين لها ملمين بأدق تفاصيلها ، وهذا بالتأكيد يعطي لكتاباتهم قيمة ، عدا أن الكتاب أنفسهم ؛ الريفيين منهم وأبناء المدينة ، أقاموا في مخيمات اللجوء التي هي الوجه الحقيقي لتجسيد النكبة وفقدان المكان .
يكتب الأسعد في الصفحة ١٠٥ ملاحظة غاية في الأهمية :
" لو كان لي أن أكتب هذه الرواية قبل سنوات ، لاستطعت استقصاء الطرق بصورة أفضل ، ولربما حفظت أسماء تغيب عن ذهني الآن ، وأماكن لا أجدها واضحة حتى في الرواية الأصلية نفسها . فما يقال الآن ، يقال باختصار شديد .... " وكان كتب ما كتب بعد أربعة عقود حيث صارت المسافة بين الزمن الروائي والزمن الكتابي كبيرة ، ولو كان كتب في بداية سبعينيات القرن العشرين لكانت المسافة صغيرة ولربما حضرت التفاصيل التي يركز الكاتب على أهميتها :
" فوادي عارة لا تذكر تفاصيله عادة ، وإن كان القرويون من مختلف قرى حيفا قد مروا به . أما هذه الدالية التي تتكرر في الرواية فقد ارتبطت بذهني بأناس غامضين تسميهم أمي الدروز ، وتتهمهم بالتواطؤ مع اليهود ، رغم أن بعضهم كان صديقا لخالي المسلح دائمآ ، إلا أن نياتهم غامضة ، ولا أدري كيف يمكن أن تكون وضعيتهم في الرواية فهم لا يحضرون إلا عرضا وكأن الرواية أسقطتهم بعد أن سقطوا من هذا الحدث التاريخي فما عادوا فيه إلا مجرد متفرجين . ( ١٠٥ ) ولا يعني ما سبق أن الأم فقط هي التي كانت تروي ، فالأب أيضا يروي ولكن ما رواه قياسا إلى ما روته الأم كان قليلا ، ولعل النظر في مقدار رواية كل منهما يستحق الوقوف أمامه ، ويستحق أيضا معرفة السبب الذي جعل الأم تروي ، علما بأن المجال الخارجي في الأسرة الفلسطينية هو من نصيب الرجل لا المرأة التي يكون فضاؤها هو البيت بالدرجة الأولى ، وإن خرجت من فضاء البيت فإلى الحقل .
أقام أبو شاور في مخيم الدهيشة / بيت لحم ثم في مخيم النويعمة / اريحا وكتب عن المخيمين في " ليالي الحب والبوم " وإن استحضر في " وداعا يا زكرين " تفاصيل عالم القرية . لقد عاش رشاد في زكرين ست سنوات وكتب في روايته تفاصيل دقيقة عن عالمها ؛ ناسها ومقاوميها وشهداءها وحقولها وبيوتها وأمه وأخته والطاحونة وموت الأخت وموت الأم . وأقام القيسي في مخيم الجلزون / رام الله وكتب عن تجربته في " كتاب المكان ؛ سيرة الطرد واللجوء " ، وأقام الأسعد في مخيم لاجئين قرب البصرة وكتب عنه ، وأقام يخلف في مخيم اربد وكتب عنه في " بحيرة وراء الريح " و " ماء السماء " - إن لم تخني الذاكرة - وأقام دحبور في مخيم قرب حمص وكتب ما قصته أمه له عن حيفا .
في مقدمة الأعمال الشعرية الكاملة لدحبور وفي قصيدة " مسافر مقيم " وفي المقابلات التي أجريت معه أتى على ما كانت أمه تقصه عليه عن حيفا ، وأتى على زواج أخيه في المخيم . " أجمل الدنيا هناك " كانت أمه تقول له وهو يتذمر من ضيق الحياة في المخيم . حيفا هي الجنة ، هذا ما ظل عالقا في ذهنه وكتبه في مقدمة طبعة أعماله الكاملة الأولى حتى زارها بعد عودته في ١٩٩٥ . إن القص عن حيفا في كتابات دحبور يكاد يقتصر على الأم ، وأما الأب فكان مهموما بالبحث عن لقمة العيش ولم تكن علاقة أحمد به مثل علاقته مع أمه ، وهذا ما توقفت أمامه مطولا في كتابي " أحمد دحبور ... مجنون حيفا " ( ٢٠١٨) .
" كنت أعيش على حكايات أمي ... أية مخيلة هائلة كانت لهذه المرأة الأمية ؟ ... وكنت أراها بأم عيني ، تنشر البحر الذي جلبته لي خصيصا من حيفا ، فأسبح فيه وأغتسل ... وحيفا هذه ليست مدينة ، إنها الجنة ، ومن لا يصدق فليسأل أمي ، وهي ستروي كيف أن جبل الكرمل في حيفا يمشي كل سنة سبعة أمتار ... " ( ص ٢٢ / الأعمال الكاملة ، دار العودة ١٩٨٣ ) .
رشاد ابوشاور كتب عن زكرين ويافا التي زارها أبوه قبل ١٩٤٨ مرارا والتقى فيها بأحد الشيوعيين الذي ترك أثرا عليه . إن ما كتبه عن يافا ، عدا رؤيتها طفلا بصحبة أبيه ، اعتمد بالدرجة الأولى على قص الأب وذاكرته ، ولست متأكدا من أنه زارها بعد اتفاق أوسلو فاختلط كلام أبيه بما رأى شخصيا .
ببساطة إن كتابة هؤلاء الكتاب الخمسة عن مدنهم وقراهم تعد ذات قيمة خاصة . إنها كتابة كتاب المنفى عن فلسطين من خلال ما بقي عالقا في الذاكرة ؛ ذاكرة طفولة الكتاب وذاكرة الأمهات والآباء ، والموضوع يستحق حفرا أكثر .
الخميس والجمعة والسبت
٣٠ أيلول و ١و٢ تشرين الأول ٢٠٢١
١٥
فاروق وادي ونجيب محفوظ ورحلة البحث عن الأب :
تذكرت وأنا أقرأ الصفحات التي ترويها ياسمين عن حياتها وعلاقتها بأمها وبحثها عن أبيها رواية " الطريق " لنجيب محفوظ وما كتبه عن بطلها الناقد السوري جورج طرابيشي في كتابه " الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية " .
هل تتذكرون صابر الرحيمي في " الطريق " ورحلة البحث عن الأب ؟
هل هناك أب فلسطيني يبحث عنه الفلسطينيون في رحلتهم الطويلة التي شعروا فيها أنهم يفتقدون الأب باعتباره مدافعا عنهم ؟
في " مديح الظل العالي " كتب محمود درويش :
" عبثا تحاول يا أبي ملكا ومملكة
فسر للجلجلة "
وكان في القصيدة نفسها كتب :
" ولدت قرب البحر من أم فلسطينية وأب
أرامي . من أم فلسطينية وأب مؤابي . ومن أم فلسطينية
وأب أشوري .ومن أم فلسطينية وأب عروبي . ومن أم ،
ومن أم .. "
وكان في بداياته الشعرية وهو في فلسطين كتب :
" يا أبي : هل أنت أبي؟
أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر " .
تبدأ ياسمين في رواية " سوداد: هاوية الغزالة " رحلة البحث عن أبيها الفلسطيني الذي تخلى عنها ، مثلها مثل صابر الرحيمي ، وفي النهاية مات أبوها وحيدا ومتروكا ووحيدا في مدينة رام الله .
الأب في بعض روايات محفوظ رمز لله ، وفي قصيدة درويش متعدد وهو غزاة الأرض الفلسطينية والأب الأخير كان الأب العروبي ولم يحم الفلسطينيين ، فقد تخلى العرب عن الفلسطينيين وعقد الشاعر أمله على الأب الفلسطيني ، والأب الفلسطيني في رواية وادي تخلى عن ابنته لانتهازيته .
تستحق فكرة الأب والبحث عنه في الأدب الفلسطيني الوقوف عندها .
٣٠ أيلول ٢٠٢٢ .
١٦
يوميات غزة ولبنان (٣٦٠ ) :
( بن غفير ) يوزع الحلوى ابتهاجا
لفت نظري أمس شريط فيديو أدرجه إسرائيلي ، وفي الشريط ، وهو ل ( ابن غفير ) ، يظهر فيه يوزع البقلاوة على وزراء حزبه ابتهاجا باغتيال السيد حسن نصرالله ، عادا ذلك إنجازا وانتصارا . هل تعلم الإسرائيليون هذه العادة من الفلسطينيين ؟
في رواية إلياس خوري " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) يورد عبارة " صاروا مثلنا " . لقد صاروا يقلدوننا ، وغير مرة كتبت عن أغنية الدحية الفلسطينية بالعبرية . لقد أخذوا في أفراحهم يرددونها ، كما صار بعض أهل الخليل في أعراسهم يستدعون مطربين يغنون " لاما لو " العبرية .
الصورة التي ظهرت لرئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) ، كما رسمها الذكاء الاصطناعي ، تبدو لافتة . كما لو أنه تمثال مصنوع من البرونز . بنيامين رجل تظهر عليه الجدية يكشر ليخاف الآخرون منه ويبدو ضخم الجثة ذا عضلات بارزة يمكن أن يقضي على عشرة دفعة واحدة يرتدي لباس الجيش الإسرائيلي أخضر اللون مزنر بالقنابل . يبدو حقا رجلا حديديا . هل هو شمشون الإسرائيلي المعاصر ولكن قوته لا تكمن في شعره ، بل بتزنره بالسلاح ؟ هل هو اليهودي الصهيوني في رواية الكاتب الصهيوني غير اليهودي ( ليون أوريس ) " اكسودس " الذي يتغلب بسوطه على قرية عربية ؟
ليست الصورة وحسب هي ما لفت نظري . أيضا التعليقات التي قرأتها مترجمة ترجمة آلية . لقد رأى فيه الإسرائيليون السوبرمان المنقذ . إنه البطل . وأحد المعلقين قال إنه لم ينتخبه من قبل ، ولكنه سينتخبه في الانتخابات القادمة . معلقون آخرون كتبوا أن إسرائيل من خلال حكمه ستبقى قوية لثلاثة أربعة عقود .
شعور بالزهو سيطر على الإسرائيليين بعد اغتيال السيد شبهه قسم من المتابعين بالزهو الذي طغى على الإسرائيليين عقب انتصارهم في حرب حزيران ١٩٦٧ ، والإسرائيلي الوحيد الذي قرأت له رأيا آخر نشره في صحيفة ( هآرتس ) الإسرائيلية هو الكاتب ( جدعون ليفي ) وقد أدرجت الشاعرة Siham-Haifa Daoud على صفحتها ما كتبه ( ليفي ) .
أمس كتب عن خليفة السيد المحتمل وبثت أشرطة فيديو يتحدث فيها أحد معارفه عن صفاته واختلافه عن سلفه . إن كان ما قاله المتحدث صحيحا فمعنى ذلك أن صواريخ حزب الله - إن بقيت سليمة ، خلافا للرواية الإسرائيلية - ستصل إلى حيفا وما بعد بعد حيفا .
الصورة قاتمة كئيبة غير واضحة ويبدو أنها ستقرر مصير المنطقة وتغير ملامحها و " أكثر من هالقرد ما سخط الله " ، علما وبناء على ما ألم بأهل غزة الذين كرروا ، قبل الحرب ، المثل مثلنا ، يمكن أن يسخط الله أكثر وأكثر وهو على كل شيء قدير .
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٤ .
١٧
غزة 725 :
الحنين إلى حديقة المنزل
منذ شهور وأنا أفكر في الكتابة عن حنين الغزازوة ، ممن يملكون في بيوتهم حديقة ، إلى الحديقة . وكلما جلست ، في أيام الصيف الحارة ، في حديقة منزلي ، تذكرت من أهل غزة من فقد حدبقته وحنينه إليها ، وأتذكر أنني في بداية طوفان الأقصى كتبت ثماني حلقات تحت عنوان " في غزة لي أصدقاء وذكريات " أتيت فيها على حديقة بيت أبو لطفي رزق ، في حي الرمال ، حيث أقمت في البيت أياما لحضور حفل زفاف ابنة عمي .
أمس قرأت نصا نثريا للكاتبة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عنوانه "#الخيمة ... وطن مؤقت " أتت فيه على نزوحاتها العديدة وبدأته بالآتي :
" لم أكن أتخيل يوما أن أعد مرات نزوحي كما أعد سنوات عمري . لكنها الحقيقة القاسية : أنا الآن نازحة للمرة السادسة " .
وفي نصها أتت غير مرة على حديقة منزلها وحنينها إليها . وتنهي الكاتبة نصها بالفقرة الآتية :
" لكن يبقى السؤال الأكبر معلقا بلا جواب : إلى متى سأبقى من نزوح قسري إلى آخر ؟ وإلى متى سأظل أشتاق لمنزلي ولفنجان قهوة في حديقة بيت لاهيا ، حيث شعرت بأمان لأول مرة ؟ " .
وعندما أدرجت مع كتابتها صورة اختارت صورة خيمتها إلى جانب شجرة زيتون .
وليست كاتبة النص الوحيدة التي كتبت عن حنينها إلى الحديقة .
أمس واصل الجيش الإسرائيلي قصفه أحياء مدينة غزة ، وأمس ارتقى شهداء بالعشرات أيضا كما في كل يوم ، وأمس كان صيد الآليات الإسرائيلية وفيرا .
الله المستعان والحالة تعبانة على الرغم من مقترحات الرئيس الأمريكي ( ترامب ) لوقف الحرب والتبشير بذلك .
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
١٨
أحمد رفيق عوض : " دابة الأرض " 4
السلطان من لا يعرف السلطان
ما إن انتهيت من قراءة الرواية حتى كررت المقولة " السلطان من لا يعرف السلطان " وحمدت الله أنني أعيش في الهامش بعيدا عن السلطة وأذرعتها ، علما بأن كتابتي هي ما يسبب لي خصومات عديدة تدفع بالآخرين إلى اتهامي اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان .
في صفحة ٢٧٤ نقرأ الفقرة الآتية :
" جلس إلى المكتب ببطء ، ألقى بظهره إلى الوراء . لم يشعر ولا مرة بأثر هذا الكرسي إلى هذا الحد . السحر والقوة والنفوذ والزهو والحضور ، ولكن أين الفرح والثقة والاعتداد بالنفس ؟ أين الحماسة والتدفق في القلب ؟ ثم أين ذلك الشعور العالي بالاقتحام والتقدم ؟ الآن استعيد منصبي ومكتبي واسمي ، ولكن لماذا لا أشعر بالسعادة ؟"
والتساؤلات يوردها السارد على لسان الناجي الشخصية الرئيسة في الرواية . والناجي الأزعر في مخيم اليرموك الذي عاد مع والده ، حين عاد الوالد إثر اتفاق أوسلو إلى الضفة الغربية واستلم منصبا في السلطة ، الناجي الذي غدا مسؤولا كبيرا فاعلا تسوء أحواله إثر مكائد وحيل نصبها له الآخرون ويجرد من صلاحياته ويزج به في السجن ؛ ولأنه كان أيضا يملك ملفات فساد لمن كاد له وأوقع به ، يساوم من هؤلاء ويتم الإفراج عنه ويعود إلى مكتبه من جديد .
في لحظات التخلي عنه وسجنه يتخلى عنه المقربون منه ويتعالون عليه ويعاملونه بازدراء . تتخلى عنه زوجته الثانية ويتخلى عنه أخوها وليد الذي كان مرافقا مطيعا له ويبتعد عنه آخرون ويجد نفسه في السجن ، وامعانا في إذلاله يوضع معه في غرفة السجن طليق زوجته الثانية ، إذ خلال معاناته طلبت منه زوجته الثانية الطلاق وتزوجت ثانية من عاطف المريض نفسيا لتطلب منه الطلاق وتناله .
الأسئلة المثارة في الفقرة المقتبسة ، على لسان الناجي ، تظهر الفارق بين ما كان عليه قبل تجريده من صلاحياته وسجنه وما صار إليه بعد خروجه من السجن ومساومته .
لقد لاحظ الناجي كيف يعامله الناس وهو قوي وكيف أخذوا يعاملونه بعد فقدانه الكرسي مركز القوة .
الكرسي أحيانا يغري ؛ لأنه يمنح من يجلس عليه قيمة وأهمية سرعان ما تسلبان منه إن سحب منه ، وربما لهذا يتمسك الحكام والمسؤولون العرب به ؛ لأنهم دونه سيعيشون نكرات لا يلتفت إليهم .
السلطان من لا يعرف السلطان وليحي الهامش !
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
استغفال :
اليوم استغفلت من جهة ما . سرقت . سرق مني سبعة شواكل . هل لشركة الاتصالات دور في هذا؟
المهم أنني سرقت .امرأة ما اتصلت على جوالي الجديد مرتين وحين أردت ان أعرف من المتصل فسألتني إن كنت انأ خضر ثم اعتذرت وتأسفت.لم تدم المكالمة سوى دقيقة واحدة فإذا بشركة الاتصالات تخصم سبعة شواكل .
هل كنت أتكلم مع واحدة منهن ؟ .. هن.. هن . دقيقة اتصال ب7شواكل .
ماذا جرى يا شركة الاتصالات .افهميني .
هل أنا غافل مغفل .
ارفع رأسك فأنت فلسطيني.
حنطلة...
٢٠١٣
٢
ماذا في ذهنك هذا الصباح ؟
بقايا الانفلوانزا الحادة هو ما في ذهني .
منذ أيام والمرض يجعلني بلا تركيز .
هل من ضرورة للكتابة؟
أتذكر رواية "مريم الحكايا " لعلوية صبح ودعاء المومس فيها وهي في كبرها وقد استبد بها الضعف والفقر ؟ اللهم يوم فراق ويوم وداع ويوم فراق الروح .
ما قيمة الانسان مريضا؟
شخصية خالة الراوية في الرواية طريفة جدا فهي حين ترى مومسا مثلها وقد أفلت هي الأخرى ، فتتذكر أيام الثراء التي عاشتها مع القيادة في بغداد وتعقب على ما وصلت اليه زميلتها " مال النيك...مصيره هيك " .
نحن نقول : " المال اللي بتجيبه الريح بتاخده الزوابع ". أما خالة الراوية فتقول مثلا طريفا لم أعد احفظه . لعله " مال الن..بذهب هيك " .
صباح الخير يا مظفر النواب ولا بد من إعادة قراءة الصيغ الثلاث لقصيدتك " في الحانة القديمة" .
٢٠١٢
٣
من أشكال السخرية :
قولك للأحيمق يا حليم
( كقولي للاحيمق يا حليم )
والسخرية هي أن تقول شيئا وتقصد عكسه .
ترى كيف نقرأ قصيدة المتنبي :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا .
٢٠١٢
٤
اليوم تذكرت محمود درويش لاجئا في وطنه :
وانا في مكتبي في الجامعة ، وراسي يتصدع من صوت المقدح يقدح ، زارتني طالبتان وأخبرتاني أنني أدرسهما مساق مناهج النقد الأدبي . سألتهما عن البلد الذي تقيمان فيه ، فأخبرتني إحداهما أنها من قرية من قرى نابلس ، وأن أمها من المدينة .
الكلام يجر الكلام ، والفتاة الخجولة الوديعة بدات تقص لي عن الحياة في قريتها ؛ عن الناس وعاداتهم وتقاليدهم و ..و ...
- ما الذي فتح السيرة ؟
لم أعد أذكر ، غير أن الفتاة التي أمها مدنية تشعر في القرية بالغربة ، مع أن أباها ريفي .
الفتاة قالت لي : حتى في القرية نفسها يميزون بين ابن قرية أصلي ووافد عليها ، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك ، إذ شرحت لي أن هناك مقبرتين في القرية ، واحدة لأبناء القرية والثانية يقال لها مقبرة الغرباء ، وغالبا ما يتم الدفن على أساس الأصيل والطاريء ، لكن هذا لا يمنع أحيانا من أن يدفن الطاريء في مقبرة الأصيل أو الأصيل في مقبرة الغرباء .
قلت للطالبة :
- أيعقل هذا؟فاجابت :
- نعم ، هذا يحدث .
سأخبرها بقصة محمود درويش وهو في الصف الأول الابتدائي أو الثاني أو الثالث ، حيث عاد مع أهله من لبنان متسللا ، وأقاموا في قرية قريبة من قرية البروة المدمرة في 1948 .
كم كتب الشاعر أنه كان ينظر إليه وإلى أهله على أنهم لاجئون في وطنهم . وكل من تابع مسلسل في حضرة الغياب يتذكر غيرة الطالبة منه ، لأنه حصل على علامات أعلى منها :
ذ- انت لاجيء .
هل تذكرت مظفر النواب ؟
بالتأكيد ، فأنا أحفظ بعض أشعاره ، ولا أنسى مقطعه :
" هنا دفنت طفلة آخر الأمر
يا أرض غزة فاسترجعيها
لئلا مقابرهم تستفز "
لكن ذلك كان في ظاهر الشام ، وكان يقال لنا غرباء .
الكلام ذو شجون ، والطالبة الخجولة غادرت ، وأنا دونت الفكرة ، وقلت لها :
- ساكتب الحوار الذي جرى بعضه ، و ..و ..
خربشات ، إن هي إلا خربشات
٢٠١٤
٥
جميل السلحوت :
" هوان النعيم " 2012
تسيبوري / عصفورة وأبو سالم والإسقاط من خلال أفلام الجنس :
وأنا أكتب عن رواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " 2015 أشرت إلى خطورة الرواية ﻷنها تعالج موضوعا قلما عالجته الرواية الفلسطينية بهذا القدر كما عالجته رواية شاهين .
الكاتب جميل السلحوت لفت نظري إلى روايته " هوان النعيم " 2012 .
إن فكرة تسخير الفتيات اليهوديات من الحركة الصهيونية لخدمة أهداف الحركة فكرة تعود جذورها إلى ما قبل العام 1948 . وسيستمر الكتاب في التركيز على الفكرة بعد العام 1948 كما في روايتي ناصر الدين النشاشيبي " حبات البرتقال " 1964 و " حفنة رمال " 1962
ما رأيته جديدا في رواية شاهين كتابته عن إسقاط العملاء الفلسطينيين لفتيات ونساء عربيات يسخر العميل صورهن ليصبحن مخبرات وساقطات مسقطات . وبكم كبير . إنها شبكات من العملاء سقطوا بعد خداعهم/ن من عميل ساقط .
رواية جميل السلحوت " هوان النعيم " تأتي على إسقاط العربي الفلسطيني أبو سالم من خلال استدراج ضابط المخابرات اليهودي ( نمرود ) له إلى تل أبيب لتغويه تسيبورا /عصفورة وتنام معه بعد أن أسكرته ، وتصوره وتأخذ صوره إلى نمرود الذي يطلب منه التعاون معه وإلا شهر به من خلال صوره . وينجح نمرود في ابتزاز ابن العشيرة ويحوله إلى مخبر .
اليهود يحتقرون العرب ، كما تقول روح الرواية ، ويرون فيهم بهائم ، ومع هذا تنام تسيبورة مع أبو سالم ، رغم أنها تتعالى عليه وترى فيه عربيا قذرا . ولا تختلف نظرة نمرود ﻷبو سالم . أبو سالم كلب حقير في نظر تسيبورة ونمرود . إنه مخبر بأجر ليس أكثر .
أعتقد أن اﻷفكار في كثير من الروايات متكررة ، ولا عجب في اﻷمر ، فاﻷسلوب القديم يتجدد .
الزمن الكتابي لرواية جميل 2012 أما الزمن الروائي فيعود إلى اﻷعوام 1966.- 1968 . والسؤال هو :
- لماذا لم يكتب جميل روايته هذه ورواية أميرة أيضا في 80 ق 20 ، وكان يومها يمارس الكتابة .
لرواية جميل هذه ولروايته أميرة ، كما لرواية حسام شاهين ، قيمة اجتماعية وأما القيمة الجمالية الفنية فعادية . ربما يدرك زياد خداش لماذا أركز على الجانب الاجتماعي في نقدي . وهناك أسباب أخرى .
30 / 9 / 2015
٦
لماذا نكتب ؟
وما علاقة الكتابة بالحياة ؟ :
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب أن يراجع المرء مسيرته الكتابية منذ بدأ يكتب .
ثمة مراحل مر بها الكاتب ، أي كاتب ، وكان سؤال :
- لماذا أكتب يراوده .
يكتب المرء في بداية حياته مدفوعا بهاجس التعبير عن شيء ما يلح عليه . يكتب ربما بهاجس الظهور ، ولكن الأمور تبدأ تتغير وتتخذ منحى آخر .
في ٧٠ ق٢٠ وجدت نفسي أعيش في مجتمع يعاني من مشاكل كان لا بد من إبداء رأي فيها . و وجدت نفسي أتجادل مع آخرين لهم وجهات نظر مغايرة . بدأ وعيي يختلف وبدأ تفكيري يختلف .
في اقترابي من اليسار وطروحاته بدأت أكتب لإصلاح هذا العالم أو لأشارك في إصلاحه . وكان لأشعار شعراء المقاومة تأثير كبير في هذا . و وجدت نفسي أسير في طريقهم . كانوا يكتبون لتغيير واقعهم . وكانت الكلمة من وجهة نظرهم مصباحا منيرا يعبرون من خلالها عن أحزان أمة .
وأنا أقرأ كتاب صلاح عبد الصبور " حياتي في الشعر " توقفت مطولا أمام رأيه في الفيلسوف والنبي والشاعر . إن مهمة هؤلاء إصلاح العالم وكان عبد الصبور يكتب مدفوعا بشهوة إصلاح العالم . لكنه مات ولم يصلح شيئا ، بل ازداد العالم فسادا .
في تتبع قضية الكتابة ودافعها لدى محمود درويش لاحظت أن هذا السؤال أرقه في مراحل حياته الشعرية . وقد أنجزت دراسة في الموضوع ولاحظت اختلاف رأيه في هاجس الكتابة ودافعها وأهميتها في تغيير العالم وعلاقتها بالواقع ، وأن اليقين الذي لازمه في بداية حياته تحول إلى شك ، فعودة إلى يقين فشك .
من :
الكلمات المصباح ، إلى :
ما جدوى الكتابة ؟ إلى :
لم يكن الشعر بريئا .
إنني أكتب ، الآن ، لأنه لا بديل لي عن الكتابة . هناك أكثر من دافع ، وتجمعت كلها معا :
مواجهة الحياة .
أنا مواطن محتلة أرضه ويجب أن أروي حكايتي ، وأنا أعيش في مجتمع فيه من الفساد والتخلف ما فيه ، وأنا أكاديمي يعيش في بيئة أكاديمية فيها من الفساد والبؤس ما فيها ولا بد من إبداء رأي في هذا كله . أأقول إنني مثقف عضوي ؟ أم آخذ برأي ادوارد سعيد حول المثقف الذي لا بد من أن يكون له رأي فيما يجري ولا بد من أن يعلنه ؟
الأمر ليس بهذه السهولة .
٧
موتيفات وأفكار في الأدب
سؤال الهوية في الرواية العربية:
بقلم :
عادل الاسطة
قبل الحديث عن سؤال الهوية في الرواية العربية لا بد من الخوض في هوية الرواية العربية ، فماذا نعني بالرواية العربية؟
هل الرواية العربية هي النتاج الذي صدر باللغة العربية ،في العالم العربي ، من محيطه إلى خليجه ؟
هل هي الرواية التي كتبها روائيون عرب في العالم العربي ؟
في تحديد هوية أدب ما يعتمد الدارسون على معايير عديدة منها معيار اللغة ومعيار المكان ، ومعيار الهوية السياسية والمعيار الديني والفكري .
إذا قصرنا الموضوع على اللغة فإن إشكالين ، وربما أكثر ، سيقفان أمامنا ؛ الأول : وماذا عن الروائيين العرب الذين يقيمون في أماكن شتى من هذه المعمورة ، ويكتبون بلغات أخرى غير العربية ، كالفرنسية والانجليزية والألمانية والإسبانية ؟ بل وماذا سيكون موقفنا من روائيين عرب فلسطينيين أخذوا يكتبون بالعبرية ؟
والثاني : ماذا عن أجانب ليسوا من أصول عربية يكتبون بالعربية ؟ وربما نذهب إلى إلى ما هو أبعد من ذلك فنتساءل عن أدباء ولدوا من زواج مختلط وأخذوا يكتبون بلغتين إحداهما العربية ؟
ما من أحد منا لا يعرف روائيين كتبوا بلغات أخرى غير العربية ، وخاضوا في موضوعات تمس عصب الحياة العربية وسؤال الهوية فيها . من أمين معلوف ورفيق شامي ، وجبرا ابراهيم جبرا من قبل ، وليس اننهاء بانطون شماس وغيره . فهل ندرج روايات هؤلاء ضمن الرواية العربية ؟
إن قلنا : نعم ، فأنا لست مؤهلا للخوض في الموضوع ، لأنني لا أجيد اللغات الأجنبية التي تعلمتها لأقرأ النصوص المكتوبة فيها بدقة متناهية لا توقعني في سوء القراءة ، ثم إنني لا أعرف الفرنسية والإسبانية و .. و .. ولا أظن أن هناك دارسا عربيا مؤهلا للحديث في الموضوع . هنا لا بد من فريق عمل ينجز كل دارس فيه بحثا يقتصر على اللغة أو اللغتين اللتين يتقنهما .
وإذا ما اعتمدنا معيار المكان وقصرنا الدراسة على الروائيين العرب الذين يقيمون في العالم العربي ، فإننا نجد أنفسنا في ورطة حين يثار السؤال التالي : وماذا عن الروائيين العرب الذين يقيمون في أماكن أخرى خارج العالم العربي ، وهم في العقود الأخيرة ، والحمد لله ، في تزايد مستمر ؟
سنان أنطون وإنعام كجه جي العراقيان ، وعبد الله مكسور السوري ، وربعي المدهون الفلسطيني ؟ هؤلاء من أصول عربية ، وقضوا شطرا من حياتهم في العالم العربي ، ثم أجبرتهم الظروف أن يرحلوا إلى الغرب ، وهناك كتبوا رواياتهم أكثرها ، بل إن قسما منهم حصل على جنسية البلد الجديد وأخذ يفخر بهذا ، والطريف أنه برواياته التي كتبها في الغرب وهو يحمل الجنسية الفرنسية أو البريطانية او .. حصل على جائزة الرواية العربية ، أو وصلت روايته إلى القائمة القصيرة للجائزة ؟
إن سؤال الهوية في روايتي أنعام كجه جي " الحفيدة الأميركية " ( ٢٠٠٩ ) و " طشاري " ( ٢٠١٣ ) حاضر حضورا لافتا ، فالفتاة زينة التي ولدت في العراق وهاجرت منه عادت إليه بزي الجيش الأميركي ، بل وبزي عسكري ، إذ عملت مترجمة للضباط الأميركيين . وفي " طشاري " يثار السؤال الآتي : من هو العراقي ؟ بخاصة بعد التحولات التي طرأت على المجتمع العراقي وفتتته إلى طوائف ، اضطر بعضها إلى مغادرة العراق والإقامة في دول غربية والحصول علي جنسيتها .
لم تكن د . وردية اسكندر في ٦٠ و ٧٠ ق٢٠ ، وحتى سقوط بغداد في ٢٠٠٣ تشعر بأنها مسيحية بالدرجة الأولى . كانت ترى نفسها عراقية وكانت تشارك العراقيين الأخرين أفراحهم وأتراحهم وتدخل إلى بيوتهم في المناسبات الدينية الخاصة بهذه الجماعة أو تلك ، وكانت هي بدورها تدعوهم الى بيتها . بل إنها كانت لا ترى في العرب القادمين إلى العراق غرباء ، ولقد عاشت مع هؤلاء حياة طبيعية عادية ، ثم اختلفت الأحوال بعد الغزو الأميركي ، فتقوقعت كل طائفة على نفسها ، وبدأت الطائفية تقوى وتتغول ، حتى وجدت د . وردية نفسها ، تغادر العراق إلى فرنسا وتستقبل هناك على أنها مسيحية لا عراقية .
لا أظن أن ما سبق هو ما خطر بذهن منظمي مؤتمر السرد هذا ، ويخيل إلي أن ما خطر بأذهانهم هو سؤال آخر ، وربما أسئلة ، يدور على ألسنة الشخصيات الروائية حول انتمائها .
هل يمكن الكتابة عن رواية عربية في زمن القطريات ؟
غالبا ما أخذت الدراسات النقدية ، منذ عقود ، تدرس الأدب العربي اعتمادا على القطر الذي تنتمي اليه ، فهناك الآن كتابة عن رواية مصرية او رواية فلسطينية أو رواية أردنية أو رواية خليجية او رواية جزائرية ..... الخ ... الخ .
وغالبا ما يكتفي أصحاب هذه الدراسات بقصرها على أدبهم الوطني ، وغالبا ما ينسبون الروائي إلى بلده الذي يحمل هويته السياسية ، وربما ما يساعدهم على هذا التوجه أن الروائي يعالج في نصوصه قضاياه المحلية وهموم بلده . هل يمكن هنا الحديث عن رواية عربية ؟
إن المعيار اللغوي يتراجع لصالح المعيار السياسي ، والمشروع القومي الذي حاوله محمد علي ، وأراد جمال عبد الناصر مواصلته ، أخفق مع هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، ومع بداية الحديث عن الدولة الوطنية والقرار الوطني وسيادة شعارات مثل " نابلس أولا " ومن قبل م . ت . ف هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني .
ليس غريبا ، والحالة هذه ، أن يثار سؤال الهوية على أساس وطني/ قطري ، وكان الشاعر مظفر النواب هجا حزب البعث لأنه الحق بدال العربي دالا آخر يعبر عن قطرية الحزب :
" قالوا بالوحدة وأضافوا القطرية ذيلا قبليا " .
يتجسد هذا السؤال في روايات عربية عديدة ، تعد رواية الكاتب سعود السنعوسي " ساق البامبو " واحدة منها ، ولعلني أجد وقتا للحديث عنها .
وماذا عن أدباء يساريين ؟
منذ ٥٠ ق ٢٠ بدأ الأدب ذو التوجه الاشتراكي ، في العديد من البلدان العربية ، يبرز بروزا لافتا ، في لبنان وسورية ومصر والعراق وفلسطين ، وحفلت روايات عديدة بشخصيات رئيسة وثانوية تتبنى الأطروحات الماركسية وتدعو لها ، وهذه الشخصيات تنظر إلى الهوية من منظور مختلف يقوم على أساس الصراع الطبقي . إن الهوية الوطنية او القومية تتراجع ، ولو جزئيا ، لتحل محلها ، أو لتعلو عليها ، الهوية ذات البعد الأممي . يدعو الكاتب هنا ويناضل من أجل مجتمع إنساني بالدرجة الأولى ، حتى في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي يقوم أساسا بين قوميتين على الأرض قرأنا نصوصا لأدباء ذهبوا إلى أن الصراع في عمقه هو صراع طبقي ، ويمكن هنا الإشارة إلى بعض روايات أفنان القاسم " المسار " وسميح القاسم " إلى الجحيم أيها الليلك ".
هل نتحدث هنا عن هوية عربية او فلسطينية ؟
الأدب الاسلامي : هوية عربية أم وطنية أم إسلامية ؟
مع بداية ثورة الخميني بدأ المد الاسلامي . وربما قبل ذلك بقليل .
ومع بروز حماس وميل صدام إلى التدين حين أغلق الخمارات وكتب على العلم عبارة " لا إلاه إلا الله " بدأ هذا المد يزداد ويقوى .
إن متابع بعض كتب النقد الأدبي الصادرة مع بدايات ٩٠ ق ٢٠ سيلحظ بروز مصطلح " الأدب الإسلامي " بل ويقرأ عناوين كتب عن المناهج النقدية الحديثة من وجهة نظر إسلامية . هذا يعني الحديث عن هوية إسلامية للأدب المكتوب باللغة العربية . هل تتقدم الهوية الدينية على الهوية القومية .
في الرواية العربية ستكتب روايات ذات توجه إسلامي من أدباء توجههم إسلامي ، وهم يكتبون بالعربية ، مثل وليد الهودلي من فلسطين وأيمن العتوم من الأردن .
هنا سأتوقف أمام نماذج روائية عربية تساءلت بعض شخصياتها عن هويتها .
.
- سؤال الهوية في نماذج روائية :
غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ )
" الإنسان في نهاية الأمر قضية " يقول سعيد . س بعد أن التقى بابنه خلدون ( دوف ) وتجادل معه وطلب منه أن يعود إليه ، فآثر الابن أن يظل مع والديه اللذين ربياه ، ورفض منطق الأبوين اللذين تخليا عنه .
هل كان لرواية " عائد إلى حيفا " تأثير في رواية إميل حبيبي " المتشائل " ؟
إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ... " ( ١٩٧٤ )
لا يختلف سعيد المتشائل عن سعيد . س حين يرفض كلاهما أن يلتحق ولاء وخالد بالمقاومة ، ثم يتوصلان إلى رأي مغاير ، بحكم التجربة . فبعد حوار سعيد . س مع خلدون يتمنى الأب أن يلتحق ابنه الثاني بالمقاومة ، وحين يسجن المتشائل ويلتقي ، في السجن ، بالفدائي سعيد ، يشعر أنه كبش ومقيم ، ويحتار في هويته .
إن سؤال الهوية في " المتشائل " سؤال مركزي ومحوري .. يعرف الفدائي على نفسه : " فدائي و لاجيء " ويسأل : " وأنت ؟ " فيجيب المتشائل : " فتحيرت في هويتي كيف انتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن ، ويتكلم حتى لا يئن . هل أقول له إنني كبش ومقيم ؟ أم أقول له إنني دخلت إلى بلاطكم زحفا ؟ " - أي السجن . ( ص١٧٢ من طبعة حيفا ، ١٩٨٥ ) .
هل سعيد المتشائل فلسطيني أم إسرائيلي ، هو المتعاون مع سلطات الاحتلال ؟
ممدوح عدوان " أعدائي " ( ٢٠٠٠ )
سيكون سؤال الهوية في رواية ممدوح عدوان " أعدائي " ( ٢٠٠٠ ) سؤالا محوريا أيضا . والرواية التي يعود زمنها الروائي إلى الحرب العالمية الأولى لا تخلو من اسقاطات معاصرة ، فقد أقر كاتبها في لقاء معه نشر في مجلة " الكرمل " ( عدد ٦٨ صيف ٢٠٠١ ) إنه حين كتب عن تجربة ابراهيم كان يسقط تجربته هو على بطله ، فلماذا لا يسقط بعض أسئلته على لسان بعض شخوص روايته ، فيما يخص الهوية ؟
لقد عالجت السؤال في رواية " أعدائي " معالجة مفصلة في كتابي " اليهود في الرواية العربية " ( ٢٠١٢ ، ص٥٧ وما بعدها ) ، ويمكن أن يتوقف المرء أمام فقرتين دالتين في ص ٣٤٠ ، ٤٨٠ ، فالعرب عربان والمسلمون قسمان وأكثر ، وهؤلاء كلهم في حالة حرب مع بعضهم .
" لم يبق أمامنا إلا أن نفكر بأننا عرب يجب أن نحمي هذه الأرض من الإنكليز واليهود والأتراك . والله العظيم نحس أننا دائخون لا نفهم ما يجري . يا ليتها كانت حربا صليبية . كنا فهمناها . مسيحيون ضد إسلام . اوروبيون ضد مشرقيين . كانت سهلة . ولكن مسلمون وانكليز وفرنسيون يهاجموننا ومسلمون وألمان يدافعون عنا . عرب في الجيش الانكليزي وفي جيش الشريف يهاجموننا . وعرب في الجيش العثماني يقاومونهم . خليفة المسلمين في اسطمبول يعلن الجهاد المقدس باسم الإسلام . والشريف حسين سليل الرسول ، يعلن الجهاد ضد العثمانيين الكفرة . حتى اليهود لم نعد نستطيع ان نفهمهم . يهود يتبرعون للجيش العثماني ويدعون إلى التطوع فيه ويهود يتجسسون لصالح الإنكليز ضد العثمانيين ....... " ( ص ٣٤٠ ) .
ويكتب عدوان عن التباس هويات حين يأتي على الختان و مواعين الزلم .
" تصور أن كل إنسان تصير هويته في مواعينه . طيب . شلنا من الضحك . هذه وحدها ألا تستحق مني أن أظل متشبثا بك ؟ ليس لكي أوصلك إلى حبل المشنقة فقط ، بل أن امشي بك بعد هذا الشنق لأضمن بيدي دخولك إلى جهنم . تقول لي إن المسلمين نزعوا الطبخة عليكم لأنهم يختنون مثلكم ، وبالتالي قد يغلط الأجداد . وما الحل ؟ إما أن يظل اليهود معزولين في الغيتو ، إذا ظلوا ضعفاء ، فيضمنون عدم اختلاطهم بغيرهم ، ويزداد الغيتو انغلاقا إذا كان داخل المجتمعات الإسلامية لأنه سيصير هناك التباس هويات من خلال تشابه مواعين الزلم . وإما أن يصير اليهود أقوياء فيقتلون كل مسلم في الدنيا . يعني على حسب خرافيتك هذه لا عدو لكم إلا نحن . طيب . قبلت . ولذلك ، أو بدون ذلك ، أنا أعتبرك عدوي وعدو شعبي وعدو ديني ثم عدو جنسي البشري كله ، الذي ترى نفسك أفضل منه . وترى أنك ستنقله من الهمجية إلى الحضارة. " ( ٤٨٠ ) .
إن حيرة بطله عارف هي حيرته هو ، ولو ظل على قيد الحياة وتابع ما يجري في سورية والعراق لغرق في الحيرة .
جبور الدويهي "شريد المنازل" (٢٠٠٩)
في رواية جبور الدويهي "شريد المنازل " ( ٢٠١٠ ) يعاني بطلها نظام العلمي الأمرين . الطفل المسلم الذي يتربى في أسرة مسيحية ، يوم كان المسلمون والمسيحيون سمنا على عسل ، يقع ضحية ولادته وتربيته والحرب الأهلية .
أيضا الختان له حضوره هنا . يعرف نظام أنه مسلم ، حين يقع بأيدي الكتائبيين ، من ماعونه ، علما بأنه يمتلك هوية مسيحية ، وحين تقع هذه الهوية التي يغدو فيها جوزيف صافي بأيدي القوات الوطنية يقتل عليها مع أنه مختون . وتبلغ المأساة قمتها حين لا يعترف به أخواه ويرفضان أن يشارك معهما في جنازة أبيه محمود العلمي . إن مأساة نظام مبكية حقا .
الرواية التي تأتي على تغيرات المجتمع اللبناني بسبب الحرب لا تغفل تمثيل تيارات سياسية هويتها لا تنبني على معايير دينية أو طائفية . إن خلية فرج الحلو الشيوعية لا تلتفت إلى الدين باعتباره معيارا يحدد الهوية ، فهي تضم أفرادا من طوائف دينية مختلفة ، بل إنها لا تكترث للمعيار القومي ، إذ يجتمع معها أساتذة جامعة قدموا من أميركا ، ورأوا في اجتماع أفراد هذه الخلية صورة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع اللبناني . يندمج نظام في أفراد هذه الخلية التي ضمت أيضا يهوديا لبنانيا ، ويعطي كل فرد من أفرادها مفتاحا لشقته ، غير مكترث إطلاقا للطائفة التي انحدر منها . إن هوية الإنسان هنا يحددها انتماؤه للفكر الذي ينتمي إليه وهو الفكر الماركسي الذي يرى في الصراع صراعا طبقيا بالدرجة الأولى، لا صراعا دينيا أو قوميا . وحتى اللبنانيون أنفسهم ليسوا كلا متجانسا ، فالرواية تأتي على الصراع بين فقراء طرابلس والأغنياء الذين يريدون احتكار صناعات ومهن .
سنان انطون " يا مريم "(٢٠١٢):
في روايته " يا مريم " يأتي سنان أنطون على الواقع العراقي ، ويستعرض فيها صور المجتمع العراقي من خلال النظر في البوم عائلة ؛ الملبس والأصدقاء ومآل أفراد العائلة ؛ من مات ومن عاش ومن هاجر ومن وصل إلى أسوأ سنوات حياته .
لقد فسد كل شيء في العراق . تفرق الأصدقاء وتخرب النسيج الاجتماعي وبرز وحش الطائفية.
كان العراقيون سنة وشيعة ومسيحيين ويهودا وكلدانيين و..و..ولكنهم كانوا عراقيين .كانت هويتهم هوية وطنية ، ثم جاء حزب البعث ، كما ترى إحدى شحصيات الرواية ليفسد كل شيء . أراد ان يعرب العراق فقاده الى ما قاده إليه ، ومع الاحتلال الأميركي برز وحش الطائفية . أراد حزب البعث أن يكحلها فعماها ، وأراد الأميركيون إحلال الديموقراطية محل الدكتاتورية ، فأوصلوا العراق إلى الطائفية وخربوه .
تنظر إحدى شخصيات الرواية في صورة لها تضم أصدقاء ثلاثة ؛ يهوديا ومسيحيا ومسلما ، وتأتي الصهيونية ، وتخلف المجتمع العربي وسوء قيادته ، فيهاجر نسيم اليهودي العراقي إلى فلسطين ، وسيهاجر مسيحيون كثر بعد الاحتلال ٢٠٠٣ ، إلى الغرب . لم يعد هؤلاء عراقيين ، فلقد غدوا يهودا أسقطت عنهم الجنسية ، ومسيحيين طلب بعض المسلمين المتشددين منهم دفع الجزية.
لقد غدت الهوية مختلفة وازداد انقسامها أكثر ؛ سنة وشيعة وبرزت القبلية وامحت الهويتان ؛ الوطنية والقومية امحاء لافتا .
هكذا نصغي إلى إحدى شخصيات الرواية تقص " كل ما أريده هو أن أعيش في مكان أكون فيه مثل الآخرين . أمشي وأخرج وأدخل ولا يشار إلي أو يتم تذكيري بأني مختلفة . قال لي أحد الموظفين ذات يوم ، وهو يقرأ استمارة ملأ تها بالمعلومات الشخصية لأكمل معاملة ، معلقا على اسم والدي : جورج أجنبي مو ؟! فأجبته بحزم :
" لا مو أجنبي ، عراقي .
" شلون مو أجنبي ؟ مثل جورج بوش ."
" لا، مثل جورج وسوف ... وجورج قرداحي ."
دفع الاستمارة وأعادها إلي وأحسست بالتعالي والكره يسيل من نظراته عندما تبرم قائلا :
- " يعني قحط أسامي؟ شوفو لكم أسامي عربية ." (ص١١١ )
وتتابع مها :
" لم أقل شيئا ، فما فائدة الجدال مع جاهل حقير . ولم تكن تلك أول مرة ولا آخر مرة . عندما حكيت القصة لأبي حدثني عن عبد السلام عارف الذي حكم البلاد قبل أن أولد أنا بسنين طويلة وكيف قال ذات يوم وهو يلقي كلمة أمام حشد كبير :
" لا جوني ولا جورج بعد اليوم . بوية حمد وخوية حمود . "
.
سعود السنعوسي " ساق البامبو " ( ٢٠١٢ )
تعد رواية سعود السنعوسي "ساق البامبو" من الروايات اللافتة لمناقشة سؤال الهوية في الرواية العربية ، فشخصيتها الرئيسة عيسى/خوزيه لها اسمان وتتوزع على عالمين ؛ الكويت والفلبين .وهو يقول في ص (٣٨٥) من الرواية ، وهو يتحدث عن مصطافين كان التقى بهم :
" هل سيصادفون نصف كويتي على شواطيء تلك الدول؟ الله وحده يعلم ! " .
ولد عيسى لأب كويتي وأم فلبينية كانت تعمل خادمة في بيت عائلة راشد . أحبها وتزوجها سرا دون علم أمه ولما عرفت هذه استشاطت غضبا وطلبت منه أن يطلقها ، فهذا عار يلحق بعائلة الطاروف . يتردد راشد فتطرده أمه من بيت العائلة ، ولما أنجب طفلا يحمل اسم العائلة يذهب إلى أمه لمراضاتها عل الطفل يشفع له .
تصر الأم على رأيها وتجبر ابنها أن يطلق زوجته وأن يعطيها الطفل أيضا . أمام ضغط الأم يترك راشد زوجته وطفله ويعيدهما الى الفلبين ، وأما هو فيتزوج وينجب خولة ثم يستشهد في مقاومة الجيش العراقي أثناء احتلاله الكويت .
حين يكبر عيسى/ خوزيه ترسله أمه إلى بلاد أبيه / الكويت /الجنة ، ليتعرف على أبيه ويعمل هناك .
لا ترحب الجدة بحفيدها العائد ، وخشية من الفضائح تمنحه سكنا في بيتها زاعمة أنه خادم فلبيني ، دون أن تعرف أن الخدم يعرفون القصة التي شاعت ، ما يجبر الجدة وبعض بناتها على إجباره على ترك المنزل ، وتستمر بعض عماته في التضييق عليه حتى يغادر الكويت إلى الفلبين ثانية . وتظل هويته موزعة على بلدين : الكويت والفلبين . وحين يشاهد مباراة في كرة القدم بين الدولتين يحتار لمن ينحاز ، فهما وطناه ، وهو فلبيني وكويتي في الوقت نفسه." اسمي Jose هكذا يكتب .ننطقه في الفلبين ، كما في الانكليزية ، هوزيه . وفي العربية يصبح ، كما في الإسبانية خوسيه . وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه .أما هنا في الكويت فلا شأن لكل ذلك بالاسماء بإسمي حيث هو ...عيسى !'.(ص٣٨٩). وتحتاج مناقشة سؤال الهوية في هذه الرواية الى كتابة مفصلة.
إلياس خوري " أولاد الغيتو"(٢٠١٦)
في "أولاد الغيتو "يثير إلياس خوري سؤال الهوية على لسانه وعلى لسان بطله آدم.في المقدمة يتساءل إلياس عن بطله :" إلا أنها لا تعرف هوية هذا الرجل بالضبط .هل هو فلسطيني يدعي انه اسرائيلي أم العكس ،لكنه شخصية فذة." كأن السؤال عن الفلسطيني الإسرائيلي (آدم) هو وجه آخر لسؤال الهوية في رواية اميل حبيبي :الفدائيون اللاجئون فلسطينيون ،فماذا عن عرب فلسطين الذين بقوا،ومنهم من خدم الاحتلال؟ أهم فلسطينيون ام إسرائيليون؟
يكرر إلياس سؤاله عن آدم :" إن هذا الرجل كاذب ،يدعي أنه إسرائيلي مع عشيقاته ،مع أنه فلسطيني ،وهويته الفلسطينية هذه كانت حجته الكبرى ضد روايتي ،كأنه لا يحق لي أن أكتب عن فلسطين لمجرد أنني لست من ابوين فلسطينيين."(ص١٤).
والياس نفسه كتب عن الفلسطينيين واحبهم وعاش معهم ، وربما عده بعض الفلسطينيين فلسطينيا ، بل إن بعضهم يحبه ويدافع عنه أمام بعض الفلسطينيين.
إن أسئلة الهوية التي أثارها إلياس في مقدمة الرواية وفي المقابلات التي أجريت معه ،يعود قسم منها ليظهر في الرواية على لسان بطلها آدم."أهرب من كتاب لم يكتب ،فاكتشف أنني لا أعرف من أكون ؟" يتساءل آدم في ص ١١٧.
إن سؤال الهوية لا يلازمه على مستوى فردي وحسب :من هو أبوه الذي بذره ومن هي أمه التي حملت به ؟ من هو أبوه الذي رباه ؟ ومن هي منال التي ربته ؟ هل هو ابن مأمون الأعمى الذي التقطه من حضن أمه تحت شجرة الزيتون وأعطاه إلى منال؟ هل هو ابن الشعب الفلسطيني الذي شرد أم أنه "ابن الدولة اليهودية "حيث يجعل نفسه ابنا لابوين يهوديين :"اخترعت لنفسي ابا يدعى اسحق واما تدعى سارة "(ص ٢٦٩).
"أنا سليل ذي النون المصري المتصوف الكبير ،وابن مدينة الخضر ،ومواطن عربي أو فلسطيني في دولة إسرائيل ،وحين تركت منزل أبي اكتشفت أنني ابن نفسي "(١٦٢) ،ومثل سعيد أبو النحس لم يخطر بباله الالتحاق بالكفاح الفلسطيني المسلح ،" أردت أن أكون مواطنا في هذه الدولة وأنسى "( ص٢٨٣) ، وهكذا اخترع لنفسه ذاكرة جديدة وانزلق فيها إلى النهاية بحيث "أنني لم أعد أعرف من أكون بالضبط؟ هل أنا ابن منال وحسن دنون أم ابن يتسحاق دانون وزوجته المريضة ،ام أنا مجرد حكاية مصنوعة من الكلمات ؟".
من هو الشاعر العربي الذي سأل امته العربية : يا امتي هل أنت امة؟ وهل يستحضر إلياس بأسئلته ،على لسان بطله ،عنوان قصيدة نزار قباني :"متى يعلنون وفاة العرب؟"
المصادر:
- الياس خوري ، أولاد الغيتو ، ٢٠١٦.
- إميل حبيبي ، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل ،١٩٧٤.
- أنعام كجه جي ، الحفيدة الأميركية ، ٢٠٠٩.
-أنعام كجه جي ، طشاري ، ٢٠١٣.
- جبور الدويهي، شريد المنازل،٢٠١٠.
سنان انطون ، يا مريم ، ٢٠١٢
- سعود السنعوسي ، ساق البامبو، ٢٠١٢.
- غسان كنفاني ، عائد إلى حيفا، ١٩٦٩.
-ممدوح عدوان ، أعدائي ، ٢٠٠٠.
٢٠١٦
٨
سهيل كيوان :" بلد المنحوس " 4 :
يخلص المرء بعد قراءة رواية سهيل إلى ما قاله محمود درويش في " مديح الظل العالي " وما ركز عليه سميح القاسم في نصوصه النثرية الثلاثة ، وتحديدا الجزء الثالث ، وما أراد ربعي المدهون قوله في " مصائر " ، ولكن مع اختلاف طبعا في التفاصيل التي بذل سهيل جهدا واضحا فيها .
في " مديح الظل العالي " كتب درويش " ضحية قتلت ضحيتها وصارت لي هويتها " وفي " بلد المنحوس " يتحول ( راشينسكي ) / ( ايزاك ) من ضحية إلى جلاد ، ويصبح الفلسطيني ضحية الضحية - أي ضحية اليهودي القادم من أوروبا .
اختصر درويش الفكرة في سطر وكتبها سهيل في 328 صفحة .
كان العرب يختصرون الحكاية أو التجربة في مثل أو بيت شعر ولم يطنبوا ، ولم يعرفوا فن الرواية ، والروائي يخوض في التفاصيل ، وفي " بلد المنحوس " تفاصيل نحن بحاجة لمعرفتها .
30 ايلول 2018
٩
إن كان أمل دنقل قال :
" أبانا الذي في المخابرات "
فيجب أن أقول :
" أبانا الذي في المخابرات والاتصالات والمحافظات والمقاطعات والوزارات والفيس بوك " :
" كيف تموت ،
وأغنية الثورة الأبدية ليس تموت ؟ "
جهة ما تسيطر على اجهزتنا وتعبث فيها .
رحم الله نجيب سرور . تحتاج الأمور إلى أكثر من ( ك .... أمياتكم ".
30 ايلول 2018
١٠
" معلق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي - بالموت - محنية
لأنني لم أحنها . . حية ! "
أمل دنقل
من قصيدة " كلمات سبارتاكوس الأخيرة.
١١
عاشق من فلسطين :
في قراءة مدلول العنوان يمكن أن تثار الأسئلة الآتية :
من هو العاشق ؟
من يعشق أو ماذا يعشق؟
هل يعشق امرأة فلسطينية؟
هل يعشق مكانا فلسطينيا؟ مثلا فلسطين أو حيفا أو يافا؟
هل كان الشاعر قرأ ديوان الشاعر العربي محمد الفيتوري "عاشق من أفريقيا " وتأثر به؟( هنا أذكر القاص توفيق فياض الذي كان شاهدا على كتابة قصائد الديوان ويمكن أن يدلي بدلوه)
هل وحد الشاعر بين الوطن والمرأة؟
من هي المرأة التي عشقها في الفترة التي كتب فيها الديوان؟
يتغزل الشاعر بامرأة ملامحها فلسطينية واسمها كذلك وأهدابها ورموشها و .. و ..
طيب:
ماذا لو فحصنا الآتي:
-أنا المتكلم في الديوان في القصائد كلها ؟
- أنا المخاطب في القصائد كلها؟
- علاقة الشاعر بالفتيات في أثناء كتابة قصائد الديوان؟
- نظرة الشاعر إلى الصراع والمنظور الذي انطلق منه؟
-كيف نظر الشاعر إلى الآخر ؟ من هو الآخر من وجهة نظره في تلك الفترة؟
طيب :
- إذا كانت هناك فتاة يهودية أحبها وكتب فيها قصيدة " قصائد عن حب قديم " فهل نطمئن إلى تأويلات النقاد العرب في أن الشاعر وحد بين فلسطين والمرأة وأن المرأة فلسطينية وفلسطين معا؟
كل قراءة هي إساءة قراءة
وليس هناك قراءة نهائية لنص من النصوص.
٣٠أيلول ٢٠١٩
١٢
رشاد أبو شاور " ترويض النسر " وأخطاء دالة في الطباعة 3 :
في الصفحتين ٩٤ و ٩٥ من الرواية ثمة خطأ في الطباعة يتكرر مرتين ، فالطالبة أمينة تصبح الدكتورة أمينة ، والدكتورة في الرواية هي الدكتورة وداد . هل يعود هذا الخطأ إلى الطباعة والمسؤول عنه هو الطابع / ة أو المراجع في دار النشر ؟ ولا أدري إن كان الروائي انتبه إليه وسوف يصححه في طبعة لاحقة .
قبل أعوام كتبت مقالا مطولا نشرته ، على حلقتين ، في موقع " فسحة ثقافية " / " عرب ٤٨ " وأثار جدلا مع الروائيين المكتوب عنهم ؛ حسن حميد Hasan Hamid و واسيني الأعرج Waciny Laredj وابراهيم نصرالله Ibrahim Nasrallah ، وهو جدل أدبي حول الكاتب وعلاقته بالبيئة المكانية والفترة الزمانية التي يكتب عنها ومدى تمثله لهما .
لا أعرف إن كانت هناك مقابلات أجريت مع رشاد ابوشاور أتى فيها أصحابها على علاقته بموضوعه وشخوصه ومدى صلته بها .
هل عرف شخوصه والبيئة المكانية وأحاط بها إحاطة تامه ، أم أنه خلقها من وحي خياله لتناسب أفكارا يقرأ عنها واقتنع بها اقتناعا تاما ؟
إن كانت الشخوص فصلت لتناسب الأفكار أو المعلومات التي جمعها فإن الخطأ قد لا يكون خطأ في الطباعة ، وقد يكون سببه عدم رسوخ الشخصيات في ذهن المؤلف .
أتمنى أن أقرأ مقابلات مع الروائي رشاد أبو شاور يسأل فيها عن روايتيه " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " ، أما روايتاه " وداعا يا زكرين " و" ليالي الحب والبوم " فهما تغرفان من حياته في طفولته وشبابه ، ولو عثرنا على بعض أخطاء في المعلومات فأغلب الظن أن مرد ذلك لتأثير الذاكرة وتأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي ، لا لتمثله شخصياته وتجارب غيره .
٣٠ أيلول ٢٠٢٠
١٣
مدرسة المشاغبين في نابلس
لا أعرف تفاصيل ما جرى في مدرسة عبد الحميد السائح في نابلس .
كل ما في الأمر أنني قرأت فقرات تشير إلى اعتداء الطلاب وأهاليهم على بعض المعلمين ، وممن كتبوا عن مكانة المعلم أحد طلابي في البكالوريوس والماجستير ، وفيما كتبه مناداة بإعادة الاعتبار إلى المعلم .
طالبي حين كان على مقاعد التعليم - أي حين كان طالبا - كان أحيانا طالبا مشاكسا ، وكلما سألته عن أسباب تأخره عن موعد المحاضرة كان يجيبني بأنه يبيع التين ، وهو من قرية تل المشهورة بزراعة التين ، لأنه يريد أن يدفع الأقساط وينفق على نفسه ، وكنت أغض الطرف عن تأخره ، وعندما علمته في الماجستير صار أكثر مشاكسة ، ما دفعني إلى التشدد معه لدرجة أدت إلى توتر العلاقة بيننا .
الآن صار طالبي معلما وأخذ يطالب بضرورة احترام المعلم وإعادة الاعتبار إليه .
عندما كنا صغارا نتمرد على أهلنا كانوا يقولون لنا :
- غدا تصبحون آباء و يثأر ابناؤكم منكم .
هل يقتصر العنف على المدارس أم أنه ظاهرة اجتماعية عامة ؟
الجريمة بين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ تتصاعد منذ بداية العام ، والأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة ليست على ما يرام ، ففي الأسبوع الماضي عمم شريط فيديو عما جرى في إحدى مدارس قطاع غزة ، يري اختباء المعلمين في غرفتهم تلافيا لغضب الطلاب وحجارتهم . وأول أمس تم السطو على محل للصياغة في مدينة طولكرم أسفر عن سرقة سبعة كيلوات من الذهب ، وأما عن الصدامات مع الإسرائيليين فحدث ولا حرج .
وأنا أقرأ ما كتبه المعلم عن اعتداء الطلبة وأهاليهم على معلمي مدرسة عبد الحميد السائح تذكرت الشاعر أحمد شوقي وما كتبه عن المعلم ورد الشاعر إبراهيم طوقان عليه .
كتب شوقي :
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
ولم يكن شوقي جرب التعليم ، خلافا لطوقان .
عمل طوقان في مهنة التدريس فلم ترق له وفيها قال :
شوقي يقول ، وما درى بمصيبتي ،
قم للمعلم وفه التبجيلا
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا
حسب المعلم غمة وكآبة
مرآى الدفاتر بكرة وأصيلا
و :
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا
وكان للمعلم يومها مكانة معتبرة ، وكان الأهل يطلبون منه أن يتشدد مع أبنائهم لدرجة قولهم " لك اللحم ولنا العظم " - أي تشدد معهم .
لا أرمي إلى كتابة مفصلة عن مكانة المعلم ؛ ما كانت عليه وما صارت إليه وما بينهما . كل ما أقصده هو القول إننا نشهد تحولات اجتماعية تبدو لنا ، لتسارعها وكثرتها ، غير محتملة وغير مصدقة ، لأننا لم نكن نتوقعها ولأننا ربينا على نقيضها .
في الأمثال مثل نصه " عش رجبا تر عجبا "
٣٠ / ٩ / ٢٠٢١
١٤
في وداع الكاتب محمد الأسعد : " أطفال الندى " واسترجاع الطفولة زمن النكبة
( مقالي الأحد ٣ تشرين الأول في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه )
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في الحادي والعشرين من أيلول توفي في الكويت الشاعر والروائي والناقد والمترجم الفلسطيني محمد الأسعد ابن قرية أم الزينات التي ولد فيها وهاجر منها في عام الخروج الكبير ١٩٤٨ وكتب عنه بعد أربعة عقود كتابه " أطفال الندى " (١٩٩٠ ) الذي عده رواية ، مع أنه يقارب المائة صفحة من الحجم الصغير ويبدو أقرب إلى السيرة الذاتية لفترة من حياة كاتبه هي فترة الخروج وإن عرج على وصف مشاعره في زمن الكتابة والنشر ١٩٩٠ .
ما يجب أن يقال هو أن المرء يقرأ هذا العمل بمتعة ممزوجة بمشاعر من الحزن والحسرة ؛ الحسرة على خسارتنا بلادنا وإقامتنا في المنافي نعاني من الغربة وعدم الشعور بالاستقرار والأمان ونشعر بالحنين إلى ما هو أكثر من الفردوس ؛ الحنين إلى الفردوس المفقود ، وهذا النوع من الحنين لخصه الشاعر التركي ناظم حكمت بسطر اقتبسه منه محمود درويش هو " أدخلوا الشاعر إلى الجنة ، فصاح يا وطني " ( محاولة رقم ٧ / ١٩٧٤ ) .
" أطفال الندى " في كتابته عن التهجير ليس استثنائيا في الأدب الفلسطيني ، فهناك أعمال كثيرة استرجعت لحظة الخروج ، عدا أعمال عالمية وعربية ؛ سابقة ولاحقة له ، مثل " الطريق إلى بئر سبع "( ١٩٦٣) ل ( اثيل مانين ) و " وأولاد الغيتو " (٢٠١٦ ) لالياس خوري و " وداعا يا زكرين " (٢٠١٦) لرشاد أبو شاور و " بحيرة وراء الريح " (١٩٩١) ليحيى يخلف و" كتاب الابن : سيرة الطرد والمكان " ( ١٩٩٧ ) لمحمد القيسي و" هنا .. هناك "( ١٩٩٧) لأحمد دحبور ، وبعض قصص غسان كنفاني القصيرة المبكرة في خمسينيات القرن ٢٠ التي أتى فيها على خروج عائلته ، وهناك كتاب آخرون طبعا .
ما سبق يدفع إلى الربط بين خمسة أسماء هي محمد الأسعد (١٩٤٤) ومحمد القيسي (١٩٤٥) ورشاد أبو شاور ( ١٩٤٢) ويحيى يخلف (١٩٤٤) وأحمد دحبور (١٩٤٦) ، وجميعهم ولد قبل العام ١٩٤٨ ، ولم يكن أكبرهم يتجاوز السادسة ، فمروا بتجربة التهجير والترحيل التي علق قليلها بذاكرتهم وعززه قص الأهل عنها ، وبالتحديد قص الأم باستثناء رشاد الذي فقد أمه فناب أبوه في السرد عنها ، فتشكلت لديهم صورة عن قراهم ومدنهم ( أم الزينات / الأسعد وكفر عانة / القيسي وزكرين / أبو شاور وسمخ / يخلف وحيفا / دحبور ) .
بعد أربعة عقود وأكثر استحضر الكتاب في كتاباتهم الصورة ، والطريف أن أكثرهم في كتاباته الأولى قلما كتب عن البلاد ، إلا إذا كان زارها بتصريح ، مثل محمد القيسي فكتب ديوانه " الحداد يليق بحيفا " (١٩٧٥) .
في " أطفال الندى " يكرر الأسعد عبارة " تحدثني أمي " ( ٩) و " تقول أمي "( ٧١ ) و تقول " (٨٠) و " وتقول أمي " (٨٤ /٨٩) و " يقول خالي "(٧٦) " ولكنني أتوقف أمام أمي وحسرتها الدائمة ، هي التي تعرفني على الطرق التي جئت منها والمنافذ التي تسربت خلالها وأنا في حالة الندى " (١١٤) " أمي هي التي وضعتني في حالة الندى ، وسواء كانت تعرف أم لا فإن ذبذبات صوتها والأسماء الغريبة التي تكررها وكأنها تحدث نفسها ، تضعني خارج الأشياء " ، ويكتب أيضا عما بقي عالقا في ذاكرته .
ما سبق يعني أن الأسعد والكتاب المذكورين اعتمدوا في كتابتهم على ذاكرة الذين عاشوا تجربة الخروج وكانوا واعين لها ملمين بأدق تفاصيلها ، وهذا بالتأكيد يعطي لكتاباتهم قيمة ، عدا أن الكتاب أنفسهم ؛ الريفيين منهم وأبناء المدينة ، أقاموا في مخيمات اللجوء التي هي الوجه الحقيقي لتجسيد النكبة وفقدان المكان .
يكتب الأسعد في الصفحة ١٠٥ ملاحظة غاية في الأهمية :
" لو كان لي أن أكتب هذه الرواية قبل سنوات ، لاستطعت استقصاء الطرق بصورة أفضل ، ولربما حفظت أسماء تغيب عن ذهني الآن ، وأماكن لا أجدها واضحة حتى في الرواية الأصلية نفسها . فما يقال الآن ، يقال باختصار شديد .... " وكان كتب ما كتب بعد أربعة عقود حيث صارت المسافة بين الزمن الروائي والزمن الكتابي كبيرة ، ولو كان كتب في بداية سبعينيات القرن العشرين لكانت المسافة صغيرة ولربما حضرت التفاصيل التي يركز الكاتب على أهميتها :
" فوادي عارة لا تذكر تفاصيله عادة ، وإن كان القرويون من مختلف قرى حيفا قد مروا به . أما هذه الدالية التي تتكرر في الرواية فقد ارتبطت بذهني بأناس غامضين تسميهم أمي الدروز ، وتتهمهم بالتواطؤ مع اليهود ، رغم أن بعضهم كان صديقا لخالي المسلح دائمآ ، إلا أن نياتهم غامضة ، ولا أدري كيف يمكن أن تكون وضعيتهم في الرواية فهم لا يحضرون إلا عرضا وكأن الرواية أسقطتهم بعد أن سقطوا من هذا الحدث التاريخي فما عادوا فيه إلا مجرد متفرجين . ( ١٠٥ ) ولا يعني ما سبق أن الأم فقط هي التي كانت تروي ، فالأب أيضا يروي ولكن ما رواه قياسا إلى ما روته الأم كان قليلا ، ولعل النظر في مقدار رواية كل منهما يستحق الوقوف أمامه ، ويستحق أيضا معرفة السبب الذي جعل الأم تروي ، علما بأن المجال الخارجي في الأسرة الفلسطينية هو من نصيب الرجل لا المرأة التي يكون فضاؤها هو البيت بالدرجة الأولى ، وإن خرجت من فضاء البيت فإلى الحقل .
أقام أبو شاور في مخيم الدهيشة / بيت لحم ثم في مخيم النويعمة / اريحا وكتب عن المخيمين في " ليالي الحب والبوم " وإن استحضر في " وداعا يا زكرين " تفاصيل عالم القرية . لقد عاش رشاد في زكرين ست سنوات وكتب في روايته تفاصيل دقيقة عن عالمها ؛ ناسها ومقاوميها وشهداءها وحقولها وبيوتها وأمه وأخته والطاحونة وموت الأخت وموت الأم . وأقام القيسي في مخيم الجلزون / رام الله وكتب عن تجربته في " كتاب المكان ؛ سيرة الطرد واللجوء " ، وأقام الأسعد في مخيم لاجئين قرب البصرة وكتب عنه ، وأقام يخلف في مخيم اربد وكتب عنه في " بحيرة وراء الريح " و " ماء السماء " - إن لم تخني الذاكرة - وأقام دحبور في مخيم قرب حمص وكتب ما قصته أمه له عن حيفا .
في مقدمة الأعمال الشعرية الكاملة لدحبور وفي قصيدة " مسافر مقيم " وفي المقابلات التي أجريت معه أتى على ما كانت أمه تقصه عليه عن حيفا ، وأتى على زواج أخيه في المخيم . " أجمل الدنيا هناك " كانت أمه تقول له وهو يتذمر من ضيق الحياة في المخيم . حيفا هي الجنة ، هذا ما ظل عالقا في ذهنه وكتبه في مقدمة طبعة أعماله الكاملة الأولى حتى زارها بعد عودته في ١٩٩٥ . إن القص عن حيفا في كتابات دحبور يكاد يقتصر على الأم ، وأما الأب فكان مهموما بالبحث عن لقمة العيش ولم تكن علاقة أحمد به مثل علاقته مع أمه ، وهذا ما توقفت أمامه مطولا في كتابي " أحمد دحبور ... مجنون حيفا " ( ٢٠١٨) .
" كنت أعيش على حكايات أمي ... أية مخيلة هائلة كانت لهذه المرأة الأمية ؟ ... وكنت أراها بأم عيني ، تنشر البحر الذي جلبته لي خصيصا من حيفا ، فأسبح فيه وأغتسل ... وحيفا هذه ليست مدينة ، إنها الجنة ، ومن لا يصدق فليسأل أمي ، وهي ستروي كيف أن جبل الكرمل في حيفا يمشي كل سنة سبعة أمتار ... " ( ص ٢٢ / الأعمال الكاملة ، دار العودة ١٩٨٣ ) .
رشاد ابوشاور كتب عن زكرين ويافا التي زارها أبوه قبل ١٩٤٨ مرارا والتقى فيها بأحد الشيوعيين الذي ترك أثرا عليه . إن ما كتبه عن يافا ، عدا رؤيتها طفلا بصحبة أبيه ، اعتمد بالدرجة الأولى على قص الأب وذاكرته ، ولست متأكدا من أنه زارها بعد اتفاق أوسلو فاختلط كلام أبيه بما رأى شخصيا .
ببساطة إن كتابة هؤلاء الكتاب الخمسة عن مدنهم وقراهم تعد ذات قيمة خاصة . إنها كتابة كتاب المنفى عن فلسطين من خلال ما بقي عالقا في الذاكرة ؛ ذاكرة طفولة الكتاب وذاكرة الأمهات والآباء ، والموضوع يستحق حفرا أكثر .
الخميس والجمعة والسبت
٣٠ أيلول و ١و٢ تشرين الأول ٢٠٢١
١٥
فاروق وادي ونجيب محفوظ ورحلة البحث عن الأب :
تذكرت وأنا أقرأ الصفحات التي ترويها ياسمين عن حياتها وعلاقتها بأمها وبحثها عن أبيها رواية " الطريق " لنجيب محفوظ وما كتبه عن بطلها الناقد السوري جورج طرابيشي في كتابه " الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية " .
هل تتذكرون صابر الرحيمي في " الطريق " ورحلة البحث عن الأب ؟
هل هناك أب فلسطيني يبحث عنه الفلسطينيون في رحلتهم الطويلة التي شعروا فيها أنهم يفتقدون الأب باعتباره مدافعا عنهم ؟
في " مديح الظل العالي " كتب محمود درويش :
" عبثا تحاول يا أبي ملكا ومملكة
فسر للجلجلة "
وكان في القصيدة نفسها كتب :
" ولدت قرب البحر من أم فلسطينية وأب
أرامي . من أم فلسطينية وأب مؤابي . ومن أم فلسطينية
وأب أشوري .ومن أم فلسطينية وأب عروبي . ومن أم ،
ومن أم .. "
وكان في بداياته الشعرية وهو في فلسطين كتب :
" يا أبي : هل أنت أبي؟
أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر " .
تبدأ ياسمين في رواية " سوداد: هاوية الغزالة " رحلة البحث عن أبيها الفلسطيني الذي تخلى عنها ، مثلها مثل صابر الرحيمي ، وفي النهاية مات أبوها وحيدا ومتروكا ووحيدا في مدينة رام الله .
الأب في بعض روايات محفوظ رمز لله ، وفي قصيدة درويش متعدد وهو غزاة الأرض الفلسطينية والأب الأخير كان الأب العروبي ولم يحم الفلسطينيين ، فقد تخلى العرب عن الفلسطينيين وعقد الشاعر أمله على الأب الفلسطيني ، والأب الفلسطيني في رواية وادي تخلى عن ابنته لانتهازيته .
تستحق فكرة الأب والبحث عنه في الأدب الفلسطيني الوقوف عندها .
٣٠ أيلول ٢٠٢٢ .
١٦
يوميات غزة ولبنان (٣٦٠ ) :
( بن غفير ) يوزع الحلوى ابتهاجا
لفت نظري أمس شريط فيديو أدرجه إسرائيلي ، وفي الشريط ، وهو ل ( ابن غفير ) ، يظهر فيه يوزع البقلاوة على وزراء حزبه ابتهاجا باغتيال السيد حسن نصرالله ، عادا ذلك إنجازا وانتصارا . هل تعلم الإسرائيليون هذه العادة من الفلسطينيين ؟
في رواية إلياس خوري " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) يورد عبارة " صاروا مثلنا " . لقد صاروا يقلدوننا ، وغير مرة كتبت عن أغنية الدحية الفلسطينية بالعبرية . لقد أخذوا في أفراحهم يرددونها ، كما صار بعض أهل الخليل في أعراسهم يستدعون مطربين يغنون " لاما لو " العبرية .
الصورة التي ظهرت لرئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) ، كما رسمها الذكاء الاصطناعي ، تبدو لافتة . كما لو أنه تمثال مصنوع من البرونز . بنيامين رجل تظهر عليه الجدية يكشر ليخاف الآخرون منه ويبدو ضخم الجثة ذا عضلات بارزة يمكن أن يقضي على عشرة دفعة واحدة يرتدي لباس الجيش الإسرائيلي أخضر اللون مزنر بالقنابل . يبدو حقا رجلا حديديا . هل هو شمشون الإسرائيلي المعاصر ولكن قوته لا تكمن في شعره ، بل بتزنره بالسلاح ؟ هل هو اليهودي الصهيوني في رواية الكاتب الصهيوني غير اليهودي ( ليون أوريس ) " اكسودس " الذي يتغلب بسوطه على قرية عربية ؟
ليست الصورة وحسب هي ما لفت نظري . أيضا التعليقات التي قرأتها مترجمة ترجمة آلية . لقد رأى فيه الإسرائيليون السوبرمان المنقذ . إنه البطل . وأحد المعلقين قال إنه لم ينتخبه من قبل ، ولكنه سينتخبه في الانتخابات القادمة . معلقون آخرون كتبوا أن إسرائيل من خلال حكمه ستبقى قوية لثلاثة أربعة عقود .
شعور بالزهو سيطر على الإسرائيليين بعد اغتيال السيد شبهه قسم من المتابعين بالزهو الذي طغى على الإسرائيليين عقب انتصارهم في حرب حزيران ١٩٦٧ ، والإسرائيلي الوحيد الذي قرأت له رأيا آخر نشره في صحيفة ( هآرتس ) الإسرائيلية هو الكاتب ( جدعون ليفي ) وقد أدرجت الشاعرة Siham-Haifa Daoud على صفحتها ما كتبه ( ليفي ) .
أمس كتب عن خليفة السيد المحتمل وبثت أشرطة فيديو يتحدث فيها أحد معارفه عن صفاته واختلافه عن سلفه . إن كان ما قاله المتحدث صحيحا فمعنى ذلك أن صواريخ حزب الله - إن بقيت سليمة ، خلافا للرواية الإسرائيلية - ستصل إلى حيفا وما بعد بعد حيفا .
الصورة قاتمة كئيبة غير واضحة ويبدو أنها ستقرر مصير المنطقة وتغير ملامحها و " أكثر من هالقرد ما سخط الله " ، علما وبناء على ما ألم بأهل غزة الذين كرروا ، قبل الحرب ، المثل مثلنا ، يمكن أن يسخط الله أكثر وأكثر وهو على كل شيء قدير .
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٤ .
١٧
غزة 725 :
الحنين إلى حديقة المنزل
منذ شهور وأنا أفكر في الكتابة عن حنين الغزازوة ، ممن يملكون في بيوتهم حديقة ، إلى الحديقة . وكلما جلست ، في أيام الصيف الحارة ، في حديقة منزلي ، تذكرت من أهل غزة من فقد حدبقته وحنينه إليها ، وأتذكر أنني في بداية طوفان الأقصى كتبت ثماني حلقات تحت عنوان " في غزة لي أصدقاء وذكريات " أتيت فيها على حديقة بيت أبو لطفي رزق ، في حي الرمال ، حيث أقمت في البيت أياما لحضور حفل زفاف ابنة عمي .
أمس قرأت نصا نثريا للكاتبة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عنوانه "#الخيمة ... وطن مؤقت " أتت فيه على نزوحاتها العديدة وبدأته بالآتي :
" لم أكن أتخيل يوما أن أعد مرات نزوحي كما أعد سنوات عمري . لكنها الحقيقة القاسية : أنا الآن نازحة للمرة السادسة " .
وفي نصها أتت غير مرة على حديقة منزلها وحنينها إليها . وتنهي الكاتبة نصها بالفقرة الآتية :
" لكن يبقى السؤال الأكبر معلقا بلا جواب : إلى متى سأبقى من نزوح قسري إلى آخر ؟ وإلى متى سأظل أشتاق لمنزلي ولفنجان قهوة في حديقة بيت لاهيا ، حيث شعرت بأمان لأول مرة ؟ " .
وعندما أدرجت مع كتابتها صورة اختارت صورة خيمتها إلى جانب شجرة زيتون .
وليست كاتبة النص الوحيدة التي كتبت عن حنينها إلى الحديقة .
أمس واصل الجيش الإسرائيلي قصفه أحياء مدينة غزة ، وأمس ارتقى شهداء بالعشرات أيضا كما في كل يوم ، وأمس كان صيد الآليات الإسرائيلية وفيرا .
الله المستعان والحالة تعبانة على الرغم من مقترحات الرئيس الأمريكي ( ترامب ) لوقف الحرب والتبشير بذلك .
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
١٨
أحمد رفيق عوض : " دابة الأرض " 4
السلطان من لا يعرف السلطان
ما إن انتهيت من قراءة الرواية حتى كررت المقولة " السلطان من لا يعرف السلطان " وحمدت الله أنني أعيش في الهامش بعيدا عن السلطة وأذرعتها ، علما بأن كتابتي هي ما يسبب لي خصومات عديدة تدفع بالآخرين إلى اتهامي اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان .
في صفحة ٢٧٤ نقرأ الفقرة الآتية :
" جلس إلى المكتب ببطء ، ألقى بظهره إلى الوراء . لم يشعر ولا مرة بأثر هذا الكرسي إلى هذا الحد . السحر والقوة والنفوذ والزهو والحضور ، ولكن أين الفرح والثقة والاعتداد بالنفس ؟ أين الحماسة والتدفق في القلب ؟ ثم أين ذلك الشعور العالي بالاقتحام والتقدم ؟ الآن استعيد منصبي ومكتبي واسمي ، ولكن لماذا لا أشعر بالسعادة ؟"
والتساؤلات يوردها السارد على لسان الناجي الشخصية الرئيسة في الرواية . والناجي الأزعر في مخيم اليرموك الذي عاد مع والده ، حين عاد الوالد إثر اتفاق أوسلو إلى الضفة الغربية واستلم منصبا في السلطة ، الناجي الذي غدا مسؤولا كبيرا فاعلا تسوء أحواله إثر مكائد وحيل نصبها له الآخرون ويجرد من صلاحياته ويزج به في السجن ؛ ولأنه كان أيضا يملك ملفات فساد لمن كاد له وأوقع به ، يساوم من هؤلاء ويتم الإفراج عنه ويعود إلى مكتبه من جديد .
في لحظات التخلي عنه وسجنه يتخلى عنه المقربون منه ويتعالون عليه ويعاملونه بازدراء . تتخلى عنه زوجته الثانية ويتخلى عنه أخوها وليد الذي كان مرافقا مطيعا له ويبتعد عنه آخرون ويجد نفسه في السجن ، وامعانا في إذلاله يوضع معه في غرفة السجن طليق زوجته الثانية ، إذ خلال معاناته طلبت منه زوجته الثانية الطلاق وتزوجت ثانية من عاطف المريض نفسيا لتطلب منه الطلاق وتناله .
الأسئلة المثارة في الفقرة المقتبسة ، على لسان الناجي ، تظهر الفارق بين ما كان عليه قبل تجريده من صلاحياته وسجنه وما صار إليه بعد خروجه من السجن ومساومته .
لقد لاحظ الناجي كيف يعامله الناس وهو قوي وكيف أخذوا يعاملونه بعد فقدانه الكرسي مركز القوة .
الكرسي أحيانا يغري ؛ لأنه يمنح من يجلس عليه قيمة وأهمية سرعان ما تسلبان منه إن سحب منه ، وربما لهذا يتمسك الحكام والمسؤولون العرب به ؛ لأنهم دونه سيعيشون نكرات لا يلتفت إليهم .
السلطان من لا يعرف السلطان وليحي الهامش !
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥