أحمد بوعروة - يوم الدلائل… كتاب عبر القرون وما زالت القلوب تفتح صفحاته

ما سر كتاب كتب قبل قرون وما زال قادرًا على جمع الناس حوله؟ ما الذي جعل «دلائل الخيرات» للإمام محمد بن سليمان الجزولي يتجاوز زمن صاحبه وحدود المغرب، ويسكن الزوايا والمساجد والبيوت؟ ولماذا تختلف أصوات قرائه وطرائق أدائه، بينما تلتقي القلوب عند مقصد واحد هو الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ حملت هذه الأسئلة معي إلى النسخة الثانية من «يوم الدلائل» بالدار البيضاء، لكنني لم أذهب صحافيًا يبحث عن قصة فقط، بل ذهبت ابنًا للزاوية ومخرجًا يحمل كاميرته وأسئلته، فوجدت نفسي داخل حكاية أكبر من مجرد ملتقى.

يوم الأحد 13 شتنبر 2026، احتضنت الدار البيضاء هذا الموعد الروحي والعلمي الذي نظمته الزاوية العلوية الدرقاوية الشاذلية، بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي لعين الشق، تحت إدارة الدكتور محمد المهدي منصور، فاجتمع علماء وباحثون وقراء وأهل المديح والسماع من المغرب وخارجه حول كتاب حافظ على حضوره رغم تعاقب القرون.

لم يكن «يوم الدلائل» لقاء تتوالى فيه الكلمات وتنتهي الحكاية بانتهاء البرنامج، بل بني على فكرة جميلة؛ أن يتحدث الكتاب بصوت قرائه، وأن تتوزع أرباع «دلائل الخيرات» على مدارس مختلفة، تتخللها مداخلات علمية تضيء تاريخ الكتاب وصاحبه ومكانته وانتشاره.

افتتح اللقاء بآيات بينات من القرآن الكريم، ثم النشيد الوطني وكلمة رئيس المجلس العلمي المحلي لعين الشق، قبل أن تبدأ الرحلة بين القراءة والعلم والمديح والسماع. وحضرت مدارس مختلفة في قراءة «الدلائل»، تمثل فاس ومكناس ومراكش، فتحولت القاعة إلى خريطة روحية مصغرة للمغرب؛ تختلف النبرات والإيقاعات وطرائق الأداء، ويبقى الاسم الجامع بينها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وتوالت المداخلات بمشاركة الدكتور محمد المهدي منصور وعدد من الباحثين، وفي مقدمتهم الدكتور أحمد البصيلي من مصر، في حضور يعكس امتداد «دلائل الخيرات» خارج المغرب، كما شارك الدكتور محمد التهامي الحراق باشتغاله على التصوف والسماع والتراث الروحي، وحضرت الدكتورة كريمة بوعمري، إلى جانب باحثين وقراء وأهل المديح والسماع. وكان لكل مداخلة بابها؛ الإمام الجزولي، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مدارس القراءة، حضور الكتاب في الذاكرة الروحية، واستمرار هذا الإرث عبر الأجيال.

أما أنا، فلم أكن ضيفًا على المكان. حضرت ابنًا للزاوية العلوية الدرقاوية الشاذلية، أحمل معها ذاكرة وانتماءً، وحضرت أيضًا بصفتي مخرج البرنامج التلفزيوني «طرق العارفين»، الذي يعده ويقدمه أحمد الخليع ويبث كل جمعة على القناة الثانية. لذلك عشت اللقاء بقلب ابن الزاوية وعين الإعلامي ونظرة المخرج الباحث خلف الصورة عن الحكاية.

اقتربت بالكاميرا والأسئلة من أغلب المتدخلين، وحاورت العلماء والباحثين والقراء لإعداد مادة للبرنامج. لم أكن أبحث عن تصريحات عابرة، بل عن إجابات: ما الذي أبقى «دلائل الخيرات» حيًا؟ ما سر اختلاف مدارس قراءته؟ وما الذي جعل كتابًا خرج من المغرب يعبر الحدود ويصبح جزءًا من الذاكرة الروحية في بلدان أخرى؟

كل حوار كان يكشف وجهًا جديدًا للحكاية؛ حديث يقود إلى الإمام الجزولي، وآخر إلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وثالث إلى مدارس القراءة والسماع والمديح. وهنا تحولت الكاميرا بالنسبة إلي من أداة لتسجيل حدث إلى وسيلة لحفظ ذاكرة حية، وهذا تحديدًا ما يبحث عنه «طرق العارفين»؛ تقديم التراث الروحي المغربي باعتباره تاريخًا ما زالت آثاره حاضرة في الإنسان والمكان والوجدان.

ولعل «دلائل الخيرات» أجمل مثال على ذلك. رحل الإمام محمد بن سليمان الجزولي منذ قرون، لكن كتابه واصل السفر بعده؛ تغير القراء وبقي المقروء، تعاقبت الأجيال وبقيت الصلاة، اختلفت طرائق الأداء وبقي المقصد. هنا يكمن سر الكتب التي تتجاوز أصحابها؛ لا تعيش لأنها قديمة، بل لأنها تجد في كل عصر قلبًا جديدًا يفتحها.

واختيار شهر ربيع الأول منح الموعد دلالة إضافية، في بلد ارتبطت ذاكرته الدينية بالسيرة والمديح والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ختام اللقاء ارتفعت أكف الدعاء لأمير المؤمنين الملك محمد السادس وللمغرب وشعبه بالأمن والحفظ والاستقرار والازدهار، وسكتت الأصوات، لكن الحكاية لم تسكت.

غادرت المكان أحمل مادة لبرنامج «طرق العارفين»، وأحمل قبلها إحساس ابن الزاوية الذي رأى جزءًا من ذاكرته حيًا أمامه. أدركت أن أخطر ما يصيب التراث ليس أن يصبح قديمًا، بل أن نصمت عنه، وأن أجمل وفاء له أن نشرحه ونوثقه ونفتح أبوابه للأجيال الجديدة.

في «يوم الدلائل» كنت ابن الزاوية، وإعلاميًا أمام الحكاية، ومخرجًا خلف الكاميرا، لكنني في النهاية كنت واحدًا من الحاضرين أمام كتاب بدأ بالحبر، وعاش بالمحبة، وعبر القرون وما زالت القلوب تفتح صفحاته.






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...