أمين كعابنة (ابن البادي - حين تقترب الانتخابات من بيت الشعر

كانا يجلسان أمام بيت الشعر، والريح تمر بين الحبال كأنها تعرف الكلام قبل أن يقال. وضع الشيخ عصاه إلى جانبه، وصب الشاي، ثم ظل يتابع الطريق الترابي الممتد بين البيوت.

#قال الشاب وهو ينظر إلى الطريق: «يبدو أن السيارات ستكثر هذه الأيام».
ابتسم الشيخ دون أن يلتفت إليه وقال: «عرفت ذلك من الطريق؟»

قال الشاب: «من الغبار».

ضحك الشيخ وقال: «إذن فقد اقتربت الانتخابات».

قال الشاب: «وما علاقة الغبار بالانتخابات؟»

#قال الشيخ: «ستعرف. ستكثر السيارات، وتكثر الزيارات، وتكثر الوعود. وستأتي وجوه لم نرها منذ زمن، وستعلو أصوات الميكروفونات على أصوات الناس، وسيجلس رجال في مجالسنا يتحدثون عن الصحة والتعليم والطرق والماء والزراعة، وكل واحد منهم سيقول إن البادية في قلبه».

#قال الشاب: «وهل يزعجك أن يأتوا؟ نحن نحتاج فعلا إلى الصحة والطرق والتعليم والماء. المركز الطبي ليس بخير، والطرق تعرفها أكثر مني، والتعليم يحتاج إلى ما هو أبعد من الكلام، والمزارع يواجه الشح وضيق الحال، والأرض نفسها لم تعد تحتمل كل ما يحيط بها».

#هز الشيخ رأسه وقال: «لا يزعجني أن يأتوا. نحن لا نغلق الباب في وجه ضيف».

قال الشاب: «إذن ما الذي تخشاه؟»

#صب الشيخ له كأسا أخرى وقال: «أخشى أن تصبح حاجات الناس موسما، وتصبح البادية محطة في الطريق إلى الصندوق. يخاف المرشح أن ينسى اسم قرية قبل الانتخابات، ولا يخاف أن ينسى وجعها بعدها».

#سكت الشاب قليلا ثم قال: «لكن يا عم، ربما لا يكون من العدل أن نشك في كل من يأتي. قد يأتي رجل صادقا، وقد يريد فعلا أن يخدم الناس».

قال الشيخ: «صحيح».

قال الشاب: «وقد يكون بعضهم لم يعرف حجم المشكلة إلا حين اقترب من الناس».

نظر الشيخ إليه لأول مرة وقال: «وأنت، هل تصدق كل ما تسمع؟»

ابتسم الشاب وقال: «لا».

قال الشيخ: «ولماذا؟»

#قال الشاب: «لأننا لم نعد نسمع فقط. نحن نرى ونقارن ونسأل. هذا الجيل يستطيع أن يعود إلى ما قيل بالأمس، ويبحث عما حدث بعده. الوعد لم يعد يعيش حتى نهاية المجلس».

ابتسم الشيخ وقال: «تغير الزمن».

#قال الشاب: «وتغيرت طريقة الناس في معرفة الرجال أيضا».

رفع الشيخ حاجبه وقال: «وكيف؟»

#قال الشاب: «أنتم كنتم تعرفون الرجل من موقفه في الشدة، ونحن نستطيع أن نرى مواقفه كلها وهي تتراكم أمامنا. نعرف أين كان، وماذا قال، وماذا فعل، ومتى ظهر، ومتى اختفى».

ضحك الشيخ وقال: «يعني أن الهاتف صار شيخ مجلسكم؟»

#قال الشاب: «لا. الهاتف لا يعرف الرجال. لكنه يمنع بعضهم من إعادة كتابة ماضيهم كلما اقترب موعد الانتخابات».

ضحك الشيخ وقال: «هذه عبارة لا بأس بها».

قال الشاب: «لكنها ليست كل الحكاية».

قال الشيخ: «ماذا بقي؟»

#قال الشاب: «بقي أن نعرف ماذا نفعل نحن، لا ماذا يفعل المرشحون فقط».

نظر إليه الشيخ وقال: «ماذا تقصد؟»

#قال الشاب: «أنت تقول إن الرجل الذي يأتي وقت الانتخابات ويغيب بعدها لا يعرف الناس. وأنا أقول إن الناس أيضا إذا أعطت صوتها ثم نامت حتى الانتخابات التالية، تكون قد سلمت جزءا من مسؤوليتها لمن اختارته».

تحركت يد الشيخ نحو الدلة، ثم توقفت.

#قال الشاب: «الانتخابات ليست لحظة نضع فيها الورقة ثم ننصرف. هي بداية علاقة. إذا اخترنا شخصا، فمن حقنا أن نسأله بعد ذلك: ماذا فعلت؟ أين كنت؟ ولماذا لم تفعل؟ وإذا لم نفعل، فما معنى أن نشكو بعد أربع سنوات؟»

ظل الشيخ صامتا.

#قال الشاب: «بل أظن أن السؤال الأصعب ليس: لمن سنعطي أصواتنا؟ بل: ماذا فعلنا نحن حتى يصبح صوتنا ذا قيمة؟»

رفع الشيخ رأسه وقال: «هذه ليست لغة جيلنا».

ابتسم الشاب وقال: «لأنها لغة زمننا».

ابتسم الشيخ، ثم قال: «يبدو أنك جئت اليوم لتعلمني لا لتشرب الشاي».

#قال الشاب: «وأنت الذي قلت لي إن الرجال يعرفون من مواقفهم».

قال الشيخ: «وما زلت أقول».

قال الشاب: «إذن دعنا نطبقها على الجميع، علينا قبل المرشحين».

ضحك الشيخ طويلا، ثم قال: «حسنا. لكن هناك شيئا لا أقبله».

قال الشاب: «ما هو؟»

قال الشيخ: «أن يأتي أحد إلى البادية ليشتري قرار أهلها بالقهوة أو الهدية أو الصورة».

قال الشاب: «القهوة ليست المشكلة».

قال الشيخ: «أعرف».

قال الشاب: «المشكلة أن يظن أحد أن الكرم ثمنه الصوت».

#هز الشيخ رأسه وقال: «نحن نقدم القهوة لأننا أبناء البادية. نكرم الضيف قبل أن نسأله لماذا جاء. لكن لا يخطئن أحد في قراءة القهوة. الكرم لا يعني التنازل، والاحترام لا يعني البيعة، والمجلس المفتوح لا يعني أن العقول مفتوحة للبيع».

قال الشاب: «ولا يعني أن الذاكرة قصيرة».

نظر الشيخ إليه وقال: «ماذا تقصد؟»

#قال الشاب: «أن الناس تتذكر من جاء إليها حين كانت بحاجة، ومن لم يأت. تتذكر من تحدث عن الأرض حين كانت الأرض تحتاج إلى من يتحدث عنها، ومن لم يتذكرها إلا حين احتاج أصوات أهلها».

غرس الشيخ عصاه في التراب وقال: «الأرض ليست خلفية للصورة».

قال الشاب: «ولا الشهداء».

تغير وجه الشيخ.

#قال الشاب: «أحيانا أسمع أسماء الشهداء والأسرى والجرحى في الخطب الانتخابية، وأشعر أن الكلام صار أثقل من أن يحتمله المكان. هؤلاء ليسوا مادة للدعاية. من أراد أن يحمل اسم الشهيد، فليحمل معه شيئا من الأمانة التي مات من أجلها».

قال الشيخ: «صدقت».

#كانت تلك المرة الأولى التي قال فيها الشيخ الكلمة دون أن يضيف إليها شيئا.

ثم قال بعد لحظة: «لكنّك تتحدث عن الأرض كأنها قضية سياسية فقط».

قال الشاب: «لأنها كذلك، لكنها ليست سياسة فقط».

قال الشيخ: «ماذا تكون إذن؟»

#نظر الشاب إلى البيوت المتناثرة وقال: «حياة. طفل يمشي إلى مدرسته. مزارع ينتظر المطر. أم تحمل مريضا ولا تجد مركزا صحيا قريبا. عائلة تخاف على بيتها. راع يعرف الأرض شبرا شبرا. رجل يريد أن يبقى حيث عاش أبوه وجده. عندما نتحدث عن الأرض ولا نرى هؤلاء، نكون قد حولنا الحياة إلى شعار».

ظل الشيخ ينظر إلى الشاب.

#ثم قال: «يبدو أنكم أنتم أيضا تعلمتم شيئا لا نعرفه».

ابتسم الشاب وقال: «وأنتم تعرفون شيئا لا نعرفه».

قال الشيخ: «وما هو؟»

قال الشاب: «أن الأرض لا تُحمى بالكلام وحده».

ابتسم الشيخ وقال: «هذا عرفناه قبل أن تولد».

قال الشاب: «ونحن نحتاج أن نتعلمه منكم».

ثم سكت قليلا وأضاف: «لكنكم تحتاجون أن تتعلموا منا شيئا أيضا».

قال الشيخ: «ماذا؟»

قال الشاب: «أن الذاكرة وحدها لا تكفي. يجب أن نعرف كيف نحاسب من نختار».

خفض الشيخ عينيه إلى التراب، وكأنه يقلب الفكرة بينه وبين نفسه.

قال: «ربما هذه التي لم نعلمكم إياها كما ينبغي».

قال الشاب: «وربما لم تكن ظروفكم تسمح لكم أن تسألوا كما نسأل نحن».

قال الشيخ: «وربما كنا نثق أكثر مما ينبغي».

قال الشاب: «أو كنتم تملكون خيارات أقل».

رفع الشيخ رأسه وقال: «لا تبرر لنا يا ولدي».

قال الشاب: «لا أبرر. أحاول أن أفهم».

عاد الصمت إلى المجلس.

ثم قال الشيخ: «تعرف ما الذي يخيفني أكثر من المرشح الذي يكذب؟»

قال الشاب: «ماذا؟»

قال الشيخ: «أن يصدقه الناس وهم يعرفون أنه يكذب».

قال الشاب: «وأنا أخاف شيئا آخر».

قال الشيخ: «ما هو؟»

قال الشاب: «أن يصبح الناس مقتنعين بأن لا شيء يتغير، فيصبح الصوت نفسه بلا معنى».

ظل الشيخ ساكتا.

قال الشاب: «لهذا أرى أن الانتخابات ليست فقط امتحانا للمرشح. إنها امتحان للناس أيضا».

قال الشيخ: «وكيف ينجح الناس فيه؟»

قال الشاب: «بأن يسألوا، ويتذكروا، ويقارنوا، ثم يختاروا بحرية. وبعد ذلك لا يتركون من اختاروه وحيدا مع السلطة».

قال الشيخ: «وإن خسر؟»

#قال الشاب: «إن بقي مع الناس وخدمهم، فقد خسر مقعدا وربح معنى. وإن فاز ثم غاب، فقد يكون ربح المقعد وخسر ما هو أكبر منه».

ابتسم الشيخ وقال: «بدأت تتحدث مثل الشيوخ».

ضحك الشاب وقال: «بل ربما بدأت أنت تتحدث مثل الشباب».

نظر الشيخ إليه، ثم انفجر ضاحكا.

قال: «لا تستعجل يا ولدي».

قال الشاب: «أنت الذي علمتني ألا أستعجل في الحكم على الرجال».

قال الشيخ: «وأنا تعلمت اليوم ألا أستعجل في الحكم على جيلك».

سكت الاثنان.

كانت الريح قد اشتدت قليلا، وحركت طرف بيت الشعر.

قال الشاب: «سيأتون جميعا».

قال الشيخ: «نعم».

قال الشاب: «وسنفتح لهم أبوابنا».

قال الشيخ: «نعم».

قال الشاب: «وسنقدم لهم القهوة».

قال الشيخ: «نعم».

قال الشاب: «وسنسمع وعودهم».

قال الشيخ: «نعم».

قال الشاب: «لكننا لن نعطيهم عقولنا».

ابتسم الشيخ وقال: «ولا ذاكرتنا».

قال الشاب: «ولا أرضنا».

قال الشيخ: «ولا أمانة أصواتنا».

ثم رفع الشيخ الكأس، وتأمل الطريق الممتد أمامه.

#قال: «يا ولدي، البادية قد تستقبلك، وتكرمك، وتجلسك في صدر المجلس، وتسمع منك حتى آخر كلمة. لكنها لا تبيع كرامتها».

قال الشاب: «ولا تبيع وعيها».

أضاف الشيخ: «ولا تنسى من عرفها حين كانت محتاجة».

قال الشاب: «ولا من تذكرها حين احتاجها».

ابتسم الشيخ، ومد يده إلى الدلة وقال: «لكن قل لي شيئا».

قال الشاب: «ماذا؟»

قال الشيخ: «إذا جاءنا المرشح غدا، ماذا سنقول له؟»

فكر الشاب قليلا، ثم قال: «لا شيء».

قال الشيخ: «لا شيء؟»

قال الشاب: «نعطيه القهوة أولا».

ضحك الشيخ وقال: «وبعدها؟»

قال الشاب وهو ينظر إلى الطريق: «نسأله فقط: أين كنت قبل أن تحتاج أصواتنا؟»

ساد الصمت.

هذه المرة لم يجد الشيخ جملة أقوى.

اكتفى بأن صب له الشاي.

#وكانت تلك، ربما، أول مرة يتعلم فيها الشاب من الشيخ شيئا، ويتعلم الشيخ من الشاب شيئا آخر.

وبين كأس وأخرى، بقيت البادية كما هي: بابها مفتوح، ومجلسها عامر، وكرمها لا يتغير. أما قرارها، فذلك شأن آخر.

#فالذي يشرب القهوة في بيت الشعر ضيفا، لا يصبح صاحب البيت. والذي يسمع صوت البادية في موسم الانتخابات، عليه أن يتذكر أن للصوت ذاكرة، وللذاكرة موقفا، وللموقف ثمنا لا تدفعه القهوة..

تعليقات

غانية ملحيس


لفتني في المقال، قبل جمال بنائه وحواره، الفهم العميق لدور الانتخابات، ليس باعتبارها مجرد يوم اقتراع، وإنما باعتبارها علاقة ممتدة بين الناس ومن يطلب تمثيلهم. وفكرة أن الانتخابات ليست امتحانا للمرشح وحده، بل امتحان للناس أيضا: أن يتذكروا، ويسألوا، ويقارنوا، ثم لا يتركوا من اختاروه وحيداً مع السلطة.
ولفتني أكثر ما في المقال من مفارقة بين الوعي العميق بتطور المجتمع نفسه، وبين جمود الطبقة السياسية الفلسطينية، نظاما ومعارضة ونخبا، أمام هذا التطور. فالناس اليوم ليست هي الناس التي كانت تسمع الوعود قبل عقود. هناك ذاكرة، ومقارنة، وقدرة على استعادة ما قيل وما فُعل، وهذا يعني أن الوعي المجتمعي قد تحرك إلى الأمام، بينما لم تتحرك معه السياسة بالقدر نفسه.
واللافت أيضا رؤية الشباب، كما عبر عنها الكاتب، للانتخابات باعتبارها دورة تعود كل أربع سنوات، بما تعنيه من فرصة للمراجعة والمساءلة واستعادة العلاقة بين الناخب ومن اختاره. والمفارقة أن جيلا كاملا لم يشهد انتخابات في مناطق السلطة طوال نحو عشرين عاما، ثم تعود الانتخابات اليوم في واقع مختلف تماما، وبوجوه سياسية ما يزال كثير منها حاضرا في المشهد نفسه.
وربما السؤال الأعمق الذي يتركه أمين كعابنة خارج سطور مقاله هو:
ماذا تعلمنا خلال هذه السنوات؟ وهل غيّرتنا التجربة الطويلة، بكل ما حملته من إخفاقات، وبما حملته حرب الإبادة الأخيرة من أهوال غيّرت كثيرا من العالم من حولنا؟ أم أن الطبقة السياسية الفلسطينية ما تزال عصية على التغيير، رغم كل ما تغير في فلسطين وحولها؟
المقال يفتح هذا الباب دون أن يقدم إجابة جاهزة، وهذه، في رأيي، إحدى نقاط قوته.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...