أجدني مضطرًا إلى الاعتراف بشيء قد يبدو غريبًا في زمن الاحتفاء بها: أنا لم أقرأ لها قبل حصولها على الجائزة، ولم أقرأ أيضًا لأحد ممن كتبوا عنها، وربما يعود ذلك إلى قصور مني أو إلى أن اسمها لم يكن حاضرًا في فضاء قراءتي بالصورة التي تجعلني أتوقف عند تجربتها.
وهذا الاعتراف، بالنسبة إليّ، أكثر أهمية من أن أقول الآن إنني كنت أعرفها قبل نوبل، أو أن أتصرف كما يفعل بعض القراء الذين يكتشفون فجأة أنهم كانوا يتابعون تجربتها منذ سنوات.
لم أكن أعرفها ،وحين حصلت على نوبل، بدأت أقرأ عنها.
وهذا، في ذاته، ليس عيبًا.
فالقراءة قد تبدأ من جائزة، أو من توصية صديق، أو من مراجعة صحفية، أو من مصادفة في مكتبة، أو حتى من اسم يمر بنا للمرة الأولى.
المشكلة ليست في أن نوبل دفعتني إلى الالتفات إليها.
المشكلة تبدأ عندما تحل الجائزة محل القراءة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من آنا كارسون نفسها.
إنه سؤال عن علاقتنا بالأدب، وعن الطريقة التي تتشكل بها أحكامنا الجمالية، وعن ذلك القارئ الذي لا يثق بحكمه إلا إذا سبقه حكم مؤسسة كبرى.
ما إن أعلنت الجائزة حتى ظهر فجأة جمهور واسع يعرف آنا كارسون، ويعرف مشروعها، ويعرف موقعها في الشعر العالمي، ويعرف أنها واحدة من أبرز الأصوات المعاصرة، وربما يعرف أيضًا أنها كانت تستحق الجائزة منذ سنوات.
وهنا أتساءل، لا عن صدق هؤلاء القراء، وإنما عن سرعة التحول.
كيف يمكن لاسم كان بعيدًا عن اهتمام قطاعات واسعة من القراء أن يصبح، خلال ساعات، اسمًا مألوفًا؟
كيف ينتقل الكاتب من الهامش النسبي إلى مركز الضوء بهذه السرعة؟
الجواب في جزء كبير منه بسيط:
الجائزة لا تمنح الكاتب الشهرة فقط؛ إنها تمنح القارئ شجاعة الاعتراف بقيمته.
وهذه مسألة تستحق التأمل.
فبعض القراء لا يدخلون العمل الأدبي وهم يسألون: هل يعجبني هل يؤثر فيّ؟
هل أراه عميقًا؟
هل أختلف معه؟
هل أجد فيه جمالًا؟
لكن يدخلون إليه وهم يحملون السؤال السابق على هذه الأسئلة كلها:
هل هذا العمل مهم؟
وحين تكون الإجابة: نعم، لأنه حصل على نوبل، تصبح بقية الأسئلة في كثير من الأحيان مجرد إجراءات شكلية.
ربما أخطر ما فعلته منظومة الجوائز الحديثة أنها جعلت للعمل الأدبي سوقًا للقيمة.
هناك الكاتب الذي لم يفز.
والكاتب الذي فاز بجائزة محلية.
والكاتب الذي فاز بجائزة عربية.
والكاتب الذي وصل إلى القائمة القصيرة.
والكاتب الذي فاز بالبوكر.
والكاتب الذي حصل على نوبل.
وكأن الأدب أصبح سلمًا، وكل جائزة درجة عليه.
وبهذا تتحول القيمة الجمالية إلى قيمة قابلة للقياس المؤسسي.
لا يعود السؤال: ماذا فعل هذا الكتاب بي؟
لكن: كم جائزة حصل عليها؟
ومن ترجمه؟
وكم لغة وصل إليها؟
ومن كتب عنه؟
وما موقعه في القوائم؟
ومن قال إنه عظيم؟
وهكذا قد نقرأ سمعة الكتاب قبل أن نقرأ الكتاب نفسه.
وهذا، في تقديري، من أكثر التحولات إثارة للقلق في علاقة القارئ المعاصر بالأدب.
ثمة قارئ لا يثق بذائقته.
يحتاج دائمًا إلى سلطة خارجية تقول له ماذا يحب.
إذا قالت لجنة نوبل إن هذا شاعر كبير، أصبح كبيرًا.
إذا قالت الصحافة الثقافية إن الرواية مهمة، أصبحت مهمة.
إذا تصدرت الرواية قوائم الأكثر مبيعًا، شعر بأن عليه قراءتها.
إذا حصل الكتاب على خمس نجوم، دخل إليه وهو يبحث عن النجوم الخمس.
وإذا قال ناقد مشهور إن العمل عبقري، يشعر القارئ أحيانًا بالخجل من أن يقول: لم يعجبني.
وهنا نصل إلى مشكلة أعمق من الجوائز.
إنها مشكلة استقلال الذائقة.
القارئ الحقيقي، في رأيي، ليس هو الذي يعرف أسماء الكتاب الفائزين بالجوائز، ولا الذي يستطيع أن يعدد أهم الأعمال في القرن العشرين، ولا الذي يحفظ قوائم "أفضل مئة رواية".
القارئ الحقيقي هو الذي يستطيع، بعد أن يقرأ عملًا عظّمته المؤسسات والنقاد، أن يقول:
لم أحب هذا الكتاب.
ثم يستطيع، في الوقت نفسه، أن يقول: لكنني أفهم لماذا يعده آخرون مهمًا.
هذه المسافة بين الحكم الشخصي والحكم النقدي هي من أهم علامات النضج.
ليس مطلوبًا مني أن أحب بودلير لأنه عظيم.
ولا أن أحب بروست لأنه بروست.
ولا أن أحب جيمس جويس لأن تاريخ الأدب وضعه في مكانة استثنائية.
ولا أن أحب شاعرًا لأن لجنة نوبل منحته جائزتها.
الجائزة يمكن أن تدفعني إلى القراءة..
لكنها لا تستطيع أن تدفعني إلى الإعجاب.
هذه، ربما، هي النقطة الأساسية.
يمكن للجنة نوبل أن تقول: هذا الكاتب يستحق الانتباه.
لكنها لا تستطيع أن تقول: يجب أن يعجبك.
الفرق بين الجملتين هائل.
الجائزة قد تكون إشارة.
لكنها ليست ذائقة.
قد تكون دعوة إلى القراءة.
لكنها ليست بديلًا عنها.
قد تكون حكمًا مؤسسيًا.
لكنها ليست حكمًا جماليًا نهائيًا.
إن تاريخ الأدب نفسه يثبت أن الجوائز والمؤسسات ليست معصومة من الخطأ.
الأزمنة تتغير.
المعايير تتغير.
الذائقة تتغير.
والكاتب الذي يبدو مركزيًا في لحظة معينة قد يتراجع حضوره لاحقًا، بينما يعود كاتب آخر من الهامش بعد عقود أو قرون.
الأدب أكثر بطئًا من الجوائز.
ولهذا فإن الزمن، في النهاية، هو الناقد الأكثر قسوة.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة في الثقافة العربية.
حين يُقال إن لكارسون، مثلًا، عددًا محدودًا من الأعمال المترجمة إلى العربية، ثم نجد فجأة جمهورًا واسعًا يتحدث عنها كما لو أنه أمضى سنوات في دراسة تجربتها، فإن علينا أن نتوقف.
ليس اعتراضًا على هؤلاء القراء.
فمن الطبيعي أن تدفع الجائزة الناس إلى البحث والقراءة.
لكن علينا أن نميز بين قارئ اكتشف كاتبًا بسبب الجائزة، وقارئ يتحدث عن الكاتب وكأنه كان يعرفه قبل الجائزة.
الأول طبيعي.
والثاني هو الذي يثير السؤال.
فليس هناك ما يدعو إلى الخجل من أن نقول: لم أكن أعرف آنا كارسون.
ثم حصلت على نوبل، فذهبت لأقرأ عنها.
هذا في حد ذاته موقف ثقافي صحي.
لأن الاعتراف بالجهل هو أول الطريق إلى المعرفة.
ربما تكمن المشكلة في ثقافتنا المعاصرة في أن كلمة "لا أعرف" أصبحت ثقيلة.
القارئ يخشى أن يقول لم أقرأ.
لم أعرف.
لم أفهم.
لم يعجبني.
لأن الثقافة تحولت في بعض جوانبها إلى استعراض للمعرفة.
نحن لا نكتفي بأن نقرأ الكتب.
نريد أحيانًا أن يعرف الآخرون أننا قرأناها.
ولا نكتفي بأن نعرف الكاتب.
نريد أن نثبت أننا عرفناه قبل الآخرين.
ولا نكتفي بأن نكتشف كتابًا.
نريد أن نثبت أننا اكتشفناه قبل أن يصبح مشهورًا.
وهكذا تدخل القراءة نفسها في لعبة المكانة الاجتماعية.
يصبح الكتاب الذي نقرأه جزءًا من صورة الذات التي نقدمها للآخرين.
وهنا يحدث تحول خطير.
الذائقة تبدأ بـ: أنا أحب.
ثم تتحول تدريجيًا إلى: ينبغي أن أحب.
وهذا فرق جوهري.
الأدب في جوهره تجربة شخصية.
قد نختلف حول قيمة عمل ما، لكن لا يمكن لمؤسسة أن تفرض علينا الاستجابة الجمالية له.
يمكن للجنة أن تقول إن هذا العمل مهم.
لكن لا يمكنها أن تصنع لنا الارتعاشة التي تحدثها قصيدة.
ولا تستطيع أن تفرض علينا الدهشة.
ولا أن تجعل نصًا باردًا بالنسبة إلينا دافئًا.
ولا أن تجعل رواية لم نحبها جزءًا من ذاكرتنا.
الجمال لا يصدر بمرسوم.
وهنا ينبغي ألا نذهب إلى الطرف الآخر.
فالجوائز تقوم بوظائف مهمة.
إنها تضيء أسماء مجهولة.
تمنح بعض الكتاب فرصة للترجمة والانتشار.
تلفت الانتباه إلى تجارب كانت خارج المركز.
وتدفع القارئ إلى البحث عن كتب ربما لم يكن ليصل إليها لولا الجائزة.
وفي هذه الحالة تصبح الجائزة بوابة.
والمشكلة لا تكون في البوابة.
المشكلة حين نعتقد أن البوابة هي البيت.
نوبل يمكن أن تفتح لي باب آنا كارسون.
لكن بعد أن أدخل، عليّ أن أمشي وحدي.
أن أقرأ.
أن أختلف.
أن أشك.
أن أرفض.
أن أحب.
وأن أقول في النهاية: هذا أعجبني.
وهذا لم يعجبني.
وهذا لم أفهمه.
وهذا أراه عظيمًا رغم أنني لم أحبه.
وهذا أراه مبالغًا في قيمته رغم أن الجميع يحتفي به.
الأدب العظيم ليس بالضرورة الأدب الذي اتفق الجميع على عظمته.
لكن قد يكون الأدب العظيم هو الذي يجعلنا نختلف.
إن اتفاق الجميع قد يكون أحيانًا علامة على أن العمل أصبح مؤسسة أكثر من كونه تجربة.
أما العمل الحي، فيستمر في إثارة الأسئلة.
نختلف حوله.
نعيد قراءته.
نغير رأينا فيه.
نكتشف فيه شيئًا بعد سنوات لم نره في القراءة الأولى.
وهذا ما يجعل الأدب أدبًا.
أما أنا، فإنني لا أرى عيبًا في أن أكون قارئًا جاء إلى كارسون بعد نوبل.
لكم أرى في ذلك اعترافًا بسيطًا بالحقيقة: لم أعرفها قبل ذلك.
وهذا أفضل، في رأيي، من أن أختلق معرفة لم تكن موجودة.
الجائزة لفتت انتباهي إليها.
ثم بدأت أقرأ.
والآن فقط يمكن أن يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا ستفعل آنا كارسون بي كقارئ؟
هل سأحبها؟
هل سأختلف معها؟
هل سأرى في تجربتها ما رأى فيه الآخرون؟
هل سأجد أن الاحتفاء بها أكبر من نصوصها؟
أم سأكتشف كاتبة كنت قد خسرت كثيرًا بعدم قراءتها في وقت أبكر؟
لا أعرف.
والأجمل أنني لا أريد أن أعرف قبل القراءة.
ثمة وهم آخر تصنعه الجوائز: أنها تجعل الكاتب يولد يوم إعلان النتيجة.
لكن آنا كارسون لم تولد يوم فازت بالجائزة.
تجربتها سبقت الجائزة.
كتبها كانت موجودة.
قراءها كانوا موجودين.
النقاد الذين اشتغلوا عليها كانوا موجودين.
ترجماتها كانت موجودة.
الاختلاف حولها كان موجودًا.
كل ما حدث أن الضوء اتسع فجأة.
وهذه نقطة مهمة جدًا: الجائزة لا تخلق القيمة من العدم، لكنها تستطيع أن تضخم الضوء المسلط عليها.
وهنا ينبغي للقارئ أن يكون حذرًا.
فالضوء لا يعني بالضرورة أن ما يقع تحته أعظم من كل ما بقي في الظلام.
كم من كتاب عظيم لم يحصل على جائزة؟
وكم من شاعر كبير لم يكن معروفًا إلا بعد موته؟
وكم من كاتب ظل في الهامش سنوات طويلة قبل أن يعاد اكتشافه؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للذائقة ليس أن تحب عملًا رديئًا.
فالذائقة تخطئ.
الأخطر هو أن تفقد حقها في الخطأ.
أن تخاف من أن تقول: لا أحب هذا الكاتب.
لأن الجميع يحبونه.
أن تخشى أن تقول: هذه الرواية لم تعجبني.
لأنها حصلت على جائزة.
أن تعتقد أن ذائقتك يجب أن تتطابق مع ذائقة المؤسسة.
عندها لا تعود تقرأ.
لكن تنفذ تعليمات ثقافية.
القارئ المستقل قارئ يستفيد منها دون أن يستسلم لها.
يقرأ توصية الناقد.
ثم يقرأ الكتاب.
يسمع رأي اللجنة.
ثم يشكل رأيه.
يعرف مكانة الكاتب.
ثم يسمح للنص بأن يخاطبه مباشرة.
وهذه الشجاعة مهمة.
أن تقول: أنا لا أعرف.
ثم تقرأ.
وأن تقول: أنا أعرف لماذا يعدونه مهمًا، لكنني لم أحبه.
وأن تقول: أحببته، رغم أن النقاد لم يحبوه.
وأن تقول: كنت مخطئًا في حكمي الأول، وسأعيد القراءة.
هكذا تتكون الذائقة.
ليس من الإجابات الجاهزة، وإنما من الاحتكاك الطويل بالنصوص.
ربما تكون جائزة نوبل واحدة من أكثر الآليات تأثيرًا في صناعة الشهرة الأدبية في عصرنا، لكنها تظل في النهاية مؤسسة خارج النص.
أما النص نفسه، فيبقى وحيدًا حين نفتح الكتاب.
لا لجنة نوبل تجلس معنا.
ولا الصحافة.
ولا القوائم.
ولا النقاد.
ولا ملايين القراء الذين اكتشفوا الكاتب في اللحظة نفسها.
هناك فقط: الكتاب ، والقارئ.
وذلك اللقاء الغامض الذي لا تستطيع مؤسسة مهما بلغت سلطتها أن تضمن حدوثه.
ولهذا فإنني، وأنا أكتب عن آنا كارسون بعد نوبل، لا أريد أن أقول إنني اكتشفتها قبل الآخرين، ولا أن أتظاهر بأنني كنت من قرائها الأوائل.
على العكس.
أقول ببساطة: لم أقرأها، ثم جاءت الجائزة ،فأضاء اسمها أمامي.
والآن أريد أن أقرأها لا لأن نوبل قالت لي إنها عظيمة، وإنما لأن نوبل دفعتني إلى أن أختبر بنفسي إن كانت عظيمة بالنسبة إليّ.
وهنا فقط تبدأ القراءة الحقيقية.
فالجائزة تستطيع أن تقول لنا: اقرأوا هذا الكاتب.
لكنها لا تستطيع أن تقول لنا:
أحبوه.
والفرق بين الأمرين هو الفرق بين القارئ الحر والقارئ الذي يستعير ذائقته من الآخرين.
إنني لا أريد أن أستعير ذائقتي من لجنة.
ولا من ناقد.
ولا من جمهور.
ولا حتى من تاريخ الأدب.
أريد أن أقرأ.
ثم أقول ، أحببت.
أو: لم أحب.
أو: لم أفهم بعد.
وربما تكون أجمل كلمة في هذه الرحلة كلها: سأعيد القراءة.
لأن الأدب الحقيقي لا يمنحنا حكمًا نهائيًا على الكاتب، وإنما يمنحنا فرصة لكي نعيد النظر في أحكامنا نحن.
وهذا الاعتراف، بالنسبة إليّ، أكثر أهمية من أن أقول الآن إنني كنت أعرفها قبل نوبل، أو أن أتصرف كما يفعل بعض القراء الذين يكتشفون فجأة أنهم كانوا يتابعون تجربتها منذ سنوات.
لم أكن أعرفها ،وحين حصلت على نوبل، بدأت أقرأ عنها.
وهذا، في ذاته، ليس عيبًا.
فالقراءة قد تبدأ من جائزة، أو من توصية صديق، أو من مراجعة صحفية، أو من مصادفة في مكتبة، أو حتى من اسم يمر بنا للمرة الأولى.
المشكلة ليست في أن نوبل دفعتني إلى الالتفات إليها.
المشكلة تبدأ عندما تحل الجائزة محل القراءة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من آنا كارسون نفسها.
إنه سؤال عن علاقتنا بالأدب، وعن الطريقة التي تتشكل بها أحكامنا الجمالية، وعن ذلك القارئ الذي لا يثق بحكمه إلا إذا سبقه حكم مؤسسة كبرى.
ما إن أعلنت الجائزة حتى ظهر فجأة جمهور واسع يعرف آنا كارسون، ويعرف مشروعها، ويعرف موقعها في الشعر العالمي، ويعرف أنها واحدة من أبرز الأصوات المعاصرة، وربما يعرف أيضًا أنها كانت تستحق الجائزة منذ سنوات.
وهنا أتساءل، لا عن صدق هؤلاء القراء، وإنما عن سرعة التحول.
كيف يمكن لاسم كان بعيدًا عن اهتمام قطاعات واسعة من القراء أن يصبح، خلال ساعات، اسمًا مألوفًا؟
كيف ينتقل الكاتب من الهامش النسبي إلى مركز الضوء بهذه السرعة؟
الجواب في جزء كبير منه بسيط:
الجائزة لا تمنح الكاتب الشهرة فقط؛ إنها تمنح القارئ شجاعة الاعتراف بقيمته.
وهذه مسألة تستحق التأمل.
فبعض القراء لا يدخلون العمل الأدبي وهم يسألون: هل يعجبني هل يؤثر فيّ؟
هل أراه عميقًا؟
هل أختلف معه؟
هل أجد فيه جمالًا؟
لكن يدخلون إليه وهم يحملون السؤال السابق على هذه الأسئلة كلها:
هل هذا العمل مهم؟
وحين تكون الإجابة: نعم، لأنه حصل على نوبل، تصبح بقية الأسئلة في كثير من الأحيان مجرد إجراءات شكلية.
ربما أخطر ما فعلته منظومة الجوائز الحديثة أنها جعلت للعمل الأدبي سوقًا للقيمة.
هناك الكاتب الذي لم يفز.
والكاتب الذي فاز بجائزة محلية.
والكاتب الذي فاز بجائزة عربية.
والكاتب الذي وصل إلى القائمة القصيرة.
والكاتب الذي فاز بالبوكر.
والكاتب الذي حصل على نوبل.
وكأن الأدب أصبح سلمًا، وكل جائزة درجة عليه.
وبهذا تتحول القيمة الجمالية إلى قيمة قابلة للقياس المؤسسي.
لا يعود السؤال: ماذا فعل هذا الكتاب بي؟
لكن: كم جائزة حصل عليها؟
ومن ترجمه؟
وكم لغة وصل إليها؟
ومن كتب عنه؟
وما موقعه في القوائم؟
ومن قال إنه عظيم؟
وهكذا قد نقرأ سمعة الكتاب قبل أن نقرأ الكتاب نفسه.
وهذا، في تقديري، من أكثر التحولات إثارة للقلق في علاقة القارئ المعاصر بالأدب.
ثمة قارئ لا يثق بذائقته.
يحتاج دائمًا إلى سلطة خارجية تقول له ماذا يحب.
إذا قالت لجنة نوبل إن هذا شاعر كبير، أصبح كبيرًا.
إذا قالت الصحافة الثقافية إن الرواية مهمة، أصبحت مهمة.
إذا تصدرت الرواية قوائم الأكثر مبيعًا، شعر بأن عليه قراءتها.
إذا حصل الكتاب على خمس نجوم، دخل إليه وهو يبحث عن النجوم الخمس.
وإذا قال ناقد مشهور إن العمل عبقري، يشعر القارئ أحيانًا بالخجل من أن يقول: لم يعجبني.
وهنا نصل إلى مشكلة أعمق من الجوائز.
إنها مشكلة استقلال الذائقة.
القارئ الحقيقي، في رأيي، ليس هو الذي يعرف أسماء الكتاب الفائزين بالجوائز، ولا الذي يستطيع أن يعدد أهم الأعمال في القرن العشرين، ولا الذي يحفظ قوائم "أفضل مئة رواية".
القارئ الحقيقي هو الذي يستطيع، بعد أن يقرأ عملًا عظّمته المؤسسات والنقاد، أن يقول:
لم أحب هذا الكتاب.
ثم يستطيع، في الوقت نفسه، أن يقول: لكنني أفهم لماذا يعده آخرون مهمًا.
هذه المسافة بين الحكم الشخصي والحكم النقدي هي من أهم علامات النضج.
ليس مطلوبًا مني أن أحب بودلير لأنه عظيم.
ولا أن أحب بروست لأنه بروست.
ولا أن أحب جيمس جويس لأن تاريخ الأدب وضعه في مكانة استثنائية.
ولا أن أحب شاعرًا لأن لجنة نوبل منحته جائزتها.
الجائزة يمكن أن تدفعني إلى القراءة..
لكنها لا تستطيع أن تدفعني إلى الإعجاب.
هذه، ربما، هي النقطة الأساسية.
يمكن للجنة نوبل أن تقول: هذا الكاتب يستحق الانتباه.
لكنها لا تستطيع أن تقول: يجب أن يعجبك.
الفرق بين الجملتين هائل.
الجائزة قد تكون إشارة.
لكنها ليست ذائقة.
قد تكون دعوة إلى القراءة.
لكنها ليست بديلًا عنها.
قد تكون حكمًا مؤسسيًا.
لكنها ليست حكمًا جماليًا نهائيًا.
إن تاريخ الأدب نفسه يثبت أن الجوائز والمؤسسات ليست معصومة من الخطأ.
الأزمنة تتغير.
المعايير تتغير.
الذائقة تتغير.
والكاتب الذي يبدو مركزيًا في لحظة معينة قد يتراجع حضوره لاحقًا، بينما يعود كاتب آخر من الهامش بعد عقود أو قرون.
الأدب أكثر بطئًا من الجوائز.
ولهذا فإن الزمن، في النهاية، هو الناقد الأكثر قسوة.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة في الثقافة العربية.
حين يُقال إن لكارسون، مثلًا، عددًا محدودًا من الأعمال المترجمة إلى العربية، ثم نجد فجأة جمهورًا واسعًا يتحدث عنها كما لو أنه أمضى سنوات في دراسة تجربتها، فإن علينا أن نتوقف.
ليس اعتراضًا على هؤلاء القراء.
فمن الطبيعي أن تدفع الجائزة الناس إلى البحث والقراءة.
لكن علينا أن نميز بين قارئ اكتشف كاتبًا بسبب الجائزة، وقارئ يتحدث عن الكاتب وكأنه كان يعرفه قبل الجائزة.
الأول طبيعي.
والثاني هو الذي يثير السؤال.
فليس هناك ما يدعو إلى الخجل من أن نقول: لم أكن أعرف آنا كارسون.
ثم حصلت على نوبل، فذهبت لأقرأ عنها.
هذا في حد ذاته موقف ثقافي صحي.
لأن الاعتراف بالجهل هو أول الطريق إلى المعرفة.
ربما تكمن المشكلة في ثقافتنا المعاصرة في أن كلمة "لا أعرف" أصبحت ثقيلة.
القارئ يخشى أن يقول لم أقرأ.
لم أعرف.
لم أفهم.
لم يعجبني.
لأن الثقافة تحولت في بعض جوانبها إلى استعراض للمعرفة.
نحن لا نكتفي بأن نقرأ الكتب.
نريد أحيانًا أن يعرف الآخرون أننا قرأناها.
ولا نكتفي بأن نعرف الكاتب.
نريد أن نثبت أننا عرفناه قبل الآخرين.
ولا نكتفي بأن نكتشف كتابًا.
نريد أن نثبت أننا اكتشفناه قبل أن يصبح مشهورًا.
وهكذا تدخل القراءة نفسها في لعبة المكانة الاجتماعية.
يصبح الكتاب الذي نقرأه جزءًا من صورة الذات التي نقدمها للآخرين.
وهنا يحدث تحول خطير.
الذائقة تبدأ بـ: أنا أحب.
ثم تتحول تدريجيًا إلى: ينبغي أن أحب.
وهذا فرق جوهري.
الأدب في جوهره تجربة شخصية.
قد نختلف حول قيمة عمل ما، لكن لا يمكن لمؤسسة أن تفرض علينا الاستجابة الجمالية له.
يمكن للجنة أن تقول إن هذا العمل مهم.
لكن لا يمكنها أن تصنع لنا الارتعاشة التي تحدثها قصيدة.
ولا تستطيع أن تفرض علينا الدهشة.
ولا أن تجعل نصًا باردًا بالنسبة إلينا دافئًا.
ولا أن تجعل رواية لم نحبها جزءًا من ذاكرتنا.
الجمال لا يصدر بمرسوم.
وهنا ينبغي ألا نذهب إلى الطرف الآخر.
فالجوائز تقوم بوظائف مهمة.
إنها تضيء أسماء مجهولة.
تمنح بعض الكتاب فرصة للترجمة والانتشار.
تلفت الانتباه إلى تجارب كانت خارج المركز.
وتدفع القارئ إلى البحث عن كتب ربما لم يكن ليصل إليها لولا الجائزة.
وفي هذه الحالة تصبح الجائزة بوابة.
والمشكلة لا تكون في البوابة.
المشكلة حين نعتقد أن البوابة هي البيت.
نوبل يمكن أن تفتح لي باب آنا كارسون.
لكن بعد أن أدخل، عليّ أن أمشي وحدي.
أن أقرأ.
أن أختلف.
أن أشك.
أن أرفض.
أن أحب.
وأن أقول في النهاية: هذا أعجبني.
وهذا لم يعجبني.
وهذا لم أفهمه.
وهذا أراه عظيمًا رغم أنني لم أحبه.
وهذا أراه مبالغًا في قيمته رغم أن الجميع يحتفي به.
الأدب العظيم ليس بالضرورة الأدب الذي اتفق الجميع على عظمته.
لكن قد يكون الأدب العظيم هو الذي يجعلنا نختلف.
إن اتفاق الجميع قد يكون أحيانًا علامة على أن العمل أصبح مؤسسة أكثر من كونه تجربة.
أما العمل الحي، فيستمر في إثارة الأسئلة.
نختلف حوله.
نعيد قراءته.
نغير رأينا فيه.
نكتشف فيه شيئًا بعد سنوات لم نره في القراءة الأولى.
وهذا ما يجعل الأدب أدبًا.
أما أنا، فإنني لا أرى عيبًا في أن أكون قارئًا جاء إلى كارسون بعد نوبل.
لكم أرى في ذلك اعترافًا بسيطًا بالحقيقة: لم أعرفها قبل ذلك.
وهذا أفضل، في رأيي، من أن أختلق معرفة لم تكن موجودة.
الجائزة لفتت انتباهي إليها.
ثم بدأت أقرأ.
والآن فقط يمكن أن يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا ستفعل آنا كارسون بي كقارئ؟
هل سأحبها؟
هل سأختلف معها؟
هل سأرى في تجربتها ما رأى فيه الآخرون؟
هل سأجد أن الاحتفاء بها أكبر من نصوصها؟
أم سأكتشف كاتبة كنت قد خسرت كثيرًا بعدم قراءتها في وقت أبكر؟
لا أعرف.
والأجمل أنني لا أريد أن أعرف قبل القراءة.
ثمة وهم آخر تصنعه الجوائز: أنها تجعل الكاتب يولد يوم إعلان النتيجة.
لكن آنا كارسون لم تولد يوم فازت بالجائزة.
تجربتها سبقت الجائزة.
كتبها كانت موجودة.
قراءها كانوا موجودين.
النقاد الذين اشتغلوا عليها كانوا موجودين.
ترجماتها كانت موجودة.
الاختلاف حولها كان موجودًا.
كل ما حدث أن الضوء اتسع فجأة.
وهذه نقطة مهمة جدًا: الجائزة لا تخلق القيمة من العدم، لكنها تستطيع أن تضخم الضوء المسلط عليها.
وهنا ينبغي للقارئ أن يكون حذرًا.
فالضوء لا يعني بالضرورة أن ما يقع تحته أعظم من كل ما بقي في الظلام.
كم من كتاب عظيم لم يحصل على جائزة؟
وكم من شاعر كبير لم يكن معروفًا إلا بعد موته؟
وكم من كاتب ظل في الهامش سنوات طويلة قبل أن يعاد اكتشافه؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للذائقة ليس أن تحب عملًا رديئًا.
فالذائقة تخطئ.
الأخطر هو أن تفقد حقها في الخطأ.
أن تخاف من أن تقول: لا أحب هذا الكاتب.
لأن الجميع يحبونه.
أن تخشى أن تقول: هذه الرواية لم تعجبني.
لأنها حصلت على جائزة.
أن تعتقد أن ذائقتك يجب أن تتطابق مع ذائقة المؤسسة.
عندها لا تعود تقرأ.
لكن تنفذ تعليمات ثقافية.
القارئ المستقل قارئ يستفيد منها دون أن يستسلم لها.
يقرأ توصية الناقد.
ثم يقرأ الكتاب.
يسمع رأي اللجنة.
ثم يشكل رأيه.
يعرف مكانة الكاتب.
ثم يسمح للنص بأن يخاطبه مباشرة.
وهذه الشجاعة مهمة.
أن تقول: أنا لا أعرف.
ثم تقرأ.
وأن تقول: أنا أعرف لماذا يعدونه مهمًا، لكنني لم أحبه.
وأن تقول: أحببته، رغم أن النقاد لم يحبوه.
وأن تقول: كنت مخطئًا في حكمي الأول، وسأعيد القراءة.
هكذا تتكون الذائقة.
ليس من الإجابات الجاهزة، وإنما من الاحتكاك الطويل بالنصوص.
ربما تكون جائزة نوبل واحدة من أكثر الآليات تأثيرًا في صناعة الشهرة الأدبية في عصرنا، لكنها تظل في النهاية مؤسسة خارج النص.
أما النص نفسه، فيبقى وحيدًا حين نفتح الكتاب.
لا لجنة نوبل تجلس معنا.
ولا الصحافة.
ولا القوائم.
ولا النقاد.
ولا ملايين القراء الذين اكتشفوا الكاتب في اللحظة نفسها.
هناك فقط: الكتاب ، والقارئ.
وذلك اللقاء الغامض الذي لا تستطيع مؤسسة مهما بلغت سلطتها أن تضمن حدوثه.
ولهذا فإنني، وأنا أكتب عن آنا كارسون بعد نوبل، لا أريد أن أقول إنني اكتشفتها قبل الآخرين، ولا أن أتظاهر بأنني كنت من قرائها الأوائل.
على العكس.
أقول ببساطة: لم أقرأها، ثم جاءت الجائزة ،فأضاء اسمها أمامي.
والآن أريد أن أقرأها لا لأن نوبل قالت لي إنها عظيمة، وإنما لأن نوبل دفعتني إلى أن أختبر بنفسي إن كانت عظيمة بالنسبة إليّ.
وهنا فقط تبدأ القراءة الحقيقية.
فالجائزة تستطيع أن تقول لنا: اقرأوا هذا الكاتب.
لكنها لا تستطيع أن تقول لنا:
أحبوه.
والفرق بين الأمرين هو الفرق بين القارئ الحر والقارئ الذي يستعير ذائقته من الآخرين.
إنني لا أريد أن أستعير ذائقتي من لجنة.
ولا من ناقد.
ولا من جمهور.
ولا حتى من تاريخ الأدب.
أريد أن أقرأ.
ثم أقول ، أحببت.
أو: لم أحب.
أو: لم أفهم بعد.
وربما تكون أجمل كلمة في هذه الرحلة كلها: سأعيد القراءة.
لأن الأدب الحقيقي لا يمنحنا حكمًا نهائيًا على الكاتب، وإنما يمنحنا فرصة لكي نعيد النظر في أحكامنا نحن.