قراءة نقديَّة في نص "حظر نشر" للكاتبة والشاعرة نادين آل دعجة حين سقط القلم، وبكتِ الكَلمات.. إضاءات نقديَّة بقلم – د.أيمن دراوشة

قراءة نقديَّة في نص "حظر نشر" للكاتبة والشاعرة نادين آل دعجة

حين سقط القلم، وبكتِ الكَلمات..

إضاءات نقديَّة

بقلم – د.أيمن دراوشة
​

مقدمة:

ليستِ الكتابة إلا صياغة ساحرة عذبة لما يختمر في داخلنا، تعبِّر عن تجربة إنسانية ذاتية وشاملة. هي رؤية عميقة أداتها اللغة، وحصانها الخيال، تسافر وتجنح بدلالة اللغة الحقيقية إلى دلالات مبتكرة غير التي وضعت لها بالأصل، وتكون مليئة بالمعاني الجديدة والإشارات والإيحاءات المدهشة.

إنَّ الشعور أوالتعبير يسعى ليكون وحيًا، ولهذا فله الحق "في أن يكون غامضًا، متردِّدًا، لا منطقيًا" كما يقول ألبيريس.

الكاتب بغض النظر عن النوع الأدبي الذي يكتبه، لا يستطيع فهم تجربة الحياة دون الغوص في المشاكل الإنسانية الكبرى. يتأمل ويتنقل في عالم الإنسان والكون الذي يعيش فيه إضافة إلى تجربته بالطبع.

من خلال ألوف النصوص لكتاب وكاتبات عدة، تاـخذنا الكتابة إلى عوالم مجبولة من الألم والحلم، عوالم متخمة بالثقوب والمتناقضات، هذه الكتابات الشفّافة العميقة ربما تعبر عن واقع مرير، واقع مليء بالاضطرابات والقلق، والخوف والاغتراب والمنافي. وربما أيضًا يغلب على تلك الكتابات التشاؤم والإحباط نتيجة العجز عن مواجهة التحديات التي نتعرض لها، لكنها في النهاية مفعمة بالأحلام النابتة في قلب الشمس.

وأنا أقرأ نص الكاتبة نادين كنت أحس بزفير وشهيق الكتاب والكاتبات، وأعصابهم المتوترة، التي تهتز كأغصان الأشجار تحت وقع الريح العاصفة. أحسست بنبضهم في نبضي، واهتزت نفسي وكأني أحلق معهم على البساط السحري في يوم شديد المطر وهبوب الريح.

ولا أخفي مع قراءة نص المبدعة نادين دهشتي وتمازجي وسعادتي، ففي نصوصها نزعة جمالية، وامتلاك لأدوات التعبير والصياغة.



المعمار الفني في نص الأستاذة نادين

أولًا: العنوان


يمثل العنوان " حظر نشر" عنوانًا ذكيًا، وصراعًا داخليًا ... إذ يعبر بشكل حاد عن الرغبة بالكشف والبوح، وبين كتمان الألم والوجع، أمًّا تصنيف النص فهو يقع بين الخاطرة الوجدانية أو الذاتية أو القصيدة النثرية لو تم تعميقه بشكل أوسع.



ثانيًا: صدق الشعور وعمق التجربة

أول وهلة نلحظ صدق الشعور وعمق التجربة بشكل كبير وواضح، فالكلمات المخطوطة ليست كلامًا عابرًا، بل هي صراع داخلي حقيقي فالكاتبة محتارة بين الرغبة في الكلام والخوف من الانكشاف أمام الناس. هذه المعضلة واضحة وقوية.



ثالثًا: بلاغة التجسيد والصور الحية

هنا قدرة هائلة من لدن الكاتبة في رسم مشاهد كاملة بتعابير قوية. مثل: أنقب في رماد موجع ، أو سلعة مباعة أو أصابع تثقل فوق الحروف... هذه الصور تجعلنا نعيش اللحظة. تشعرنا بالغصة نفسها.



رابعًا: الخاتمة الفلسفية برسالة عميقة

لا شك أنَّ النص يقول فكرة واضحة غير قابلة للشك، فكرة واعية مسؤولة، وهي أنَّ أرقى مراتب القلم هي حراسة كرامة البشر، ممل يعكس نضج الكاتبة بشكل حقيقي.



مجرد اقتراح أو ملاحظة

الانقطاع في بعض الجمل متتالية وقصيرة جدًّا. وهذا الشي يقطع تدفق المشاعر عند القارئ، ولو تم دمج بعض الجمل ببعض أدوات الربط الانسيابية؛ لكان النص أكثر سهولة في القراءة وأكثر سلاسة موسيقية، وفي بعض المواضع تكررت بعض المعاني، ولم يكن النص بحاجة ضرورية لذلك، مثل: الوجع والعتمة.



كلمة أخيرة

يمكن أن نعد نص الأستاذة نادين صرخة مدوية صامتة تجمع النقيضين معًا ومكتوب بعصارة القلب وشجاعة الموقف وقوة الكلمة، مما يجعله قريبًا من الروح، يستحق أن نتوقف بين طياته طويلا.

--

النص بقلم / نادين آل دعجة

حظر نشر..حين سقط القلم وبكت الكلمات.. الشاعرة نادين آل دعجه


في عتمة مكتبي..وميض شاشة باهت.. وأصابع تثقل فوق الحروف كأنها تخوض حربا مع اليراع

ساعات طويلة أنقب في رماد موجع..أجمع الشظايا والوثائق لأكتب مأساة كان مفترضا أن تضرم الضوء مع أول فجر

لكن الصفحات..كانت أثقل من أن تحملها ورقة أو يرتوي منها حبر

كنت أقرأ تفاصيل روحي عارية على الشاشة

أوجاع مسطورة بمداد جامد جرد الحكاية من نبضها

لأرى بمرارة كيف تحولت روحي إلى سلعة مباحة وكنت الضحية الوحيدة لكل تلك العتمة

غصة دافئة أوقفت الإصبع المعلق على زر النشر

وهناك..استقرت العتمة ليولد اليقين..لست حطبا لسوق الحكايات ..وليست كل الجراح قابلة للتسطير

فبعض الأوجاع يولدها الله لتستر لا لتشهر

كيف أضع خراب روحي في مهب الأعين؟ وكيف يكون السبق نبيلا وهو يقطر من كرامتي المهشمة؟

انكفأت على نفسي..وامتثل قلبي لنداء أطهر

فالأمانة ألا نكون صيادين للوجع

أغلقت الملف ببطء..أخذت نفسًا يملؤه سلام غريب

لم أكن هاربة، بل كنت أسترد المعنى الأكبر للخطوة

ضغطت بيميني على الحرف الأخير..فاختصرت طوفان الوجع في كلمتين ..حظر نشر

استقر السكون في الروح ..أدركت حينها أن أرقى مراتب القلم هي حراسة كرامة البشر..وأولهم النفس التي بين الضلوع

ثمة أوجاع يجب أن توارى في الصمت لتبقى طاهرة بعيدة عن عبث العناوين

حين تقف الحروف عاجزة أمام ثقل الأقدار..من عمق الوجع..ترفض الكلمات أن تكتب.

بقلمي..نادين آل دعجه

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...