أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٢ تشرين الأول من كل عام

١
مزايا الصلع :

للصلع مزايا اكتشفتها هذا الصباح وأنا في فندق جراند في بيت لحم .
صحوت مبكرا وأخذت حماما وأردت أن أمشط بقايا شعري، ثم اكتشفت أنني لم أحضر المشط معي .
هل ابتسمت أم أنني مدحت الصلع ؟
للصلع مزايا فليس كله سيئات .إنه مثلنا أيضا.

صباح لعله روسي :

مبكرا صحوت . ماذا سأفعل في غرفة الفندق الأشبه بالزنزانة . قرأت تقديم د.معين هلون لمعجمه ثم قررت الهبوط إلى قاعة الاستقبال في الفندق لأفيد من توفر النت فأكتب شيئا . في المصعد كان رجل وامراة أخمن أنهما روسيان .
بلا تفكير قلت morgen . يبدو انهما لم يفهما معنى الكلمة . الرجل أشاح بوجهه والمرأة التي كانت تنظر في المرآة التفتت نحوي وأخذت تبتسم . كانت ترتب شالها . هل راق هذا للزوج الذي واصل الإشاحة بوجهه ؟
نساء مرحات . رجال عابسون .
هل تذكرت الروسي الذي درس في معهد غوته في المانيا في1987؟ ربما !

بيت لحم :

بين فترة وأخرى أزور بيت لحم لا لقصد الزيارة وإنما للمشاركة في ندوة أو في مؤتمر .
أستغل هذا وأذرع شارع المدينة الرئيس وأدخل إلى كنيسة المدينة أشم عبق التاريخ .
لا أعرف من المدينة إلا شارعها الرئيس وبعض فنادقها والكنيسة . وكلما أتيحت لي فرصة المشاركة في ندوة أو مؤتمر غالبا ما ألبي الدعوة . خلال أقل من شهرين زرتها مرتين وألقيت فيها ورقتين ، أنجزتهما لمؤتمرين في الجزائر وتونس أساسا .
أحب المدينة وأحب زيارتها زيارات قصيرة .
أنا الآن في قاعة الفندق وحيد . ثمة همس يوحي بأن ثمة عواجيز مثلي يهربون من غرفهم الأشبه بالزنازين .
ثمة أمرأة جميلة جاءت وجلست إلى جانبي تلفظت بكلمة لم أفهم معناها . المرأة بيضاء شقراء تسر الناظرين .
هل سأتحدث معها أم سأواصل الكتابة ؟
يا للعنة التجربة الماضية ! يا للعنة الكومبيوتر ! ولعنة الهاتف والنت !

حامد عبدالله يدخل على الخط ويقول :
- صباح الخير والأنثى أخذت تتحدث، مع أخرى أتت للتو ، بلغة أرجح أنها أوروبية شرقية .
لا تواصل بسبب اللغة أو لسبب آخر . ثمة رعب من الإناث الغريبات . وجه جميل أبيض ، ولكن ...

غرباء في الفندق صباحا :

للتو جاء شاب في الخامسة عشرة من عمره وجلس .ثم جاء رجل وزوجته . هل هما والدا الشابة والشاب ؟ ربما !
لا أعرف لغتهم ،وسأتذكر محمود درويش :
"من أنا دون لغتي ".
بدأت الحركة تدب في باحة الفندق . لغة لا أعرفها . لقد جاؤؤا وكثروا . ترتدي الكبيرات منهن الشال .
- هل هن مسلمات ؟
-لا أعرف .
أنظر إلى وجه المرأة الجالسة إلى جانبي . بيضاء كالحليب إن وجهها يسر الناظرين .
حركة سياحية في بيت لحم .
صباح الخير يا ماجد صباح الخير والأبيض .
هذه الأيام تصادف ذكرى استشهاد ماجد أبو شرار .
المرأة نهضت وتمطت ، ثم غادرت المجموعة قاعة الفندق وعدت وحيدا . يا لوحدتي لولا جهاز الهاتف النقال والنت و....!
صباح الخير واغفروا لي بعض أخطائي فجمال المرأة كان آسرا .
ها هي امرأة تتكلم باللهجة المصرية تسأل شخصا ما عن صحة امرأة وعن نسبة السكر في دمها وعن رأيه في الموضوع .

صباح عراقي :

انقطعت عن الكتابة لأنني انشغلت بالحديث مع امرأة عراقية قادمة من لندن . الحوار معها يحتاج إلى كتابة مفصلة . المرأة مسيحية غادرت العراق وتقيم في لندن ، ولقد حنت إلى زمن صدام ومدحته، لأن ما يجري في العراق الآن مرعب .
ربما سأكتب هذا لاحقا .
العراقيون الآن في باحة الفندق حولي يتكلمون بالعراقية .

دعوت على عمرو فمات فسرني
فلما أتى زيد بكيت على....صدام .

هذا لسان حال العراقيين المنفيين .
المرأة مدحت الحياة زمن صدام قياسا إلى ما يجرى ..

عراقيون في بيت لحم :

وأنا في باحة الفندق أصغيت إلى العراقيين الذين غادروا للتو . ثمة امرأة عراقية قالت إنها ستزور حائط المبكى فاعترضت وقاد هذا إلى جدل طويل حول المصطلح والدين والسنة والشيعة وقول المعري عن الفتنة في اللاذقية ما بين أحمد والمسيح . ثمة عراقي أخذ يسألني عن رأيي في السلطة وإن كنت أقدر على نقدها ، وعن البطالة وتوزيع الثروة .
أجبته بأنني أنتقد السلطة غالبا ولا أعتقل .
سيغادر العراقي مع مجموعته لزيارة القدس وكنت هاجمت إسرائيل والسلطة وحماس .
حنظلة
٢٠١٣

٢
انتفاضة السكاكين أم انتفاضة المدى
أبو مازن وأبو عمار :

هل اتفق على اسم محدد لهذه الانتفاضة ؟أهي السكاكين أم المدى ؟
أطرف أخبار الصباح هو خبر من اسرائيل . إسرائيل تقول : إن دور أبي مازن التاريخي انتهى .
ها هي تكرر ما قالته عن أبي عمار . إنها تتهم أبا مازن بأنه شيخ الإرهابيين .
الحكاية تتكرر ولا دخل ﻷسرائيل منذ 1882 فيما يجري ، فلا احتلال ولا استيطان ، ولا تشريد شعب وتحويل حياته إلى جحيم .
كل شيء ممكن - أي والله .
12 / 10 / 2015

٣
آباء وأبناء :

في ال ( باص ) ، في الطريق إلى رام الله ، جلست إلى جانب طفل في السابعة أو الثامنة ، ولم أكلمه .
للتو عاد أبوه وجلس إلى جانب زوجته وابنه الثاني الذي كان في حضن أمه .
كان الأب ذهب ليشتري لابنيه عصيرا وماء و ( رقائق ) بطاطا وما شابه .
لم أتكلم مع الأب أيضا ، ولما أخذ يعرض على ابنه العصير والماء والبطاطا ، ولم يأخذ الابن شيئا ، قلت :
- لا تطلب من المغني أن يغني حتى يغني لحاله .
ابتسم الأب الذي بدا لي مألوفا ، وسألته إن كان من النصارية /الغور ، فأجابني :
- نعم . هذا صحيح .
كنت درست في النصارية من تشرين الثاني ١٩٧٧ - ١٩٨٢ ، وكان يومها في الصف الثالث الابتدائي ، وأنا كنت أدرس الصفوف الإعدادية فقط .
كنت درست إخوته وبعض أقاربه ، ولم يختلف عنهم في الشكل . إنه واحد منهم . جينات وراثية . طبعة . قالب طوب .... الخ .
عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام وتجاذبنا أطراف الحديث . سألته عن الناس والأرض والبيارات ومشتل المرحوم قاسم عبد الهادي ، وتحدث عن أسعار الأراضي وارتفاعها وجنون الناس ، وعن المياه والآبار و ... و ...
ونحن نتحدث غنى المغني . طلب ابنه منه رقائق البطاطس والماء والعصير ، وأخذ الطفل يتذكر مواقع الطريق ، فقد كان زار عمه ، من قبل ، في رام الله .
ما لفت نظري هو تصرف الأب .كان يتعامل مع ابنه بلطف زائد ، أو هكذا خيل إلي .
قلت في نفسي :
- كم يحرص الآباء على ابنائهم وكم يحسنون إليهم ، وأغلب الظن أنهم ينطلقون من منطلق: لعلنا في شيخوختنا نحتاج إليهم أو ... وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا .
بعض الأبناء لا ينسون هذا ويحسنون إلى والديهم ، وبعضهم ....
الله المستعان به .
١٢ / ١٠ / ٢٠١٦

٤
ذاكرة أحمد دحبور الشعرية :

قرأ أبو يسار بيتي المهلهل دون تلعثم ، وروى أيضا الأسطر الشعرية التالية لتوفيق صايغ دون أن يخطيء فيها :
أمي خسرتها للموت
K خسرتها للحياة k
عدوي الموت
عدوتي الحياة
معلق أنا
بين موت وحياة
لا بموت وحياة ..

وأما أنا فنقلتها من موسوعة سلمى الخضراء .
أول مرة التقيت فيها بأبي يسار كانت في مكتبة بلدية نابلس في ١٩٩٧ . يومها قرأ الشاعر قصائده عن ظهر قلب . استغربت الأمر وسألته : - كيف؟
- لكثرة ما قرأت قصائدي أمام الجماهير ، فقد حفظتها عن ظهر قلب .
قلت لأبي يسار :
- هناك سبب آخر هو الغنائية العالية فيها . وقرأت على مسامعه قول الشاعر العربي القديم :
تغن بالشعر إما كنت قائله
إن الغناء لهذا الشعر مضمار .

وأشعار أحمد دحبور المبكرة ، في أكثرها ، أشعار غنائية ، حتى إنها لتضاهي غنائية محمود درويش .
أنا ميال لقصائد أبي يسار الغنائية ولهذا وجدتني أكتب عن ديوانه " ولدت هناك..ولدت هنا " ( ١٩٩٧ ) .
أحمد دحبور شاعر عبر عن تجاربه ، وقصائده التي صدرت عن تجربة قصائد حارة .

٥
كيف يخسر الإخوة بعضهم حد القطيعة ؟

مثلنا الشعبي متناقض إلى حد بعيد ، فنحن نقول " عمر الدم ما بصير ميه" ونقول " الدم ثقيل على بعضه " ، وكم من إخوة قاطعوا بعضهم ولم يحضروا جنازاتهم !
كنت أود أن أكتب مقال الأحد حول هذا ولكني تراجعت وأجلت الكتابة وفضلت أن أكتب عن رواية خليل النعيمي الروائي العربي السوري " القطيعة " .
حين يتدخل الأخ في حياة أخيه الشخصية ويبحث عن أسراره ويدخل إلى منزله ويفتش في أشيائه ليس هناك سوى " القطيعة " والقطيعة الأبدية وهنا يصير الدم ماء حتى لو زعل الشاعر القومي أمل دنقل صاحب قصيدة " لا تصالح " .
مقالي في الأيام الفلسطينية غدا عن خليل النعيمي وروايته " القطيعة " وقد كتبت عنها دراسة نشرتها هنا على حلقات .
١٢ تشرين الأول ٢٠١٩.

٦
في تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي :

وأنا أراجع ما كتبته إحدى طالباتي التي تعد رسالة ماجستير عن رواية الكاتب واسيني الأعرج " مي : ليالي ايزيس كوبيا " توقفت مليا أمام مفردات وعبارات غالبا ما لا يلتفت إليها القراء غير النقاد .
يفترض أن كاتبة المخطوطة هي مي زيادة وأن محققها هو ياسين الأبيض . تكتب مي في حزيران ١٩٣٦ " هذه الطفلة التي فتحت عينيها ( ١ ) في قرن الحروب الكبرى والفتوحات العلمية الباذخة .."
وفي الهامش يشار إلى ١٨٨٦ - أي أنها ولدت في ١٨٨٦ .
والسؤال هو :
- هل سرد مي لتجربتها في ١٩٣٦ هو سردها أم سرد ياسين الأبيض ؟
هل شهد القرن الذي فتحت مي عينيها فيه حروبا كبرى ؟
وإذا افترضنا أن المقصود هو أن مي فتحت عينيها في القرن العشرين فهل شهد القرن حتى ١٩٣٦ حروبا كبرى ؟ لقد شهد حربا واحدة وبدأت الحرب الثانية في ١٩٣٩ .
أغلب الظن أن ياسين الأبيض الذي حقق مخطوط مي المفترض غاب عن ذهنه تاريخ كتابة مي وهو حزيران ١٩٣٦ .
- لماذا أعترض غالبا على الرواية التاريخية ؟
- ربما لأنني أقرأ فيها أحيانا عن زمن الكاتب لا عن زمن الشخصيات المكتوب عنها ولعلني مخطيء .
١٢ تشرين الأول ٢٠١٩

٧
الست كورونا : " جنين " وعودة إلى الإغلاق الشامل ( 97 )

أخبار المساء لم تحفل بما هو مفرح . الخبر المفرح الوحيد في حياة الفلسطينيين على ما يبدو هو فقط تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وعودة سكانها ممن هاجر منها - أي عودة جدي وجدتي وأبي وأمي ليبدأوا حياتهم التي كانوا عليها قبل ١٥ أيار ١٩٤٨ ، وبأعمارهم التي كانوا عليها في حينه وليموتوا في يافا وليقبروا في مقابرها ، وأي خبر غير هذا ليس خبرا مفرحا . " وعاوزنا نرجع زي زمان ، قل للزمان ارجع يا زمان " .
السيد أكرم الرجوب محافظ مدينة " جنين " أعلن عن إغلاق المدينة لمدة خمسة أيام " خمسة وخميسة " ولا أعرف قصة العبارة .
ما السبب الذي حدا بالسيد المحافظ إلى العودة إلى سياسة الإغلاق ؟
اليوم أو أمس بلغ عدد الإصابات في " جنين " ١٧٧ إصابة ، ولا أعرف إن كان هناك وفيات . وفي دولة الاحتلال صارت الأرقام ترتفع بارتفاع سعر الشيكل قياسا للدولار والدينار واليورو .
وأنا أفطر اليوم الفول في مطعم حمدي سألني إن كان هناك حقا كورونا ، وجاري الذي يكاد يقترب من الستين خاف من الذهاب إلى المشفى حتى لا يحجز بحجة الإصابة بالكورونا ، فهو يعاني من ضيق التنفس وما شابه مما يشترك مع أعراض الكورونا .
عندما دخلت أمس إلى مقهى خان الوكالة في البلدة القديمة قاس أحد الموظفين درجة حرارتي ولما وجدها حوالي ٣٧ سمح لي بالدخول والجلوس مع طالبي دكتوراه طلبا مشورتي .
البرد على الأبواب وربما تتكرر حالة جنين في جنين وغيرها . هل سيؤدي البرد إلى مزيد من الإصابة بالكورونا أم أنه سيقلل من الإصابات ؟
التدفئة والكستناء وإغلاق أبواب المقاهي ، كل هذا سيربكنا وفي نشرة الأخبار خبر عن صالات الأفراح والأتراح والليالي الملاح وغير الملاح ، ونأمل من الله العافية ولن تتحرر فلسطين من نهرها إلى بحرها إلا إذا أخذتنا الكورونا نحن و " هم " ، ولن يعود جدي وجدتي وأبي وأمي إلا إذا حصل هذا ونفخ في البوق والله أعلم .
١٢ تشرين الأول ٢٠٢٠

٨
" زوجة بالبريد " :
ربعي المدهون و " طعم الفراق " ( ط أولى ٢٠٠١ /ط ثانية ٢٠١١ ) :

في الأيام الخمسة الأخيرة قرأت كتاب الفلسطيني الأصل / البريطاني الجنسية ، المولود في المجدل في العام ١٩٤٥ الروائي ربعي المدهون ، " طعم الفراق " .
والحقيقة أنني استمتعت بقراءته أكثر من استمتاعي بقراءة روايتيه " السيدة من تل أبيب " و " مصائر ، كونشرتو الهولوكست والنكبة " ربما لأنه خرج من القلب إلى الورق دون تكلف أو صنعة ، وربما لأنه سيرة ذاتية للكاتب ولأسرته اللاجئة معا نموذجا لسيرة أسرة لاجئة فلسطينية أرخت لستة عقود من حياتها وما ألم بها .
وأنا أقرأ الكتاب تذكرت قصة قصيرة للكاتب المرحوم محمد أيوب ابن مدينة يافا المولود فيها واللاجيء إلى قطاع غزة المقيم مثل ربعي المدهون في مخيم خان يونس ، وعنوان القصة " زوجة بالبريد " يعالج فيها الكاتب موضوع الزواج في المجتمع الفلسطيني في ٧٠ القرن ٢٠ ، حيث كان الأهل يخطبون لابنهم المقيم في العالم العربي ويعقدون له القران على إحدى معارفهم ويرسلون له زوجته بعد ذلك ، عبر الأردن عن طريق مطارها ، إلى حيث يقيم .
لماذا تذكرت القصة ؟
تصر عمة ربعي المدهون أن تزوجه من أديبة ابنة أخيها دون أن تأخذ رأيه ، وهكذا يتم عقد القران دون حضوره هو المقيم في دمشق لانقطاعه عن أهله بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، حيث كان يدرس في القاهرة التي رحل عنها لوقوفه ضد قبول جمال عبد الناصر مشروع روجرز ولانتمائه للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين .
يخضع ربعي للأمر ويلبس الخاتم ويتزوج بالبريد ، ولكنه أيضا ينفصل عن زوجته بالبريد ، فمن عقد قرانه قام برفع قضية طلاق ضده وطلقه من زوجته .
لعل الصفحات ٣٠٠ إلى ٣١٠ عن الموضوع هي الأطرف عموما ، وإن كان ثمة صفحات كثيرة طريفة ولافتة مثل تلك التي تأتي على ياسر عبد ربه يوم كان نشيطا في الجبهة الديمقراطية في نهاية ٦٠ القرن ٢٠ أيام الثورة الفلسطينية في الأردن .
حين أصدر ربعي المدهون كتابه لم يكن كتب أيا من روايتيه . كانت صدرت له فقط مجموعة قصصية أظن عنوانها " أبله خان يونس " وإن لم تخني الذاكرة ففيها قصة عنوانها " كناس المخيم " .
حكاية ربعي هي حكاية جيل فلسطيني ولد في ٤٠ القرن ٢٠ وعاش اللجوء وأقام في المخيمات وانتمى للثورة ثم ...
ثم ...
" لا بد من صنعا وإن طال السفر " .
رحم الله الكاتب محمد أيوب وأطال في عمر الكاتب ربعي المدهون وفي عمر أخيه الشاعر راسم الذي ما زال يقيم في سورية " قلب العروبة النابض" التي لم ترق لربعي فغادرها إلى بيروت لأن تجربته فيها ، مع المخابرات السورية ، كانت مرة و ... .
حكايات الفلسطينيين حكايات ولا أعرف إن كان ياسر عبد ربه قرأ ما كتب عنه فيها ليرى صورته في شبابه ويقارنها بصورته الآن .
إن أطال الله في عمري فلعلني أكتب عن صورة اليسار في الرواية العربية ؛ ولقد كتبت مرة عن قصة الكاتب القصصي السوري زكريا تامر " يا أيها الكرز المنسي " .
كلنا في شبابنا أحببنا الفقراء ودافعنا عنهم ثم صرنا وزراء أو ذوي مناصب عالية ونسينا طعم الكرز . هل نسي ربعي طعمه أيضا يوم حصل على الجنسية البريطانية ؟!
لست أدري ، ومن قال لا أدري فقد أفتى !!
١٢ تشرين الأول ٢٠٢١ .

٩
عفاف خلف
لغة الماء ... ذاكرة الاجتياح

" لغة الماء " هي الرواية الأولى لعفاف خلف ، وقد صدرت عن دار اوغاريت في العام ( ٢٠٠٧ ) ، ولا أعرف إن كانت الكاتبة نشرت من قبل نصوصا في الصحف أو المجلات . لقد فأجأتنا برواية يمكن القول إنها ناضجة وممتعة ، على الرغم من أنها الأولى . وربما تذكر المرء ، وهو يقرأ " لغة الماء " روايات الأدبية الجزائرية أحلام مستغانمي ، وإن كان هناك فارق بين الكاتبتين فإن مستغانمي كتبت الشعر ونشرته قبل عشرين عاما من إصدارها "ذاكرة الجسد " ( ١٩٩٣ ) .
وإذا كانت عفاف خلف تركت عنوان روايتها يبرز على الغلاف باللون الأبيض ، لتقول لنا إن لغتها بيضاء ، فقد نجحت إلى حد بعيد ، ذلك أن لغة الرواية لغة صافية أدخلها المؤلف في مياه نهر ( ليثي ) ، لتبدو مثل لغة الشعر الغنائي لغة صافية واحدة ، على الرغم من تعدد الساردين . كأن لا فرق بين فاطمة التي تروي وبين محمد الذي يحاورها ويعطيها أوراقه لتكتب الرواية .ويمكن القول إننا أمام راويين رئيسين وأمام نصوص مقتبسة من كتب أبرزها العهد القديم . واللافت أنه لا فرق بين المستوى اللغوي في الرواية بين الناطقين / الشخوص الذين يعيشون في القرن العشرين وبين النصوص المقتبسة من العهد القديم .
وربما لا يستغرب المرء هذا لسبب واضح هو أن المؤلفة الضمنية للرواية ، وهي فاطمة، قارئه روايات وكتب ، وأن محمدا أيضا يكتب . عدا ذلك يبدو أن فاطمة قارئة جيدة للقرآن الكريم ، بل ويبدو أنها حافظة له ، ما جعلها تفيد من لغته وعباراته التي انتثرت على لسانها ولسان محمد في صفحات كثيرة ، وهذا يذكرنا بقول ( ميخائيل باختين ) عن اللغة والأسلوب الذي هو مزيج من لغات سابقة ، فليس ثمة لغة لإنسان على الأرض خالية من لغة الآخرين إلا لغة آدم عليه السلام ، إذ كل لغة بعده معتمدة على لغته . وإذا ما كررنا مقولة وردت في القرآن تتمثل في أن الله - سبحانه وتعالى - علم آدم الأسماء الحسنى قلنا إنه ليس ثمة لغة خالية من لغة الآخرين إلا لغة الله ، إذ أن لغة آدم لغة متعلمة ، لغة تتكيء على لغة سابقة .
وعلى الرغم من أن الساردين سردا بلغة عربية فصيحة ، بل إن الحوار ، حتى مع الجنود الإسرائيليين ، جرى بالعربية الفصيحة ، إلا أن المرء لا يعدم وجود أخطاء لغوية نحوية ، تنتشر هنا وهناك ، وهي أخطاء يقع فيها أحيانا كثيرة متخصصون في الأدب العربي .
وسيرد في الرواية الحديث عن اللغة في مواضع أبرزها في ص ١٠١ وفي ص١٦٩ تحت عنوان فرعي هو " اليوم السابع عصرا " تسرد فاطمة وتخاطب أمها قائلة :
" ارتاحي يا أم ، هدهدة الموت لا تجدي ولا تجدي لغة الرثاء " وفي ص ١٦٩ ، بعد استشهاد محمد ، تقول عن لغته :
" كم هي مفخخة لغتك ، كم من الألغام تنتثر بين الجمل والسطور .... "
وقبلها :
" تخذلني الكلمات ، وحدك كنت الفارس الأجمل في حقول اللغة "
وسنعرف ونحن نقرأ الرواية أن لغة المقاومين لغة مشفرة . هكذا يكتب هؤلاء في أثناء الاجتياح رسائل على الهاتف المحمول . تبدو مشفرة تقول ما لا يفعله أي شيء آخر ، فمنه جعل الله كل شيء حيا .
وإذا كانت عبارة " لغة الماء " عبارة مشفرة ، والتشفير ، كما لاحظنا ، وارد في الرواية ، فإنه يجوز لنا أن نورد التأويلات الآتية لها :
- لغة الكاتبة بيضاء . بمعنى أنها سليمة ومتينة وشاعرية .
- لغة المقاومة هي اللغة البيضاء وما عداها من لغات ليست كذلك . وتتمثل لغة المقاومة في لغة فاطمة ومحمد . وتبقى هناك على أية حال اجتهادات أخرى .

موضوع الرواية :

موضوع الرواية هو اجتياح نابلس في نيسان ٢٠٠٢ ، وهو موضوع خاض فيه كتاب وروائيون وقصاصون من قبل ، وهو موضوع يدرج تحت عنوان أوسع وأكبر هو " أدب انتفاضة الأقصى " ؛ الانتفاضة التي اشتعلت في ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠ ، بسبب زيارة ( إريك شارون ) المسجد الأقصى .
ويمكن أن يشير المرء إلى شعراء كتبوا في الموضوع أبرزهم محمود درويش في " حالة حصار " ( ٢٠٠٢ ) وإلى قصاصين أبرزهم أكرم هنية في " أسرار الدوري " ( ٢٠٠١ ) و " دروب جميلة "( ٢٠٠٧ ) وإلى روائيين مثل سحر خليفة في روايتها " ربيع حار "( ٢٠٠٤) وسهاد عبد الهادي في " ذاكرة زيتونة " ( ٢٠٠٧ ) .
و " لغة الماء " هي ثالث رواية بعد روايتي سحر وسهاد تدور أحداثها في البلدة القديمة في نابلس في شهر الاجتياح ، وتبدو مقاربة النصوص والمقاربة بينها مجدية ، لأنها ترينا ثلاث روايات كتبت في موضوع واحد ، بل كبف كتبت ثلاث روائيات من المدينة نفسها عن الحدث نفسه .
أصغت سحر إلى نساء حوش العطعوط وكتبت روايتها ، فيما كتبت سهاد عن الأحياء المحيطة وما جرى فيها ، وأما عفاف فاتكأت ساردتها على ما عاشته ، وهي من سكان البلدة القديمة ، وأيضا على تجربتها مع مقاوم هو محمد ، وكان يزورها ويتصل بها ويكتب أوراقا يعطيها إياها لتكتب الرواية .
نحن في " لغة الماء " أمام سارد مشارك يروي من الداخل ، ويروي بمقدار ما يشاهد وما يعرف . إننا لسنا أمام سارد كلي المعرفة غير مقنع . إن الراوي في " لغة الماء " يروي الأحداث التي يعيشها ويعرف عنها من شخوصها الذين يزودونه بالأخبار مشافهة وكتابة ، ما يمنح الرواية قدرا كبيرا من الإقناع .
وربما اختلط أمر السرد على القاريء العادي ، إذ أننا تارة نصغي إلى صوت فاطمة تروي ، وطورا نصغي إلى صوت محمد ، دون أن أن تلجأ الكاتبة إلى لعبة شكلية تميز من خلالها صوت الراوي سوى ترك فراغ أحيانا أو وضع إشارات أو عناوين فرعية . وكان للكاتبة أن تفعل ما فعله غسان كنفاني في روايته " ما تبقى لكم " إذ لجأ إلى تغيير شكل الحرف حين يتغير السارد ، وأظن أن الكاتبة أفادت في كتابة روايتها من روايات حسن حميد الكاتب الفلسطيني المقيم في الشام ، بخاصة روايتاه " جسر بنات يعقوب " و " النهر بقمصان الشتاء " ، إذ غالبا ما لجأ إلى عناوين فرعية كتب تحتها ما لم يكتبه في النص الأصل ، وكتب الحواشي ليتمم المعنى أو ليوضح ما لم يوضحه السارد ، وهو في " لغة الماء " فاطمة ومحمد . وقد تكون الحواشي مكتوبة من فاطمة وقد تكون لمحمد نفسه . ويحتاج القاريء إلى قدر من التأني حتى يحدد من هو المتكلم .

جرأة في الطرح

ليست لغة الرواية وأسلوبها هو ما يلفت النظر فيها على الرغم من أن اللغة والأسلوب يبدوان آسرين . إن ما يلفت النظر فيها أيضا هو النقد الذاتي الجريء للسلطة الفلسطينية ولانتهازيي الفصائل . يسجن محمد في سجون السلطة ويعذب ، ولكن هذا لا يثنيه عن مقاومة المحتل ، وحين يبدأ الاجتياح يدافع عن نابلس ، خلافا لكثيرين ممن خدموا في قوات السلطة وتراجعوا لأن الأوامر جاءت إليهم بألا يقاوموا ، فالمعركة غير متكافئة . ومحمد الذي يمثل فصيلا مقاوما ، وتحديدا جهة في فصيل ، قاومت وما زالت تقاوم وترى أن المجابهة مع الاحتلال هي الخيار الوحيد ، لا التفاوض والسكون والاستسلام . محمد هنا يرى أن بعض أفراد هذا الفصيل يخونون ، وبعضهم يبدون انتهازيين يغريهم المال والمنصب ، وفي النهاية يدفع حياته ثمنا لخيانة مصطفى وتخاذل لبيب .
كان مصطفى مع لبيب ، ولبيب في فصيل الكتائب ، وكان لهما علاقة مع امرأة من البلدة القديمة هي أم دياب . تتغير هذه وتثرى ويثرى لبيب ويتردد الاثنان على بيتها هي التي تراقب فاطمة وزوارها . وسيشي مصطفى بمحمد فيقتله الإسرائيليون .
إن الخيانة هي ما يؤلم محمد ، وهذا ما كان يكرره كثيرا . لقد حسب للخيانة الف حساب ولم ينج ، فقد سقط صريعا لا لذكاء الاحتلال ، بل للمعلومات التي زوده بها بعض من انضموا إلى الكتائب وتسلقوا عليها .
وسيقرأ المرء نقدا حادا للسلطة الفلسطينية ولمن سار في ركاب ( أوسلو ) . إن محمدا لا يميز بين سجونها وسجون الاحتلال الإسرائيلي ، فالسجان الفلسطيني يفعل بالسجين الفلسطيني ما كان يفعله به السجان الإسرائيلي .
وعموما فإن " لغة الماء " تبشر بمولد روائية ، اتفقنا مع طروحات فاطمة ومحمد أم لم نتفق .

١٠
وليد الشرفا " القادم من القيامة "

" القادم من القيامة " عنوان رواية للدكتور وليد الشرفا المدرس في جامعة بير زيت ، خريج جامعة النجاح الوطنية في مرحلتي البكالوريوس والماجستير والجامعة الأردنية في مرحلة الدكتوراه ، وقد أنجز رسالة الماجستير عن جبران خليل جبران والدكتوراه عن ادوارد سعيد ، ولقد عرفته منذ العام ١٩٩١ شابا متذمرا باستمرار ، يرتدي دائما قميصا وبنطالا أسودين ، لعله مؤخرا تخلص من اللون الواحد ، وإن جاء غلاف روايته باللون الأسود ، عدا اللوح واسمه وعنوان الرواية وشعار دار النشر ، ولون النص الأدبي رواية .
هل وليد هو الذي اختار هذا اللون للغلاف ؟
إن مضمون الرواية لا يقول لنا إن الحياة بيضاء وإن واقعنا أبيض ، إنه - أي مضمون الرواية - يقول لنا ما يقوله الغلاف ، وكذلك تبدو صورة الواقع فيها ، وليس ثمة أبيض إلا الراوي وصديقه الذي يروي بعض فصول الرواية التي يرويها راويان . كأنما هما المؤلف والقادم من القيامة ، وكأن كل ما حولهما أسود ، فصديق الراوي الرئيس فبها في نظر الراوي الرئيس هو آخر الأنبياء . إنه الثوري الذي ظل أبيض ناصع البياض ، ثوريا خالصا طاهرا نقيا في واقع كل ما فيه غدا مشوها .
هل تأثر وليد الشرفا في ثورته بمن كتب عنهما - أي بجبران خليل جبران وادوارد سعيد المثقف ذي العقل الناقد ؟ هل تأثر بهما أم أن بذور التمرد كائنة فيه حتى قبل أن يكتب عنهما ؟
ذكرت أنني أعرفه طالبا في جامعة النجاح في مرحلة البكالورروس قبل أن يكتب عنهما ، وذكرت أنه كان طالبا متذمرا لا يعجبه الكثير من مظاهر حياتنا ، ما يعني أن اختياره لجبران وسعيد يعود إلى هوى في النفس وجده أيضا لدى الاثنين . هل أراد أن يكتب عنهما ذاهبا إلى تذكيرنا بالمقولة : قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت ؟ ربما !
راوي الرواية مناضل فلسطيني يغادر وطنه ليدرس في الغرب الهندسة الإلكترونية ، وهو بالأساس ريفي فلسطيني كان له في القرية صديقان استشهد أحدهما ، وكان متزوجا وله طفلة ، فيما ظل الثاني على قيد الحياة حين كان الراوي الأول في الغرب ، وظلا على اتصال معا . يعرف الأول من الثاني أخبار الوطن وما آل إليه بعد أوسلو ويظل مخلصا لوطنه فيرسل الأموال لصديقه حتى يوزعها على الطلاب ، ولا يخذله الصديق ، فلا يسرق ولا يخون ، ويظل مثل صديقه وفيا لصديقهما الشهيد ، وكلما مرت ذكرى ذلك الصديق تحدثا معا وسأل البعيد المغترب المقيم في الوطن عن زوجة الشهيد وطفلته وما آلت إليه ، وكم يحزن البعيد حين يعرف أن الشاعر الانتهازي ، غدا بعد أوسلو ، مسؤولا مهما ينتظر الناس زيارته القرية حتى ينالوا هباته من طحين وأموال وأدوية . وكم يحزن البعيد حين يعرف أن الشاعر تزوج من أرملة الشهيد والصديق الذي كان مناضلا . هل ثمة دلالات رمزية في الرواية يقوله زواج الشاعر من أرملة المناضل ؟
قد يستطيع المرء تأويل ذلك ، وقد يرى فيه نقدا ذاتيا لما آلت إليه الأمور .
الراوي الأول الذي بلغ الأربعين من العمر ، وأفنى سنواته مهموما بهموم الوطن يعود إليه ولا يفرح إذ يكتمل حزنه حين يستشهد صديقه الثاني على الحاجز ، وهكذا يفقد صديقي الطفولة المناضلين المخلصين ؛ من كان يحمل السلاح ويهربه ومن عاش مرحلة أوسلو وشاهد فيها ما آلت إليه الأمور .
إن التذمر من أوضاعنا وما آلت إليه وارتفاع نبرة النقد خصيصة رئيسة من خصائص هذه الرواية ، وسرعان ما يتذكر المرء روايات أخرى لآخرين مثل أحمد حرب وأحمد رفيق عوض . الأول في " بقايا " ( ١٩٩٦ ) والثاني في " مقامات العشاق والتجار " (١٩٩٧) ، إذ أتيا على ما بعد أوسلو وصورا انقلاب الأحوال وتغيرات الواقع ، وإذا كانا لامسا الواقع ذاك في حينه وكان الزمن الكتابي مطابقا للزمن الروائي فإن وليد الشرفا يكتب في العام ٢٠٠٧ وينشر في العام ٢٠٠٨ ، ويلامس فيها مرحلة زمنية انتهت ، وإن كانت آثارها وما ترتب عليها ماثلا . هنا ثمة مسافة بين زمني الكتابة والنشر وبين الزمن الروائي .
الثوري في نظر الناس يصبح لصا ؛ لأنهم لا يعرفونه ، إذ جاء من بعيد ، واللصوص يدفنون الأنبياء ، إذ شارك الشاعر في دفن صديقه آخر الأنبياء . هكذا تنتهي الرواية :
" لعنكم الله ، لو كنتم كما تقولون لما تركتم اللصوص يدفنون الأنبياء " .
وهنا يتساءل الراوي الأول القادم من بعيد :
" من أين سنبدأ لهم بالحكاية والحبل يلتف حول أعناقهم ؟" .

١١
( رائحة حصار لنابلس : أحاديث عن إغلاق مداخل نابلس ١٢ / ١٠ / ٢٠٢٢ )



تضامنت نابلس ، مثل بقية مدن أخرى في الضفة الغربية ، مع مخيم شعفاط في القدس .
أعلن أهالي المخيم والمناطق المجاورة له العصيان المدني بسبب الحصار الذي فرضه الاحتلال على المخيم بحثا عن شاب .
حركة مواصلات الناقلات العمومية ضعيفة ، فأكثر المواطنين التزموا بيوتهم ولم يواصلوا فتح محلاتهم . لم يكن في الباص الذي استقللته إلى وسط نابلس سوى طالبات المدرسة ، ويبدو أنهن داومن وعدن ، وقت انصراف طالبات المدارس وطلابها، عدن إلى بيوتهن .
المحلات كلها تقريبا مغلقة إلا بعض باعة خضار والأفران التي تبيع الخبز وبعض محلات المكسرات التي فتحت على خجل " نصف فتحة " .
في الباص تحدث المذيع عن إغلاق شارع فرعي جديد بين منطقة عسكر - المساكن الشعبية الشرقية وعصيرة . وفي الباص أيضا تجاذب أستاذ متقاعد والسائق الحديث معقبين على ما يجري .
- خطتهم مكشوفة . إنهم يبيتون شيئا للمدينة ومحيطها .
- إنهم يستفزون الناس .
وفي شارع فيصل كانت المحلات مغلقة . ثمة سيارات وثمة مشاة قليلون .
على دوار المدينة حيث المحلات ، إلا أقلها ، مغلقة كان ثمة باعة يبيعون الفواكه ، وهناك صيدليات تبيع الدواء ومخابز تكاد بضاعتها تنفق . شارع غرناطة لا يسير فيه إلا بعض مشاة . معلمات عائدات من دوامهن قد يمرحبنني لأنني علمتهن في الحامعة .
- كيف الصحة أستاذ ؟
- معلمات . أكيد وإلا لكنتن الآن في بيوتكن .
تبتسمان ويواصل كل منكم طريقه .
في شارع غرناطة يسألني شابان متوسطا الطول وممتلئان عن سبب إغلاق المدينة ، فأخبرهما :
- التضامن مع أهالي مخيم شعفاط .
وأقول لهما ما سمعته للتو :
- وأنا قرب البنك العربي سمعت شابا يقول لصديقه :
- الدبابات صارت في نابلس الجديدة .
الشابان قالا لي :
- ثمة حواجز وسواتر ترابية أيضا في الطريق من قلقيلية .
هل يفتعل الإسرائيليون الأحداث لتسخين الجبهة حقا ؟
ربما صاروا مثل المصريين القدامى في موسم فيضان النيل . لا بد من فتاة تقدم للنهر ليفيض ، ولا بد من ضحايا فلسطينيين وقت الانتخابات ليفوز الحزب الحاكم في الدولة العبرية .
أمشي . أمشي . أمشي في شوارع نابلس . المدينة محلاتها مغلقة والشوارع تخلو من المشاة وتمتليء بالسيارات . نهر من السيارات والأجواء خريفية وثمة تنبؤات بأمطار خفيفة هذا المساء أو مساء غد ، ولا شيء يخجل من أوانه ، وفي فلسطين هنا تحت الاحتلال ثمة مراحل هدوء ومراحل انتفاضات . كل سبع ثماني سنوات تشتعل الضفة أو تشن حرب على غزة أو ...
١٢ / ١٠ / ٢٠٢٢

١٢
عبد الرحيم محمود : لعمرك هذي حياة تسر الصديق
( عن الحرب في غزة )

في الصباح تذكرت بيت شعر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود :
" فإما حياة تسر الصديق
وإما ممات يغيظ العدى "
وتناص الشاعر مريد البرغوثي معه :
" لعمرك هذي حياة تغيظ الصديق
وهذا ممات يسر العدى "
وتساءلت بيت أي من الشاعرين أكرر ؟
في السابع من هذا الشهر شكر فلسطينيون كثر الله أنه جعلهم يشهدون هذا اليوم ، ومنذ التاسع من الشهر نفسه بدأت مشاعر الحسرة ، لما يشاهدونه من آثار القصف الصه@وني الهمجي ، تلم بهم .
صار منظر البيوت والأحياء المدمرة في غزة يتسيد نشرات الأخبار ، تتخلله مشاهد إطلاق الصواريخ على المغتصبات الصه@يونية ، وفي ساعة نتابع أخبار الذين ارتقوا والذين سقطوا والذين جرحوا ويسجل قسم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي أعدادهم متسائلين :
- متى يبلغ العدد كذا وكذا ؟
وغالبا ما أنظر في صفحات أبناء غزة لأعرف منهم ما يجري هناك وما هي أحوالهم في ظل هذا الوضع المأساوي .
في نشرات الأخبار أسمع أن ألمانيا تقف إلى جانب إسرائيل وتزودها بطائرات مسيرة لتقصف شعبنا وأقرأ عن معلم ألماني في برلين صفع تلميذا فلسطينيا لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره لأنه رفع العلم الفلسطيني متضامنا مع شعبه ، ومن صفحة السيدة Refqa Shaqoor أعرف أن بلجيكا منعت ارتداء الحطة الفلسطينية .
الألمان الرسميون ينافقون الدولة العبرية . أترحم على الكاتب الشجاع الروائي ( غونتر غراس ) وأتذكر قصيدته " ما يجب أن يقال " التي انتقد فيها الازدواجية الأخلاقية للغرب ومنه بلده ألمانيا التي ما زالت محكومة بماضيها النازي ولا تجرؤ أن تعلن أنها ليست مسؤولة عن جرائم ( أدولف هتلر ) .
في الواحدة ظهرا أقف مع الواقفين أمام البنك العربي وسط نابلس يتعاطفون مع أهل غزة وينعون شهداء أمس واليوم في بلدة قصرى جنوب نابلس . لقد انفلت الوحش الاستيطاني مدعوما بالجيش الإسرائيلي . يواصل المستوطنون عربدتهم . كأنما أيضا يريدون أن يثأروا لما جرى في غلاف غزة .
ثمة إبادة واضحة تجري في غزة . ثمة وحش نازي جديد هنا هذه المرة يقف العالم الغربي كله إلى جانبه : أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا و .. و .. .
هل أقول إن الحرب لن تنتهي إلا إذا ألم بتل أبيب ما ألم بغزة ؟ أم أكرر مع أمل دنقل :
- أكل الرؤوس سواء ؟
هل تتساوى مدينة كانت لك بمدينة أثكلتك ؟

لا حياد في هذه الأيام . يجب قول الحقيقة ويجب العودة إلى ما كان قبل ١٨٨٢ وما ألم بنا بعده . جاؤوا هاربين من ( البوغروم ) فاستقبلهم أهلنا في نهايات القرن التاسع عشر في بيوتهم وهربوا من ألمانيا النازية في القرن العشرين ثم .. ثم .. رمونا في الصحراء .
١٢ / ١٠ / ٢٠٢٣

١٣
الشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل :

في العام ١٩٩٢ - ١٩٩٣ ألقيت في الرام محاضرة عن الأدب الفلسطيني ودحضه للأدب الصهيوني تحت عنوان " الأدب على جبهة الرد " ، وكان بين الحضور الشاعر عبد اللطيف عقل ، فاندهش مما سمع وقال لي : لقد فاجأتني بمعلومات لم أعرفها .
مقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٥ / ١٠ / ٢٠٢٣ عنوانه " الفلسطيني اللاجيء .. الفلسطيني المقاوم : تداعيات الحرب في غزة " أتوقف فيه أمام غسان كنفاني ، ومعين بسيسو وكتابه " يوميات غزة " .
١٢ / ١٠ / ٢٠٢٣

١٤
يوميات الحرب ( ٣٧٢ ) :
الضفتان لنا والآن من القدس إلى دمشق :

ما زالت جبهات القتال تزداد اشتعالا . في قطاع غزة التي أعلن الجيش الإسرائيلي أنها غدت جبهة ثانوية وفي جنوب لبنان حيث تحارب أربع فرق رئيسة مقابل ثلاث في غزة ، وقد يأتي ، اليوم أو غدا ، الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني .
مناظر القتلى والجرحى والأراضي المحروقة والعمارات المسواة بالأرض ما زالت تتسيد المشاهد التي تبثها الفضائيات وليس ثمة بارقة أمل بانتهاء الحرب ، وعلى العكس فإن الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف ( بتسلوئيل سموترتش ) يصب الزيت على النار .
آخر شريط فيديو ، تداوله نشيطون فيسبوكييون ، هو مقابلة أجرتها صحفية إسرائيلية مع الوزير المذكور تحدث فيها ، بثقة تامة وبفرح باد ، وهو يرتشف مشروبه الساخن والكاميرا تركز على بريق عينه اليمنى ، تحدث فيها عن طموحاته وطموحات شعبه .
تسأل المذيعة الوزير :
- وهل ستحتلون الأردن ؟
فيجيب :
- لات لات . شوية شوية .
ويضيف :
- القدس دمشق .
هذا هو ما يطمح إليه ويعبر عن إمكانية تحقيقه بفرح .
" الضفتان لنا " أغنية عبرية لقصيدة عبرية كتبها شاعر يهودي ورد عليها في خمسينيات القرن العشرين الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد ، ولطالما كتبت عنها منذ العام ١٩٩١ .
" الضفتان لنا " وأمس قرأت الفصل الأول من رواية عارف الحسيني Aref F. Husseini " نص إشكنازي " ( ٢٠٢٤ ) وهو يأتي على طموحات المستوطنين التي عبر عنها الوزير ويأتي على احتقار اليهود للعرب :
" العرب والقانون لا يسيرون معا . هؤلاء هم العرب لا يحترمون أي قانون . يبنون بدون ترخيص ، وهم كالشوكة في المؤخرة ، لا نستطيع العيش معها ، وإن أخرجناها بالقوة ، ومرة واحدة لا نتمكن من الجلوس لفترة " .
هل نسيت شريط الفيديو الذي يقرأ فيه مستوطن على طفله قصة قصيرة يأتي فيها على لبنان وحق اليهود فيه والاستمتاع بطبيعته الخلابة ؟
كل ما سبق يوضح عبارة ( بنيامين نتنياهو ) " حرب وجود " وعبارة وزير الدفاع ( غالانت ) " إن أرض قطاع غزة هو ثمن أحداث ٧ أكتوبر المناسب " ، وهذا يفسر ما يجري في شمال قطاع غزة حيث تكرار الطلب ممن بقي من الغزيين بالإخلاء
١٢ / ١٠ / ٢٠٢٤ .

١٥
رأيت رام الله :

" لم أعد أتذكر أسماء القرى على جانبي الكيلومترات السبعة والعشرين التي تفصلها ( دير غسانة ) عن رام الله . الخجل وحده علمني الكذب . كلما سألني حسام عن بيت أو علامة أو طريق أو واقعة سارعت بالقول إنني " أعرف " . أنا في الحقيقة لم أكن أعرف . لم أعد أعرف .
كيف غنيت لبلادي وأنا لا أعرفها ؟ هل أستحق الشكر أم اللوم على أغاني ؟ هل كنت أكذب قليلا ؟ كثيرا ؟ على نفسي ؟ على الآخرين ؟
أي حب ونحن لا نعرف المحبوب ؟ ثم لماذا لم نستطع الحفاظ على الأغنية ؟ ألأن تراب الواقع أقوى من سراب النشيد ؟ أم لأن الأسطورة هبطت من قممها إلى هذا الزقاق الواقعي ؟"
مريد البرغوثي " رأيت رام الله " ١٩٩٨ . صفحة ٧٣ .

١٦
وتستمر الحياة :

أنفقت صباح هذا اليوم ساعة أو أكثر في البحث عن سطر شعري للشاعر مريد البرغوثي .
كتبت السطر على محرك البحث ( غوغل ) ثم محرك البحث في الفيس بوك ، فلم أطمئن للنتيجة . بحثت في Gemini فاعطاني نتائج لم أطمئن لها أيضا .
" ما قيمة المفاتيح وقد غيروا الأقفال ؟ "
كتبت .
مرة قال لي إن السطر لمريد البرغوثي ، وكنت كتبت اسم مريد إلى جانب السطر . سألت عن المرجع لكي أوثق فلم يدلني .
كتبت السطر ثانية وحذفت اسم مريد وسألت . كانت النتيجة أن السطر غالبا ما ينسب لمحمود درويش . معقول ؟!
عدت إلى ثلاث مجموعات للشاعر " لا تعتذر عما فعلت " و " كزهر اللوز ..أو أبعد " و " أثر الفراشة " فلم أعثر على قصيدة عن المفاتيح .
عدت إلى Gemini وسألت مغيرا في الصياغة فأعطاني ما يشير إلى أن السطر للشاعر العراقي سركون بولص .
سألت ثانية : في أي الدواوين ، فحار ال Gemini .
ربما يكون السطر ل سركون ! ربما! . قلت :
- أسأل غسان زقطان فربما يكون بالفعل ل سركون ، ولكني ترددت ، فأنا على يقين أنه ل مريد البرغوثي ، لا ل سركون ولا ل درويش .
هل كتب درويش قصيدة ل سركون واورد سطر سركون فيها؟
عدت إلى ال Gemini خامسة وغيرت في صيغة السؤال . سألت عن ورود السطر في أعمال مريد فأجاب بأنه في مجموعة " منطق الكائنات " وعدت إليها في الأعمال الكاملة .
أنا أصررت على أن السطر ل مريد ، فقد أوردته في كتابي " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ١٩٩٨ .
يقول مريد :

" قال المتلهفون على الدخول :
عبثا احتفظنا بمفاتيحنا طوال العمر ...
فقد غيروا الأقفال "

لماذا بحثت عن السطر ؟
لم أكتب اليوم عن غزة 737 ، ولكني قبل يومين قرأت ما كتبه عبد الكريم عاشور ( أبو النور ) Abed Alkarim Ashour والأحد القادم سأكتب ...
أهل غزة احتفظوا بالمفاتيح ، ولكن العدو لم يغير الأقفال ، بل شطب البنايات كلها .
أمس بكى محمد عمران الأسطل مراسل إذاعة أجيال Mohamed Omran Astal وأمس رثى رياض عواد Riyad Awad حاله عندما عرف بدمار بيته ، والوضع كارثي .
١٢ / ١٠ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...