العربي عبدالوهاب: «ضحى» بين الرمز والتخييل في رواية مدينة الملح .. للكاتب السعودي "حمود الصهيبي"

من الكتابات الروائية النادرة تلك التي يكون محورها الرئيس فن الكتابة، ولا أقول حرفة الكتابة، لأننا حتى الآن في مجتمعاتنا الشرقية لا نمنح من يمارسون الكتابة لقب (الكاتب المحترف) إلا عندما يحصل على صك الاحتراف من الغرب. نحن هنا في رواية مدينة الملح(1).. نعيش تجربة لكاتب روائي يبحث عن ملهمة جيدة، أو تبحث عنه تلك الملهمة وتصطدم به عامدة، ولما يسقط في فخ عشقها، وهو الملقب بـ (خالد عشق) في الأوساط الثقافية، ويعد خالد هو روميو العشاق.. الذي يقف وجهًا لوجه أمام ملهمة جميلة، معجبة جديدة لرواياته، وللكاتب بعد تتابع سير الأحداث. «ضحى» تحمل كل جينات الأنوثة، وكأن (حمود الصهيبي) يأتي ببطله إلى تلك المدينة الملحية، ويقذف به في أتون النار (نار العشق).. ويستمر الحدث في تصاعد مشوق للقارئ، حتى يتبادر سؤالًا فلسفيًّا عميقًا: هل على الكاتب أن يكتب ويستمر كاتبًا ومبدعًا، ويؤدي دوره باحترافية ليسعد قراءه، بما تجود به موهبته الفذة؟!

أم يسقط في فخ (متعة العشق/ متعة الحياة)؟ هل يتمكن من عبور فخاخ العشق كما يلقبونه؟!

أم يحيله عشق ضحى لمجنون يهيم على وجهه في صحراء أوهامه؟

هل يواصل الكتابة، ويبدع رواية جديدة؟!

أم يعشق ويعيش عشقه، شريطة أن يتوقف عن الكتابة؟!

بمعنى آخر، أيعيش الواقع، أم يصدق (الحلم) مع ضحى؟!

والحلم الذي يراوده منذ الصفحات الأولى، ها هو وجهًا لوجه أمام جسارة وسطوة الواقع بكل ما يخبئه في جرابه من رفقاء خونة، وعشيقات هاربات، ومتاعب وأوجاع لا حصر لها.

هل يسقط في رتابة واقعه ويتلاشى؟!

أم يقوم بدوره ككاتب يستحق اللقب الذي منحه له قراؤه؟!

وهل الكتابة تستحق التضحية، أم هي عباءة خاوية من المعنى غير التفاخر، وجلب الإعجاب؟

أسئلة لا حصر لها يطرحها حمود الصهيبي في مدينته الساحلية الملحية.

«ازدهرت البحوث التي تدور حول طبيعة المنظور السردي وأشكال الرؤية القصصية، وعمليات تكوين بؤرة السرد ومستوياتها وعناصر توجيهها في تعانق متناغم مع البحوث التي تحلل تعدد الأصوات وعلاقتها بنوعية الضمائر ولغة الخطاب الروائي».(1)

  • سقوط الغلالة الشفيفة بين الراوي والمؤلف (2).
وأنا أنتظر محدقًا:

لا الوقت ذاته، ولا الهواء الذي أتنفسه..

كل تكة ليست هي الآخرة، ولا ذات الهواء... كل تكة تزينها ريشة فنان، كما الحب حين يقول: لا شيء يشبهني، ولا الكلمات، ولا حروف الأبجدية تصنعني أنا.. أنا...»
ص184

نلاحظ حضور الوعي الفلسفي (للكاتب خالد عشق/بطل الرواية) متألقًا وساردًا من خلال ضمير المتكلم (الأنا)، متوسعًا في طرح رؤاه، مع تواتر انزياحات الوعي في منولوجات قد تطول أو تقصر.

ثم نقرأ في المقطع التالي (كل تكة ليست الآخرة) والتكرار هنا لصوت الراوي/البطل الذي يتماهى شيئًا فشيئًا مع المؤلف، حتى نطالع ذلك التحول بجلاء، وهذا يحدث عندما يأتي (حمود الصهيبي) بالقضايا العامة والكبرى بشكل مباشر، طارحًا آراء ه في إطار من المباشرة التي لا تخدم الرواية، بقدر ما تعري ذلك الوعي، فيبدو الأمر وكأن الكاتب يعزف على أوتار عارية.

«كل تكة لا تشبه ذاتها، الآن يحزن أحدهم، وبعد تكة ثانية يفرح أحدهم ويغني لحظة قبل الغفوة الأخيرة، وكل الوقت يصبح لحظة كما قبل اللقاء الأخير في الشقة، لكن أخي كبر سبعة أيام، ومدينة الملح القديمة ميتة، وبعد تكة غيرها.. تولد من جديد، هذه (مدينة الملح) التي هي صدى كل شيء». ص184

وبعد هذه الفقرة، ينتقل السرد لشخصية/البطل، وهو يسترجع الماضي بأزمنته البعيدة، أيام جده، وجدته... «ورجع صداها هو الأجمل: جدي، جدتي، أهلها... كل حبة رمل على مدى يهز قلب العالم». ص185 سرد يمنح القارئ طرفًا ليتأمل عالمه الداخلي، ويتم ذلك بتحفيز كل قارئ لمكنوناته، ومن منا لا يتحصن بماضيه مخافة تبعثر ذاته في تفاصيل الحاضر بايقاعه السريع وتحولاته القاسية، وبصراع المصالح الذي سيطر على البعض وتملكه، نبتت أشجار الأنانية، وخيانة المثل العليا، فيعقد (المؤلف) مقارنة هدفها أيضًا، المفارقة والهوة الكبيرة التي حدثت بين زمنين؛ فعقد كاتب لهذه المقارنة هدفه كشف حجم الانكسارات المرعبة مثل ذخيانة الصديق لصديقه، في فصل بعنوان الشك، وآخر بعنوان مواجهة.

«وأنا، ماذا أجيب لو سألني أحدهم ماذا ستفعل اليوم ، إن كان موتك في الغد؟! لن أفكر كثيرًا، سأحيا كما أحلم، فلماذا لا أحلم؟ كيف أحيا والموت بعيد عني في سفرة؟!» ص187

سوف نلاحظ مباشرة الآراء وتدخل المؤلف ورغبته في التوكيد على أول جريمة وقعت على ظهر الأرض بين الأخ وأخيه... قابيل وهابيل. «إننا نريد عالمًا يغلب فيه الخير، لا أن يتراجع، ويتمنى المرء لخصمه أبشع ما يكون، وتفتقد المودة، وينقلب الصديق عدوًّا مبينًا. والأمثلة كثيرة، فأول خلاف على الأرض كان بين شقيقين قاتل أحدهما الآخر حتى قتله، أقدم معركة حدثت بين قابيل وهابيل منذ آلاف السنين ولم تكن سنة حسنة للبشرية، ونحن حتى يومنا هذا نتصارع مع الأخ والصديق قبل الغريب.. هذا حالنا منذ وجدنا، وأنا أخشى بأن معركتي الوحيدة ستكون مع الأصدقاء».

نلاحظ بالطبع عملية العزف والإطالة في سرد واقعة مستوحاة من (النص المقدس)، أعني معلومة للقارئ سلفًا، ومن ثمَّ لا داعي (للإسهاب) في طرح المعلومات، لدرجة أن يسبق القارئ بوعيه كل هذه المقاطع، شاعرًا _القارئ_ بأنها فائضة عن حاجة الرواية لها.. «إذ إنه لا تفسير آخر سوى أن الأصدقاء عرفوا هيامي بـ (ضحى) وقررأحدهم النيل من سمو علاقتنا، أراد أن يعكرها فقط لأننا كنا فعلًا سعيدين بكل ما تحمله الكلمة من معنى». ص10٨

  • مستويات السرد في الرواية.
نطالع في الرواية تداخل مستويات (السرد الإخباري، مع السرد الدرامي، حتى نصل لأعتاب (الإسهاب) في السرد، و(الصهيبي) أثناء الكتابة يقوم بمراوحة بين المستويات الثلاث.

كما يبدو _جليًّا_ في انتقاله من مستوى إلى آخر بسهولة ويسر، وتعود مرجعية هذه المراوحة إلى تعدد خبرات الكاتب الطويلة في حقل السرديات، بالإضافة إلى كونه شاعرًا أيضًا، وله تجربة مع الشعر.

أحيانًا خشية الكاتب من الوقوع في الغموض، أو التباس (المادة المسرودة) في وعي القارئ، فإننا نرى الكاتب غالبًا ما يعري المنظور الفني في مناطق عديدة في الرواية، تاركًا العلاقة تنكشف بين الراوي والكاتب، «وأنا أنتظر محدقًا:

لا الوقت ذاته، ولا الهواء الذي أتنفسه.. كل تكة ليست هي الآخرة، ولا ذات الهواء.. كل تكة تزينها ريشة فنان، كما الحب حين يقول: لا شيء يشبهني، ولا الكلمات، ولا حروف الأبجدية تصنعني، أنا.. أنا...»
ص184

«كل تكة لا تشبه ذاتها، الآن يحزن أحدهم، وبعد تكة ثانية يفرح أحدهم، ويغني لحظة قبل الغفوة الأخيرة، وكل الوقت يصبح لحظة كما قبل اللقاء الأخير في الشقة، لكن أخي كبر سبعة أيام، ومدينة الملح القديمة ميتة، وبعد تكة غيرها.. تولد من جديد، هذه (مدينة الملح) التي هي صدى كل شيء.

ورجع صداها هو الأجمل: جدي، جدتي، أهلها... كل حبة رمل على مدى يهز قلب العالم»
ص185


نلاحظ أن الصهيبي يستفيض في عرض الجريمة الأولى على ظهر الأرض، لتكون عتبة فنية يبني عليها ما أصابه في تجربة عشقه لـ «ضحى»، وما حدث لعلاقته تلك من صدمات، أولها (خيانة الصديق) لبطل الرواية _حسب منظوره_ وهذا ما يساعد بقوة على خلق حبكة درامية تعزف على أوتار نفسية (الكاتب/بطل الرواية/خالد عشق).


وهذا _لا شك_ يعيدنا مرة أخرى لاسترجاع الفصل الافتتاحى في الرواية بين ضحى كقارئة، وكملهمة (محتملة)، ولقراءة الفصل الافتتاحي المنضوى على بنية تخيُّلية عميقة، تقف على مشارف التجليات الصوفية تحت عنوان، (زهور).. وكأنها ستكون مع نهاية الرواية باقة ورد على قبر العاشق.

«أحضر النادل ورقة مكتوب فيها: أأنت الروائي خالد عشق؟ وتحت السؤال وقعت اسمها: ضحى. أجاب: أنا هو ولا أبحثُ عني! كتبت: لو نظرت إليك لوجدتني. كتب: دليني علىَّ فليس لي على الصبر قوة. كتبت: قرأتُ روايتك الأخيرة وأعجبتني. كتب: وقد تعجبك الرواية التي تليها، هذا إن تبسم لي الحظ مع أني لا أظن ذلك». ص5

كم مرة تم ذكر مفردتي (كتبتْ، وكتب) والنادل بينهما حائر متعب، ولكن بأي حال العشاق لا يتعبون.. هل كان الروائي خالد عشق [لاحظ اللقب الذي يلازمه] ينتظر أن يتم التواصل بينه وبين القارئ متجسدًا ومتمثلًا في ضحى/ضحى الصبح الوليد.. ضحى الدفء والحياة والحلم، حتى يتفجر المقطع بأكثر من معطى جمالي تقول له: «لو نظرت إليك لوجدتني». هل هي كائنة في ذاته، أم هي الموجودة من قبل، ومن بعد أيضًا؟ هي الأنثى / الخيال / الحلم ويمكن أن نقول أنه ملهمته/ قرينته ومعشوقته.

وهنا يتبادر سؤال حول آليات الكتابة في رواية (مدينة الملح)

«هل النظام نمطًا جماليًّا في الأعمال الأدبية؟ والضوابط والقوانين والقواعد التي يتبعها الكاتب عادة من تراتيل العمل الأدبي؟ أم هي مجرد قوالب لصياغات مختلفة؟» (3)

ويؤكد د. مروان فارس:

«إن المقولات الجمالية القديمة الأدبية التي يغتني بها أي عمل أدبي صعبة التوظيف عادة، لكنها قابلة للنجاح كما هي قابلة للفشل، ألسنا أمام تجربة محض صدفة، أم تاريخ؟»(4)


بالطبع لا يغفل الصهيبي تاريخ المدينة ورائحة الملح، كما لم يغفل تأثير العطور عليه، ولا تأثير الأنثى بكل تجلياتها الرمزية، والتخيُّلية. والأهم هنا هو انفلات المؤلف من الوقوع تحت سيطرة الحبكة الفنية التي أفادت من بنية القصة القصيرة، في الاعتماد على حدث واحد يتطور بطريقة تصاعدية.


تنقسم إلى ثلاث محطات هي: (بداية/ تمهيد- وسط/ تصاعد للحدث صولًا لذروته، ثم الاعتماد على إحداث المفارقة التي من شأنها الوصول للفصل قبيل الأخير حيث: تأتي النهاية/ انفراج العقدة، وصولًا للحل). بمعنى أن الحبكة تتولد من تطور تراتبي للأحداث، وليس دائريًّا أو من نمط آخر من أنماط البناء االحداثي للحبكة.

  • الحبكة الفنية بين القصة والرواية.
«ويحدد دكتور صلاح فضل نقطة التماس والتلاقي بين محوري التحليل لهذا النمط من الأسلوب السردي الذي وصفه بـ (الدرامية) بأمرين اثنين هما الإيقاع والمفارقة».(5)

اعتمد (الصهيبي) على (الأسلوب الدرامي) في سرد روايته، بخبراته الكبيرة، تمكن من المزاوجة بين المستوى السردى الدرامي، وبين المستوى الإخباري في الوصف المنبثق من أعماق الشخصية بوصفه كاتبًا روائيًّا، ولم تخلُ صفحة في الرواية؛ من غير العبارات المسبوكة بعين الشاعر الذي يطرح صورة شعرية، تضغط مساحات مكانية، صور تمتلك بصيرة، وفلسفة، جاعلًا من التصوير الشعري دلالة على عمق ثقافة شخصية بطل الرواية (خالد عشق)، بالإضافة إلى البعد الدلالي للاسم المحتوي على سمتين _من أهم السمات_ تجمعان العشق والخلود، وكأن الاسم يؤكد طوال الوقت، بالإضافة إلى الأوصاف النفسية المترعة بعشق الأنثى.. تلك الأنثى التي قام الكاتب باستعراض أنماطها بشكل معبر ودقيق للغاية، يقدم لنا في عبارات قصيرة، الأنثى المدللة، والماكرة، والهيفاء، والمكتنزة، وغيرهن... مازجًا بين البنية الجسدية والنفسية، أو ما يمكن أن نوجزه في مفردتي (المظهر والجوهر). «بنات مدينة الملح يتميزن بمظهر موحد من حيث قوة الشخصية والأنوثة المطلقة في أوقات ذروتها، يتعاطين مع كل المشاكسين بعقل تارة، وبتهرب تارة أخرى. وأحيانًا كانت العطور تغرق الشارع، وعبير المارات يفوح علينا وأنا متكئ على الزاوية بانتظار السائق». ص45

ثمة متابعة ولن أقول مراقبة من الكاتب، وإن أبدى أن ملاحظاتها لأنماط الأنثى كانت متابعة عابرة (وأنا متكئ على الزاوية بانتظار السائق).. والحديث عن العطور هنا تكرر في أكثر من موضع، لدرجة أنه تحول لعلامة سميولوجية، تمكن القارئ من استعادة تجربة العطر في رواية (باتريك زوسكيند). كذلك تعالق عنوان الرواية (مدينة الملح) بخماسية عبدالرحمن منيف (مدن الملح). هذا التناص غير المباشر يعبر عن تكوينات مترسبة في أعماق بطل الرواية حول ثقافته الموسوعية من جانب، وتعميق جذور نصه الروائي بالسرديات العربية والعالمية.

ـ وتُبنى الحبكة الفنية في رواية مدن الملح على فكرة (الرحلة)، ولكنها ليست الرحلة الخارجية كابن بطوطة، بل هي الرحلة النفسية التي تبدأ بوصول البطل برفقة صاحبه إلى المكان الأثيري له وهو (مدينة الملح). يهبط الكاتب/خالد عشق وصاحبه ضيفين على (ناصر) صاحب (الشقة) التي تستدعي أيضًا في مخيلة القارئ (بنسيون نجيب محفوظ في روايته ميرامار)، حيث يظل هو المكان الأيقوني في الرواية، المكان المحفز، والمسيطر، والدافع للأحداث، حيث يجتمع فيه خليط متنوع من الرجال والنساء، يتعرف (خالد) على (ضحى)، ثم يعشقها وتعشقه، ولكن في ذروة الحبكة تختفي ضحى، ويؤجج الشك الأحداث، خاصة عندما يبني فرضياته على خيانة صاحبه له، ويتصاعد إيقاع الرواية، تنفجر المنولوجات كنثارات نافورة، لن تتوقف من طرف الراوي/الكاتب/خالد عشق، لتنتهي برفع الستار في فصل بعنوان (المواجهة).

يستعرض الراوي عندما يعتمد على ظنونه في تقديم أكثر من منظور للشخصيات، (ناصر، والصاحب الخائن، وضحى، والراوي). ويشكل الأربعة مربعًا في خريطة الحياة داخل شقة مدينة الملح، أربع شخصيات بأربعة مناظير مختلفة.

  • الشخصيات بين الواقع والتخيُّل.
إن الصاحب الذي يتوجب عليه حمل مهمة صناعة المفارقة، بقيامه بدور الخائن، ويجب ألا نندهش عندما لا يدافع عن نفسه، لأن الكاتب قذف به في منطقة مهتزة بين الشك واليقين، وتتنوع فيها وجهات النظر، وتتصارع أطراف الحكاية/ حكاية ضحى وخالد.

شخصية (ناصر) صاحب الشقة، تمثل رمز وعنوان المكان/ الشقة/ مدينة الملح، لذلك فهو يحمل وعي ابن المدينة الحصيف الذي يدفع بالأحداث _هو الآخر_ إلى الأمام، بعدما أسقط الأقنعة للتخلص من حالة الشك، واصلًا لذروة الحبكة.

شخصية (ضحى) هي الشخصية المركزية الثانية بعد بطل الرواية وراويها (خالد عشق) منها تنبع البداية، وإليها تسير الأحداث، ومن أجلها تتشابك خيوط الحبكة الدرامية، وهي شخصية تتحرك في فضاءات نفسية كهالات من الدخان، تمور أعماقها بالمتناقضات، وتتشكل من ثمَّ ثنائية جدلية تجمع بين (الحلم/ الواقع، والواقع/ الحلم).

معظم الشخصيات الثانوية جاءت لاستكمال عناصر الديكور الذي يوهم القارئ بالواقعية، بينما هو ساقط لا محالة في أوهام وحياة كاتب يسعى للخلود بركوب مهرة العشق، وبين العشق والحلم، تتجلى الرؤية الفنية للرواية.



ومن النقاط الفنية شديدة الخصوبة التي عمقت شخصية بطل رواية مدينة الملح، هو استخدامه للعبة لا نستبينها إلا في الفصل الأخير، وتأتي عبر منولوج طويل، معبر جدًّا. هذه اللعبة/ الحيلة الفنية هي (انزياح الواقع لحدود الحلم، وهروب الحلم من سطوة الواقع بالكتابة/ بالفن) كما نراه في: ـ

  • تحويل الخيال الفني لنص، بمعنى تحويل الخيال (ضحى الملهمة) في بداية الرواية إلى واقع متجسدٍ في فصل بـ (عنوان ضحى) إيذانًا بحضورها، لتنتقل من الحلم للواقع المتجسد إبداعًا، ومشاركتها في خلخلة بنية الحلم وتحويلها إلى بنية درامية تأخذ بيد الكاتب وروايته للتحقق الذي يمكن أن نشير إليها بالحلول حسب المفهوم الصوفي.
  • تعود ضحى إلى هيئتها (الحلمية/ الوهمية، بعد قيام صاحبه بالتفريق بينها، بهدف نبيلٍ هو الانتصار للفن على متعة الراوي الخاصة. تعود (ضحى) إلى ركنها المؤثر في الخيال (الحضور الفني) للدفع بالكاتب لساحة الكتابة كي يبقى مبدعًا يتألم بوجع الفراق، فيكتب، ويبدع، ويتحقق بكتاباته في هيئة أخرى هي (الكاتب الروائي الشهير/خالد عشق، وليخلد اسمه بإبداعه، ويظل ويبقى ليكتب بدلًا من أن يعيش الحلم في الواقع على المستويين الروحي والفيزيقي (الجسدي).
وفي المقابل تتراجع شعلة الإبداع، وتخبو في قلبه وقلمه.

  • أي حضور هذا!
  • وكيف يطرح (الصهيبي) هذه المعادلة الفلسفية بمهارة لاعب السيرك المحترف؟ يستخدم لغة (مرنة) تتنقل بين اللغة الوصفية الإخبارية، واللغة الصوفية، وبين السرد المحتوي لتفاصيل الواقع الدقيقة أحيانًا، وهي قليلة مقارنة بالمساحات الشاسعة الممنوحة للمنولوجات التي تجوب عالمه النفسي، وتغرق في طبقات الوعي بفيضانه واكتنازه بماضيه، وبثقافته وحرفية الكتابة، بالإضافة إلى تلك السمة الثابتة في كتابات الصهيبي (شاعرية اللغة التي تنهل من معين فيضه الشعري)،
  • موضوع الرواية (ضحى) كحلم يسعى ليكون حقيقة/ ثم تنقلب الطاولة ليكون حضورها وجعًا وألمًا يوخز نفس بطل الرواية (خالد عشق) فيتهاوى تحت سطوة كرامته كرجل وعاشق، ترفرف ضحى من بعيد في فصل المواجهة، دون أن تحدث مواجهة درامية، ليستمر غيابها مع استمرار السرد عنها، وكأن ضحى هي (هذه المدينة الملحية) التي تفاعل الكاتب معها بعشقها، ثم انفلاتها وضياعها، ثم نجاح المؤلف في إعادتها بالإبداع/ بالكتابة/ بالوجع.
  • هل الكتابة هي الوجع؟! وبدون الوجع هذا ينفد وقود الكاتب؛ إذن لم يخنه صاحبه، لذلك لم يدافع الصاحب أثناء المواجهة عن نفسه، وهي نفسها لغة الصمت التي يؤكدها مؤلف رواية (مدينة الملح)؛ لأنه لم تكن ثمة مواجهة في الواقع، في الشقة، بل صدر لنا (الصهيبي) ما يجول في وعي شخصية بطل روايته، هنا يؤكد ويؤيد الحضور الفني في مواجهة الحضور الواقعي للبطل.
  • بمعنى آخر، ينتصر مؤلف الرواية للإبداع، ينتصر للكتابة التي تتحقق على حساب معايشة العشق والتنعم بوصال المحبوبة/ المعشوقة فيه، مع تجربة العشق/ المثال، ربما ينخدع القارئ في البداية بتحقق الحلم والعلاقة، وتمام الوصال الذي سرعان ما تأخذنا إلى إنجاز الحبكة الفنية والارتفاع بها لحد الذروة .
  • رواية مدينة الملح ممتعة، تتميز بالطرح السلس، تضيف للقارئ لذة ومتعة أثناء القراءة، لدرجة أنها تخدعه بإيهامه بشخصية (ضحى) الرمز.. ولا يكتشف القارئ مهارة الكاتب إلا حينما يتعب من الدوران في تلافيف وعي شخصية خالد عشق، تلك الشخصية التي أسقط من خلالها حمود الصهيبي متاعب الكتابة، ووجعها الحلو، وألقها الذي لا ينطفئ، بينما كاتبها يتحول لشمعة تحترق من أجل تحقيق تلك اللذة التي يفوز بها القارئ في النهاية، بعد إنجازه لفعل القراءة.
هوامـش
​

1 ـ حمود الصهيبي ـ مدينة الملح ـ رواية ـ دار أقرأ كتابي ـ ط أولى 2025م

1ـ د.صلاح فضل ـ أساليب السرد في الرواية العربية ـ دار المدى ط أولى 2022م ، ص5

3 ـ د. مروان فارس ـ علم الابداع ـ شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت لبنان ـ ط1 1990م ص11

4 ـ د. مروان فارس ـ علم الابداع ـ مرجع سابق.

5 ـ د.صلاح فضل ـ أساليب السرد في الرواية العربية ـ مرجع سابق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...