أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٥ تشرين الأول من كل عام

١
منام ليلة العيد :

الاثنان اللذان وجها لك السهم ليقتلاك رأيتهما الليلة في المنام ترتد إليهما السهام بحضرتك .
هل كنت مسرورا أم كنت حزينا ؟
في الصباح وأنت صاح تكتب
" قلت :
- اللهم لا شماتة . " .
كأنك تقي ورع أو هي تربية الطفولة أو النشأة . ربما !
٢٠١٣

٢
مخيم اللاجئين :

في العيد أدخل مخيم اللاجئين وأرى ما آل إليه أهلنا .
هنا في خيمة ولدت وهنا أنفقت من عمري 24 عاما وكل يوم تقريبا أمر بالمخيم .
البؤس الذي عليه المخيمات يكثر ويزداد .
عدا سيزور كثيرون منا يافا وحيفا وسيعودون مبهورين مما رأوا .
كيف لا يفطن أكثر هؤلاء وهم يبدون أعجابهم بما رأوا ألى أن العمران هناك مرتبط بهذا الخراب هنا وفي المنافي .
يا لذاكرتنا .
حنظلة
٢٠١٣

٣
القدس في هذا الصباح :

هذا الصباح ، وأنا أصغي إلى أخبار القدس والتضييق على المصلين ومحاصرة اﻷقصى ، عدت بذاكرتي إلى العام 1979 وما كتبته أنا والقاص أكرم هنية عن القدس في حينه .
كنا يومها في العشرينيات من أعمارنا وكنا متحمسين ، فهل موقفنا اليوم مما يجري هو موقفنا نفسه في ذلك التاريخ ؟
كتب درويش في تعاليم حورية :
" عالمنا تغير كله " .
القصة التي كتبتها في حينه عنوانها " من يحمي البيت ؟ " وهي من مجموعة " فصول في توقيع الاتفاقية " 1979. وأما قصة أكرم هنية فقد ظهرت في مجموعته " السفينة اﻷخيرة ... الميناء اﻷخير " 1979 وعنوانها " بعد الحصار قبل الشمس بقليل " .
مرة أنجزت دراسة مكثفة عنوانها " القدس في القصة الفلسطينية القصيرة " .
هل تعنيني القدس اليوم قدر ما يعنيني سعر صرف الدولار والدينار والشيكل ونسبة السكر في دمي ؟
يا لي من ثوري تكرش حتى عاد بلا ...... ثورة .
فكركم بقية الفصائل مثلي ؟!
٢٠١٤

٤
سحر خليفة ونابلس :

أعتقد أن روايات سحر خليفة المبكرة " الصبار " و" عباد الشمس " وباب الساحة " هي أفضل ما كتبت سحر عن نابلس ، حيث تمثلت أجواء المدينة وعاداتها وتقاليدها وصورت حياتها في 70 و80 ق 20 وتغلغلت إلى حواري المدينة وأزقتها ، ساعدها على ذلك أنها كانت قريبة من المدينة وأنها في حينه امتلكت وعيا اجتماعيا بحكم انخراطها في الحياة السياسية وبحكم دراستها في جامعة بير زيت ، وبحكم تجربتها الواسعة ، وأنها لم تكتبها على عجل ، كما فعلت في " ربيع حار " 2004 ولم تختلق عوالم لم تكن شاهدة عليها وفصلت أحداثها انطلاقا من بنية ذهنية غدت لديها ثابتة ، كما هو حال روايتها " أصل وفصل " ( 2007 ) ، وأنها أيضا لم تتكيء على كتب في كتابتها ،كما هو حال رواية " حبي اﻷول " 2009 أو بعدها .
وأرى أن سحر في كثير من رواياتها اللاحقة غدت أسيرة ﻷفكارها التي تمكنت منها وتشربتها ، وبالتالي أخذت تكررها .
15 / 10 / 2015

٥
إسرائيل والجدار والاستيطان :

مؤخرا شاهدت صورة لتركية تضع الحجاب وترتدي الميني جوب . شعرها مغطى وفخذاها باديتان ظاهرتان مكشوفتان .
هذا الصباح قلت :
- الجدار الذي بنته إسرائيل مثل حجاب غطت به إسرائيل المناطق المحتلة 1948 حتى لا تنكشف لهجمات الفدائيين الاستشهاديين ، كما حدث في انتفاضة اﻷقصى .
المستوطنات التى زرعتها وبلغ عدد سكانها 650 ألفا مكشوفة ﻷهل الضفة ، ومثلها القدس ﻷهل القدس ، فما فائدة الحجاب / السور ؟
أحيانا يكون أبناء العم أغبياء على الرغم مما يقال عن الذكاء اليهودي .
في 70 ق 20 قال اسحق رابين :
- إن المستوطنات ستكون خنجرا في قلب إسرائيل ﻷنها ستكون عقبة في إحلال السلام .
جميلة كانت صورة المرأة التركية التي غطت شعرها وكشفت ساقيها . تبدو المستوطنات أبنية مرتبة ومن الجمال ما قتل .
15/10/2015

٦
قصص لها قصص 1 :

ما من قصة كتبتها إلا كان لها قصة أو سبب أو دافع ما ، ولهذا أتذكر أكثر قصصي . أتذكر ما ورد في كتاب ( ديفيد ديتشس ) عن محركات الكتابة : الخيبة أو الرغبة أو الطمع أو الخوف .
وأحاول فهم شعر المديح أو الرثاء أو الهجاء . وهكذا أدرس النابغة أو المتنبي .
مرة كتبت قصة قصيرة عنوانها " الروائي " ( 1987 ) ونشرتها في جريدة " الشعب " أولا وفي مجموعتي " وردة لروز ..ووردة لفائزة " ( 1993 ) ثانيا .
كنت التقيت في منتزه بلدية نابلس بالروائية سحر خليفة ، وقد أخبرتني يومها أنها ستغادر الضفة لتقيم في عمان فابتسمت - كنت أعد نفسي للسفر إلى ألمانيا لإكمال دراستي والعودة -.
لماذا ابتسمت ؟
- ﻷن المناضلين والمناضلات والكتاب والكاتبات - وأنا من الكتاب - كانوا يحثون على الصمود في اﻷرض ، فهذه هي الفضيلة اﻷولى لأهل فلسطين في النضال - لاحظوا تضييق إسرائيل علينا وعلى أهل القدس لنرحل . وكنت أفترض أن سحر يجب ألا تسلك سلوك محمود درويش . يعني يجب أن تظل مقيمة في فلسطين ولكنها رحلت واستقرت في عمان .
هل أبدعت في نصوصها اللاحقة كما حدث مع محمود درويش ؟
الإجابة في مكان آخر .
قصة الروائي - أقصوصة - مستوحاة من حواري مع سحر خليفة في منتزه نابلس وقد رحلت .
15 / 10 / 2015

٧
سحب ثقة من الفصائل الفلسطينية كلها ؛ بعجرها وبجرها :

في العام ١٩٩٥ كتبت مقالا عنوانه " شيطاني الأنثى " ذهبت فيه إلى أن هناك أنثى تكتب لي مقالاتي ودراساتي ، وقد صدقت الفصائل وإدارات الجامعات هذا ، وأخذوا يبحثون عنها ، ولم يعثروا عليها أو يتعثروا بها ، حتى اليوم . وأجزم أنهم لن يتمكنوا من هذا .
فصائل تعجز عن اكتشاف الأنثى التي تكتب لعادل الاسطة مقالاته وأبحاثه ،وهي تعتقد جازمة أنها موجودة، ومثلها إدارات الجامعات ، كيف ستحرر فلسطين وثقود الجامعات إلى العالميةو؟
أنا قررت سحب اعترافي بهذه الفصائل وتلك الإدارات ، والله المستعان به .
صباح الخير
خربشات ١٥/١٠/٢٠١٦
والآن إلى تنظيف الشقة،فقد انشغلت أمس بكتابة مقالين . ( أغلب الظن أن تجميد البنك لأموالي كان أيضا خاضعا لهذا الاعتقاد ، وحقا بدأت بالتفكير في البحث عن بنك آخر ، وما أخشاه هو :
الخل أخو الخردل ).

٨
أحمد دحبور :
عن الدعابة والأدب خفيف الظل و ...... رضوى عاشور : ١٥

وأنا أقرأ رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو " وجب علي أن أقرأ رواية رضوى عاشور " الطنطورية " لأوازن بينهما ، من حيث استلهام نكبة فلسطين في ١٩٤٨.
ما لاحظته في رواية رضوى نادرا ما ألاحظه في الروايات الفلسطينية بشكل عام .
إميل حبيبي في " المتشائل " و عارف الحسيني في " كافر سبت " ، ومؤخرا أنا في " حزيران الذي لا ينتهي ، شظايا سيرة " وربما هناك أعمال أخرى - في القصة القصيرة مثلا رسمي أبو علي ومحمود شقير في " صورة شاكيرا " و" ابنة خالتي كوندوليزا " - هؤلاء ربما عكسوا صورة للفلسطيني الساخر .( طبعا لن انسى المجموعة الفولكلورية لتوفيق زياد " حال الدنيا " ) وكتابات المرحوم سلمان ناطور . وأشير إلى مقالات الكاتب جميل السلحوت التي تعكس الروح الفلسطينية الريفية بطريقة تشير إلى أن كاتبها لم يكن بعيدا عن حياة شعبه وروحه .
الفلسطيني هنا ليس متجهما عابسا عبس وتولى في مواجهة الواقع . إنه يسخر حتى من نفسه . يتهكم ويضحك ويستهزيء .
شيء من هذا بدا في كتابة سعاد العامري . قلت لأبي يسار ، و سأتذكر رضوى عاشور و " الطنطورية " .
تبرز رضوى ، قلت لأبي يسار ، صورة للفلسطيني المزيح والنكتجي ومواجهة الحياة بقدر من السخرية من الذات ، والسخرية المحببة من المعارف . سخرية . مزح . دعابة . مقالب . ابتعاد عن الصرامة والحزم في التعامل مع الآخر .
قلت لأبي يسار :
- لعل رضوى تشبعت بالأجواء الأسرية لعائلة مريد البرغوثي فكتبت كتابة ندر أن يكتبها أدباؤنا .
سأنصح أبا يسار بقراءة سعاد العامري ورضوى عاشور ، بخاصة " الطنطورية " .
قرأت لرضوى " ثلاثية غرناطة " و " قطعة من أوروبا " ورواية ثالثة ، ورأيت أن روح الدعابة والمزاح لم تظهر إلا في الطنطورية .
هل تجادلت مع أبي يسار في الكتابة الساخرة ؟
هل أتيت على كتاب غسان كنفاني " فارس .. فارس " ؟
في مقطع سابق أتيت على هذا وذكرت ما ذكره لي أبو يسار حين زار غسان كنفاني في مكتبه في الهدف .
٢٠١٦

٩
لوح يا سيف " رجعتنا قريبة " :

منذ عقود سبعة ونحن نغني للسيف كما فيروز تغني .
نغني للعودة وكانت عناوين دواوين وقصائد شعراء المقاومة منذ 1948 تحفل بهذا الدال حتى قال قادتنا :
"نريد دولة في الضفة والقطاع " ، وما عادت صفد أو يافا مدينة فلسطينية؛.
عاد الإسبان إلى مدنهم في الأندلس بعد قرون وطردوا العرب .
الزمن وحده سيبت الأمر في مستقبل فلسطين .
ما هي أخبار صحة الرئيس وأخبار السيد ياسر عبد ربه؟
وفي رثاء ماجد أبو شرار كتب محمود درويش :
- أتحسبها الأندلس؟
- ولكنها طائر في يد مزقتها الرماح ولم تنبسط ؟ "
ويبدو أنني ما زلت نائما. - أي ما زلت أحلم . يبدو .
في 1902 كتب ( هرتسل ) روايته عن إنشاء الدولة العبرية وكتب :
" إذا أردتم فإنها ليست خرافة "
Wenn ihr woellt, es ist kein maerchen "
15 /10 /2017

١٠
هتا باقون:

أحيانا كثيرة أنت مضطر لأن تضع كرامتك الشخصية فوق الوظيفة والراتب والأبوة والأخوة والأبناء وأبناء الأخ والأقارب والأصدقاء والزملاء .
ببساطة يمكن أن تقول لهؤلاء كلهم :
- طز فيكم وانصرفوا . ويمكن أن تعيش مثل المفكر المصري جمال حمدان " أن تعيش بقية عمرك وحيدا " .
ولكن ماذا نفعل مع دولة الاحتلال ؟
أيضا :
- طز ، وما عليك إلا أن تقرأ قصيدة توفيق زياد : " هنا باقون ".
هنا باقون .
15 تشرين الأول 2018

١١
جيل جديد من حملة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي في جامعة النجاح الوطنية :

تعرفت في جامعة النجاح الوطنية إلى جيل جديد من حملة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي ومنهم د.بلال حمامرة و د.محمد حمدان و د.عبد الكريم دراغمة و د.أحمد قبها ، وهم الجيل اللاحق للجيل المؤسس .
لفت نظري من خلال حديثي معهم أنهم لا يقتصرون على التدريس .
إنهم نشيطون في كتابة الأبحاث ونشرها في المجلات الغربية .
جميل جدا ما استمعت إليه اليوم من د.بلال وما استمعت إليه من قبل من الدكتور محمد حمدان .
عرفت الجامعات العربية عددا لا بأس به ممن درسوا الأدب الإنجليزي في الغرب وكانت لهم إسهاماتهم في حركة النقد الأدبي العربي المعاصر : لويس عوض وعبد الواحد لؤلؤة ومحمد شاهين وآخرين . هل سنقرأ للاساتذة بلال ومحمد وعبدالكريم وأحمد و ... في قادم الأيام ، ما يثري حركتنا الأدبية والنقدية .
مرة تفاءلنا خيرا ب د.حنان عشراوي و د.أحمد حرب ولكن...
بالانتظار
15 تشرين الأول 2018

١٢
واسيني الأعرج والقدس :

إنني أتأمل من جديد في رواية واسيني الأعرج "سوناتا لأشباح القدس " 2009 و أحاول أن أتوصل إلى إجابة عن السؤال :
- هل هي رواية قدس أم أنها ليست كذلك ؟
حقا هل رواية واسيني الأعرج "سوناتا لأشباح القدس "رواية قدس ؟
لو أمعنا النظر في العنوان والمتن حقا فهل نرى فيها حضورا للمدينة؟
يقول العنوان عموما ما توصلت إليه وهو ما ارغب في متابعته . إن "سوناتا لأشباح القدس "هي رواية أشباح القدس لا رواية القدس . وهذا اجتهاد.
١٥ تشرين الأول ٢٠١٩

١٣
الضحية التي تحولت إلى جلاد :

كم عمل أدبي فلسطيني - وأيضا عربي وإن أقل - تحضر فيه فكرة "الضحية/ الجلاد " ؟
منذ "حبات البرتقال "لناصر الدين النشاشيبي صرنا نقرأ هذه اللازمة التي برزت بشكل واضح في رواية كفاني "عائد إلى حيفا "١٩٦٩ ورددها محمود درويش في "مديح الظل العالي"١٩٨٢ .
تحضر هذه اللازمة حضورا لافتا في رواية الياس خوري "أولاد الغيتو "بجزأيها، وفي رواية سهيل كيوان "بلد المنحوس " ، و في رواية أكرم مسلم الأخيرة "بنت من شاتيلا ".
اليوم كنت أقرأ في الصفحات ١٤٣ -١٩٧ من رواية كميل أبو حنيش "مريم / مريام "ووجدتني أقرأ اللازمة .
تحضر لازمة الضحية/الجلاد في الرواية حضورا لافتا أيضا وتتحول الرواية في هذه الصفحات إلى خطاب تغلب عليه سمة الأيديولوجيا ، ويخيل إلي أن كميل يوزع أفكاره ورؤاه على شخوصه . ببساطة أشعر أنني أقرأ رواية ذهنية صادرة عن مبنى علوي خلقت الشخصيات فيها وفصلت على مقاسات جاهزة،وهنا أتذكر روايات أفنان القاسم التي كتبها في ٧٠ و ٨٠ القرن العشرين .
ما يحسب لكميل عموما هو سلاسة السرد.
١٥ تشرين الأول ٢٠١٩

١٤
حنا ابراهيم في ذمة الله



رحل حنا ابراهيم كاتب القصة القصيرة والشاعر الكلاسيكي والروائي وبذلك تفقد الحركة الأدبية في فلسطين التاريخية المحتلة في العام ١٩٤٨ أحد أبرز كتابها ، ممن كان لهم حضور في النصف الثاني من القرن العشرين وحملوا لواء المقاومة بالكلمة في زمن كانت الكتابة فيه تودي بصاحبها إلى السجن وتكلفه الكثير فيما يتعلق بلقمة العيش ، فلا وظيفة ولا تصريح عمل ولا حرية تنقل من مكان إلى مكان .
كان حنا ابراهيم منتميا إلى الحزب الشيوعي ( راكاح ) وعمل في جريدة " الاتحاد " ونشر على صفحاتها وصفحات مجلة " الجديد " أولى قصصه القصيرة التي جمعها في مجموعته القصصية الأولى " أزهار برية " وصور فيها معاناة الفلسطينيين الباقين فيما تبقى من مدن وقرى لم تمسحها الدولة الجديدة .
غربة الفلسطيني في أرضه ومعاناته واضطهاده وملاحقته في لقمة عيشه والتمييز بينه وبين اليهود الغربيين فاليهود الشرقيين هي الموضوعات التي ظلت تحضر في كتابات الكاتب اللاحقة إلى أن خفت صوته مع بداية القرن الجديد ربما بسبب تركه الحزب الشيوعي والتقدم في العمر والشعور باليأس والإحباط والإقرار بالواقع والتسليم به بعد توقيع اتفاقية أوسلو ، كما لو أن فلسطين صارت تعني فقط المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ وأن فلسطينيي فلسطين التاريخية صاروا جزءا من الدولة الإسرائيلية ليس إلا .
كتب حنا ابراهيم الشعر الكلاسيكي وعبر فيه أيضا عن همومه وأحزانه ولكنه لم يسجل في هذا المجال تميزا ليضاهي أبرز الأسماء الشعرية الفلسطينية التي برزت والتفت إليها وطغت على أصوات كثيرة ، ومع هذا فقد طبع له غير ديوان ومنها " صوت من الشاغور " ووجد هذا الصوت صوته في قصيدة محمود درويش " سجل أنا عربي " أكثر مما وجده في قصائد صاحب الديوان .
كان حنا ابراهيم في خمسينيات القرن العشرين يعمل حجارا ، فقد ضيقت عليه السلطات الإسرائيلية سبل العيش ، وهو أنا المتكلم في القصيدة ، فقد حكى للأستاذ أحمد أبو بكر الذي أنجز عنه رسالة ماجستير تحت إشرافي أن سؤال الهوية الذي وجهه الضابط الإسرائيلي إلى أنا المتكلم في القصيدة كان وجه إليه ، وأنه حكى القصة لمحمود درويش فصاغها الشاعر في قصيدة طبقت شهرتها الآفاق وصار أنا المتكلم في القصيدة هو أنا محمود درويش ، وربما يجب مراجعة كتاب درويش " ذاكرة للنسيان " لقراءة ما ورد فيه عن قصة القصيدة .
كتب حنا ابراهيم سيرته في كتابه " شجرة المعرفة " وروى فيها عن حياته وحياة الفلسطينيين في السنوات الصعبة التي عاشوها بعد قيام الدولة الإسرائيلية ، ولو التفت إلى الصياغة والأسلوب واللغة فيها ولم يجعلها مجرد سرد أحداث لحققت شهرة واسعه لها وله ، ومع ذلك تبقى " شجرة المعرفة " من الكتب المهمة جدا لمعرفة الظروف الصعبة التي عانى منها الباقون على أرضهم الصامدون فيها .
التقيت بحنا ابراهيم مرات قليلة كانت أولاها في مكتب جريدة " الاتحاد " في نهاية سبعينات القرن العشرين يوم زرته بصحبة القاص جمال بنورة والكاتب المسرحي محمد كمال جبر واحتفل بنا " إخوتي في الهم " وكان جادا حزينا مهموما لا لسبب ذاتي وإنما لسبب قومي هو العيش تحت الاحتلال في ظروف القمع ومصادرة الأراضي وفقدان الوطن واحتلال ما تبقى من فلسطين في حرب حزيران ١٩٦٧ .
حنا ابراهيم وداعا فقد خسرنا واحدا من أدباء المقاومة ممن بقوا على أرضهم .
١٥ تشرين الأول ٢٠٢٠

١٥
شيء ما ، شيء لا يسر الخاطر ؛ في نابلس وفي فلسطين :

صرنا ، لبعضنا ، " البردعة " في نظر أنفسنا . لم نقدر على الاحتلال الإسرائيلي ، مع أن قسما منا قاومه منذ ١٩٦٧ بلا خوف ولا وجل ولا حساب ولا تفكير في العواقب .
صرنا ننط على بعضنا آخذين بالمثل " إلا بقدرش عالحمار بتشطر على البردعة " أو " اللي ما بقدر يركب الحمار بنط على البردعة " .
في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ نادرا ما استخدم الفلسطينيون ، منذ تأسست دولة إسرائيل ، السلاح لمواجهتها ، وهذا حدا بالناقد المصري غالي شكري إلى اعتبار الشعر الفلسطيني الذي كتبه شعراء ١٩٤٨ شعر احتجاج لا شعر مقاومة ، ففي شعر المقاومة ، كما يرى ، يجب أن يقترن فعل المقاومة بالسلاح ويجب أن يدعو الشعراء صراحة إلى هذا .
السلاح في مناطق الاحتلال هناك كان ملاحقا ومشددا عليه ، وحين تخففت القيود وسمح بحمل السلاح الفردي استخدمه أهلنا في حل الخلافات العائلية والاجتماعية والاقتصادية التي تنشأ بينهم ، فأخذوا يصفون الحسابات بينهم بواسطته ، لدرجة أن عدد القتلى منذ بداية هذا العام شارف على التسعين قتيلا ، ومؤخرا ذهب ضحيته شاب لا دخل له في النزاع ؛ شاب كان يستعد لحفل زفافه .
في مناطق الاحتلال الثاني - أي الضفة الغربية وقطاع غزة غالبا ما استخدم السلاح ، إن توفر ، لمقاومة المحتل ونادرا ما استخدم لتصفية حسابات بين المواطنين . في الأعوام الأخيرة صار ، للأسف ، يشهر في الأعراس والمناسبات وفي الخلافات بين المواطنين ، وذهب ضحية إشهاره ضحايا .
ما من عرس أو مناسبة خروج سجين حتى يلعلع الرصاص ، وما إن يغضب أحدنا غضبة مضرية لسبب بسيط تافه ، مثل الخلاف على موقف سيارة مثلا ، حتى يحضر مسدسه ويضع يده على الزناد ويقتل . وكنت من قبل كتبت تحت عنوان " سلاح عن سلاح يفرق " . ( في غزة يختلف الأمر ) .
في نابلس انهم المواطنون أمس وأول أمس بمقتل شاب في الثامنة والعشرين من عمره كان يستعد لحفل زفافه في آخر هذا الشهر . صديقان يعملان معا اختلفا ، فاتصل كل منهما باقربائه ومعارفه و ... و ... وفي لحظة غضب فقدت المدينة أحد شبابها وأصيب ثان بجراح بليغة .
على ما يبدو فإنه لا شيء يسر الخاطر ، على الرغم من أن أبناء شعبنا يكررون سطر شاعرهم الوطني :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " .
احتلال ومصادرة أراض واقتلاع أشجار زيتون وسرقة محصولها وكورونا وقلة فرص عمل ومستوى أجور متدن وارتهان إلى البنوك و ... و ...
١٥ تشرين الأول ٢٠٢١

١٦
الباشق الذهبي : أسرار شهرة محمود درويش



" الباشق الذهبي ، نوافذ على سماء محمود درويش " عنوان الكتاب الصادر حديثا ( ٢٠٢٠ ) عن منشورات خطوط في الأردن للشاعر الدكتور راشد عيسى ابن مخيم عسكر القديم المستقر حاليا في الأردن بعد رحلة عمل مدرسا وكاتبا في السعودية وأستاذا جامعيا في الأردن .
يبحث الفصل الأول من فصلي ° الكتاب في أسباب شهرة محمود درويش الغني عن التعريف ، ويكتب المؤلف في الموضوع بلغة تمتزج فيها لغة الشاعر والباحث معا ، وبقدر من التعاطف الكبير اللافت ، بل وبأسلوب كتابة المتيم حد الوله ، فتحار وأنت تقرأ إن كنت تقرأ حقا بحثا عن أسرار شهرة محمود درويش أم كتابة شعرية تحفل بالاستعارات والمجازات والتشابيه لشاعر ، وقد جمع الدكتور راشد في حياته بين البحث وكتابة الشعر ، وكتب شعرا غنائيا يتوحد لحظة إنشاده مع ما تقوله القصيدة ذات الطابع الغنائي الذي ميز شعر درويش لدرجة أنه قال في " الجدارية " :
" .... يشبهني كثيرا
كل ما حولي ، ولم أشبه هنا
شيئا . كأن الأرض ضيقة على
المرضى الغنائيين ، أحفاد الشياطين
المساكين المجانين الذين إذا رأوا
حلما جميلا لقنوا الببغاء شعر
الحب ، وانفتحت أمامهم الحدود ... " .
ولغة راشد في كتابه تذكر بلغة درويش ، ودفقه في الكتابة يذكر عموما بدفق درويش في جداريته ، وقد تخرج بعد قراءة " الباسق الذهبي " بأن درويش هو أعظم شاعر عربي بعد المتنبي ، وكما شغل الأخير الناس وملأ شعره عالمهم وتردد على ألسنتهم ، فإن درويش كما يراه المؤلف لا يختلف عن المتنبي في هذا الجانب ، وكثيرا ما وازن المؤلف ، وهو يكتب عن أسباب شهرة درويش ويعددها ويشرحها ، بين الشاعرين .
الكتابة عن أسباب شهرة محمود درويش عموما تعود إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، فقد خاض فيها المرحوم الشاعر فاروق مواسي في كتابه " محمود درويش : قراءات في شعره " ( ٢٠٠٩ وعلى صفحة الكتاب الداخلي ٢٠٠١ ولكن المؤلف صحح التاريخ في النسخة المهداة إلي) وكتب خمس صفحات تحت عنوان " الماليء الجديد للدنيا والشاغل للناس ، محمود درويش - المتنبي الآخر "( ص ٥ إلى ٩ ) وكتب تحت عناوين هي " تحرر محمود من المواقف السياسية / عدم تقيد محمود بالتيارات الشعرية/ الكاريزما أو الجاذبية/ الغربة وتأثيرها/ الخلق والخلق ( بفتح و بضم ) / الأداء الشعري / اهتمام السياسيين بشعره " وهي عناوين كتب الدكتور راشد عيسى تحت قسم منها مثل كاريزما محمود درويش واستقلاليته وجماليات الإلقاء والبيئة الحاضنة ولكنه أضاف أسبابا أخرى تخص غنائية قصيدة درويش وبنية معمارها وسعيه نحو التفرد . ثمة تقاطعات في العناوين ، ولكن هناك اختلافا في أسلوب الكتابة وحجمها ، فما كتبه مواسي في خمس صفحات كتبه عيسى وأضاف إليه وتوسع فيه في ٤٩ صفحة أخرى ، وهنا يتذكر المرء رأي الشاعر الألماني غوتة في اختلاف اللاحق عن السابق المتمثل في أن كبار الأدباء ليسوا كبارا لأنهم أتوا بأشياء جديدة ، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أظهروا الأشياء كما لو أنها تكتب لأول مرة .
في كتابه يتوقف عيسى أمام قلة دارسي شعر الشاعر الذين تناولوه تناولا سلبيا ، فمن ضمن ما لا يقل عن مائتي كتاب ورسالة جامعية وآلاف الأبحاث ، وليس في هذا مبالغة ، يذكر عيسى أسماء أربعة باحثين ودارسين فقط تناولوا شعر درويش مبرزين ظواهر سلبية فيه . طبعا هناك غير الأسماء الأربعة التي ذكرها وأخص هنا دراسة يوسف الكحلوت التي حاكمت شعر الشاعر من منظور إسلامي متزمت جدا كان القاضي الجرجاني في كتابه " الوساطة بين المتنبي وخصومه " رفضه - أي المنظور ، وهو الربط الآلي بين الدين والشعر وقراءة الثاني في ضوء الأول . ولسوء حظي أن عيسى ذكر اسمي بين الأربعة ، غير مشير إلى عشرات الدراسات والمقالات ذات الطابع الإيجابي التي دفعت أحد شعرائنا لكثرة ما كتبت عن أشعار الشاعر ولكثرة اقتباسي في مقالاتي وخربشاتي منها إلى اتهامي بتصحير الشعر الفلسطيني ، كأنه لا شعراء غير درويش .
كتابة عيسى عموما هي كتابة مشروعة في النقد الأدبي تعرف باسم " النقد المتعاطف " أو " النقد المنحاز " وينطبق عليها قول الشاعر العربي :
" وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساوئا " .
مثلا حين يناقش عيسى فكرة خروج محمود درويش من فلسطين في العام ١٩٧٠ وعدم التزامه بما قاله قبل الخروج ، وتوقف النقاد أمام هذا الموضوع ناقدين الشاعر ، نقرأ لعيسى الرأي الآتي :
" وأحسب أن الشعر لا يحتمل تقييمه على أساس الحقائقية التي لا يمكن أن تكون معيارا لنقد الشعر تحديدا ؛ لأن الشعر يستحضر الحقيقة بالوهم " ، وينسى الكاتب أن هناك نقدا أخلاقيا وايديولوجيا أيضا للشعر .
الكتاب الذي يعد بالدرجة الأولى دفاعا مستميتا عن درويش لا يخلو أحيانا من آراء قابلة للنقاش ومن هفوات قليلة ، من ذلك مثلا وضوح أشعار الشاعر وغموضها وكتابته شعرا واضحا في بداية حياته وسبب ذلك وهل درويش شاعر صفوة أم شاعر جماهير ؟
إن اندفاع الكاتب في الكتابة جعله أحيانا يقع في هفوات كما في الأسطر الأربعة الأخيرة من الصفحة ٣٠ " تمسك اللاجيء بأرضه " و " سجل أنا عربي ورقم بطاقتي عشرون الف " لا خمسون الف .
١٥و١٦ / ١٠ / ٢٠٢١

١٧
( يوميات حصار نابلس : التجار والحصار والمزاج الشعبي ١٥ / ١٠ / ٢٠٢٢ )

فلسطين : أتحسبها الأندلس .

- أتحسبها الأندلس ؟
- ولكنها طائر في يد مزقتها الرماح ولم تنبسط .
السطران السابقان هما حوار تم بين محمود درويش وماجد أبو شرار ، وقد ورد في رثاء الأول للثاني في ١٩٨١ .
ما من يوم صار ينقضي حتى نقرأ عن شهيد أو نصغي إلى نشرات الأخبار تورد عدد الشهداء والجرحى .
الزنانة التي تزن منذ سنوات في سماء غزة كما أعرف من كتابات Riyad Awad تزن منذ ثلاثة أيام بلياليها في سماء نابلس . هل سيقتحم جنود يهوشع بن نون المدينة ؟
صارت الحالة حالة اشتباك يومي فليس ثمة من هدنة .
أمس قرأت ما أدرج على حائط الفيس بوك باسم تجار الضفة يؤيدون تجار نابلس في مطالبتهم الشرطة الفلسطينية للتدخل ضد شباب العرين الأسود .
لم أقرأ ما أدرج تحت " تجار الضفة " وحسب . لقد قرأت التعليقات وكلها تصب في تخوين الجهة التي تقف وراء المنشور ، واستنتجت أن هناك حالة غليان شعبي تقف إلى جانب شباب " عرين الأسود " .
ما عزز ما سبق ما قرأته على صفحة الصديق Majdi Mohsen حول رأي السلطة الفلسطينية في الأحداث ونفاد صبرها وتهديدها الإسرائيليين . لم أقرأ أيضا الكتابة المختصرة ، فقد قرأت التعليقات وكلها تسخر من السلطة الفلسطينية وتعبر عن مزاج فلسطيني حاد وساخر نفتقده في الأدب الفلسطيني .
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٢

١٨
أمنيات حفار القبور :

في الحروب على غزة ، وما أكثرها منذ العام ٢٠٠٨ / ٢٠٠٩ ! ، غالبا ما أتذكر قصيدة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب " حفار القبور " وهي إحدى مطولاته .
تأتي القصيدة على حفار قبور يعيش من وراء مهنته . إن مات الناس عاش وإن قل الموت جاع ، وذات يوم انتظر طويلا عسى يفرجها الله ، فتأتي جنازة ، حتى يعود إلى زوجته فيتعشيا معا ، وأخيرا يأتي الفرج ، ولكن المفاجأة تكون أن الميت هو زوجته .
" سأموت من ظمأ وجوع
إن لم يمت - هذا المساء إلى غد - بعض الأنام ؛
فابعث به قبل الظلام "
ويتمنى لو كان في بلد تدور فيه حرب ليهنأ بالطعام :
" أواه لو أني هناك أسد ، باللحم النثير ،
جوع القبور وجوع نفسي "
ويعبر عن خيبته من مهنته :
" ألن أعيش بغير موت الآخرين ؟ "
وفي غزة في الحرب الدائرة حاليا هناك عشرات القتلى الذين يجد أهلهم صعوبة في دفنهم ، وكلنا شاهد شريط فيديو لشاب يحمل في سيارته جثة أبيه ويذهب ليدفنه وحيدا .
غير أن ما لفت النظر أكثر هو ما قيل عن نقص في الأكفان - القماش / الشاش الأبيض الذي يلف به جثمان الميت ، وذلك لكثرة الموتى ، وأكثر من ذلك النقص في المعدات والأجهزة الطبية وأسرة غرف العناية المكثفة .
وما لفت النظر أكثر وأكثر هو منظر صفوف المرتقين / الموتى إلى جانب بعضهم بعضا . عشرات المدنيين القتلى ؛ أطفالا وشيوخا ونساء . عائلات بأكملها أبيدت في تدمير بيوتها على رؤوسها .
عندما زرت معسكر إبادة اليهود في ( داخاو ) قرب ( ميونيخ ) شاهدت أسرة اليهود الخشبية جنبا إلى جنب ١٦ عشر سريرا إلى جانب ١٦ أخرى ، فوقها العدد نفسه ، وآمل ألا أكون أخطأت في العد . شاهدت غرفة الغاز ، ولم تكن واسعة كثيرا عموما .
هل حدث أن دمر ( أدولف هتلر ) بالطائرات حيا يهوديا بأكمله على رؤوس ساكنيه اليهود ؟ أفيدوني أفادكم الله ؟!!
أكثر ألناس في غزة يعيشون بحسرتهم ويموتون بحسرتهم ، بخاصة حين يموت الأبناء أمام أعين آبائهم ، أو حين يرى الرجل بيته الذي أنفق في بنائه أربعين عاما مدمرا وكومة من حجارة ويجد نفسه في العراء ينتظر الغارة القادمة .
أمس في نيويورك تظاهر بعض اليهود ضد الحرب قائلين :
ليس باسمنا !!
٢ ، ٢ مليون مواطن غزي بلا ماء ولا طعام ولا كهرباء ٢٥ بالمائة منهم حتى اللحظة يهيمون على وجوههم .
أمس كتبت بيتين من قصيدة مريد البرغوثي " طال الشتات " هما :
ولو حكى الموت بالفصحى لصاح بنا :
كفى ازدحاما على كفي" واتزنوا
يهوي الشهيد وفي عينيه حيرتنا
هل مات بالنار أم أودى به الشجن ؟" .
ونحن ، وأكثر أهل غزة ، نموت من الحسرة !!
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٣

١٩
في غزة لي أصدقاء ولي ذكريات ( ٣ )

في زيارتي أنا ومحمد كمال جبر لخان يونس لم نتجول في المدينة أو في مخيمها . وصلنا مساء قادمين من رام الله إلى غزة فخان يونس مباشرة ، فاستقبلنا محمد أيوب وبتنا في منزله . ومحمد لاجيء من مواليد يافا ، وهو من عائلة أبو هدروس التي لجأ قسم منها إلى مخيم عسكر القديم والعائلتان تمتان لبعضهما بصلة ، وقد أخبرني بذلك ، وأعلمني أنه زار أقاربه في مخيمنا .
شارك محمد في المجموعة القصصية المشتركة الأولى " ٢٧ قصة قصيرة من القصص الفلسطيني في الأرض المحتلة " ثم أصدر مجموعته " الوحش " التي ذهبنا من أجل مناقشتها في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ، وفيما بعد أصدر روايته الأولى " الكف تلاطم المخرز " وواصل دراسته العليا في قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية وشاءت الظروف أن أعلمه ، فقد غدوت أحمل درجة الدكتوراه ، وأناقش رسالة الماجستير التي أعدها ، وهذا ما سبب له حساسية ووتر العلاقات بيننا .
بدأ محمد يكتب قبلي ، وهو أكبر مني بسنوات ، ولم تقتصر كتابته على الأدب ، فقد كان له انتماء سياسي بدا في كتابته الأدبية والسياسية ، ولم يكن يهادن ، بل إنه كان على استعداد لمواجهة من يختلف معه حتى لو أدت المواجهة إلى العراك بالأيدي ، ومرة أخبرني أنه ضرب قاصا من غزة اختلف معه كفا . ولعل من يقرأ قصصه وروايته التي أشرت إليها يلحظ بعض ملامحه فيها ، وأظن أنه لو امتد به العمر وشاهد ما يجري لحث الناس على البقاء وعدم التفكير بالرحيل أو الهجرة حتى لو أقام تحت شجرة زيتون ، وله قصة عنوانها " شجرة الزيتون " صور فيها علاقة الفلسطيني بأرضه ، وانظر في عنوان روايته " الكف تلاطم المخرز " كما تقاتل حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى في هذه الأيام دولة إسرائيل التي تدعمها أميركا .
بعد انتفاضة الأقصى تقطعت بيننا وبين غزة الطرق إلا بتصريح ، وعندما عقدت الجامعة الإسلامية في غزة في العام ١٩٩٩ / ٢٠٠٠ مؤتمرا عن اللغة والأدب وقررت المشاركة فيه بدراسة عنوانها " محمود درويش ولغة الظلال " رفض الإسرائيليون منحي تصريحا لاجتياز حاجز ( إيرز ) ، وهكذا لم أزر غزة بعد استلام السلطة الفلسطينية لها ، ولم أعد ألتقي بمحمد وفترت العلاقة بيننا . عندنا مثل يقول " البعد جفا " وأظن أن الحواجز بين الضفة الغربية وقطاع غزة تركت أثرا في العلاقة بين أبناء جناحي الوطن المنشود الذي قسمته أحداث العام ٢٠٠٧ قسمين وجعلت من الدولة اللفظية دولتين ؛ دولة محاصرة كنست الاحتلال وخاضت معه سلسلة حروب آخرها هي الحرب التي نعيشها الآن ولما تنتهي ، ودولة السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال ، والآن .. الآن يريد ( بنيامين نتنياهو ) رئيس الوزراء الإسرائيلي فرض خارطة جديدة يعمل من أجل إنجازها على طرد أهل غزة أولا ، ثم طردنا ثانيا ، وجعل فلسطين أندلسا ثانية .
من يتذكر الآن أعمال محمد أيوب النثرية ؛ قصصه القصيرة وروايتيه ؟
وأنت تتابع ما يجري الآن في غزة تتساءل أكان محمد أيوب محظوظا لأنه توفي قبل أن يرى دمار غزة ؟ أم أنه خسر كثيرا لأنه لم ير الجدار يدمر ويجتاز من المقاومين الفلسطينيين ؟
لو كنت كنديديا ، وكنديد عنوان رواية للفرنسي ( فولتير ) لقلت : مليح إنه صار هيك ، لأنه لو ما صار هيك لصار الأسوأ .
تفاءلوا بالخير تجدوه ، وليس بالإمكان أبدع مما كان .
" إن كل شيء هو أحسن ما يكون في أحسن ما يمكن من العوالم "
يتبع
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٣

٢٠
يوميات غزة ولبنان ( ٣٧٥ )
في المساء الأخير على هذه الأرض

١٧٠ ألف قطعة سلاح وزعها الجيش الإسرائيلي ، في الأشهر الثمانية الماضية ، على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ، ومنذ مطلع الشهر والقيادة الإسرائيلية تحكي عن قرارات اتخذت لمهاجمة إيران لقطع رأس الأفعى ، كما ردد بعض أعضاء القيادة في صباح هذا اليوم الذي صرح فيه أحد الضباط بأن دولته لم تستخدم أكثر من ١٠ بالمائة من مخزون سلاحها .
أمس تذكرت عبارة محمود درويش " أتحسبها الأندلس ؟ " وفي صباح هذا اليوم وجدتني أعود إلى قصيدته " أحد عشر مقطعا على آخر المشهد الأندلسي " وأقرأ مقطع " في المساء الأخير على هذه الأرض " .
هل نقطع أيامنا عن شجراتنا ونعد الضلوع التي سوف نحملها معا والضلوع التي سوف نتركها ههنا ؟ هل سيبدل المكان أحلامنا ويبدل زواره " فجأة لم نعد قادرين على السخرية ، فالمكان معد لكي يستضيف الهباء .. هنا في المساء الأخير نتملى الجبال المحيطة بالغيم : فتح .. وفتح مضاد " .
هل ستهاجم إسرائيل إيران فترد إيران ولا يبقى لدينا وقت للتساؤل :
" هل كانت الأندلس ههنا أم هناك ؟ على الأرض ... أم في القصيدة ؟ ".
صمدت إيران في حربها مع العراق في ١٩٨٠ ثماني سنوات وقلبت المعركة في نهايتها لصالحها وما طالب به صدام في بداية الحرب من أن المحمرة أرض عربية تراجع عنه في نهايتها .
صارت الضفة مخازن أسلحة وغزة خرابا والجنوب اللبناني والشمال الفلسطيني يتحول ساعة ساعة ويوما يوما إلى أرض محروقة . هل اقتربت نهاية دولتهم أم نهاية وجودنا على هذه الأرض ومن ثم تحقيق ما يدعو إليه اليمين الإسرائيلي " دولة يهودية " من النهر إلى البحر أولا ثم ...
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤

٢١
روايات مقدسية عن القدس :

عارف الحسيني وروايته الثالثة " نص اشكنازي " بضم النون - أي نصف اشكنازي ( ٢٠٢٤ ) ، فأم اليهودي ( إتسفيكا ) ، وهو الشخصية اليهودية الرئيسة ، هي يهودية من الأشكناز فيما أبوه يهودي عراقي ، و ( إتسفيكا ) يكره العرب .
الرواية هي الجزء الثالث من روايته الوحيدة " كافر سبت " ( ٢٠١٢ ) و " حرام نسبي " ( ٢٠١٧ ) .
يصل نبيه الشخصية الفلسطينية المقدسية الرئيسة في الثلاثية إلى الرأي الآتي :
بذلك اتخذ شكلا اجتماعيا شخصيا ولم ينتبهوا إلى تغير الحال ، وخطر قرب المعتدي المتعالي على المعتدى عليه الواعي ، استمر المستوطنون بالتمادي غير آبهين بالخطر الذي يحدق بهم عندما يعرف المظلوم مواعيد نوم الظالم وعدد أبنائه وأسماءهم ومشاكلهم وطبيعة علاقاتهم الأسرية ونقاط ضعفهم كبشر ."
ويعقد نبيه الأمل على الجيل الجديد الفلسطيني في القدس لكسب الصراع بخاصة بعد انهيار المنظومة الفصائلية ، فقد " أصبحت مقاومة المحتل شخصية وليست حالة جمعية " .
تنتهي الرواية نهاية تفاؤلية فحين تسأله حورية :
- وشو راح يصير ؟
يجيب بدون تردد :
- ولا إشي .. ويمكن مش ع زماننا ، وأكيد لازم نقبل ونتصالح مع حقيقة إنو القضية مطولة ، وإحنا بنبني لغيرنا ، وغيرنا راح يبني للي بعده ، بس بالآخر لن يكون إلا ما نريد يا حورية . " .
الرواية التي صدرت في ٢٠٢٤ لم تأت على ٧ أكتوبر - طوفان الأقصى ، وبالتالي لم تصف حال المقدسيين المتمثل بصمتهم في العام الأخير .
قبل يومين كتب خالد الغول Khaled Elghoul فقرة عن الشعارات التي تغنى بها الأدباء وتساءل عن مدى واقعيتها وماذا يقول أصحابها الآن فيها .
طوفان الأقصى سيفجر نقاشات طويلة كثيرة حول كل ما كتبه الأدباء الفلسطينيون ومرة تساءلت عن هذا وكتبت مقالا عنوانه " بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي " وقلت إن نصوص الأدب الفلسطيني تتصارع في رأسي
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤

٢٢
محمود شقير " أنا والكتابة "

" ولكي أكون منصفا فإن هذا التعقل الزائد ليس مقنعا في كل الحالات ، فثمة لحظات يتعين على المثقف أن يكون صداميا فيها ، وأن يقول كلمته بوضوح ، بغض النظر عن النتائج التي تتهدد أمنه الشخصي جراء ذلك ... "( صفحة ١٩٠ / ١٩١ ) .
قبل فترة ضمنت إحدى يومياتي عن غزة سطرا شعريا لراشد حسين هو :
" تشتهي الثورة لحظات غضب " .
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤ .

٢٣
غزة 740 :
وماذا لو كان حراس الأسرى الإسرائيليين الموتى ماتوا معهم في الأنفاق ؟

لم تعد حركة حماس ، حتى اللحظة ، جثث بعض موتى إسرائيليين ، لتعيدهم إلى الدولة الإسرائيلية ، وإسرائيل ، لذلك ، تدق طبول مواصلة الحرب .
ماذا لو كان حراس الأسرى القتلى ارتقوا بفعل القصف ؟
رحم الله الشاعر إبراهيم طوقان :

أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟

يريدون أن يبتلع غزة البحر ، فإن لم يبتلعها سممنا مياهها ، فإن لم يفن فلسطينيو غزة لما سبق أفنيناهم .
حتى " العرب الصالحون " ، بحسب عنوان كتاب الكاتب الشيوعي اليهودي ( هلل كوهين ) ما عادوا يثقون برئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) .
أحوال غزة الداخلية لا تسر .
الله المستعان
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٥

٢٤
من قصة غسان كنفاني " الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس " :

" يوما بعد يوم صار مفتاحنا مفتاحا فقط ، بالنسبة للكثيرين ، وربما أحيانا بالنسبة لي أيضا ، هل أقول إننا نسيناه ؟ لا ، بالطبع ولكنه لم يعد يذكرني بالفأس ، أحيانا كنت أجلس وأنظر إليه مليا واتساءل : كيف كنت أراه ، ذات يوم ، فأسا صغيرا ؟ كيف كان جدي يعتقد أنها فأس مسختها قوة جبارة إلى مفتاح ؟ وكان ابني حسان قد ولد فرآه هناك وأغلب الظن أنه كان يراه مثل صورة معلقة على الجدار وكنت أنتظر ذات يوم أن يقول لي إنه يشبه الفأس ، مثلما انتظر مني والدي أن أفعل ، ولكن ذلك لم يخطر على باله كما يبدو ، وكنت أقول لنفسي : ما النفع ؟ ما الذي أريده "

" سأقول لكم ما الذي حدث ، الذي حدث للمفتاح ولمنتصف أيار معا .....
.....
....
صاح حسان مشيرا إلى باصبعه إلى المفتاح :
- أنظر ، إنه يشبه الفأس ! " .

كتب غسان كنفاني هذه القصة في أيار ١٩٦٧ يوم تفاءل الفلسطينيون بالعودة إلى فلسطين ولكن للأسف لم تنجز فقد أحاقت بنا هزيمة حزيران . تحرك المفتاح ولم يحمله أصحابه ويعودوا إلى دار جابر في قريتهم قرب مدينة عكا .
كم تفاءلنا ب .... !!
يجب قراءة القصة هذه في ضوء بعض التصريحات قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
ما زال تميم البرغوثي متفائلا .

٢٤
يوميات غزة 740 / 2
إلى عبد الكريم عاشور
Abed Alkarim Ashour

المفتاح وسلمان ناطور :

" صيف ١٩٨٠
لا أعرف إذا جمع أحد مفاتيح الشيخ عباس التي حملها عشرين عاما وأكثر ،ولماذا يجمعها الناس وقد حطمت أبوابها أو حرقت ؟
صار المفتاح أغنية وأسطورة ، ولماذا لا نحيك الأساطير حول مفاتيحنا الضائعة أو تلك التي ظلت في الأبواب تنتظر عودة أهلها فأكلها الصدأ وقد صدقوا أنهم عائدون بعد أيام فتوالت الأيام والأسابيع والسنون وما عادوا .
الشيخ عباس انتبه إلى المفاتيح المنسية في الأبواب فسحبها واحدا واحدا وظلت تتراقص على خاصرته عشرين عاما إلى أن سقطت على الأرض بجانب جسده الذي مزقه الضبع ولم يجمعها أحد من بعده لأننا فقدنا الأمل .
كل الآمال العربية ضاعت مع مفاتيح الشيخ عباس - الله يرحمه ويرحم أمواتكم جميعا "

" هل قتلتم أحدا هناك ؟"
( 1999 )
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...