وارد بدر السالم - عن الحالمين بالعالمية جلال الدين الرومي: عرفتُ حدودي

الموجز:
سُئِلَ جَلَالُ الدِّينِ الرُّومِيّ ذَات يَوْم:
" نَرَاك تَقْرَأ وَتُكْتَب كَثِيرًا، فَمَاذَا عَرَفْت؟"
فَأَجَابَ: " عَرَفْتُ حُدُودِي."
**
التفصيل:
__
وارد بدر السالم
(1)
حدود جلال الدين الرومي (1207-(1273 هي الحدود العقلية في معرفيتها الجمالية التي كان عليها الرجل في زمنه؛ فلم يتجاوزها ولم يدّعٍ ما ليس له به علم. اكتفى بما عرفه من علوم وآداب وثقافات في عصره ولم يتطاول عليها، أو يتوهم ما كانت عليه ذاته المتعطشة للقراءة والكتابة. ولم يقدّم نفسه على إنه ذاتٌ فضلى بين الذوات الأدبية، تستحق ما لا يستحقه الآخرون.
الرومي هو الأنموذج التاريخي الأكثر صلةً مع نفسه وإمكانياته. كان كياناً متوازناً، معتدلاً، متواضعاً وعارفاً لحدوده العقلية الاستيعابية التي قادته الى أن يكون أحد المتصوفة الكبار في العالم. وبالتالي يمكن أن نفهم من هذا التواضع والاعتدال بأنه ليس نرجسياً، وهو الذي انغمس منذ بواكيره المعرفية في موقد المعرفة والثقافة؛ فصار: جلال الدين الرومي. ولو لم يكن كذلك لما بقي في الخلود الصوفي والعرفاني والأدبي. حتى بِتنا نشير اليه في مناسبات كثيرة. ونستشهد بمقولته الراسخة (عرفتُ حدودي) وهو يتخطى محليته ليصل الى العالمية بعد وفاته في عصور هي غير عصره.
هذه المعرفة الشخصية لمقدرة الرومي على استيعاب علوم عصره وثقافاته، قد تكون مدخلاً مناسباً لنتحدث عن نرجسية بعض الأدباء من الروائيين والقصاصين المتعالين الذين يسهمون بإدراك أو من دونه، في إشاعة الكثير من الفوضى، حتى ليُقال بأن الأدباء هم أصحابُ مزاج نرجسي، حالمون بالمجد الصعب أكثر مما يجب، ويستقطرونه في كل الحيل المشروعة وغير المشروعة. على فرضية بأن الحلم حق مكفول لمن يريد أن يحلم أو يتوهم أو ينفخ في ذاته كثيراً. ولن تلزمه في هذا القوانين الرسمية التي تحاسب المجرمين، والمتجاوزين على حقوق المواطنة على سبيل المثال. لكنها لا تحاسب الحالمين بالسمو والمجد والوهم والأمل. فهذه لا تؤذي أحداً من العامّة، ولا تتجاوز على حقوق الدولة. لا تؤذي إلا أصحابها الذين يلهثون وراءها طيلة حياتهم. لكن الرومي؛ الشاعر؛ الفقيه؛ المتصوف؛ صاحب المثنوي الشهير، قدم في جملته القصيرة درساً بليغاً لمن يفهم ما قاله. عرف مقدرته الأدبية والصوفية، فلم يتعالَ على أدباء ومتصوفي عصره.
(2)
كثيرون بيننا حالمون أكثر مما يسمح الحلم به. واهمون أكثر مما يتحمله الوهم الذي لا حدود له. الأمر سهل جداً لمن يبتغي الحلم ويطارد الوهم فهذا يقرّبنا من موضوعةٍ في واقعية النرجسية النفسية التي ينتهجها بعضٌ من الأدباء، حيث تتضخم الـ أنا فيهم تضخماً غير معقول في عدّ الكتابة ممراً لسعادة البقاء والنجومية الأدبية ونيل الجوائز العالمية الكبرى.
الحلم حق، لكن الوهم ليس حقاً مطلقاً.
الحلم لا يؤثّر على الآخرين، بينما الوهم يبث الطاقة السلبية حتى في الكتابات. وهناك أدلّة على هذا التضخم البالوني الذي يؤدي الى تضخم في إدّعاء الكتابة، عندما تتاح فرصة صحفية في لقاءات أدبية لهذا الروائي أو ذلك القصصي عندما يُسأل عن جدوى الكتابة فيحيب:(أكتب لتصحيح خطأ في العالم) هذا الإنشاء المجاني نُدرك الخواء المعرفي فيه، والإنشاء السطحي لا يغير من العالم شيئاً، والجملة هي من جُمل نقولها ونكتبها في سياقها الإنشائي الذي لا يحل العُقد ولا يصحح أي خطأ في العالم. بل يزيد من الحمقى على هذا الكوكب الأدبي المريض بالنرجسية وداء العظمة. أما الموضوعة التي المستترة فهي تواجه بعضاً من الروائيين والكتّاب من إنهم لم يبلغوا العالمية بعد. والطريق اليها مغلق ورواياتهم لم تأخذ دورها في الترجمة والانتشار العالمي حتى يبلغوا القمة الأدبية العالمية لنيل الاعترافات بها والجوائز العالمية الكبرى.
هذا كلام نسمعه ونقرأه، وهو جزء من وهم يراود البعض. جوهره غير صحيح، وينطوي على التباس ثقافي- نرجسي كبير. وأعتقد بأن علينا أن لا نسأله حتى مع أنفسنا، لا لأننا لم نرتقِ بعد للتأهيل العالمي، بل علينا أن لا نفكر فيه في الأساس. بالرغم من إن بعضنا نال جوائز خليجية معروفة؛ كتارا والبوكر؛ وتُرجمت بالفعل بعض الروايات الفائزة الى الإنكليزية والفرنسية. لكن هذا لا يعني بلوغ (العالمية) فالعالمية مبدأ معقّد، وليس جوائزَ وترجماتٍ وأفلاماً سينمائية وندواتٍ ومحاضرات. فاليقين الذي تجدر الإشارة اليه هو ما يجب أن نكتبه. ما نوعه. متى نكتبه. الى مَن نتوجه في الكتابة. كيف نبتكر معالجات للأزمات الكونية في السياسة والاقتصاد والمال والسوق المفتوحة. كيف ننقل المحلية الاجتماعية الى العالَم الآخر الذي ندّعي بأننا الأفضل والأنقى منه. في حين إن اليقين الآخر الذي نقوله بوضوح هو إن الوهم بذاته اعتراف في الهزيمة الداخلية التي تُفصح عن مشكلات نفسية- واقعية- أكيدة، ومادام هذا السؤال يراود الكثيرين من كَتبة الروايات والقصص علينا بالأسئلة المهمة :
- لماذا نكتب ولماذا لا نفهم لماذا نكتب! هل نكتب لإيصال رسالة اجتماعية الى المستقبل؟ أم هو نزق بعيد عن الاحتراف المضني الذي لا نتمتع به في الغالب؟ هل نحن فطريون في الكتابة أم مُلهَمون؟ أم هو عادة قرائية أدّت الى الكتابة؟ وهذه بدورها أدّت الى الطموح في أن نصل الى العالمية الأدبية. ليس ثمة جواب واحد على هذه الإشكالية النفسية، بل أجوبة كثيرة تنتظرنا في هذا السياق الاعترافي الذي لا يظهر كثيراً، لكن ربما يظهر واضحاً في المقابلات الصحفية على وجه التحديد، عندما يكون (الإنشاء) في أعلى درجاته سطحية وإسفافاً في طريقة المبالغة والكذب على اللغة الذي إعتاده كثيرون من هؤلاء.
على سبيل الأمثلة التي نحفظها من أجوبة صحفية للبعض حول سؤال: لماذا تكتب؟
عشرة أجوبة لبعض الأدباء تكفي لنجد الخواء فيها في جاهزية الاجابات الإنشائية والإيهامات اللغوية التي لا معنى لها:
• أكتب في محاولة لترميم العالم.
• أكتب لأنني موكَل بالكتابة من الغيوم.
• أكتب في محاولة إيقاف التصدع في الحياة.
• أكتب لأفهم ما يجري حولي من أحداث معاصرة وأطمح لتبديدها.
• أكتب لإصلاح الخراب المحيط بنا.
• أكتب لأن الكوكب في خطر.
• أكتب لأكون.
• أكتب لأصوغ العالم من جديد.
• أكتب لأتماهى مع العالم الكئيب، وأطرد الكآبة منه.
• أكتب وأحاول وأطمح أن أنتشل الكرة الأرضية من جحيمها السماوي.
هذه اللغة الإنشائية كاذبة من ألفها الى يائها. ليس فيها عمق فكري وفلسفي وثقافي ومعرفي. الكذب مفضوح فيها. قد تكون معسّلة بلغة شعرية قادرة على المراوغة، لكنها مكشوفة، لا تشفُّ إلا عن خواء أدبي. وبالتالي علينا أن نعرف لماذا لم نبلغ العالمية.
(3)
مرةً أخرى مع الرومي القائل (إنك قد رأيتَ الصورة ولكنك غفلت عن المعنى) والمعنى في قلب الجملة الرومية، لكنها لا تُشرح لاستنباط المعنى الدفين فيها. الصورة لا يمكن حجبها، لهذا نقترح المساءلة عبر ما يأتي، وهي أجوبة ممكنة لمن لا يعرف حدوده المعرفية والثقافية:
• ليس لدينا عمق فلسفي لتفسير أحداث التاريخ. وما نقرأه هو أبجديات عابرة في الفلسفة لا تصلح للعمق الفني والأدبي. بمعنى لا يوجد لدينا روائي فيلسوف قادر على أن يتماهى مع التاريخ العالمي ويستخرج منه الدروس الواجبة في عصرنا المليء بالحروب والاحتلالات. ونرى في هذا بأننا حددنا قراءاتنا في اهتماماتنا الكتابية في القصة والرواية والشعر والمسرح، وبالتالي ضاعت علينا فرص كثيرة في أن نفهم الطريقة المثالية للكتابة. أي نحن نجتر ما كتبه غيرنا، وليس لنا هدف أبعد من غرفة الكتابة.. فلماذا العالمية مرة واحدة؟
• هل استوعبنا بأننا بلاد منكوبة حتى أخمص قدميها؟ هل فتشنا عن أسباب تلك النكبة ومعانيها؟ هل استدركنا الواقع العراقي بشكله الصحيح؟
• هل فهمنا أدوارنا الكتابية المكثفة في أمكنة من الوطن تعرضت الى خيبات عسكرية كثيرة؟
• هل استوعبنا بأن المرأة صُنونا في كل شيء؟
• هل الثيوقراطيون هم الحل في وطن يتقاذفونه بالكذب والعنتريات والسلاح؟
• هل إننا قادرون على أن ننشئ قرية أو بلدة عراقية ونستدعي كل التاريخ القديم العظيم ونُماثله بما آلت الحال اليه؟ كما فعل ماركيز في "مئة عام من العزلة" عندما أنشأ على أطلال الماضي في كولومبيا قرية ماكوندو ؟ فلماذا عطّلنا خيال الكتابة فينا؟
• العالمية مبدأ معقّد وشاق وطويل، وإلا لكان أدونيس مثلاً قد وصل اليها بجائزة نوبل، وهو المرشّح السنوي لها ..!
• هل وصلت الفكرة؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...