عبد الرحمن بسيسو
"الفلسطينزم" جوهر الإنسانية وطوق نجاتها
(حوار حول تفكيك التوحش الصهيونيِّ، واستعادة الإنسانية، وترسيخ فاعلية مصطلح "الفِلَسْطِينِزِمْ Filastinism" بوصفه جَوْهَرَ الإنسانيةِ، وطَوْقُ نجاتها)
في تعليق موسََعٍ على مقالي: "مُعَادَاةُ الإنسانيَّة"رافعةُ تصدٍّ صهيونيٍّ توحُّشيٍّ، حاقدٍ ومَوتُور، لـ "مُعَادَاة السَّامِيَّة" (2/2)، المنشور على هذا الموقع "الأنطولوجيا" وعلى صفحة الفيسبوك خاصتي، كتبت الشاعرة المصرية الصديقة غادة نبيل، تعليقاً موسعاً، يقول:
"بحق أصدِّق معك وقبل قراءة المقال أن الكيان سيكون ذات زمن - وبشكل أو بآخر - السبب في تفجير كل علاقات وأحوال دول هذا الكوكب ونشوب حرب عالمية إفنائية بِطاقتيّ الكراهية والتوسع (الجشع والتوحش كما ذكرت) اللتين لا تواجهان أية كوابح أو ' فرامل ' سياسية أو اقتصادية وغيرها من أي أحد.
كل ما يحدث في العالم يبدو متجها نحو التصعيد كأنما لا يوجد عاقل واحد يمكنه إنقاذ البشرية من سيناريو الانتحار الجماعي المحتوم بل يتم إذكاء وشحذ روح الكراهية المطلقة تجاه الآخر وتحديدا الآخر ممن ليس يهوديا ولن يتوقف المحتل عن شهوة الابتلاع لكل ما يريد وكل ما في طريقه... حتى بدون أن نعرف تحذيرات آينشتاين وآرندت بغسلهما أيديهما من مشروع الصهي ونية لتدمير العالم . وفي هذا السياق كنت أتأمل خلال إبادة غ زة وتشيير أخبار المآسي عبر عامين أو ثلاثة مضت في صفحتين تعرضتا للتهكير فقمت بمحوهما .. في أثناء ذروة المأساة لم أكن معنية نفسيا بتشيير أخبار تضامن وتظاهر يهود أمريكا مثلا مع الحق الفلسطيني لشعوري أن الخطر تجاوز اهتمامي بتصديق مدى " تأثر وإنسانية " الطرف الآخر حيال المأساة أو لرفضي أن أكون حلقة في مصيدة تبييض وجه بعض الرافضين اليهود للتوحش الصهيوني والانشغال بتقسيمات ' الي هودي الجيد أو الطيب ' و' الي هودي الشرير أو المجرم'...ولا أرى أهمية كبرى للوقوف أمام تلك التصنيفات وقد ألغاها عدوي بحقي فكلنا عنده ' أغيار ' وكل الغزاوية لا يوجد فيهم بريء .. وكل الفلسطينيين يستحقون القتل.
من لا يؤيد سفك الدم الفلسطيني... ومن يريد سفكه. العالم ينقسم منذ زمن لكن الانقسام يزداد ويتعمق.
لو ثمة وضع خيالي يسمح لنا بإجراء اختبار الكذب على كل ي هو دي وكل اسرائ يلي لنعلم من منهم حقا سيقبل عودة اسم فلسطين والعيش في فلسطين باسمها القديم الحي ذاك، وكم يه و دي ممن نراهم في مظاهرات متعاطفة مع القضية الفلسطينية أو ضد إبادة غ زة يقبل بعودة كل فلسطينيي الشتات لفلسطين سنكون قد عرفنا ' حجم ' الخطر الحقيقي الذي تواجهه البشرية ككل لا الأمة العربية وحدها.
شكرا على تحذير المقال ونبضه.
واستجابة مقدرةً لتعليقها اللافت، كتبت تعقيباً يقول:
الصديقة العزيزة النبيلة المبدعة غادة نبيل،
تحيةً لوعيكِ الإنسانيِّ الوهاج، ولرؤاك الثاقبة، ولقراءتكِ المفعمة بالعمق النقدي، والمكاشفة الصادقة النابعة من انتماء جوهريٍّ للإنسانية.
ما تفضلتِ به في تعليقك الثري والمُقَدَّر على مقالي هذا، إنَّما يمسّ جوهر الفاجعة الوجودية التي يعيشها إنسان عصرناوهو يراقب انحدار العالم نحو "انتحار جماعي" تقوده قوى توحشية شريرة لا تعرف الكوابح.
ولتشخيصكِ لشهوة الابتلاع والتوسع، وإشارتكِ الذكية إلى تحذيرات آينشتاين وهانا آرندت، أن يضعا الإصبع على جذر المأساة: نحن أمام بنيوية إبادية صهيونية رأسمالية لا تدمر ضحاياها المباشرين فحسب، بل تحمل في طياتها فناء العالم بأسره، وهي الفكرة التي انطلقتُ منها في هذه المقال، ومقالات عديدة سابقة حين ناقشتُ كيف تتحول "مُعَاداة الإنسانية"من سلوك همجي عابرٍ إلى "رافعة" وأداة نظامية ومؤسسية لإعادة تشكيل النظام الدولي بالدم والنار.
أما بخصوص موقفكِ النفسي والمعرفي الرافض للانشغال بتصنيفات "اليهودي الجيد واليهودي الشرير" أو "تبييض وجه" بعض المواقف في ذروة شلال الدم، فهو موقف مشروع تماماً وأتفهمه بامتياز. ففي لحظة الإبادة، يصبح التفتيش عن "إنسانية في معسكر العدو" نوعاً من الترف الاستشراقي، بل إنه قد يقع في فخ البروباغندا التي تحاول تصوير الجريمة كـ"انحراف عابر لحكومة متطرفة"، بينما الحقيقة أنها بنية استعمارية احتلالية إحلالية كاملة ترى فينا جميعاً "أغياراً" مستباحين.
ولكن، من هذه النقطة بالذات ننطلق معاً لتأكيد وتأصيل فكرة "الفلسطينزم" (Filastinism - Palestinism) كـ"نقيض جذري كلي للصهيونية"؛ هذا المصطلح الذي لم يولد فجأة بل كان نتاج مخاض فكري تراكمي أسهم فيه الكتاب والمفكرون الفلسطينيون والعالميون – وكنتُ بأطروحاتي المتواضعة من بينهم – حيث عمل كلٌّ منا، بقسطه المعلوم وعبر مساحته المعرفية ونطاقات قارئيه، على توليد بذور هذا المفهوم وبلورته في مواجهة السردية الاستعمارية الصهيونية الرأسمالية. وقد جاء الصديق العزيز الدكتور إياد البرغوثي ليقدم صياغة موفقة ومؤطرة، وتتظيراً عميقاً، لهذا التراكم الجماعي في كتابه الهام "من فلسطين إلى الفلسطينزم: قول في الوعي والمعنى" الصادر في مطلع الفصل الأخير من العام الماضي (2025).
في ضوء هذا الامتداد المعرفي الفلسطيني والإنساني الجمعي، لم تعد ""الفلسطينزم" مجرد انتماء لهوية جغرافية أو قضية وطنية محلية؛ بل تحولت إلى فلسفة تحررية نهضوية إنسانية شاملة، هي، في صلبها "جوهر الإنسانية المعاصرة". إنها المعيار الإنساني الأخلاقي الأوحد اليوم، لأنها النقيض الإنساني الجذري المباشر لـ"التوحش البشري الرأسمالي الصهيوني الغربي، الذي يتجسد بأبشع صوره في ممارسات "دولة إسرائيل" و"الولايات المتحدة الأمريكية" وجرائمها المتواصلة، بلا انقطاع، ضد الإنسانية بأسرها، بدءاً من فلسطين.
وتأسيسا على هذا، فإنًَّ اليهودي الذي يناهض الصهيونية بكل هياكلها وتجلياتها (بما فيها إسرائيل نفسها)، مؤكداً انخراطه في "الفلسطينزم"، لا يقدّم، مِنَّةً منه وتفضُّلاً مفعماً بالتعالي، "صكَّ غفران" أو "وعداً بصك غفران مستقبليٍّ" للضحية الفلسطينية، أو لغيرها من ضحايا الصهيونية المتكاثرين على مدى العالم الواسع، وإنما هو يتمسك بطوق النجاة الوحيد الذي يجعله قادراً على استعادة إنسانيته المُصادرة.
لقد اختطفت الصهيونية هوية اليهودي، بكل ما لها وما عليها، وحولتها، عبر الصهينة، والحوسلة، والأدلجة العنصرية التوحشية المُعادية للإنسانية على نحو غير مسبوق، إلى أداة قتل رأسمالية إمبريالية، ليس بمقدوره الفكاك منها إلا بالانحياز التام للـ"فلسطينزم" كفلسفة تحرر كوني، أو ربما كلاهوت تحرر بديل للاهوت الاستعباد الصهيوني.
ونظراً لأنَّ العدو الصهيوني الذي يجسد البشرية الجشعة المتوحشة، قد ألغى الفوارق بين الإنسانيين من الناس وجعلنا جميعاً، كما ذكرت بدقةٍ، "أغياراً"، فإن تفكيك هذه الجبهة من داخلها بأصوات يهودية ترفض الوجود البنيوي لإسرائيل، وتكفر بمركزيتها الغربية، يمثل تعرية للمشروع الإمبريالي الصهيوني الرأسمالي المشترك، وإسقاطاً لقناع المشروعية الأخلاقية (الإنسانيّة النبيلة) التي اقتات عليها هذا المشروع لعقود طِوال.
إنَّ "الفلسطينزم" هي الثغرة الفلسفية والعملية التي يطل منها الأمل المُؤَصَّل بالانعتاق من قبضة هذا التوحش البشريِّ الصهيونيِّ العالمي المعاصر. واليهودي المناهض للصهيونية يدرك (أو هو يجب أن يدرك) أن إنسانيته لن تكتمل إلا إذا أسهم، بالكيف والقدر الذي يستطيعه، في هدم المعبد الصهيوني الرأسمالي التوحشي الشرير المُعادي للإنسانية، الذي بُني باسمه.
وإني، لممتنٌ، صديقتي العزيزة، عظيم الامتنان، لتعليقكِ الثريِّ الذي فتح باب هذه المثاقفة الحية، وسأكون مسروراً وعلى مقربة من إدراك ما أنشده من إنهاضٍ للوعي الإنساني الأصيل بشأن القضايا المترابطة ذات الصلة بهذه المسألة، إنِ امتد هذا النقاش المعمّق، واتسع ليشمل، إلى هذا المقال، المقالات والأفكار والتبصرات الفلسفية والسياسة والاجتماعية القادمة، فبمثل هذا الوعي المشترك نضيء مساحات العتمة التي يفرضها ويرعى حلكتها، على مدى العالم، التضليل الآيديولوجي الصهيوني الإبهاري المبهرج.
ورداً على هذه الرسالة كتبت الشاعرة الصديقة غادة نبيل ما يلي:
Abdalrahman Bsaiso”
أنا التي يجب أن أمتن لك وفعلا أشعر بذلك .. لكون النقاش فد فتح عيني على معلومات تفضي في مكنونها إلى جوهر تلاقي وتلاقح فكرتنا ولن أقول فكرتينا .. ولمعاونتك لي على توسيع وإنضاج حيز رؤيتي.
كنتُ قرأت وشاهدت لبعض اليهود وأحد الحاخامات ( في ذروة شلال الدم في غزة) عن كون الصهيونية اختطفت اليهودية من خلال سرقة تعريفات والقيام بعملية إحلال وإبدال للمعاني بقصدية البلبلة الدعائية والتمييع السياسي كاتهام الصهاينة مثلاً البروفيسور نورمان فينكلشتاين بأنه معادٍ للسامية، أو بكونه اليهودي الكاره لنفسه ولليهود .. وكالسَّعي السياسي الصهيو ني الحثيث لا لمحو الدلالة العنصرية عن مفردة مثل 'الصهيونية' كأيديولوجية فقط، بل لتجريم من يستخدمها ويتناولها على سبيل الإدانة في الكتابة والتنظير لتصبح دلالة استخدامها اللغوي بنقد وإدانة دليلاً على 'معاداة السامية' ومرادفاً لها. وقد سرقوا واحتكروا ذلك المصطلح الأقدم من قبل.
أمتن لك لتعريفي بالفلسطينزم .. ولجهد تخليق مفردة مضادة تمثل مخزونا أخلاقيا نقيضا لمصطلح وقناعات وممارسات الصهيو نية والإمبريالية. وأشكر لك كل حرف كتبته هنا وفي مقالاتك السابقة في تشخيص العلة وأشكر لك بخاصة إشارتك إلى الكيفية التي يصبح معها "التفتيش عن' إنسانية في معسكر العدو' في عز الإبادة .. نوعًا من الترف الاستشراقي" وكيف قد يستدرجنا المشهد العالمي في بعض منعطفاته ولحظاته، بل والعدو نفسه بآلاته الدعائية المتعددة الأذرع (هل نضع في هذه الخانة فيلما مثل ' ناز '؟ ) إلى فخ البروباجندا لصالح صورة العدو، بحيث تقودنا إلى عدم الانتباه، أو إلى التغافل غير الواعي، عن كون وحشية ذلك العدو هي شيء بنيوي متأصل متكامل الشر وأن بنيته - كما وصفتها أنت - هي "بنية استعمارية احتلالية إحلالية كاملة ترى فينا جميعا ' أغيارًا' مستباحين ".
حقا سلم، عقلك، وقلبك، ويدك.
"الفلسطينزم" جوهر الإنسانية وطوق نجاتها
(حوار حول تفكيك التوحش الصهيونيِّ، واستعادة الإنسانية، وترسيخ فاعلية مصطلح "الفِلَسْطِينِزِمْ Filastinism" بوصفه جَوْهَرَ الإنسانيةِ، وطَوْقُ نجاتها)
في تعليق موسََعٍ على مقالي: "مُعَادَاةُ الإنسانيَّة"رافعةُ تصدٍّ صهيونيٍّ توحُّشيٍّ، حاقدٍ ومَوتُور، لـ "مُعَادَاة السَّامِيَّة" (2/2)، المنشور على هذا الموقع "الأنطولوجيا" وعلى صفحة الفيسبوك خاصتي، كتبت الشاعرة المصرية الصديقة غادة نبيل، تعليقاً موسعاً، يقول:
"بحق أصدِّق معك وقبل قراءة المقال أن الكيان سيكون ذات زمن - وبشكل أو بآخر - السبب في تفجير كل علاقات وأحوال دول هذا الكوكب ونشوب حرب عالمية إفنائية بِطاقتيّ الكراهية والتوسع (الجشع والتوحش كما ذكرت) اللتين لا تواجهان أية كوابح أو ' فرامل ' سياسية أو اقتصادية وغيرها من أي أحد.
كل ما يحدث في العالم يبدو متجها نحو التصعيد كأنما لا يوجد عاقل واحد يمكنه إنقاذ البشرية من سيناريو الانتحار الجماعي المحتوم بل يتم إذكاء وشحذ روح الكراهية المطلقة تجاه الآخر وتحديدا الآخر ممن ليس يهوديا ولن يتوقف المحتل عن شهوة الابتلاع لكل ما يريد وكل ما في طريقه... حتى بدون أن نعرف تحذيرات آينشتاين وآرندت بغسلهما أيديهما من مشروع الصهي ونية لتدمير العالم . وفي هذا السياق كنت أتأمل خلال إبادة غ زة وتشيير أخبار المآسي عبر عامين أو ثلاثة مضت في صفحتين تعرضتا للتهكير فقمت بمحوهما .. في أثناء ذروة المأساة لم أكن معنية نفسيا بتشيير أخبار تضامن وتظاهر يهود أمريكا مثلا مع الحق الفلسطيني لشعوري أن الخطر تجاوز اهتمامي بتصديق مدى " تأثر وإنسانية " الطرف الآخر حيال المأساة أو لرفضي أن أكون حلقة في مصيدة تبييض وجه بعض الرافضين اليهود للتوحش الصهيوني والانشغال بتقسيمات ' الي هودي الجيد أو الطيب ' و' الي هودي الشرير أو المجرم'...ولا أرى أهمية كبرى للوقوف أمام تلك التصنيفات وقد ألغاها عدوي بحقي فكلنا عنده ' أغيار ' وكل الغزاوية لا يوجد فيهم بريء .. وكل الفلسطينيين يستحقون القتل.
من لا يؤيد سفك الدم الفلسطيني... ومن يريد سفكه. العالم ينقسم منذ زمن لكن الانقسام يزداد ويتعمق.
لو ثمة وضع خيالي يسمح لنا بإجراء اختبار الكذب على كل ي هو دي وكل اسرائ يلي لنعلم من منهم حقا سيقبل عودة اسم فلسطين والعيش في فلسطين باسمها القديم الحي ذاك، وكم يه و دي ممن نراهم في مظاهرات متعاطفة مع القضية الفلسطينية أو ضد إبادة غ زة يقبل بعودة كل فلسطينيي الشتات لفلسطين سنكون قد عرفنا ' حجم ' الخطر الحقيقي الذي تواجهه البشرية ككل لا الأمة العربية وحدها.
شكرا على تحذير المقال ونبضه.
واستجابة مقدرةً لتعليقها اللافت، كتبت تعقيباً يقول:
الصديقة العزيزة النبيلة المبدعة غادة نبيل،
تحيةً لوعيكِ الإنسانيِّ الوهاج، ولرؤاك الثاقبة، ولقراءتكِ المفعمة بالعمق النقدي، والمكاشفة الصادقة النابعة من انتماء جوهريٍّ للإنسانية.
ما تفضلتِ به في تعليقك الثري والمُقَدَّر على مقالي هذا، إنَّما يمسّ جوهر الفاجعة الوجودية التي يعيشها إنسان عصرناوهو يراقب انحدار العالم نحو "انتحار جماعي" تقوده قوى توحشية شريرة لا تعرف الكوابح.
ولتشخيصكِ لشهوة الابتلاع والتوسع، وإشارتكِ الذكية إلى تحذيرات آينشتاين وهانا آرندت، أن يضعا الإصبع على جذر المأساة: نحن أمام بنيوية إبادية صهيونية رأسمالية لا تدمر ضحاياها المباشرين فحسب، بل تحمل في طياتها فناء العالم بأسره، وهي الفكرة التي انطلقتُ منها في هذه المقال، ومقالات عديدة سابقة حين ناقشتُ كيف تتحول "مُعَاداة الإنسانية"من سلوك همجي عابرٍ إلى "رافعة" وأداة نظامية ومؤسسية لإعادة تشكيل النظام الدولي بالدم والنار.
أما بخصوص موقفكِ النفسي والمعرفي الرافض للانشغال بتصنيفات "اليهودي الجيد واليهودي الشرير" أو "تبييض وجه" بعض المواقف في ذروة شلال الدم، فهو موقف مشروع تماماً وأتفهمه بامتياز. ففي لحظة الإبادة، يصبح التفتيش عن "إنسانية في معسكر العدو" نوعاً من الترف الاستشراقي، بل إنه قد يقع في فخ البروباغندا التي تحاول تصوير الجريمة كـ"انحراف عابر لحكومة متطرفة"، بينما الحقيقة أنها بنية استعمارية احتلالية إحلالية كاملة ترى فينا جميعاً "أغياراً" مستباحين.
ولكن، من هذه النقطة بالذات ننطلق معاً لتأكيد وتأصيل فكرة "الفلسطينزم" (Filastinism - Palestinism) كـ"نقيض جذري كلي للصهيونية"؛ هذا المصطلح الذي لم يولد فجأة بل كان نتاج مخاض فكري تراكمي أسهم فيه الكتاب والمفكرون الفلسطينيون والعالميون – وكنتُ بأطروحاتي المتواضعة من بينهم – حيث عمل كلٌّ منا، بقسطه المعلوم وعبر مساحته المعرفية ونطاقات قارئيه، على توليد بذور هذا المفهوم وبلورته في مواجهة السردية الاستعمارية الصهيونية الرأسمالية. وقد جاء الصديق العزيز الدكتور إياد البرغوثي ليقدم صياغة موفقة ومؤطرة، وتتظيراً عميقاً، لهذا التراكم الجماعي في كتابه الهام "من فلسطين إلى الفلسطينزم: قول في الوعي والمعنى" الصادر في مطلع الفصل الأخير من العام الماضي (2025).
في ضوء هذا الامتداد المعرفي الفلسطيني والإنساني الجمعي، لم تعد ""الفلسطينزم" مجرد انتماء لهوية جغرافية أو قضية وطنية محلية؛ بل تحولت إلى فلسفة تحررية نهضوية إنسانية شاملة، هي، في صلبها "جوهر الإنسانية المعاصرة". إنها المعيار الإنساني الأخلاقي الأوحد اليوم، لأنها النقيض الإنساني الجذري المباشر لـ"التوحش البشري الرأسمالي الصهيوني الغربي، الذي يتجسد بأبشع صوره في ممارسات "دولة إسرائيل" و"الولايات المتحدة الأمريكية" وجرائمها المتواصلة، بلا انقطاع، ضد الإنسانية بأسرها، بدءاً من فلسطين.
وتأسيسا على هذا، فإنًَّ اليهودي الذي يناهض الصهيونية بكل هياكلها وتجلياتها (بما فيها إسرائيل نفسها)، مؤكداً انخراطه في "الفلسطينزم"، لا يقدّم، مِنَّةً منه وتفضُّلاً مفعماً بالتعالي، "صكَّ غفران" أو "وعداً بصك غفران مستقبليٍّ" للضحية الفلسطينية، أو لغيرها من ضحايا الصهيونية المتكاثرين على مدى العالم الواسع، وإنما هو يتمسك بطوق النجاة الوحيد الذي يجعله قادراً على استعادة إنسانيته المُصادرة.
لقد اختطفت الصهيونية هوية اليهودي، بكل ما لها وما عليها، وحولتها، عبر الصهينة، والحوسلة، والأدلجة العنصرية التوحشية المُعادية للإنسانية على نحو غير مسبوق، إلى أداة قتل رأسمالية إمبريالية، ليس بمقدوره الفكاك منها إلا بالانحياز التام للـ"فلسطينزم" كفلسفة تحرر كوني، أو ربما كلاهوت تحرر بديل للاهوت الاستعباد الصهيوني.
ونظراً لأنَّ العدو الصهيوني الذي يجسد البشرية الجشعة المتوحشة، قد ألغى الفوارق بين الإنسانيين من الناس وجعلنا جميعاً، كما ذكرت بدقةٍ، "أغياراً"، فإن تفكيك هذه الجبهة من داخلها بأصوات يهودية ترفض الوجود البنيوي لإسرائيل، وتكفر بمركزيتها الغربية، يمثل تعرية للمشروع الإمبريالي الصهيوني الرأسمالي المشترك، وإسقاطاً لقناع المشروعية الأخلاقية (الإنسانيّة النبيلة) التي اقتات عليها هذا المشروع لعقود طِوال.
إنَّ "الفلسطينزم" هي الثغرة الفلسفية والعملية التي يطل منها الأمل المُؤَصَّل بالانعتاق من قبضة هذا التوحش البشريِّ الصهيونيِّ العالمي المعاصر. واليهودي المناهض للصهيونية يدرك (أو هو يجب أن يدرك) أن إنسانيته لن تكتمل إلا إذا أسهم، بالكيف والقدر الذي يستطيعه، في هدم المعبد الصهيوني الرأسمالي التوحشي الشرير المُعادي للإنسانية، الذي بُني باسمه.
وإني، لممتنٌ، صديقتي العزيزة، عظيم الامتنان، لتعليقكِ الثريِّ الذي فتح باب هذه المثاقفة الحية، وسأكون مسروراً وعلى مقربة من إدراك ما أنشده من إنهاضٍ للوعي الإنساني الأصيل بشأن القضايا المترابطة ذات الصلة بهذه المسألة، إنِ امتد هذا النقاش المعمّق، واتسع ليشمل، إلى هذا المقال، المقالات والأفكار والتبصرات الفلسفية والسياسة والاجتماعية القادمة، فبمثل هذا الوعي المشترك نضيء مساحات العتمة التي يفرضها ويرعى حلكتها، على مدى العالم، التضليل الآيديولوجي الصهيوني الإبهاري المبهرج.
ورداً على هذه الرسالة كتبت الشاعرة الصديقة غادة نبيل ما يلي:
Abdalrahman Bsaiso”
أنا التي يجب أن أمتن لك وفعلا أشعر بذلك .. لكون النقاش فد فتح عيني على معلومات تفضي في مكنونها إلى جوهر تلاقي وتلاقح فكرتنا ولن أقول فكرتينا .. ولمعاونتك لي على توسيع وإنضاج حيز رؤيتي.
كنتُ قرأت وشاهدت لبعض اليهود وأحد الحاخامات ( في ذروة شلال الدم في غزة) عن كون الصهيونية اختطفت اليهودية من خلال سرقة تعريفات والقيام بعملية إحلال وإبدال للمعاني بقصدية البلبلة الدعائية والتمييع السياسي كاتهام الصهاينة مثلاً البروفيسور نورمان فينكلشتاين بأنه معادٍ للسامية، أو بكونه اليهودي الكاره لنفسه ولليهود .. وكالسَّعي السياسي الصهيو ني الحثيث لا لمحو الدلالة العنصرية عن مفردة مثل 'الصهيونية' كأيديولوجية فقط، بل لتجريم من يستخدمها ويتناولها على سبيل الإدانة في الكتابة والتنظير لتصبح دلالة استخدامها اللغوي بنقد وإدانة دليلاً على 'معاداة السامية' ومرادفاً لها. وقد سرقوا واحتكروا ذلك المصطلح الأقدم من قبل.
أمتن لك لتعريفي بالفلسطينزم .. ولجهد تخليق مفردة مضادة تمثل مخزونا أخلاقيا نقيضا لمصطلح وقناعات وممارسات الصهيو نية والإمبريالية. وأشكر لك كل حرف كتبته هنا وفي مقالاتك السابقة في تشخيص العلة وأشكر لك بخاصة إشارتك إلى الكيفية التي يصبح معها "التفتيش عن' إنسانية في معسكر العدو' في عز الإبادة .. نوعًا من الترف الاستشراقي" وكيف قد يستدرجنا المشهد العالمي في بعض منعطفاته ولحظاته، بل والعدو نفسه بآلاته الدعائية المتعددة الأذرع (هل نضع في هذه الخانة فيلما مثل ' ناز '؟ ) إلى فخ البروباجندا لصالح صورة العدو، بحيث تقودنا إلى عدم الانتباه، أو إلى التغافل غير الواعي، عن كون وحشية ذلك العدو هي شيء بنيوي متأصل متكامل الشر وأن بنيته - كما وصفتها أنت - هي "بنية استعمارية احتلالية إحلالية كاملة ترى فينا جميعا ' أغيارًا' مستباحين ".
حقا سلم، عقلك، وقلبك، ويدك.