العربي عبدالوهاب: ضجيج الحزن فى ديوان مشاعر ممزقة للشاعر عباس حمزة

لن أبادر قراءتي بالأسئلة رغم أن ديوان مشاعر ممزقة (1) يضج بالأسئلة وبالأحزان الورافة، والشهداء، كما يعيش حالات القلق الانساني، وتمزق روح الشاعر على عتبات الرجاء، ولأن الشاعر مرآة عصره، وهو عندما يطالع ملامحه فى المرآة لا يرى غير التراب، قصيدة (مرآة) ..لم ينظر للمرآة بل كان ينظر بداخله، المرآة الموازية للزمن، تتسم بالأناة وبالصبر، بينما الشاعر يصر على مشاكسة القطة، والقطة فى القصيدة بفروها، وغبارها، تنثر المحبة والحياة على الصورة.. ربما تحاول المرآة إخراج التوأم (الشاعر والقطة)

(والمرآة تحاول إخراج التوأم

فتشاكسها بعض التفاصيل

فتسعى الضحكة إلى المجارير

يحكي فى خجلٍ

عن الجمال

فى ضحكة خديها

فتوكزه المرآة أن يصحو

أحيانا ..

تنكر المرآة وجوده)
ص88

لماذا تكررت فى القصيدة مفردة المرآة، مؤكد بسبب حضورها الطاغي فى فضاء القصيدة، ولكن السؤال هنا

لماذا تنكر المرآة وجوده، تنكر الحياة على الشاعر، ولا تظهره برفقة القطة، وتذهب الضحكة إلى المجارير، وغالبا ما يسقط فى أحابيل الزمن والذكريات، فتفر منه اللحظات الحلوة تاركة اياه على أعتاب أيام الشقاوة، والندم (تركله اللحظات الهاربة

من بعض أنامل ندم

من قرصة جوع قد تاهت

أو لمسة حب قد شاهت

ينظر فى المرآة

تسأل من هذا)
ص89

غالبا ما تحاصره الذكريات الشائهة، حيث الجوع، والندم؛ ومن ثمَّ فتنتهي القصيدة على المرآة التى تنكره، بل وتتساءل من هذا؟!!



  • تيمة الملل.
غالبا ما نلاحظ بأن الملل يترنح فى أرجاء القصيدة، ويفضي بالشاعر إلى اجترار الذكريات، وعباس حمزة يزاوج بين ذاته وبين الوقت، فلو اتحدت ذاته مع وقتها، لانتصر على زمانه، وحقق ما يرجوه غير أن محاولاته عادة ما ترمي به للمهالك ، فهو فى أول سطر يحاول نحت الوقت على طول ياقته ..

(أحاول جاهد

نحت الوقت

كي يناسب ياقتي

شبابه اللامع

يظلم أغلبه

أخلعه ألقيه

فيصير فضفاضاً)
ص56

من يملك الوقت، يتحكم فى الزمن، ومن منا لم يغلبه زمانه، لذلك فالمقطع السابق ينتهي عند وصف الحالة التى استحال إليها الوقت (يصير فضفاضاً) والفعل المرواع هنا يعني أن الوقت ما زال كذلك واسعا على الشاعر، وهو لا محالة بعد عراكه مع الوقت سوف يخسر المعركة:

(ألبسه ..

يبلى ..

فأهتكه

فيصير أنا ..

أو كأنه أنا!)


إذن لا يتوقف الشاعر على وصف حالته .. منذ بدء القصيدة وقد تحددت ملامح الصراع بين ذاته وبين الوقت، ولأن الوقت يصير فضفاضا، فلا يتمكن من إرتدائه، يبلى الوقت، فيهتكه الشاعر، يمزقه يرمي به، وقد ظن أنه والوقت صارا معا، كيانا واحدا متوحداً.

لا يستسلم الشاعر عند هذا الحد، بل يظل يلاحق الصورة، ليثبت لنفسه أنه لم يهزم بعد، فيقفز ملتاعاً، ويصرخ، والزمن يسترسب ـ رغما عنه ـ من بين أسنانه أوقاته ، زمانه الذي يضعه تارة على المشجب، أو هو الذي يضع الوقت مثل الثوب الفضفاض على المشجب، فيلد الشاعر بعض الأيام، ولكنها أيام يغلبها الأنين، وانكسار الحروف، مما يضطره لامتطاء الأسباب الراكضة، ووصف الشاعر للأسباب ب (الراكضة) كناية على فوات الزمن عليه، وهو عاجز عن التوحد مع زمانه.. نستشعر أنه ثمة معطيات ضائعة منه، تائهة عنه، والسؤال بلا اجابة ولذلك تنتهي القصيدة بذبول الأحلام

(تذبل أحلامي

وتموت على شفتي ابتسامة شاردة

ويثور حطام : لن أكون

وتسير منتظمة جيوش اللعنات

وتتغلغل فى جوانحي أسراب اليأس

فأصعد إلى أعلى قمة فى أفكاري

وينتظر الأنا الانتحار)
ص57..

وكأنها انفصلا فصارا اثنين الشاعر وأناه.. نعم الشاعر سقطت أناه عندما لم يتوحد مع وقته لأنه كان ثوباً فضفاضاً، واسعا عليه، ولم يحقق أمانيه، وكما انتهت قصيدته (مرآة) بنكرانها له، فالوقت تنكر له أيضا، وتركه يعيش (الأنا) تعيش الانتحار ..

  • تيمة اليأس.
فى قصيدة (يأس) يرتفع الايقاع، وهي قصيدة طويلة نوعا ما بالنسبة لغالبية قصائد الديوان التى لم تتجاوز الصفحة الواحدة إلا قليلا .. ويبدأها بمفردة (أفّ) وتبرم الشاعر مما حوله أسبابه الخواء والفراغ الأبله الذى يحيط بكل شئ .. وعيون الناس المنشغلة بتفاصيلها اليومية المملة:

(وعيون جلّ تطلعها

ما بين العروة ورباط (الشوز)


ومن هنا نتكشف أسباب يأس الشاعر، فالهوية (حطين) والغاية الوصول للهوية الحقيقية لصلاح الدين.. والناس ساقطة فى أحذيتها، ورباط أحذيتها مخافة انفلات الوقت من متطلبات حياتها المتكررة اليومية، والشاعر يعيش تاريخ البطولات وصلاح الدين، يعيشه كلما اشتد على المناضلين هناك عسف أحذية الأعداء .. لم يعد يسمع غير البيانات، وكأنه من خلال هذه الصورة الناس و(الشوز) فى بداية القصيدة، وبين تسرب البيانات، وكأنها سرية .. وشيئا فشيئا يجمل الشاعر أشلاء ومزق الأحداث لتواجه تسرب البيانات:

(يتسرب منها بيان:

الآن .. الآن

وجميع الصم .. البكم .. العمي

وصرير تروس النورج

والدم المنبثق

من أثر حجامة

والطفل الباكي

والأم الغافية

فوق الرضع

ومذياع يترنح عطشا

فقد عزَّ الشجب

والوأد

للصحبة

الآن ...

بين الآه وأشياء أخرى

سبعة أشواط

فانفجر الجرح عند الأقدام

أزَّم الجرح .. فيفيض)
ص80

لاحظ تولد الصورة السمعية فى (وصرير تروس النورج) وعلاقة مفردة (النورج) بالزراعة قديما؛ ثم يتبعها بصور بصرية مثل (الطفل الباكي، الأم الغافية فوق الرضع) فى نفس الوقت الذي يترنح فيه المذياج من كثرة البيانات، ولماذا يجمع الشاعر كل هذا فى مشهد واحد، لربط التناقضات مع بعضها، حتى تتولد المفارقات الحزينة المبكية، لأن الشجب صار عزيزاً، والمسافة بين الآه والأشياء الأخرى كأنها بين الصفا والمروة ، وربط اليومي بالمقدس، والتاريخي بالمعاصر يصدر للقارئ رؤية شبه كابوسية مستقرة في وعي الشاعر ، ويتولد حتما عنها انفجار للجراح، وكلما حاول أن يلملم (أزَّم) هذه المواجع وتلك الجراح تزداد انتشاراً ، وتفيض عن الاحتمال.. ونستمر لنتساءل مع نهاية القصيدة، لماذا يستدعي الشاعر مرة أخرى التاريخ؟!!

( أزَّمُ الجرح فيزم زم

فيأتي المماليك

الخوارج

جرهم والعماليق

فنعيش الجرح سوياً)
..

إنه لا يرمي بالجراح على مشجب التاريخ، بقدر ما يتحصن بتواريخه المجيدة، ويعيش معها وفى ظلها جراحه المعاصرة.

وهذه الكتابة تدفعنا حتما لقراءة آليات النسيج الشعري عند عباس حمزة.



  • التشكيل الجمالي فى مشاعر ممزقة.
كل تطور مرَّ به الشعر العربي كان دائما لاحتياجات عصره، وملاحقة الشعراء لقراءة واقعهم مع الوضع فى الاعتبار أهمية تجديد الخطاب الشعري، منذ كسر العمود الشعري، على أيادي مجموعة أفراد من الشعرى كنازك الملائكة وبدر شاكر السياب فى العراق، وصلاح عبدالصبور فى مصر.. وجميعها كانت اجتهادات فردية، للتعبير عن الوضع السياسي والاجتماعي بعد ثورة يوليو، ثم حركات شعراء السبعينيات الجماعية فى مصر ودول الخليج، بعد كامب ديفيد، وانحسار الخطاب العربي، والفُرقة التى أصابت العرب، لاشك بأن الأبعاد السياسية دائما ما تشكل الحياة الحياة الاجتماعية بملامح معينة، حتى جاء جيل التسعينات والذي ينتمي إليه ـ عباس حمزة ـ بقصيدة النثر، ليكسر غموض القصيدة السبعينية التى اشتهرت بـمفردتي (المدى والوردة) لكثرة تكرار هاتين المفردتين فى قاموسهم الخاص.

لم يعد يؤمن شاعر قصيدة النثر بالمعنى قدر سعيه "لتفكيك التكتلات المجازية وازالة الغموض الذى أنجزته قصيدة السبعينات، ولكن أهم ما أنجزته قصيدة النثر هو اندفاعها الجامح نحو السرد" (2) .. وعباس حمزة يشكل كما أوردنا فى قصيدة يأس الصور البصرية والحسية بجوار المعاني الكبرى التى اندثرت تحت ركام الماضي البعيد.

ــ الذات ليست محورالعالم.

لم تعد الذات فى قصيدة النثر محور العالم، بل انعكست الآية، وصار الشاعر مجرد كائن حي لا يزيد عن مفردة من مفردات القصيدة، وما يتمحور حول الذات ليس أكثر من تشكيلات جمالية تستكمل الصورة أو الصور المبعثرة فى ديوان عباس حمزة حتى يتسنى للقارئ أن يقوم بجمع نثارات الصور المبعثرة فى برواز واحد .. نقرأ معاً قصيدة "تخاطر"

(يملؤني الصخب

تنمو هدهدات الصحاب

يدنو بكائيِّ

يجلس بين آهات الشاي

أدنو حثيثاً

حيث عبارات التعازي

أمسح دموعي برقيقها

يشهق فى وجهي التلفاز

تتقاطر دموع الأمهات عليَّ

أقبل جبهة التلفاز

تلسعني ضحكات حفيدي

تركبني خجلة ابتسامة

ألملم بعض الحكايا

وأدلل حفيدي)
ص25

الصخب وهدهدات الأصحاب، وآهات الشاي تتزاوج مع دموع الأمهات، وبالرغم من شهقة التلفاز فى وجه الشاعر، إلا أنه مثل الجميع منشغل بعالمه، وما يمر بخاطر يمر عبر التخاطر بالآخرين، وفى نهاية القصيدة نرى ضحكات حفيده تلسعه، ولم يتبق له سوى لملمة الحكايا، ولعل الفعل الأخير فى السطر الأخير فى القصيدة (أدلل حفيدي) دلالة على انقضاء أزمنة الوجع الجمعي وانسراب الشاعر كغيره فى ديمومة الحياة لا يملك غير الحكايا، وتدليل الحفيد.

ــ بناء الجمل الفعلية.

فى غالبية قصائد الديوان تتواتر الجمل الفعلية فى القصيدة، وكأن الشاعر يتابع تأثير الأفعال فى مجريات حياته وكيف تنعكس عليه، لا يذهب لتشكيل قصيدة جاهزة، بل تتألف القصيدة وتجهز نفسها أمام القارئ، نلاحظ في نتقالاتها، ما يجري على الشاعر، وما يصدر عنه.. فى قصيدة "احتياج"

(أقشر الأماني

ترتعش

أسعى بين الدفء وبين الحاجة

يلقاني الحنين دامعا

أنفلت .. تسقط (تتعدل)

ويشد ذيل جلبابي راتبي

أنهره (متى تكبر؟) ..


واضح جدا أن حركة الشاعر، وحواره مع أمانيه التى ترتعش عند التقسير، بينما نرى الحنين دامعا، والراتب مثل طفل صغير يشد قامة الشاعر المديدة، صغيرا، يلهو، وهو أساس أوجاع الشاعر، فالأسعار صارت أوراقا، تتطاير ، والراتب ما زال يشد ذيل جلبابه بينما تتوسط القصيدة جملة شعيرة هى مناط الرؤية الفنية (يتثاءب الوجع المتكئ على بعضي) الأفعال هي التى تتحكم فى توليد الرؤية الفنية، الفعل الحاضر يقابله فى ممتد فى الزمن المضارع، وكل الأفعال لا تعكس غير الأوجاع والتبعثر، فى نهاية القصيدة

(وتدق السبابة يافوخي

فتتدفق حاجاتي أنهاراً)
ص10.

أما فى قصيدة (مداعبة) فيتم تبادل الأوار بين أفعال (الماضي)، مع (الحاضر) ..

(قالت ألقِ القصيدة العجيبة

بين ضلفتي عيوني

وأصدح بحرف

يشع النور فى سمائي)


إذن دعوة الأنثى/ الوطن هنا تبدأ بسخرية مبطنة.. عندما تصف قصيدته بـ العجيبة، وإذا هو يصدح/ يغني .. فلسوف يشع النور فى سمائها .. واستمراراً لحالة الارتقاء بالرمز .. يستمر الشاعر فى وصف قصيدته على لسانها بأنها الفنار عند ابحارها، وأن القصيدة سوف توجه الدفة فى الابحار، تدعوه ليتخلص من أعذاره الواهية ..

(لا تخلق الأعذار عن قربي

فقصيدتك الفنار فى إبحاري

والق بين ضلوعي ترياقك

وانزع ان شئت أميالا تفرقنا

وساير النيل فى ترحاله إليّ

فأنا مصبك يا شاعري)
ص85..

نلاحظ تراجع لغة الانكسار، والانحسار، وبلغة صافية تهدهد هي أحلامه، حتى تصفه بـ شاعري، وتصفه بساحر الحروف، والتزاوج بينهما صار جلياَ، والعلاقة مشعة، هل يقدم الشاعر هنا دعوة لاخوانه الشعراء بالاستمرار فى الابداع، وعدم تلمس الأعذار الواهية، أهم يعيش الشاعر حلماَ، يتمنى ألا يفيق منه، وهو معها، وقصيدته تصبح بمثابة الربان لسفينتها عن الابحار.. هذه القصيدة شفرتها فى عنوانها (مداعبة) والكثير من المداعبات غير حقيقي، وربما لا يحدث.

لأن الشاعر طوال ديوانه وهو يهدر الكثير والكثير من مشاعره الممزقة، يراقب الشعهداء، ويعيش معهم عند الاستشهاد، يبكي مع الأطفال والسيدات وهن فى الاشارات يبعن المناديل وليس فى جيبه ما يلبي حاجتهن.. الشاعر يعيد صياغة الحكايا، ويدلل أطفاله.. ويستعرض مشاعره فى أداء تشكيلي يتراوح فى الغالب بين الجمل الفعلية، وبين الماضي البعيد، المضيئ، وبين ما هو تاريخيى وما هو معاصر، تتمزق مشاعره، ويحاول لملمة الجراح، وإعادة تشكيل أوجاعه بتشكيلات جمالية تتكرر فى ديوانه، و دواوينه السابقة، الشاعر الموجوع باللحظة الآنية، تلك الأوقات الفضفاضة التى لا يتسنى له أن يركبها، غالبا هى التى تركبه، وتدفعه لاعادة المحاولة، ومطارحة الحلم، حد الانصهار.

  • تحية للشاعر على تجربته الثرية فى ديوانه هذا الذي بذل فيه الجهد الكبير، حيث يحتوي الديوان على قصائد قصيرة، حتى وصل عدد قصائد الديوان (64) قصيدة، في (100) صفحة فقط، ومما لا شك فيه أن هذا الكم، يعيد لنا الاجابة عن سؤال ربما ظل مستتراً لفترة بعيدة لماذا الشاعر مقل لافى انتاجه برغم تجاوزه سن الستين ببضعة أعوام، ولم يزل هذا هو ديوانه الرابع، بالاضافة لديوان بالعامية المصرية، لم يطبع بعد.
ربما يعكس هذا الأمر أزمات النشر فى مصر، رغم كثرة دور النشر الخاصة!!.

هل لأن سوق الشعر لا يرتاده غير الشعراء.

وهذه أزمة أخرى، تحتاج لمناقشات طويلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هـوامـــش​

1 ـ عباس حمزة أحمد ـ مشاعر ممزقة ـ شعر ـ سلسلة كتاب طيوف ـ ط1 ـ 2025م

2 ـ سيد الوكيل ـ مدارات فى الأدب والنقد ـ هيئة قصور الثقافة ـ إقليم ثقافة القاهرة ـ 2002م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...