هايدي فاروق - ثيودورا فاطمة .... إبداع يصنع تاريخه.. بين التخييل والتأريخ قراءة في رواية مصطفى سليمان

الرواية التاريخية إبداع أم نقل للأحداث؟ هل الكاتب مؤرخ أم مبدع؟

هل يتوارى الإبداع خلف الأرقام والسنوات والأحداث، فيفقد العمل جدارتَه وخصوصيتَه؟

لماذا نكتب عن الماضي، والحاضر متخم بالأحداث، والمستقبل يحمل غموضًا مثيرًا؟

هل يُلبس المبدع التاريخ قناعًا ليحارب به حاضره؟

وأيُّ سردية موثوقة سينتهجها المبدع؟ وإلى أيِّ فصيل سينحاز؟ أللحدس والخيال، أم للوقائع وحدها؟

هذه الأسئلة تختزل جدلية الرواية التاريخية والاتهامات التي تُوجَّه إليها وإلى كاتبيها.

لكن حين تُكتب الرواية التاريخية بإبداع حقيقي، وتجد نفسك لا تنشغل بالأحداث والتواريخ بقدر ما تغرق في التفاصيل مستمتعًا بها، فإنك تكون أمام تجربة مختلفة؛ تجربة تستدعي الحواس، وتعيد تشكيل الماضي.

وهذا ما حدث معي خلال قراءة الرواية البديعة «ثيودورا فاطمة» للروائي والمبدع مصطفى سليمان،
الصادرة عن دار إشراقة والتي
بلغت القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية لعام ٢٠٢٥.

فوجدت نفسي أمام عمل إنساني عميق التفاصيل؛ التاريخ فيه إطار مهمّ لا غنى عنه، لكنه ليس الأصل. فالأصل عند مصطفى سليمان الهمُّ الإنساني، والحكايات المتناسلة الممتعة، بدايةً من فاطمة حاملة السر، وهجرة، التي ترى ملامحها جلية خلال القراءة، قامة تشبه قامات الرجال ، سامقة كالأشجار. تعدُّ معها أصابع كفها الست، وتستشعر قلادتها الذهبية السميكة، التي تنتهي بزهرة اللوتس، بين أصابعك. وثيودورا الحلم ...



لغة مشهدية
اللغة في «ثيودورا فاطمة» تملك حلاوة فريدة؛ فالرواية عمل إبداعي يصنع تاريخًا خاصًّا به.

لا يقع الكاتب في فخ لغة لا تناسب عصره، ولا في فخ الوقائع التاريخية التقريرية التي تثقل القراءة وتقوّض الاستمتاع، بل إننا أمام كاتب يصنع عالمه التاريخي وهو مدرك تمامًا لتفاصيله، بلغة ممتعة صاغها بحرفية شديدة، فكانت أداة طيّعة للتعبير عن الألم والموت والفقد والعشق، مواكبةً لزمن الرواية الذي يكتب عنه.
لذلك يمكنك أن تبصر أبطال الرواية في الفراش يتبادلون العشق، وتزكم أنفَك روائحُ الطاعون والدماء، وتختنق بين جنبات الأزقة والحواري المتخمة بالجثث، وطيور الموت تحلق فوق الرؤوس.

تسمع طقطقة النيران، وطرقات شمس التي مسّها الوباء مستغيثةً، وتنصت إلى التحذيرات من خطر الذئاب، وتشعر بوطأة الموت في زمن الطاعون، وبوخزات العصا وهي تدفع جثة شمس كي تسقط في اللحد.

أمينة السر

المرأة في الرواية حاضرة بقوة؛ فهي حافظة الهوية والإرث، وأمينة سر الكنز. هي الرغبة والجذوة المستعرة؛ الأنثى والأم، والمرأة التي تحتضن ماجور العجين بين ساقيها، بينما يستقر حبيبها بين ذراعيها، متوسدًا صدرها.



يقول الكاتب في أحد المقاطع:

«منذ ثماني سنوات انتظرت الموت خلف الباب، أنصتُّ لحفيف ثيابه، يطوف مع أشباحه الشوارع، ينفذون من الجدران، من النوافذ، من تحت الأبواب، يهبطون من الأسطح، يحملون عدتهم وعتادهم، أشم رائحته في الحيوانات النافقة، في جثث الموتى المنتفخة بالصمت الثقيل، نواح النساء الجزعات من طعنات رماحه، أتسمع خطواتهم من حاملي النعوش إلى المساجد فأتبعهم والشباب زائغو العيون خشية أن يفاجئهم بين عشية وضحاها، يحفظ الناس أعراض الطاعون وعلاماته.

أتوقف أمام باب المسجد، الأسئلة حجارة تصيبني من كل صوب. أراه. نعم، نعم، أرى الموت، أراه بين رجاله ممتطيًا صهوة الطاعون، يرشق الصغار والنساء من الناس، يرشق من العبيد والإماء».

يحضر الطاعون هنا لا بوصفه وباءً مميتًا فحسب، بل بوصفه تجربة تفتح الباب أمام الأسئلة الوجودية: أتموت مشاعرنا ونحن نواجه الموت؟

ومن الأسئلة التي تطرحها الرواية طبيعة العلاقة بين الحب والزواج، وما يتركه الاختيار من أثر في حياة الإنسان:

«لا يرث الحبُّ البيتَ والحوانيتَ والتجارةَ.

الزواج ثوب الحياة، الحب تاجها، قد ترتدي الثوب دون تاج، ربما تضع تاجًا بلا ثوب، يندر أن يرتديهما أحدٌ معًا».

«أحيانًا نسعى أعوامًا طويلة من عمرنا لتحقيق حلم، وحين يتحقق، نكتشف أنه كان ألم عمرنا».

ويُحسب للكاتب أن الرواية تطرح هذا الكمّ من الأسئلة الوجودية من دون أن يشعر القارئ بثقلها، أو أن يُحمِّل الكاتب أبطاله رؤيته الخاصة وأفكاره. فكل شخصية تتحدث بلسانها، وتمتلك ناصية لغتها وفلسفتها الخاصة.

توظف الرواية الخلفية التاريخية لعصر السلطان الأشرف برسباي وفترة حكم المماليك، لتسلط الضوء على آليات القهر السياسي، والضرائب الباهظة، واحتكار تجارة البهارات.

كما أن استخدام الفعل المضارع جاء متوافقًا مع طبيعة الأحداث المتصاعدة، وأسهم في تعزيز الإحساس بالحركة والتشويق، وكأن الوقائع تحدث أمامنا في اللحظة الراهنة.

البناء السردي وجغرافيته

تمتد جغرافيا السرد بين الإسكندرية وقبرص، حيث يعاين البطل ويلات الحرب، ويخوض تجربة الأسر والاغتراب.
البناء السردي محكم؛ فالسرد لا يتحرك في خط مستقيم، بل ينتقل بين لحظة الخروج من الإسكندرية، والذكريات القديمة، وحكايات الأجداد، ثم يعود إلى الحاضر الروائي. يعتمد السرد على تقنية الاسترجاع، والمونولوج الداخلي، وتداخل الأزمنة، بما يعكس حالة التشتت والاضطراب التي عانى منها البطل الرئيس، بشر، ويجعل البنية السردية امتدادًا لحالته النفسية وتجربته في الأسر والاغتراب.

ما سبّب لي التشويش في بعض المقاطع هو الراوي؛ إذ شعرت بأنه يتغير بسرعة، ومن دون فواصل واضحة تمهّد للانتقال بين الأصوات السردية. ومع كثرة هذه التنقلات،يحتاج القارئ إلى جهد إضافي لتتبّع الأزمنة والأصوات.

اقتناص الواقعة

في النهاية، تكمن فرادة رواية «ثيودورا فاطمة» في أنها اقتنصت فترة قصيرة من عمر التاريخ لتسجلها، وتعيد إحياءها من خلال مصائر شخصياتها وتجاربهم الإنسانية.

فعندما نزلت القوات القبرصية في الإسكندرية وهاجمت المدينة وميناءها، وقعت أعمال قتل وأسر ونهب واسعة، وتضررت الحركة التجارية، وأُخذ عدد كبير من السكان أسرى، ثم انسحبت القوات المهاجمة بالسفن. وما تلا ذلك أن الصراع بين دولة المماليك والقبارصة ظل قائمًا، إلى أن شنّ السلطان المملوكي الأشرف برسباي حملات عسكرية على قبرص، انتهت بأسر ملكها جانوس، ثم إجباره على دفع فدية وقبول شروط المماليك.

التخييل والتأريخ

«ثيودورا» رواية زخرت بالتخييل البديع والعلاقات الإنسانية الجديرة بالكتابة عنها.

ففي أحد المقاطع المهمة قرب الفصول الأخيرة من الرواية، دار حوار بين بشر، البطل الرئيس للحكاية، وبيتر القبرصي على أرضه، يقول فيه بشر لبيتر:

«هذه الأرض لن تنسى أننا كنا هنا يومًا ما، وأخذنا ثأر الإسكندرية؛ كففنا أيدي القراصنة عن بلادنا، ولن تنسى أننا أسرنا ملكًا، ودُرنا به في شوارع القاهرة وحاراتها مصفدًا في الأغلال على بغلة عرجاء».

وكأن الكاتب مصطفى سليمان يضع يده بجدارة على أساس الصراع العميق بين المستعمِر وصاحب الأرض.

كما يقدم تعريفًا منضبطًا للرواية التاريخية وجدليتها، ويؤكد أن ما يبقى من الماضي ليس الوقائع وحدها، بل الحكاية التي تحفظها الذاكرة من النسيان. يرتلها البشر في كل زمان ..يقول في نهاية روايته، على لسان آريسا ابنة ثيودورا:

«مات السلطان وتعيش الحكاية، ولكي تعيش الحكاية لا بد من راوٍ، ولكي تصبح راويًا فعليك أن تنهي الحكاية يومًا ما».

أما النهاية، فجاءت رمزية إلى حد كبير؛ إذ يشكّل تعامد الشمس على الجدار مرة كل عام لحظةً تتقاطع فيها الأسطورة مع الحقيقة، ويعود فيها الكنز إلى أصحابه.

وقد ذكّرني الوصف بتعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني في معبد أبو سمبل مرتين في العام، وهو إحدى أبرز المعجزات الفلكية و الهندسية التي تركها المصريون القدماء. ويدل هذا الحدث الفريد على جوانب علمية ودينية وتاريخية عميقة، أهمها فكرة البعث والخلود؛ وتجدد الحياة، وكان تعامد الشمس على وجه الملك بمنزلة إعلان عن اتحاده بالقوى الإلهية.

وقد وجد بشر الكنز في النهاية، وهو الخيط السردي الشائق الذي وضعه الكاتب في بداية الرواية ليخرج بها من إطار التاريخ، ويحلّق بها في فضاءات غرائبية وأسطورية تثري السرد وتعمّق الحكايات وتمتع القارئ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...