١
احتلال حضاري جدا :
سأصحو فجر هذا اليوم في الثالثة . أفحص نسبة السكر في دمي بعد أكل العيد - أعني حلواه وبعد سم بدن .
كل شيء عادي .
أشاهد في الجزيرة برنامجا عن السياسة والرياضة وسقراط في البرازيل ثم أصنع قهوتي وأصغي إلى موجز الأخبار .
دم في سورية . دم هناك ليستمر نهر بردى في الجريان ، ثم أتابع برنامج عودة الصبية عن أطفال فلسطين في المعتقلات .
أطفال ما بين 16- 14عاما . تحدثوا عن تجربة اعتقالهم وما عانوه في السجن
تحدثوا عن خوفهم وقلقهم ومشاعرهم وإحساسهم بالخوف وعن دمار الأسر وعن السجن والمدرسة . الاحتلال الاسرائيلي حضاري جدا فلا فرح ولا طفولة ولا استقرار .
هناك رعب وخوف وقلق خارج السجن وداخله .و
هناك أسر ممزقة وطفولة مفقودة .
أتذكر سطر محمود درويش :
" آه أطفال بلادي : هكذا مات القمر .".
حنظلة
٢٠١٣
٢
أجواء خريفية بامتياز :
كأنما الخريف بدأ صباح هذا اليوم . الرياح تهب بما يذكر بأجواء الخريف وأجواء شتاء مبكر . لم تمطر حتى اللحظة مطرا غزيرا كما يحدث أحيانا لكنها تبشر بذلك .
علينا أن نستعد لشتاء قد يكون قاسيا . ماذا سيفعل العراقيون والسوريون .
كان الله في عونهم كما كان في عوننا بعد 1948. زمن قاس ربما يذكر بما قرأنا عنه في التاريخ عن أزمنة النكبات والكوارث .
الأجواء خريفية تنبيء بأمطار ، ومع ذلك يمكن لنا أن نستمتع بالجلوس خارج الغرف وشرب الشاي والقهوة وتصفح الفيسبوك أيضا .
بانتظار عيد آخر لعله يكون أفضل . نودع اليوم عيدا لنستقبل غيره .عيد هاديء .
حنظلة
٢٠١٣
٣
اليوم بدأت الأمطار :
الساعة الثانية عشرة ظهرا بدات الأمطار تهطل .
يبدو أن الله استجاب للمصلين إن كان أحدهم طلب من الله الغيث . لو طلب أيضا أن يخلصنا الله من الاحتلال أيضا .... أم أن أمريكا ستستعمل الفيتو رأفة بأبناء الغيتو ؟
على أية حال جاء الشتاء وعلينا منذ الآن أن ندخل في أجوائه .
كل عام ونحن بخير . هذا عيد آخر ... لعل نفسياتنا تتحسن . آمل ذلك علما بأنها بالشتاء تسوء .
أجواء الصباح كانت خريفية وها هي الآن شتائية .
يبدو أنه سيكون الشتاء شتاء طويلا .
ثانية كان الله في عون السوريين والعراقيين .
حنظلة
٢٠١٣
٤
مخيم عسكر القديم :"بقايا شجر"
مع أنني لا أدخل مخيم عسكر إلا نادرا ، إلا أنني أمر به يوميا . غالبا ما أراه من الشارع العام ولا أبصر الآن أية شجرة فيه ، خلافا لما كان عليه يوم كنت أقيم فيه قبل 35 عاما . يومها كانت فيه أشجار ومساحات ارتداد بين البيوت . كانت فيه ساحات ملاعب للعب كرة القدم أو كرة الطائرة .
الآن لا ساحات ولا مساحات بين البيوت والحارات . اكتظاظ مبان بطريقة عصبية وبلا أي تخطيط .
اليوم خرجت من المخيم من شارعه الجنوبي وفوجئت بزاوية فيها أشجار . الحقيقة أنني فرحت قليلا .
- ثمة بقايا أشجار في المخيم . هناك خضار ما في زاوية منسية . هكذا كان المخيم قبل خمسة وثلاثين عاما . شعري كان يومها غزيرا ، أما الآن فقد تصحر رأسي . لفد سقطت أشجاره شجرة شجرة مثل أشجار المخيم .
المخيم تضخم وكبرت بناياته . لقد غزاه الاسمنت .
- من يغبط من ؟
- رأسي أم أرض المخيم.
حنظلة
٢٠١٣
٥
ابراهيم خليل وكتابي " أرض القصيدة : جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره " ( 2001 ) وكان نشر مقاله في الدستور بتاريخ 27/11/2010
" ومع ذلك لا ننكر ما في الكتاب من فصول ممتعة ، قل نظيرها فيما كتب ، ونشر ، عن محمود درويش وشعره"
وراجعوا لقاء محمود درويش في ال lbc في تموز 2001 وما قاله عن النقد الذي كتب عن الجدارية ، والنقد الذي كتب عنه قبلها .
٦
سحر خليفة : التحرر الاجتماعي مدخلا للتحرر الوطني : 3
بم تطالب رفيف إحدى شخصيات رواية " عباد الشمس " ؟
إنها تطالب بالمساواة وبنصف مجلة " البلد "، ذلك أنها ترى أن المرأة هي نصف المجتمع . تريد مساواة كاملة . (هل نشاهد الآن ما يجري في رام الله في مقاومة الاحتلال؟ ) .
لننظر في مأساة سعدية .
إنها امرأة استشهد زوجها زهدي مخلفا لها 5 أبناء وعليها أن تعيلهم ، فشهامة أصدقائه بمتابعة شؤون أسرته بدأت ، مع اﻷيام ، تبهت وتضعف ، وعلى سعدية أن تتدبر أمرها .
سعدية لم تكن مهيأة لتلعب دورا خارج جدران المنزل . عليها أن ترعى أمر زوجها وأبنائها وحين استشهد الزوج وجب عليها أن تقوم بالدورين معا ؛ اﻷب واﻷم ، وعليها أن تعمل داخل المنزل وخارجه أيضا لتنفق على أسرتها .
يتطلب عملها الاختلاط بأصحاب العمل من الذكور ، وهذا سيسبب لها ، في مجتمع محافظ تقليدي يقسم اﻷدوار ، مشاكل عديدة ، وهذا ما يحدث حقا .
تسافر سعدية بصحبة شحادة إلى تل أبيب لمقابلة أصحاب العمل ويحدث أن تعتقل لليلة . مم ستعاني ومم تخاف هنا ؟
تفكر سعدية في أمر أولادها وتفكر أكثر في نساء الحارة : أم تحسين وأم صابر . ماذا ستقولان حين تعلمان بأمر خروجها مع شحادة إلى تل أبيب وحين تعلمان أنها باتت ليلة في مركز شرطة إسرائيلي ؟بل وفي صحبتها خضرة اللاجئة المشكوك في أخلاقها ؟
إن أم تحسين وأم صابر والقال والقيل يحتلان تفكير سعدية ويشغلان بالها أكثر مما يشغل الاحتلال تفكيرها ، ولكن علينا ألا ننسى أن زوجها مات من الاحتلال . وهنا يمكن أن يثير المرء سؤالا :
- وماذا لو لم يكن هناك احتلال ومات زوجها .
اﻷمر يستحق التفكير حقا .
إن معاناة خضرة كانت مع زوجها اﻷول وأولاده من زوجته اﻷولى . لقد هربت منه وقدمت من بلد عربي غير محتل إلى بلد محتل ، وإن كانت هي وأهلها هجروا من فلسطين في 1948 وسبب لها الغزو الصهيوني مشاكل اجتماعية كثيرة ليس أقلها أن أهل وطنها ؛قسما منهم ، نظروا إليها على أنها لاجئة ومن أهل المخيم .
إن اﻷمر ليستحق المناقشة .
أيهم يقود إلى الآخر : التحرر الاجتماعي أم التحرر الوطني .
18/10/2015
٧
أتأمل حال بعض مؤسساتنا فأتذكر قول الشاعر مظفر النواب :
" فالعثة في بلد العسكر
تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته
وتقرر صنف المولود
وأين سيكوى ختم السلطان على إليته،
فاذا آمن بالحزب الحاكم ، فالجنة مأواه
وويل للمارق . "
الشفاء والراحة للشاعر مظفر
وعلى رأي محمود درويش :
من قال إننا استثناء؟
١٨/١٠/٢٠١٦
٨
أحمد دحبور : فقدان أم يسار وأشياء اخرى :١٧
كما تقول قصيدة الشاعر المشار اليها ، فإن طموحات الشاعر هي طموحات مشروعة لكل إنسان :
- أن يشرب الشاي فجرا ، أن يراسل من قاسمته جروحه ووقفت إلى جانبه ، وأن يعود إلى مدينة روحه .
فجأة غادرت ،على غير توقع ، وفي وقت كان الشاعر بأشد الحاجة إليها ، فجأة غادرت أم يسار .
هل عاد الشاعر إلى مدينة روحه ؟
ينهي الشاعر قصيدته " مسافر مقيم " من ديوان " هناك..هنا " 1997 بالأسطر الآتية :
حيفا أهذي هي؟
أم قرينة تغار من عينيها ؟
لعلها مأخوذة بحسرتي ،
حسرتها علي أم يا حسرتي عليها ؟
وصلتها ولم أعد إليها
وصلتها ولم أعد إليها
وصلتها ولم أعد... "
هكذا انتهت القصيدة التي كتبها أحمد دحبور بعد زيارته حيفا ، إثر اتفاقات أوسلو . زار المدينة ورأى البيت الذي ولد فيه ، ولم يستقر هناك . ومن هنا جاءت الحسرة .
رأى مدينة الروح التي ظل ، وهو في مدن المنافي ، يحن إليها ولم يتمكن من الإقامة فيها بقية عمره .
سيكرر أبو يسار على مسامعنا ما اختتم به قصيدته ، وسنأتي على الصورة التي التقطت له أمام بيته وأدرجت على صفحات التواصل الاجتماعي .
- أنا التقطها له . قال يسار .
هل أتينا ونحن نتحدث على فترة الانشقاق ؟
ظل أحمد دحبور مع حركة فتح الأم بقيادة ياسر عرفات ، وظل قريبا منه ، ولم يكن أبو عمار ليرفض لأحمد ، حين عاد إلى غزة ، وعمل في وزارة الثقافة ، طلبا .
في ما قبل العام ٢٠٠٠ ، حين زار الشاعر نابلس غير مرة وزارني فيها ، حدثني عن تلبية أبي عمار لطلباته فيما يخص طباعة الكتب . لقد كان يحصل على تمويل الطباعة ، إن لم يتيسر لوزارة الثقافة ، مباشرة من الرئيس ، وآمل ألا تكون ذاكرتي زهمرت .
هل تحدثنا عن انشقاق بعض الكتاب عن حركة فتح ولومهم لأبي يسار لأنه ظل وفيا لقائده ؟
ربما نتذكر إلياس شوفاني و .... و ....
لم تصغ أم يسار هذه المرة إلى أحاديثنا ولم تعد وجية غذاء تونسية ، والمرة الوحيدة التي تناولت فيها وجبة طعام تونسية كانت من إعداد المرحومة التي لم أعز أبا يسار فيها ، لم أعز بناء على طلب من زياد خداش .
سأغادر بيت الشاعر . هل التفت إلى نظراته عند المغادرة ؟ هل كان غاضبا من شيء ما ؟ معاتبا ؟ يريد شيئا .
لا أدري لم يظل هذا الشاعر قريبا إلى قلبي ، على الرغم من عدم اتفاقنا في قضايا أدبية عديدة .
لعل الزمن يسمح لي بمحاورته طويلا ، ولقد اقترحت عليه هذا ولم يمانع .
وفي لقائي مع القاص أكرم هنية سأطلب منه ، إن كان له يد في جائزة محمود درويش ، أن تمنح للشاعر ، فهو ، من وجهة نظري ، الأجدر بها فلسطينيا من كثير ممن حصلوا عليها .
٢٠١٦
٩
فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948
قرأت في الأسابيع الأخيرة ثلاث روايات لثلاثة كتاب من فلسطين ( 1948 ) هي " اورفوار عكا " 2014 لعلاء حليحل و " بردقانة " ( 2014 ) لإياد البرغوثي و " بلد المنحوس " ( 2018 ) لسهيل كيوان ، ولفت انتباهي أن الروائيين الثلاثة يكتبون عن عكا في فترة لم يكونوا شهودا عليها .
كتب علاء عن عكا أيام حكم أحمد باشا الجزار ، في أثناء حصار ( نابليون بونابرت ) لها ، وكتب إياد عن العامين 1945 و 1946، وكتب سهيل عن ثلاثينيات و أربعينيات ق 20 مركزا تركيزا لافتا على الأعوام 1948 حتى 1952. واذا ما بحثنا عن صورتها في الرواية الفلسطينية التي كتبت حتى 1967 فإننا بالكاد نقرأ شيئا ، وربما لفت اميل حبيبي في " المتشائل " ( 1974 ) النظر إلى عكا أيام الانتداب البريطاني وخلال الأشهر الأولى للنكبة .
لم اقرأ الروايات الفلسطينية كلها التي صدرت في فلسطين لأعرف الكثير عن المدينة بعد قيام الدولة الإسرائيلية . وقد أثارت الروايات الثلاثة لدي أسئلة عديدة أهمها : لماذا لم يقارب الروائيون الفلسطينيون قبل النكبة في رواياتهم الموضوع الفلسطيني الوطني ؟
وأنا أعود إلى بعض الدراسات التي خاضت في النتاج الأدبي الفلسطيني ، في تلك الحقبة، لاحظت أن قسما من الدارسين والأدباء التفتوا أيضا إلى هذه الظاهرة وناقشوها ، وكان بعض الأدباء الفلسطينيين والعرب ناقشوها أصلا قبل النكبة .
من الكتب التي عدت إليها كتاب فاروق وادي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " ( 1985 ) وشمعون بلاص " رواد ومبدعون : دراسات في الأدب العربي المعاصر " ( 1991ط1 / 2003 ط2 ) .
أشار وادي إلى آراء كتاب عرب لاحظوا الظاهرة قبل 1948، حيث رأوا أن أدباء فلسطين لم يهتموا بشؤون التأليف ، وقد برر قسم من هؤلاء الأمر بأن الميدان كان للخطابة وليس للكتابة ، وأن الأجواء كانت مضطربة ، فهل يتطور الأدب في أجواء كهذه ، ثم إن حكومة الانتداب كانت تمارس مراقبة مشددة على المؤلفات .
ثمة رأي لاسحق موسى الحسيني هو أن الأدب المنثور الذي ظهر في فلسطين في الربع الثاني من القرن 20 هو أدب مقالات أكثر منه أدب مؤلفات . ( ص25 و 26 )
يذهب وادي إلى أن ما قرأه من روايات صدرت قبل 1948 أو ما قرأه عنها يشير إلى أنها روايات استنكفت عن الكتابة في الموضوع الوطني واغتربت عنه ، بل وخانته في الطرح ، ويشير إلى روايتين مهمتين لجمال الحسيني اختلفتا ف " لم تستنكفا ولم تغتربا ولم تخونا " ولكنهما ضاعتا ، وفقط من خلال الإشارات التي حصل عليها عنهما استطاع أن يكون انطباعا أوليا عنهما يتمثل في " أنهما ظلتا ملتصقتين بواقعهما ومخلصتين في استلهامه والتعبير الأكثر عن قضاياه " ( ص 32 و 33 )
شمعون بلاص التفت إلى غياب موضوع النزاع العربي - اليهودي ( ؟هكذا ) في الأعمال القصصية حتى 1948 ، " فعلى نقيض الشعراء.....امتنع كتاب القصة عن تناول هذا الموضوع من قريب أو بعيد " ( ص 107 ) وحاول الوقوف على هذه الظاهرة الغريبة " في موقف كتاب القصة من القيادة السياسية ، إذ أن أغلبهم كانوا ينتمون إلى اليسار ولم يروا أنفسهم....مقيدين بالخط السياسي لهذه القيادة ذات الطالع الديني " ( ص108) ويتوقف بلاص أمام روايتي جمال الحسيني " ثريا "و " على سكة الحجاز "، فقد عثر عليهما ودرسهما ولاحظ أنهما قاربتا الموضوع ، وأشار بلاص إلى أن صاحبهما كان ينتمي إلى التيار القومي التقليدي . لقد انفرد الحسيني - كما يقول بلاص-" باتخاذه موضوع النزاع ، أو بالأحرى موضوع بيع الأرض العربية لليهود ، كنقطة انطلاق للحبكة الغرامية في عمله الروائي " ( ص108 ) وخلص إلى أن روايتي الحسيني " تسجلان سبقا في الرواية الفلسطينية التي تعكس النزاع العربي - اليهودي في فلسطين " (121).
كلام بلاص صحيح إن أغفلنا المسرحيات التي عالجت الموضوع بصورة موسعة أكثر منها في روايتي الحسيني . وبخصوص القصة القصيرة فإن بلاص يشير إلى قصة لمحمود سيف الدين الإيراني .
هناك كاتبان مسرحيان قاربا الموضوع هما محمد عزة دروزة في مسرحيته "الملاك والسمسار "(1934) - وقد ضاعت - وبرهان الدين العبوشي في مسرحيته " وطن الشهيد " ( 1946 ) وهي متوفرة ، واتجاه دروزة قومي وتوجه العبوشي ديني ريفي محافظ ، وقد كتبا عن بيع الأرض وأبرز الثاني في مسرحيته شخصيات يهودية صهيونية .
وأستطيع القول ، بعد قراءة ملخص بلاص للروايتين ومناقشتهما ، إن ملامسة الحسيني للموضوع كانت مدخلا للكتابة عن موضوعات اجتماعية ، وهو ما قاله بلاص أصلا .
شخصيا قرأت من الأعمال الروائية التي صدرت قبل 1948 " الوارث " ( 1920 ) لخليل بيدس و" الحياة بعد الموت " ( 1920 ) لاسكندر الخوري البيتجالي و " مذكرات دجاجة " ( 1943 ) لاسحق الحسيني و" في السرير " ( 1947 ) لمحمد العدناني ، وباستثناء " مذكرات دجاجة " - إن أخذنا بالتفسير الرمزي لها الذي ينفيه المؤلف بشدة - فإن الروايات الثلاثة الباقية لم تقارب موضوع الصراع الفلسطيني الصهيوني . لقد لامسه العدناني ملامسة عابرة خجولة حين كتب عن اليهود بعامة ، وتبقى مسرحية العبوشي الأكثر معالجة للموضوع ، ومثلها يوميات خليل السكاكيني في حدود ما اطلعت عليه منها .
إذا أخذنا بتفسير بعض من التفت إلى الظاهرة من الدارسين ، بخاصة فيم يخص خوف الكتاب من ملاحقة الانجليز لهم ، فإننا واجدون في جنوح اسحق الحسيني إلى الرمز ما يعزز استنتاج أصحاب الرأي ، ويعززه أكثر اختلاف طبعتي رواية العدناني ، فحين أصدرها المؤلف بعد النكبة في حلب استبدل مفردات باخرى وهذا ما التفت إليه في رسالة الدكتوراه .
شخصيا لي رأي آخر مختلف كنت أشرت إليه وأنا أكتب عن القدس في الأدبين الفلسطيني والصهيوني" القدس بين روايتين " .
لقد لاحظت أن ( ثيودور هرتسل ) كتب عن القدس في روايته " أرض قديمة - جديدة " ( 1902 ) في حين لم يلامس الموضوع أي روائي فلسطيني حتى ممن أقاموا في المدينة مثل الحسيني ، باستثناء خليل السكاكيني في يومياته إذا اعتبرنا اليوميات نصوصا أدبية . ومرة كتبت أننا إذا أردنا أن نقرأ عن المكان الفلسطيني قبل 1948 فعلينا أن نقرأ الأدب العبري الذي كتب قبل 1948 ، ولي وجهة نظر في الأمر .
كان النثر القصصي والروائي في فلسطين في بداياته ، بخلاف النثر القصصي والروائي العبري ، فقد كتبه كتاب جاؤوا من أوروبا وكانوا على صلة واطلاع على القصة والرواية الأوروبية فقد كانت لغتها لغتهم الأم ، والموضوع يطول .
والخلاصة أن فلسطين التاريخية تحضر في القصة والرواية الفلسطينية المكتوبتين بعد العام 1948 ، بل وبعد العام 1967 أكثر مما حضرت في النصوص الروائية المنجزة قبل العام 1948 وهذا موضوع يستحق مقاربة .
الجمعة 19 تشرين الأول 2018
يتبع
١٠
أنا والجامعة 3 :
سافرت إلى عمان لأتابع دراساتي العليا ولم يكن معي سوى 300 دينار دفعت منها قسط الفصل الدراسي الأول وأظنه كان 120 دينارا ،وبقي معي ما يكفيني ثلاثة أشهر .
كنت خلال عملي لمدة أربع سنوات ساعدت أبي في بناء منزل العائلة وبنيت لي شقة مساحتها 100 متر تقريبا ، وهكذا كنت ، ماديا ، شبه معدم .
انتظرت أن يصلني رد من صندوق الطلبة الفلسطينيين فلم يأت ، وأرسلت إلى السيدة يسرى صلاح أعلمها بأنني لم أتلق ردا على طلبي الذي كان على أية حال طلب قرض لا طلب منحة أو بعثة ، فما كان منها إلا أن أرسلت لي من خلال زميلي الأستاذ عادل الزواوي ، وكان صلة الوصل بيننا ، مبلغ 100 دينار سلفة علي أن أردها فيما بعد ، فهي مبلغ جمعته منها ومن صديقاتها . أعدت المبلغ إليها فورا وقد عاتبتها لأنها وعدتني بتوفير منحة لي ، ويبدو أن الأستاذ موسى الجيوسي لم يكن ذا تأثير في الصندوق ، علما بأنه - كما عرفت - كان يناصر حركة فتح .
كيف سأتدبر أمري وقسط الفصل الثاني على الأبواب؟
كان علي أن أبحث عن عمل جزئي في مكتبة الجامعة الأردنية أو في قسم الدراسات العليا ، فذهبت إلى الدكتور عدنان البخيت الذي كان رئيس قسم الأبحاث والمخطوطات أسأله ليوفر لي عملا جزئيا ، فاعتذر وقال لي :
- عندما يعينوني رئيسا للجامعة بدلا من هذا ابن .. سوف أجد لك عملا .
وكانت علاقته بالدكتور ناصر الدين الأسد سيئة جدا على ما بدا لي .
كيف وافقت على السفر قبل أن أضمن المنحة؟
ربما كان الأمر من باب ملاحقة العيار حتى باب الدار ، وانقطعت صلتي بالمرحومة يسرى صلاح والمرحوم موسى الجيوسي ، وما عادا يسألان عن أخباري .
تدبرت أمري بإيجاد عمل جزئي في مكتبة الجامعة الأردنية مع الدكتور المرحوم كامل العسلي ، وأخذت أكتب مقالات في جريدة أردنية أظنها "صوت الشعب " وتعرفت إلى الأستاذ محمد داوودية الذي كان مسؤولا في الجريدة.
في الفصل الدراسي الأول علمني الأستاذ الدكتور المرحوم محمود السمرة وعرفت أنه ذو صلة بصندوق الطلبة الفلسطينيين في الكويت ، فذهبت إليه بتشجيع من الصديق مشهور حبازي أسأله عن منحة ، فقد ساعد المرحوم السمرة في العام المنصرم الصديق مشهور بمبلغ 600 دينار .
ما إن عرضت مشكلتي على الدكتور السمرة حتى عاتبني لتأخري ، فقد وزع قبل أسبوع مبلغ 3000 آلاف دينار على الطلبة وكان يبحث عن طلاب محتاجين .
أخبرت الدكتور بقصتي مع صندوق الطلبة الفلسطينيين في بيروت ، فسألني عن المسؤول عنه ،ولما ذكرت له اسم الدكتور المرحوم محمد يوسف نجم قال لي:
- إنه صديقي .
وكتب لي رسالة إليه ووضعها في مغلف وطلب مني شخصيا أن أرسلها بالبريد المسجل ، وهكذا جاء الفرج لدفع أقساط الدراسة كلها ، فقد قرر الصندوق منحي 1100 دولار أو 1150 دولارا تدفع على ثلاث دفعات كانت كافية لتغطية الأقساط فقط .
واصلت دراستي دون أن تكون لي أية صلة بالجامعة ؟ فكيف تم تعييني فيها ؟
حتى صباح الجمعة القادم أقول لكم:
صباح الخير
١٨ تشرين الأول ٢٠١٩
١١
كميل أبو حنيش في روايته " مريم / مريام "
" مريم / مريام " هي الرواية الرابعة للأسير كميل أبو حنيش ، وقد صدرت هذا العام عن دار الآداب ، وإن كتب العام 2020 ، وتقع في 263 صفحة .
و" مريم / مريام " هو اسم فلسطين ، ففي ص 256 يقص أبراهام / ابرا / إبراهيم نقلا عن أمه شولميت / سلام الآتي :
" يعتقد عدد من المؤرخين أن فلسطين كانت تسمى مريم أو مريام ، قبل أن تحمل أي اسم آخر ، وموريا تشير إلى بلاد الكنعانيين ، وهم سكان البلاد . وأصل كلمة مريام يعود للآلهة الأسطورة لدى الأموريين حيث كانت الآلهة الأم للأموريين تدعى يم ، وكان إله السماء لديهم يحمل اسم مور كما درجت العادة لدى الشعوب القديمة أن يجري تزويج الإله الذكري مع الآلهة الأنثى ، ولهذا بات المسمى لهذه البلاد مريام أو مريم ، إذن فمريم البلاد هي أمنا جميعا " .
والرواية التي يمسك بخطوطها أبراهام يسردها عرب فلسطينيون ( مريم والياس ) ويهود ( مريام وشولميت وعنات ) ويمسك أبراهام بخيوط السرد ، فهو نتاج زواج مختلط وله نصيب من السرد .
أبراهام هو حفيد مريم الفلسطينية التي هجرت في العام 1948 من صفورية وفقدت زوجها محمود وأكثر أفراد عائلتها وخلفت ابنها إلياس/ إيلي الذي عاش في كنف أمه وعمه عمر الذي تزوج زوجة أخيه ، و هو - أي أبراهام حفيد ميريام اليهودية التي نجت من الهولوكست وقدمت إلى فلسطين وأقامت في مستوطنة تسيفوري التي أقيمت على أنقاض صفورية ، ولمريام من الأبناء بنحاس وشولميت التي تطلقت من زوجها اليهودي وخلفت منه عنات ، وقد تزوجت سلام ثانية من إلياس وخلفا أبراهام ، وهكذا جمع بين جدتين ؛ عربية ويهودية ، وأم يهودية وأب فلسطيني ، وأخت يهودية هي عنات - والدها يهودي ترك أمها - ، وما أرق أبراهام هو سؤال الهوية :
- أين أنا ؟ ومن أنا ؟ .
وللسؤال في الرواية حضور لافت .
وقصة أبرا تذكر ببطل قصة ( يورام كانيوك ) " عربي طيب " التي أثارت ضجة ظهرت في كتاب " الرسائل " لمحمود درويش وسميح القاسم . فقد ناقشاها ولم ترق الرواية التي نشرت أولا باسم مستعار ، هو يوسف شرارة ، لهما .
يصغي أبراهام لجدتيه ولوالديه ولأخته وينقل أقوالهم ويضع كلامهم بين علامات تنصيص ، وهذا يجعل الرواية مصوغة إلى حد بعيد بأسلوب " وجهات النظر " ، كما لو أن أبرا ، ومن ورائه المؤلف ، يريد أن يكون موضوعيا في عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة ، علما بأنه ، كما تقول روح الرواية ، ينحاز إلى رواية الجدة الفلسطينية ، وإن تفهم مأساة جدته مريام .
وعلى الرغم من أنه يدين سلبية والديه إلياس وشولميت اللذين آثرا الانسحاب والعزلة لرفض أهلهما زواجهما ، إلا أنه مع الأيام يتفهم ما أقدما عليه .
ويمكن القول ، بقدر من الاطمئنان ، إن الكاتب في روايته يقدم رؤية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ حرب ١٩٤٨ حتى نهاية انتفاضة الأقصى التي اندلعت في ٢٨ أيلول ٢٠٠٠ ، وهذه الرؤية تقوم على عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة ، ولهذا لجأ إلى ترك شخصياته كلها تتحدث .
يعتمد الكاتب على أعمال أدبية فلسطينية وأخرى عبرية ناقش أصحابها فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي . وأحيانا يصرح بها على لسان شخصيات يهودية ، ومن هذه الأعمال مسرحيات كاتب الاحتجاج الإسرائيلي ( حانوخ ليفين ) التي نقلها إلى العربية انطوان شلحت وكان لها حضور في كتابات محمود درويش الشعرية والنثرية ، بل إن أحد عناوينها " أنا ، أنت ، والحرب القادمة " كان عنوان أحد مقالات كتاب " يوميات الحزن العادي " وكانت شولميت والدة أبراهام في الرواية من المعجبين بهذا الكاتب الإسرائيلي الساخر المحتج .
إن حضور أعمال أدبية صهيونية وإسرائيلية في نصوص أدبية فلسطينية كان لافتا منذ بدايات الصراع ، فإبراهيم طوقان كتب قصيدته " في الرد على رئوبين شاعر اليهود " في ٣٠ ق ٢٠ ، وتوالى الحضور في كتابات غسان كنفاني ومحمود درويش ومعين بسيسو ، بل إن رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " هي رواية يشكل الخطاب الأدبي الصهيوني أحد مكوناتها .
تحضر رواية " عائد إلى حيفا " في رواية " مريم / مريام " بقوة ، وما يجري من حوار بين سعيد . س وابنه خلدون الذي تربى تربية صهيونية يكاد يحضر حرفيا. إن فكرة إنهاء الصراع بواسطة الحرب وفكرة الوطن والجدارة وأيضا فكرة الضحية التي حلت مشكلتها على حساب شعب آخر لم تكن له يد في مأساة اليهود في العالم ولم يسهم في صناعة الهولوكست ، هذه الأفكار تحضر في الروايتين ، ولا يحتاج قارئهما لاقتباسات منهما ليبرهن على ذلك .
ليست رواية كنفاني فقط هي التي تحضر ، فهناك قصة سميح القاسم " الصورة الأخيرة في الألبوم " . إن موقف والدة أمير من صديقته اليهودية روتي التي زارت معه قريته وحلت ضيفا على أمه وترحيب الأم بها نقرأ شبيها له في "مريم / مريام " ، وحين يقرأ المرء ما يقوله إلياس عن عمله في الناصرة العليا " حين ألحظ أن العرب هم من يبنون " إسرائيل " وهم من دقوا أول مسمار ، وهم من يشتغلون بالزراعة ومعامل الصناعة " سرعان ما يتذكر ما ورد على لسان سعيد المتشائل في رواية إميل حبيبي .
تقدم الرواية نماذج يهودية متعددة متنوعة حضرت شبيهاتها في أعمال فلسطينية سابقة ، فاليهودية التي تحب فلسطينيا وتتزوج منه حضرت مبكرا في قصة عبدالله عيشان " الغلطة " وحضرت في رواية أحمد حرب " الجانب الآخر لأرض المعاد " وروايته " بقايا " وفي روايات أخرى عديدة ، ولكن نهاية تجربة الزواج في " مريم / مريام " تبدو مختلفة فلا تنتهي بالانفصال . يظل الياس وشلوميت مرتبطين معا ويدفعان ثمنا غاليا برضا ولا يخضعان لضغوط المجتمع كما هو في قصة عيشان وروايتي حرب . إن من يدفع الثمن في رواية أبو حنيش هو ابن الزوجين ، مثله مثل الشخصية المحورية في رواية ( كانيوك ) .
ولعل ما يحسب للرواية هو بساطة لغة السرد فيها وسلاسته - أي السرد ، وتوفر عنصر التشويق .
هل يمكن القول إن هذه الرواية هي تصور الكاتب السياسي والفكري / الأيديولوجي للصراع وتصوره تصورات الآخرين له ، وبالتالي فقد وزع تصوراته على شخوصه ؟
أعتقد ذلك .
١٨ و ١٩ تشرين الأول ٢٠١٩
١٢
ازدحام المفكرة : " لولا أن محمدا هو آخر الأنبياء ..."
طغى أمس على حائط الفيس بوك الخاص بمعارفي وأصدقائي فقرات تنعى رحيل الروائية الفلسطينية / الأردنية ، البيت ساحورية الميلاد العمانية الإقامة ، ليلى الأطرش ، فقد انتقلت صباح أمس إلى رحمة الله عن عمر يناهز الرابعة والسبعين عاما . وتكون ، خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة انضمت إلى مجموعة من الأدباء والكتاب والفنانين الفلسطينيين الذين أسلموا روحهم إلى بارئها :
- المخرج نصري حجاج
- الشاعر أحمد يعقوب
- الرسام محمد الجولاني
- الأكاديمية والقاصة إلهام أبو غزالة
- الكاتب الشاعر والروائي محمد الأسعد Mohammed Al-asaad
- الأكاديمي والإعلامي القاص الدكتور سعيد عياد Said Ayyad
- الكاتب تميم محمود منصور
- الشاعر ماجد الدجاني .
ولم أشهد من قبل فترة مثل هذه امتلأت بها المفكرة بهذا العدد من الراحلين ، حتى أنني تذكرت قصيدة محمود درويش التي كتبها في العام ١٩٨١ يخاطب فيها أصدقاءه ، لكثرة من مات أو استشهد منهم ، أن يتوقفوا عن الموت ،فمن
" تبقى منكم يكفي لكي أحيا سنة
سنة أخرى فقط ،
سنة تكفي لكي أعشق عشرين امرأة
وثلاثين مدينة ...
.....
سنة واحدة تكفي لكي أحيا حياتي كلها " .
طبعا كان هذا قبل حلول الست كورونا وتشريفها ، إذ كانت حرية الحركة والتنقل أسهل بكثير مما هي عليها الآن .
ربما كان الخبر الأكثر إثارة أمس لأهل فلسطين كلها ، وتحديدا لسكان الضفة الغربية أكثرهم ، هو إقدام شاب في رام الله ؛ العاصمة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية ، والآن العاصمة الثقافية لها وللمثقفين والكتاب الفلسطينيين ، إقدامه على هدم تماثيل الأسود في دوار المنارة وسط المدينة ، ساعيا إلى التخلص من الأصنام وعبادة الأوثان ، سائرا على خطى داعش في سوريا وطالبان في بلاد الأفغان .
كان الشاب ، كما أظهرت الصورة التي عممت ، أحضر فأسا أخذ يهوي به على رموز الشرك ، مستحضرا ما فعله سيدنا إبراهيم أولا والمسلمون الأوائل في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ثانيا .
ولم يتوقف الشاب الذي تجمع حوله عدد من المواطنين ، لم يتوقف عن تحطيم تماثيل الأسود إلا عندما حضر شرطيان اقتاداه معهما إلى حيث لا أعرف .
عندما انقلبت حركة حماس على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة كتب محمود درويش قصيدته التي ألبت عليه الحركة وأنصارها ، بعد تغزل في شعره المبطن الهجاء لاتفاقية أوسلو ، قصيدته " أنت ، منذ الآن ، غيرك " وفيها يقول :
" لولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء ، لصار
لكل عصابة نبي ، ولكل صحابي ميليشيا "
و
" حار الفقهاء أمام النائمين في قبور متجاورة :
هل هم شهداء حرية ؟ أم ضحايا متناحرة في
عبث المسرحية ؟ حار الفقهاء واتفقوا على
أمر واحد هو : الله أعلم " .
وأنا ، بسبب ما نحياه في واقعنا العبثي السريالي ، حرت مثل الفقهاء ، فأمس اقترح علي الصديق Najeh Khalil ألا أظهر الصور السلبية لأبناء شعبنا الفلسطيني ، فثمة في مسيرته صور إيجابية مشرقة ومضيئة تبعث على التفاؤل ، ولا أنكر هذا بالطبع ولكن ... .
عندما سيطرت حماس على قطاع غزة استبدلت اسما آخر باسم مدرسة الشهيد غسان كنفاني ، ويا خوفي أنا ، مثل عبد الحليم حافظ ، من آخر المشوار الذي ابتدأ .
يبدو أن الشاب لم يقو على هدم الدولة الإسرائيلية ، ولم يقو على هز أركان مقاطعة رام الله ففش غله في التماثيل ، ومثلنا يقول " المسؤول فش غله في وأنا فشيت غلي في مرتي " و " اللي ما بقدر يركب الحمار بنط على البردعة " .
الحياة تخربشنا ولا فضل لي في خربشاتها إلا صياغتها .
١٨ تشرين الأول ٢٠٢١
١٣
حيوانات بشرية :
ما فعله الإسرائيليون بمشفى المعمداني أمس ١٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ يؤكد أنهم بالفعل يقصدون ما يقولونه عنا من أننا " حيوانات بشرية " و " حشرات وصراصير " يجب أن تباد . وما قالوه في ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ ليس عموما بجديد ، فقد قاله قسم من يمينهم المتطرف من قبل ، بل وتصرفوا بناء عليه في العام ١٩٤٨ ، فارتكبوا سلسلة مجازر لتسفر عن ترحيل أهلنا ؛ في دير ياسين والطنطورة وغيرها ، وتتناقل وسائل التواصل الاجتماعي أشرطة عديدة لمرتكبي تلك المجازر يقصون عنها باستهتار بالبشر ويضحكون كما لو أنهم قتلوا حشرات وصراصير وكلابا ضالة ، وارتكبوا لاحقا مجازر لاحقة في الهجوم على غزة بعد ١٩٤٨ وفي قبية ١٩٥٣ وفي كفر قاسم في ١٩٥٦ وفي السموع في ١٩٦٦ ، وفي حرب حزيران ١٩٦٧ قتلوا الجنود المصريين في سيناء ودفنوا جنودا أردنيين في القدس أحياء ، وفي أيلول ١٩٨٢ ارتكبوا مجزرة شاتيلا وصبرا مع قوات الكتائب ، وها هم يبيدون غزة حيا حيا .
قبل العام ١٩٤٨ ، بل قبل العام ١٩٤١ كتب شاعر فلسطين إبراهيم طوقان مدركا أن المشروع الصهيوني يرمي إلى تهجيرنا أو إبادتنا قائلا :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟ "
وعن السياسة التي اتبعتها بريطانيا في انتدابها وعى أن سياستها تهدف إلى إبادتنا بوسيلتين ؛ الحسنى والرصاص :
" أمامك أيها العربي يوم تشيب له سود النواصي
مناهج للإبادة واضحات وبالحسنى تنفذ والرصاص " .
حلت أمريكا في رعاية المشروع الصهيوني محل بريطانيا دون أن تتخلى الأخيرة عن مساهمتها ، ووقفت فرنسا إلى جانبهما ، واليوم اكتملت أركان النجمة السداسية بالكامل : ألمانيا وإيطاليا واليابان .
لقد قالها ( ليبرمان ) :
" إما أن نبيدهم أو يبيدوننا " .
هذا ما يحدث الآن من طرفهم .
١٨ / ١٠ / ٢٠٢٣
١٤
تداعيات الحرب في غزة ٢٠٢٣ :
التهجير والإبادة
مساء الثلاثاء ١٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ قصفت الطائرات الإسرائيلية مشفى المعمداني في غزة . أسفر القصف عن مقتل وجرح المئات من المرضى والمستجيرين بالمشفى من المدنيين الذين يبحثون عن مأوى آمن بعد أن دمرت منازلهم ومحيت أحياء بكاملها . هذا المحو وهذه الإبادة عبر عنهما ( ليبرمان ) الذي أراد الانضمام إلى حكومة الطواريء الإسرائيلية ، فقال " إنها حرب إبادة . إما أن نبيدهم أو يبيدونا " .
أغلب الظن أن قوله تعبير عما يكمن في اللاوعي الإسرائيلي الذي قام عليه المشروع الصهيوني وهو طرد السكان الفلسطينيين من فلسطين وإقامة الدولة العبرية اليهودية ، وما يجري هو انتصار للتيار الصهيوني الدموي الذي رأى أن إقامة الدولة يتم بالسيف والنار ، لا بالتضييق على السكان ، من أجل أن يرحلوا ؛ التضييق كان الخيار الذي عملت به تيارات صهيونية أقل دموية .
كان الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان المتوفى في العام ١٩٤١ تنبه مبكرا إلى سياسة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية وعبر عنها بقوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟ "
وقوله :
" أمامك أيها العربي يوم تشيب لهوله سود النواصي
مناهج للإبادة واضحات وبالحسنى تنفذ والرصاص "
وهذا ما تنبه له أيضا لاحقا الأدباء الفلسطينيون ، في المنفى وفي الأرض المحتلة ، ووقفوا في وجهه بالحث على البقاء في الأرض وعدم مغادرتها لأن الحياة في المنفى فيها من القسوة والإهانة والذل ما فيها .
عبر أدباء المنفى عن قسوته وذل الإقامة بعيدا عن فلسطين وفضلوا الموت على الحياة في بلدان الشتات . من سميرة عزام إلى غسان كنفاني فمحمود درويش فأحمد دحبور ، على لسان شخصياتهم وعلى لسانهم هم أيضا .
وفي الحرب الدائرة منذ ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ بدأ الحديث ، منذ بدء قصف أحياء سكنية على رؤوس سكانها ، عن ترحيل الفلسطينيين وتوزيعهم على البلدان العربية ؛ مصر والأردن والسعودية وبقية دول الخليج ، ورأى أحد الإسرائيليين أن هذا ممكن بناء على تجارب سابقة ، فالأردن مثلا أقام مخيمات للاجئين السوريين ومن قبل استقبل عراقيين ولبنانيين ، وهذا تناغم مع ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) في بداية الحرب ، إذ قال إن ما بعد ٧ / ١٠ لن يعود إلى ما كان عليه قبلها وأن الحرب ستغير خارطة الشرق الأوسط كله .
في غزة نشط ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي في حض الناس على مقاومة السياسة الإسرائيلية التي تنتهجها وتطبقها وحث الناس على البقاء والصمود ، مبينين قسوة حياة اللجوء ومذكرين بما حدث في العام ١٩٤٨ ، ودعا هؤلاء الناشطون إلى ضرورة البقاء حتى لو أسفر عن موت محتم .
إن ما يطرح الآن من مشاريع للتهجير وتوطين المهجرين في سيناء أو في البلدان العربية هو مشروع قديم كانت بداياته الفعلية في ١٩٤٨ وأراد الأمريكان والإسرائيليون تكراره في العام ١٩٥٥ خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي ( ايزنهاور ) ، وقد تصدى له أهل غزة وتظاهروا ضده وأفشلوه وكتب عن هذا في الأدب معين بسيسو في كتابه " دفاتر فلسطينية " :
" كتبوا مشروع سيناء بالحبر
وسنمحو مشروع سيناء بالدم "
و
" ولا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان "
ومنذ النكبة تعززت الكتابة عن المنفى وقسوة الحياة فيه والحنين إلى الوطن السليب وتصويره على أنه الجنة المفقودة التي يتطلع إليها كل فلسطيني طرد من أرضه أو ولد في مخيمات اللجوء ، وتعززت الكتابة في الأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة نفسها عن البقاء والصمود ورفض فكرة الرحيل .
منذ سميرة عزام رائدة القصة القصيرة الفلسطينية بدأنا نقرأ عن ذل حياة المنفى وقسوته ، حيث فقد الفلسطيني بفقدانه أرضه كرامته وتحول إلى لص وقواد وبغي ومخبر صار الكل يتجرأ عليه حتى الجرذان .
وفي رواية كنفاني " رجال في الشمس " يتذكر أبو قيس وهو ذاهب إلى الكويت الأستاذ سليم الذي مات في قريته قبل سقوطها بليلة واحدة ويغبطه أنه دفن في تراب بلده : " يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم ! يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك كنت ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود ... يا الله ! أتوجد نعمة إلهية أكبر من هذه ؟ ... وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار " .
أحمد دحبور الذي كان عمره عامين قبل النكبة تمنى لو أن أباه طلب ذبح ابنه ولم يرحل :
" ما الذي كان أبي يخشاه حتى ارتكبت أخطاؤه فعل السنونو ؟/ ليته قال : اذبحوا طفلي / ولم يرحل " .
وماذا عن أدباء الأرض المحتلة من توفيق زياد واميل حبيبي ومحمود درويش وغيرهم وغيرهم ؟
اشتهرت قصيدة الأول " هنا باقون " وذاع صيتها وغناها المغنون وصارت أيقونة لدى كثيرين ، ومثلها أيضا قصيدته " أناديكم " . في القصيدتين يفضل زياد الحياة في الوطن على حياة المنفى حتى لو كان نادلا في المطعم يغسل الصحون ، وبإباء وعزة وشموخ يقول إن هذا لا ينتقص من كرامته " أنا ما هنت في وطني " . أما حبيبي ففضل البقاء في حيفا على الرغم مما قدمه من تنازلات رأى أنه إنما قدمها حتى لا تصبح فلسطين أندلسا ثانية ، فحافظ بذلك على عروبة قسم من فلسطين وعلى لغتها العربية وكلنا يعرف وصيته الداعية إلى كتابة عبارة " باق في حيفا " على شاهد قبره .
هل اختلف محمود درويش ؟
وهو في الوطن قبل هجرته حث على البقاء وحين هاجر ندم ندما شديدا عبر عنه في ديوانه " محاولة رقم ٧ " وفي كتابه النثري الأخير " في حضرة الغياب " :
"- لماذا نزلت عن الكرمل ؟"
في الحرب الدائرة حاليا تمارس إسرائيل إبادة أهل غزة ، بل ومحوهم ، ويا لك يا إبراهيم طوقان من شاعر .
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة " .
ونتمنى أن نموت مثل الأستاذ سليم في رواية " رجال في الشمس " على أن نرحل .
الأربعاء والخميس ١٨ و ١٩ / ١٠ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٢٢ / ١٠ / ٢٠٢٣ )
١٥
في غزة لي أصدقاء ولي ذكريات : ( ٦ )
عرفت غزة من زياراتي لها وعرفتها من لقائي بكتابها وعرفتها أيضا من كتابات أدبائها ولوحات فنانيها ، بخاصة كامل المغني ، ثم عرفتها لاحقا من خلال المحطات الفضائية وأشرطة الفيديو .
من كتابات معين بسيسو وهارون هاشم رشيد ، بخاصة " دفاتر فلسطينية " للأول ، والكتاب قريب من السيرة الذاتية ، و " سنوات العذاب " للثاني ، وهو رواية كتبها في ١٩٧٠ ، من هذين الكتابين تعرفت إلى غزة في الخمسينيات ، ومن قصص غريب عسقلاني " الخروج عن الصمت " ورواية " الطوق " قرأت عن غزة بعد احتلالها في ١٩٦٧ ، وهنا تطابق ما رأيته مع ما شاهدته كما في قصص زكي العيلة عن مخيم جباليا ، وعرفتها لاحقا من روايات عاطف أبو سيف الذي كتب عن مخيماتها ومعاناة أهلها ومن رواية يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " التي يمتد زمنها الروائي من خمسينيات القرن ٢٠ إلى زمن صدورها في العام ٢٠٠٤ وقد كتبت عنها مطولا تحت عنوان " سهرة مع أبو إبراهيم " ولاحقا من رواية عمر حمش السيرية " مفاتيح البهجة " ( ٢٠٢٢ ) التي تكتب عن المخيمات في سنوات طويلة وقد خصصتها بمقالة .
في نهاية سبعينيات القرن ٢٠ أصدر القاص غريب عسقلاني ( إبراهيم الزنط ) عمليه المذكورين ، وعكس فيهما معاناة الناس هناك . كتب غريب عما شهدته غزة بعد إضعاف المقاومة فيها واضطرار بعض المقاومين إلى البحث عن عمل في المصانع والورش الإسرائيلية ، وكتب عن زيارات الفلسطينيين لمدنهم وقراهم ورؤيتهم ما آلت إليه من تهويد ، كما كتب عن حصار أحد مخيماتها حين بدأت روح المقاومة تعود إليها وأخذ الجيل الجديد يقاوم المحتل .
في قصة " الجوع " يكتب غريب عن فدائي كان يمنع الغزيين بالقوة من العمل لدى الإسرائيليين وكان يتصدى لهم ، ولما سجن وخرج من السجن بحث عن عمل في المدينة نفسها فلم يجد وابتعد عنه قسم من أصحاب العمل كونه سجينا ، ما دفعه للعمل لدى الإسرائيليين . تعاطف سعيد العامل الغزي مع عزرا العامل اليهودي اليمني حين طرده صاحب العمل اليهودي الأوروبي ، فطرد مثله .
في قصة " زائر الفجر " تعرفت إلى إخوة جمال زقوت قبل أن ألتقي به بعد سبع سنوات . كتب غريب عن منير زقوت وأخيه بشير . عندما عاد بشير من المنفى زارا مدينتهم عسقلان فدهش مما رأى وحين قفل إلى المنفى عائدا التحق بالمقاومة الفلسطينية واستشهد .
غزة التي حوصرت منذ ٢٠٠٧ حصارا مرا كانت تتدرب على ما يبدو على هذا الحصار ، ففي رواية " الطوق " وهي رواية لا تتجاوز ١١٣ صفحة من الحجم الصغير ، يرصد الروائي حياة الناس في أحد المخيمات . حوصر المخيم مدة شهر وضيق على أهله ولكنهم صمدوا .
عندما قرأت الرواية كتبت عنها مقالا طويلا نشرته أولا في جريدة " الشعب " ثم أعدت نشره في مجلة " الكاتب " لأسعد الأسعد Asad Alasad
. كان العنوان الذي اخترته في تلك الأيام ذا دلالة ، فالمخيمات التي أحاطت بالمدن الفلسطينية والعربية كانت تبدو نشازا ، وكان أهل المدن ينظرون إلى سكانها نظرة سلبية ، وجاءت الرواية لترسم لابن المخيم صورة الفلسطيني المقاوم . هكذا اخترت عنوان " الطوق : الوجه الآخر للمخيم " لأكتب تحته عن رواية غريب الذي صار من الأصدقاء الودودين لي ، وكلما التقينا في غزة أو في القدس أو قي رام الله تجاذبنا أطراف الحديث بنوع من الأخوة والصداقة .
لعل ما يستحق أن أكتب عنه هو صلتي بغزة من خلال نثر معين بسيسو وشعر محمود درويش ونثره ؟
الأربعاء ١٨ / ١٠ / ٢٠٢٣
١٦
يوميات غزة ولبنان ( ٣٧٨ ) :
أدباء تنبأوا بمصيرهم [ يحيى السسنوار ]
الشوك والقرنفل . نهاية الرواية ونهاية المؤلف . هل تنبأ أبو إبراهيم بمصيره " نصر أو استشهاد " .
لم يخرجوا رافعين أعلاما بيضا . رفعوا شعارهم " نصر أو استشهاد " فظفروا بالثانية .
وداعا مؤلف " الشوك والقرنفل " .
هل كتبت عن بعض تشابه مع بعض أعمال كنفاني ؟
[ يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " ٣٦ :
نهاية الرواية : استشهاد إبراهيم
تنتهي الرواية بخروج إبراهيم من السجن ومواصلته ، في انتفاضة الأقصى ، النضال ، واستشهاده .
يفصح الراوي عن رأي إبراهيم في اتفاقية أوسلو التي لم تنجز شيئا ، فلم تسفر عن انسحاب كامل من المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ ، علما بأن الاحتلال كان " جاهزا للهروب من غزة ، وجاهزا للهروب من الضفة عام ١٩٩٣ ، يوم أعمته المقاومة بضرباتها النوعية ، وصرح الكثيرون من قادته أنهم سيفعلون ذلك ، فجئنا نحن الفلسطينيين ووضعنا لعدونا السلم لينزل عن شجرة جرائمه .. " .
ويرى الراوي أن القوة لا التفاوض هي ما أجبرت العدو على الانسحاب من جنوب لبنان ٢٠٠٠ ، ويسرد عن اغتيال قيادات حمساوية ومن الجبهة الشعبية في انتفاضة الأقصى ويرى أن لا بديل سوى المقاومة ويكرر عبارات " فهذا جهاد جهاد .. نصر أو استشهاد ، يجب أن نصنع السلاح على بساطته ، ويجب أن نسعى لتطويره ، في كل يوم لنزيد قدرته التدميرية ، ونزيد مداه ونضرب به العدو الذي يمتلك كل تلك القدرات العسكرية " ( ٣٣٩ ) ويستشهد بالحديث النبوي ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليه ..ود حتى يقول الحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يه.. ودي تعال فاقت.. له ) .
وردا على قتل الإسرائيليين جمال منصور وجمال سليم وأبو علي مصطفى وكثرا آخرين تبدأ العمليات الاستشهادية ، فتودع الأمهات الأبناء " في سبيل الله ، وفي سبيل القدس والأقصى " ويعلن عن استعدادهن للتضحية بالأبناء من أجل عزة شعبنا وكرامة أمتنا .
تحضر الرؤيا لإبراهيم ويحدث الراوي - أي أخاه أحمد - بما يرى " ثم رأيتني يا أحمد صائما ورأيت رسول الله صلعم يقول لي إفطارك عندنا اليوم يا إبراهيم ، فأنا في انتظارك ، صرخت هل معنى ذلك .. " ( ٣٣٤ ) وتقصف سيارة إبراهيم ويرتقي شهيدا وتتلقى زوجته خبر استشهاده ببسمة لا تغادر شفتيها وزغرودة تعلو على صوت الحشد الهادر " إلى يمينها ياسر وإلى يسارها إسراء ، ورأس أمي يطل من ورائها وهي تمسح دمعتها بطرف منديلها "
وأما محمود فتحاوي الانتماء أخو الشهيد إبراهيم وأحمد الراوي فتمدهما مريم ببندقيتين رفعاها فوق الرؤوس وانطلقا والجماهير من ورائهما تهدد " خيبر خيبر يا يه ..ود جيش محمد سوف يعود ... " .
هكذا تنتهي الرواية التي انتهى الكاتب من كتابتها في كانون الأول من العام ٢٠٠٤ . ونحن اليوم في كانون الأول من العام ٢٠٢٣ . لقد مرت تسعة عشر عاما وها هي البندقية يعلو صوتها وها نحن نشهد ما قالته الرواية وما قاله يحيى السننوار وهو في " سجن بئر السبع ، ايشل فلسطين ، انتهت .. في زنازين سجن بئر السبع واكتملت بفصلها الثلاثين ولكن لا زالت مأساة كاتبها ورفاقه مستمرة في اقبية سجون الاحتلال " ( ٣٣٥ ) .
هل انتهت الحكاية التي ما زالت مأساة شعب كاتبها تتعاظم وتتزايد بوتيرة متسارعة وبمتوالية هندسية لا حسابية .
الحكاية طويلة .
هل عرفتم لماذا ندرس الأدب ولماذا أنفقت في العام ٢٠٢١ عشرة أيام ، وفي العام ٢٠٢٣ ستة وثلاثين يوما أكتب عنها .
يحيى السننوار أوقف العالم على رجل واحدة . هل هو ومحمد ضيف ومروان عيسى المسؤولون عما وصلنا إليه أم أنه ( ثيودور هرتسل ) و ( بلفور ) وبريطانيا العظمى وأمريكا والغرب ؟
راجعوا كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) " عشر خرافات هزت إسرائيل " فقد تجدون الإجابة فيه
١٢ / ١٢ / ٢٠٢٣ ]
١٧
من عز الدين القسام إلى عبد القادر الحسيني إلى أبو علي إياد إلى غسان كنفاني إلى خليل الوزير ..... إلى يحيى السنوار
من ١٩٣٥ إلى ١٩٤٨ إلى .... ١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤ والمسيرة مستمرة .
رحم الله الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور :
" يا كربلاء ، وأنت جارحة وصعبة
آتيك بالفرح الجريء ، وما حسبت الحرب لعبة
آت ولو كره السعاة إلى الخيول بلا فوارس ،
والسيوف بلا صليل
أودعتهم موتي ، وأرخت الحياة لكل جيل :
هذا زمان يكبر الفقراء فيه فيقتلون ويقتلون
هذا زمان للبطولة ، أو - لمن شاء - الجنون " .
١٧ / ١٠ / ٢٠٢٤ .
رحم الله الفلسطيني اللاجيء الفقير ابن مخيم خان يونس .
١٨
غزة 743 :
ثلاث قصائد
لم يتوقف القتل في غزة .
أمس استهدفت عائلة بأكملها . كلهم ارتقوا ، فلم يرتو دراكولا من دم أبناء قطاع غزة .
أمس أصغيت إلى ثلاث قصائد في رثاء يحيى السسنوار ( أبو إبراهيم ) ؛ قصيدة الشاعر صلاح أبو لاوي وقصيدة الشاعر تميم البرغوثي وقصيدة ل لولو الخاطر" يا سيدي هذي عصاك فألقها " ولا أعرف عن الأخيرة ( عرفت أنها وزيرة من قطر ).
القصائد الثلاث كلاسيكية الشكل وخارجة من رحم قصائد الرثاء العربية .
في المقتلة كتبت تحت عنوان " من هو المؤمن .. من هو الملحد : صورة صلاح الدين الأيوبي في آداب العالم الإسلامي " ، والعنوان دراسة للباحث الألماني ( فيرنر إندة ) وكنت ترجمتها عن الألمانية في العام ١٩٩٢ ونشرتها في مجلة " الكاتب " لصاحبها أسعد الأسعد Asad Alasad واعطاني مقابل الترجمة ٤٠٠ ألف دولار . كان ذلك في زمن الرخاء .
سيأتي يوم وينجز دارس دراسة مماثلة عن " أبو إبراهيم " .
حالة مربكة ومرتبكة وأكثر من ملتبسة .
١٨ / ١٠ / ٢٠٢٥
احتلال حضاري جدا :
سأصحو فجر هذا اليوم في الثالثة . أفحص نسبة السكر في دمي بعد أكل العيد - أعني حلواه وبعد سم بدن .
كل شيء عادي .
أشاهد في الجزيرة برنامجا عن السياسة والرياضة وسقراط في البرازيل ثم أصنع قهوتي وأصغي إلى موجز الأخبار .
دم في سورية . دم هناك ليستمر نهر بردى في الجريان ، ثم أتابع برنامج عودة الصبية عن أطفال فلسطين في المعتقلات .
أطفال ما بين 16- 14عاما . تحدثوا عن تجربة اعتقالهم وما عانوه في السجن
تحدثوا عن خوفهم وقلقهم ومشاعرهم وإحساسهم بالخوف وعن دمار الأسر وعن السجن والمدرسة . الاحتلال الاسرائيلي حضاري جدا فلا فرح ولا طفولة ولا استقرار .
هناك رعب وخوف وقلق خارج السجن وداخله .و
هناك أسر ممزقة وطفولة مفقودة .
أتذكر سطر محمود درويش :
" آه أطفال بلادي : هكذا مات القمر .".
حنظلة
٢٠١٣
٢
أجواء خريفية بامتياز :
كأنما الخريف بدأ صباح هذا اليوم . الرياح تهب بما يذكر بأجواء الخريف وأجواء شتاء مبكر . لم تمطر حتى اللحظة مطرا غزيرا كما يحدث أحيانا لكنها تبشر بذلك .
علينا أن نستعد لشتاء قد يكون قاسيا . ماذا سيفعل العراقيون والسوريون .
كان الله في عونهم كما كان في عوننا بعد 1948. زمن قاس ربما يذكر بما قرأنا عنه في التاريخ عن أزمنة النكبات والكوارث .
الأجواء خريفية تنبيء بأمطار ، ومع ذلك يمكن لنا أن نستمتع بالجلوس خارج الغرف وشرب الشاي والقهوة وتصفح الفيسبوك أيضا .
بانتظار عيد آخر لعله يكون أفضل . نودع اليوم عيدا لنستقبل غيره .عيد هاديء .
حنظلة
٢٠١٣
٣
اليوم بدأت الأمطار :
الساعة الثانية عشرة ظهرا بدات الأمطار تهطل .
يبدو أن الله استجاب للمصلين إن كان أحدهم طلب من الله الغيث . لو طلب أيضا أن يخلصنا الله من الاحتلال أيضا .... أم أن أمريكا ستستعمل الفيتو رأفة بأبناء الغيتو ؟
على أية حال جاء الشتاء وعلينا منذ الآن أن ندخل في أجوائه .
كل عام ونحن بخير . هذا عيد آخر ... لعل نفسياتنا تتحسن . آمل ذلك علما بأنها بالشتاء تسوء .
أجواء الصباح كانت خريفية وها هي الآن شتائية .
يبدو أنه سيكون الشتاء شتاء طويلا .
ثانية كان الله في عون السوريين والعراقيين .
حنظلة
٢٠١٣
٤
مخيم عسكر القديم :"بقايا شجر"
مع أنني لا أدخل مخيم عسكر إلا نادرا ، إلا أنني أمر به يوميا . غالبا ما أراه من الشارع العام ولا أبصر الآن أية شجرة فيه ، خلافا لما كان عليه يوم كنت أقيم فيه قبل 35 عاما . يومها كانت فيه أشجار ومساحات ارتداد بين البيوت . كانت فيه ساحات ملاعب للعب كرة القدم أو كرة الطائرة .
الآن لا ساحات ولا مساحات بين البيوت والحارات . اكتظاظ مبان بطريقة عصبية وبلا أي تخطيط .
اليوم خرجت من المخيم من شارعه الجنوبي وفوجئت بزاوية فيها أشجار . الحقيقة أنني فرحت قليلا .
- ثمة بقايا أشجار في المخيم . هناك خضار ما في زاوية منسية . هكذا كان المخيم قبل خمسة وثلاثين عاما . شعري كان يومها غزيرا ، أما الآن فقد تصحر رأسي . لفد سقطت أشجاره شجرة شجرة مثل أشجار المخيم .
المخيم تضخم وكبرت بناياته . لقد غزاه الاسمنت .
- من يغبط من ؟
- رأسي أم أرض المخيم.
حنظلة
٢٠١٣
٥
ابراهيم خليل وكتابي " أرض القصيدة : جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره " ( 2001 ) وكان نشر مقاله في الدستور بتاريخ 27/11/2010
" ومع ذلك لا ننكر ما في الكتاب من فصول ممتعة ، قل نظيرها فيما كتب ، ونشر ، عن محمود درويش وشعره"
وراجعوا لقاء محمود درويش في ال lbc في تموز 2001 وما قاله عن النقد الذي كتب عن الجدارية ، والنقد الذي كتب عنه قبلها .
٦
سحر خليفة : التحرر الاجتماعي مدخلا للتحرر الوطني : 3
بم تطالب رفيف إحدى شخصيات رواية " عباد الشمس " ؟
إنها تطالب بالمساواة وبنصف مجلة " البلد "، ذلك أنها ترى أن المرأة هي نصف المجتمع . تريد مساواة كاملة . (هل نشاهد الآن ما يجري في رام الله في مقاومة الاحتلال؟ ) .
لننظر في مأساة سعدية .
إنها امرأة استشهد زوجها زهدي مخلفا لها 5 أبناء وعليها أن تعيلهم ، فشهامة أصدقائه بمتابعة شؤون أسرته بدأت ، مع اﻷيام ، تبهت وتضعف ، وعلى سعدية أن تتدبر أمرها .
سعدية لم تكن مهيأة لتلعب دورا خارج جدران المنزل . عليها أن ترعى أمر زوجها وأبنائها وحين استشهد الزوج وجب عليها أن تقوم بالدورين معا ؛ اﻷب واﻷم ، وعليها أن تعمل داخل المنزل وخارجه أيضا لتنفق على أسرتها .
يتطلب عملها الاختلاط بأصحاب العمل من الذكور ، وهذا سيسبب لها ، في مجتمع محافظ تقليدي يقسم اﻷدوار ، مشاكل عديدة ، وهذا ما يحدث حقا .
تسافر سعدية بصحبة شحادة إلى تل أبيب لمقابلة أصحاب العمل ويحدث أن تعتقل لليلة . مم ستعاني ومم تخاف هنا ؟
تفكر سعدية في أمر أولادها وتفكر أكثر في نساء الحارة : أم تحسين وأم صابر . ماذا ستقولان حين تعلمان بأمر خروجها مع شحادة إلى تل أبيب وحين تعلمان أنها باتت ليلة في مركز شرطة إسرائيلي ؟بل وفي صحبتها خضرة اللاجئة المشكوك في أخلاقها ؟
إن أم تحسين وأم صابر والقال والقيل يحتلان تفكير سعدية ويشغلان بالها أكثر مما يشغل الاحتلال تفكيرها ، ولكن علينا ألا ننسى أن زوجها مات من الاحتلال . وهنا يمكن أن يثير المرء سؤالا :
- وماذا لو لم يكن هناك احتلال ومات زوجها .
اﻷمر يستحق التفكير حقا .
إن معاناة خضرة كانت مع زوجها اﻷول وأولاده من زوجته اﻷولى . لقد هربت منه وقدمت من بلد عربي غير محتل إلى بلد محتل ، وإن كانت هي وأهلها هجروا من فلسطين في 1948 وسبب لها الغزو الصهيوني مشاكل اجتماعية كثيرة ليس أقلها أن أهل وطنها ؛قسما منهم ، نظروا إليها على أنها لاجئة ومن أهل المخيم .
إن اﻷمر ليستحق المناقشة .
أيهم يقود إلى الآخر : التحرر الاجتماعي أم التحرر الوطني .
18/10/2015
٧
أتأمل حال بعض مؤسساتنا فأتذكر قول الشاعر مظفر النواب :
" فالعثة في بلد العسكر
تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته
وتقرر صنف المولود
وأين سيكوى ختم السلطان على إليته،
فاذا آمن بالحزب الحاكم ، فالجنة مأواه
وويل للمارق . "
الشفاء والراحة للشاعر مظفر
وعلى رأي محمود درويش :
من قال إننا استثناء؟
١٨/١٠/٢٠١٦
٨
أحمد دحبور : فقدان أم يسار وأشياء اخرى :١٧
كما تقول قصيدة الشاعر المشار اليها ، فإن طموحات الشاعر هي طموحات مشروعة لكل إنسان :
- أن يشرب الشاي فجرا ، أن يراسل من قاسمته جروحه ووقفت إلى جانبه ، وأن يعود إلى مدينة روحه .
فجأة غادرت ،على غير توقع ، وفي وقت كان الشاعر بأشد الحاجة إليها ، فجأة غادرت أم يسار .
هل عاد الشاعر إلى مدينة روحه ؟
ينهي الشاعر قصيدته " مسافر مقيم " من ديوان " هناك..هنا " 1997 بالأسطر الآتية :
حيفا أهذي هي؟
أم قرينة تغار من عينيها ؟
لعلها مأخوذة بحسرتي ،
حسرتها علي أم يا حسرتي عليها ؟
وصلتها ولم أعد إليها
وصلتها ولم أعد إليها
وصلتها ولم أعد... "
هكذا انتهت القصيدة التي كتبها أحمد دحبور بعد زيارته حيفا ، إثر اتفاقات أوسلو . زار المدينة ورأى البيت الذي ولد فيه ، ولم يستقر هناك . ومن هنا جاءت الحسرة .
رأى مدينة الروح التي ظل ، وهو في مدن المنافي ، يحن إليها ولم يتمكن من الإقامة فيها بقية عمره .
سيكرر أبو يسار على مسامعنا ما اختتم به قصيدته ، وسنأتي على الصورة التي التقطت له أمام بيته وأدرجت على صفحات التواصل الاجتماعي .
- أنا التقطها له . قال يسار .
هل أتينا ونحن نتحدث على فترة الانشقاق ؟
ظل أحمد دحبور مع حركة فتح الأم بقيادة ياسر عرفات ، وظل قريبا منه ، ولم يكن أبو عمار ليرفض لأحمد ، حين عاد إلى غزة ، وعمل في وزارة الثقافة ، طلبا .
في ما قبل العام ٢٠٠٠ ، حين زار الشاعر نابلس غير مرة وزارني فيها ، حدثني عن تلبية أبي عمار لطلباته فيما يخص طباعة الكتب . لقد كان يحصل على تمويل الطباعة ، إن لم يتيسر لوزارة الثقافة ، مباشرة من الرئيس ، وآمل ألا تكون ذاكرتي زهمرت .
هل تحدثنا عن انشقاق بعض الكتاب عن حركة فتح ولومهم لأبي يسار لأنه ظل وفيا لقائده ؟
ربما نتذكر إلياس شوفاني و .... و ....
لم تصغ أم يسار هذه المرة إلى أحاديثنا ولم تعد وجية غذاء تونسية ، والمرة الوحيدة التي تناولت فيها وجبة طعام تونسية كانت من إعداد المرحومة التي لم أعز أبا يسار فيها ، لم أعز بناء على طلب من زياد خداش .
سأغادر بيت الشاعر . هل التفت إلى نظراته عند المغادرة ؟ هل كان غاضبا من شيء ما ؟ معاتبا ؟ يريد شيئا .
لا أدري لم يظل هذا الشاعر قريبا إلى قلبي ، على الرغم من عدم اتفاقنا في قضايا أدبية عديدة .
لعل الزمن يسمح لي بمحاورته طويلا ، ولقد اقترحت عليه هذا ولم يمانع .
وفي لقائي مع القاص أكرم هنية سأطلب منه ، إن كان له يد في جائزة محمود درويش ، أن تمنح للشاعر ، فهو ، من وجهة نظري ، الأجدر بها فلسطينيا من كثير ممن حصلوا عليها .
٢٠١٦
٩
فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948
قرأت في الأسابيع الأخيرة ثلاث روايات لثلاثة كتاب من فلسطين ( 1948 ) هي " اورفوار عكا " 2014 لعلاء حليحل و " بردقانة " ( 2014 ) لإياد البرغوثي و " بلد المنحوس " ( 2018 ) لسهيل كيوان ، ولفت انتباهي أن الروائيين الثلاثة يكتبون عن عكا في فترة لم يكونوا شهودا عليها .
كتب علاء عن عكا أيام حكم أحمد باشا الجزار ، في أثناء حصار ( نابليون بونابرت ) لها ، وكتب إياد عن العامين 1945 و 1946، وكتب سهيل عن ثلاثينيات و أربعينيات ق 20 مركزا تركيزا لافتا على الأعوام 1948 حتى 1952. واذا ما بحثنا عن صورتها في الرواية الفلسطينية التي كتبت حتى 1967 فإننا بالكاد نقرأ شيئا ، وربما لفت اميل حبيبي في " المتشائل " ( 1974 ) النظر إلى عكا أيام الانتداب البريطاني وخلال الأشهر الأولى للنكبة .
لم اقرأ الروايات الفلسطينية كلها التي صدرت في فلسطين لأعرف الكثير عن المدينة بعد قيام الدولة الإسرائيلية . وقد أثارت الروايات الثلاثة لدي أسئلة عديدة أهمها : لماذا لم يقارب الروائيون الفلسطينيون قبل النكبة في رواياتهم الموضوع الفلسطيني الوطني ؟
وأنا أعود إلى بعض الدراسات التي خاضت في النتاج الأدبي الفلسطيني ، في تلك الحقبة، لاحظت أن قسما من الدارسين والأدباء التفتوا أيضا إلى هذه الظاهرة وناقشوها ، وكان بعض الأدباء الفلسطينيين والعرب ناقشوها أصلا قبل النكبة .
من الكتب التي عدت إليها كتاب فاروق وادي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " ( 1985 ) وشمعون بلاص " رواد ومبدعون : دراسات في الأدب العربي المعاصر " ( 1991ط1 / 2003 ط2 ) .
أشار وادي إلى آراء كتاب عرب لاحظوا الظاهرة قبل 1948، حيث رأوا أن أدباء فلسطين لم يهتموا بشؤون التأليف ، وقد برر قسم من هؤلاء الأمر بأن الميدان كان للخطابة وليس للكتابة ، وأن الأجواء كانت مضطربة ، فهل يتطور الأدب في أجواء كهذه ، ثم إن حكومة الانتداب كانت تمارس مراقبة مشددة على المؤلفات .
ثمة رأي لاسحق موسى الحسيني هو أن الأدب المنثور الذي ظهر في فلسطين في الربع الثاني من القرن 20 هو أدب مقالات أكثر منه أدب مؤلفات . ( ص25 و 26 )
يذهب وادي إلى أن ما قرأه من روايات صدرت قبل 1948 أو ما قرأه عنها يشير إلى أنها روايات استنكفت عن الكتابة في الموضوع الوطني واغتربت عنه ، بل وخانته في الطرح ، ويشير إلى روايتين مهمتين لجمال الحسيني اختلفتا ف " لم تستنكفا ولم تغتربا ولم تخونا " ولكنهما ضاعتا ، وفقط من خلال الإشارات التي حصل عليها عنهما استطاع أن يكون انطباعا أوليا عنهما يتمثل في " أنهما ظلتا ملتصقتين بواقعهما ومخلصتين في استلهامه والتعبير الأكثر عن قضاياه " ( ص 32 و 33 )
شمعون بلاص التفت إلى غياب موضوع النزاع العربي - اليهودي ( ؟هكذا ) في الأعمال القصصية حتى 1948 ، " فعلى نقيض الشعراء.....امتنع كتاب القصة عن تناول هذا الموضوع من قريب أو بعيد " ( ص 107 ) وحاول الوقوف على هذه الظاهرة الغريبة " في موقف كتاب القصة من القيادة السياسية ، إذ أن أغلبهم كانوا ينتمون إلى اليسار ولم يروا أنفسهم....مقيدين بالخط السياسي لهذه القيادة ذات الطالع الديني " ( ص108) ويتوقف بلاص أمام روايتي جمال الحسيني " ثريا "و " على سكة الحجاز "، فقد عثر عليهما ودرسهما ولاحظ أنهما قاربتا الموضوع ، وأشار بلاص إلى أن صاحبهما كان ينتمي إلى التيار القومي التقليدي . لقد انفرد الحسيني - كما يقول بلاص-" باتخاذه موضوع النزاع ، أو بالأحرى موضوع بيع الأرض العربية لليهود ، كنقطة انطلاق للحبكة الغرامية في عمله الروائي " ( ص108 ) وخلص إلى أن روايتي الحسيني " تسجلان سبقا في الرواية الفلسطينية التي تعكس النزاع العربي - اليهودي في فلسطين " (121).
كلام بلاص صحيح إن أغفلنا المسرحيات التي عالجت الموضوع بصورة موسعة أكثر منها في روايتي الحسيني . وبخصوص القصة القصيرة فإن بلاص يشير إلى قصة لمحمود سيف الدين الإيراني .
هناك كاتبان مسرحيان قاربا الموضوع هما محمد عزة دروزة في مسرحيته "الملاك والسمسار "(1934) - وقد ضاعت - وبرهان الدين العبوشي في مسرحيته " وطن الشهيد " ( 1946 ) وهي متوفرة ، واتجاه دروزة قومي وتوجه العبوشي ديني ريفي محافظ ، وقد كتبا عن بيع الأرض وأبرز الثاني في مسرحيته شخصيات يهودية صهيونية .
وأستطيع القول ، بعد قراءة ملخص بلاص للروايتين ومناقشتهما ، إن ملامسة الحسيني للموضوع كانت مدخلا للكتابة عن موضوعات اجتماعية ، وهو ما قاله بلاص أصلا .
شخصيا قرأت من الأعمال الروائية التي صدرت قبل 1948 " الوارث " ( 1920 ) لخليل بيدس و" الحياة بعد الموت " ( 1920 ) لاسكندر الخوري البيتجالي و " مذكرات دجاجة " ( 1943 ) لاسحق الحسيني و" في السرير " ( 1947 ) لمحمد العدناني ، وباستثناء " مذكرات دجاجة " - إن أخذنا بالتفسير الرمزي لها الذي ينفيه المؤلف بشدة - فإن الروايات الثلاثة الباقية لم تقارب موضوع الصراع الفلسطيني الصهيوني . لقد لامسه العدناني ملامسة عابرة خجولة حين كتب عن اليهود بعامة ، وتبقى مسرحية العبوشي الأكثر معالجة للموضوع ، ومثلها يوميات خليل السكاكيني في حدود ما اطلعت عليه منها .
إذا أخذنا بتفسير بعض من التفت إلى الظاهرة من الدارسين ، بخاصة فيم يخص خوف الكتاب من ملاحقة الانجليز لهم ، فإننا واجدون في جنوح اسحق الحسيني إلى الرمز ما يعزز استنتاج أصحاب الرأي ، ويعززه أكثر اختلاف طبعتي رواية العدناني ، فحين أصدرها المؤلف بعد النكبة في حلب استبدل مفردات باخرى وهذا ما التفت إليه في رسالة الدكتوراه .
شخصيا لي رأي آخر مختلف كنت أشرت إليه وأنا أكتب عن القدس في الأدبين الفلسطيني والصهيوني" القدس بين روايتين " .
لقد لاحظت أن ( ثيودور هرتسل ) كتب عن القدس في روايته " أرض قديمة - جديدة " ( 1902 ) في حين لم يلامس الموضوع أي روائي فلسطيني حتى ممن أقاموا في المدينة مثل الحسيني ، باستثناء خليل السكاكيني في يومياته إذا اعتبرنا اليوميات نصوصا أدبية . ومرة كتبت أننا إذا أردنا أن نقرأ عن المكان الفلسطيني قبل 1948 فعلينا أن نقرأ الأدب العبري الذي كتب قبل 1948 ، ولي وجهة نظر في الأمر .
كان النثر القصصي والروائي في فلسطين في بداياته ، بخلاف النثر القصصي والروائي العبري ، فقد كتبه كتاب جاؤوا من أوروبا وكانوا على صلة واطلاع على القصة والرواية الأوروبية فقد كانت لغتها لغتهم الأم ، والموضوع يطول .
والخلاصة أن فلسطين التاريخية تحضر في القصة والرواية الفلسطينية المكتوبتين بعد العام 1948 ، بل وبعد العام 1967 أكثر مما حضرت في النصوص الروائية المنجزة قبل العام 1948 وهذا موضوع يستحق مقاربة .
الجمعة 19 تشرين الأول 2018
يتبع
١٠
أنا والجامعة 3 :
سافرت إلى عمان لأتابع دراساتي العليا ولم يكن معي سوى 300 دينار دفعت منها قسط الفصل الدراسي الأول وأظنه كان 120 دينارا ،وبقي معي ما يكفيني ثلاثة أشهر .
كنت خلال عملي لمدة أربع سنوات ساعدت أبي في بناء منزل العائلة وبنيت لي شقة مساحتها 100 متر تقريبا ، وهكذا كنت ، ماديا ، شبه معدم .
انتظرت أن يصلني رد من صندوق الطلبة الفلسطينيين فلم يأت ، وأرسلت إلى السيدة يسرى صلاح أعلمها بأنني لم أتلق ردا على طلبي الذي كان على أية حال طلب قرض لا طلب منحة أو بعثة ، فما كان منها إلا أن أرسلت لي من خلال زميلي الأستاذ عادل الزواوي ، وكان صلة الوصل بيننا ، مبلغ 100 دينار سلفة علي أن أردها فيما بعد ، فهي مبلغ جمعته منها ومن صديقاتها . أعدت المبلغ إليها فورا وقد عاتبتها لأنها وعدتني بتوفير منحة لي ، ويبدو أن الأستاذ موسى الجيوسي لم يكن ذا تأثير في الصندوق ، علما بأنه - كما عرفت - كان يناصر حركة فتح .
كيف سأتدبر أمري وقسط الفصل الثاني على الأبواب؟
كان علي أن أبحث عن عمل جزئي في مكتبة الجامعة الأردنية أو في قسم الدراسات العليا ، فذهبت إلى الدكتور عدنان البخيت الذي كان رئيس قسم الأبحاث والمخطوطات أسأله ليوفر لي عملا جزئيا ، فاعتذر وقال لي :
- عندما يعينوني رئيسا للجامعة بدلا من هذا ابن .. سوف أجد لك عملا .
وكانت علاقته بالدكتور ناصر الدين الأسد سيئة جدا على ما بدا لي .
كيف وافقت على السفر قبل أن أضمن المنحة؟
ربما كان الأمر من باب ملاحقة العيار حتى باب الدار ، وانقطعت صلتي بالمرحومة يسرى صلاح والمرحوم موسى الجيوسي ، وما عادا يسألان عن أخباري .
تدبرت أمري بإيجاد عمل جزئي في مكتبة الجامعة الأردنية مع الدكتور المرحوم كامل العسلي ، وأخذت أكتب مقالات في جريدة أردنية أظنها "صوت الشعب " وتعرفت إلى الأستاذ محمد داوودية الذي كان مسؤولا في الجريدة.
في الفصل الدراسي الأول علمني الأستاذ الدكتور المرحوم محمود السمرة وعرفت أنه ذو صلة بصندوق الطلبة الفلسطينيين في الكويت ، فذهبت إليه بتشجيع من الصديق مشهور حبازي أسأله عن منحة ، فقد ساعد المرحوم السمرة في العام المنصرم الصديق مشهور بمبلغ 600 دينار .
ما إن عرضت مشكلتي على الدكتور السمرة حتى عاتبني لتأخري ، فقد وزع قبل أسبوع مبلغ 3000 آلاف دينار على الطلبة وكان يبحث عن طلاب محتاجين .
أخبرت الدكتور بقصتي مع صندوق الطلبة الفلسطينيين في بيروت ، فسألني عن المسؤول عنه ،ولما ذكرت له اسم الدكتور المرحوم محمد يوسف نجم قال لي:
- إنه صديقي .
وكتب لي رسالة إليه ووضعها في مغلف وطلب مني شخصيا أن أرسلها بالبريد المسجل ، وهكذا جاء الفرج لدفع أقساط الدراسة كلها ، فقد قرر الصندوق منحي 1100 دولار أو 1150 دولارا تدفع على ثلاث دفعات كانت كافية لتغطية الأقساط فقط .
واصلت دراستي دون أن تكون لي أية صلة بالجامعة ؟ فكيف تم تعييني فيها ؟
حتى صباح الجمعة القادم أقول لكم:
صباح الخير
١٨ تشرين الأول ٢٠١٩
١١
كميل أبو حنيش في روايته " مريم / مريام "
" مريم / مريام " هي الرواية الرابعة للأسير كميل أبو حنيش ، وقد صدرت هذا العام عن دار الآداب ، وإن كتب العام 2020 ، وتقع في 263 صفحة .
و" مريم / مريام " هو اسم فلسطين ، ففي ص 256 يقص أبراهام / ابرا / إبراهيم نقلا عن أمه شولميت / سلام الآتي :
" يعتقد عدد من المؤرخين أن فلسطين كانت تسمى مريم أو مريام ، قبل أن تحمل أي اسم آخر ، وموريا تشير إلى بلاد الكنعانيين ، وهم سكان البلاد . وأصل كلمة مريام يعود للآلهة الأسطورة لدى الأموريين حيث كانت الآلهة الأم للأموريين تدعى يم ، وكان إله السماء لديهم يحمل اسم مور كما درجت العادة لدى الشعوب القديمة أن يجري تزويج الإله الذكري مع الآلهة الأنثى ، ولهذا بات المسمى لهذه البلاد مريام أو مريم ، إذن فمريم البلاد هي أمنا جميعا " .
والرواية التي يمسك بخطوطها أبراهام يسردها عرب فلسطينيون ( مريم والياس ) ويهود ( مريام وشولميت وعنات ) ويمسك أبراهام بخيوط السرد ، فهو نتاج زواج مختلط وله نصيب من السرد .
أبراهام هو حفيد مريم الفلسطينية التي هجرت في العام 1948 من صفورية وفقدت زوجها محمود وأكثر أفراد عائلتها وخلفت ابنها إلياس/ إيلي الذي عاش في كنف أمه وعمه عمر الذي تزوج زوجة أخيه ، و هو - أي أبراهام حفيد ميريام اليهودية التي نجت من الهولوكست وقدمت إلى فلسطين وأقامت في مستوطنة تسيفوري التي أقيمت على أنقاض صفورية ، ولمريام من الأبناء بنحاس وشولميت التي تطلقت من زوجها اليهودي وخلفت منه عنات ، وقد تزوجت سلام ثانية من إلياس وخلفا أبراهام ، وهكذا جمع بين جدتين ؛ عربية ويهودية ، وأم يهودية وأب فلسطيني ، وأخت يهودية هي عنات - والدها يهودي ترك أمها - ، وما أرق أبراهام هو سؤال الهوية :
- أين أنا ؟ ومن أنا ؟ .
وللسؤال في الرواية حضور لافت .
وقصة أبرا تذكر ببطل قصة ( يورام كانيوك ) " عربي طيب " التي أثارت ضجة ظهرت في كتاب " الرسائل " لمحمود درويش وسميح القاسم . فقد ناقشاها ولم ترق الرواية التي نشرت أولا باسم مستعار ، هو يوسف شرارة ، لهما .
يصغي أبراهام لجدتيه ولوالديه ولأخته وينقل أقوالهم ويضع كلامهم بين علامات تنصيص ، وهذا يجعل الرواية مصوغة إلى حد بعيد بأسلوب " وجهات النظر " ، كما لو أن أبرا ، ومن ورائه المؤلف ، يريد أن يكون موضوعيا في عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة ، علما بأنه ، كما تقول روح الرواية ، ينحاز إلى رواية الجدة الفلسطينية ، وإن تفهم مأساة جدته مريام .
وعلى الرغم من أنه يدين سلبية والديه إلياس وشولميت اللذين آثرا الانسحاب والعزلة لرفض أهلهما زواجهما ، إلا أنه مع الأيام يتفهم ما أقدما عليه .
ويمكن القول ، بقدر من الاطمئنان ، إن الكاتب في روايته يقدم رؤية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ حرب ١٩٤٨ حتى نهاية انتفاضة الأقصى التي اندلعت في ٢٨ أيلول ٢٠٠٠ ، وهذه الرؤية تقوم على عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة ، ولهذا لجأ إلى ترك شخصياته كلها تتحدث .
يعتمد الكاتب على أعمال أدبية فلسطينية وأخرى عبرية ناقش أصحابها فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي . وأحيانا يصرح بها على لسان شخصيات يهودية ، ومن هذه الأعمال مسرحيات كاتب الاحتجاج الإسرائيلي ( حانوخ ليفين ) التي نقلها إلى العربية انطوان شلحت وكان لها حضور في كتابات محمود درويش الشعرية والنثرية ، بل إن أحد عناوينها " أنا ، أنت ، والحرب القادمة " كان عنوان أحد مقالات كتاب " يوميات الحزن العادي " وكانت شولميت والدة أبراهام في الرواية من المعجبين بهذا الكاتب الإسرائيلي الساخر المحتج .
إن حضور أعمال أدبية صهيونية وإسرائيلية في نصوص أدبية فلسطينية كان لافتا منذ بدايات الصراع ، فإبراهيم طوقان كتب قصيدته " في الرد على رئوبين شاعر اليهود " في ٣٠ ق ٢٠ ، وتوالى الحضور في كتابات غسان كنفاني ومحمود درويش ومعين بسيسو ، بل إن رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " هي رواية يشكل الخطاب الأدبي الصهيوني أحد مكوناتها .
تحضر رواية " عائد إلى حيفا " في رواية " مريم / مريام " بقوة ، وما يجري من حوار بين سعيد . س وابنه خلدون الذي تربى تربية صهيونية يكاد يحضر حرفيا. إن فكرة إنهاء الصراع بواسطة الحرب وفكرة الوطن والجدارة وأيضا فكرة الضحية التي حلت مشكلتها على حساب شعب آخر لم تكن له يد في مأساة اليهود في العالم ولم يسهم في صناعة الهولوكست ، هذه الأفكار تحضر في الروايتين ، ولا يحتاج قارئهما لاقتباسات منهما ليبرهن على ذلك .
ليست رواية كنفاني فقط هي التي تحضر ، فهناك قصة سميح القاسم " الصورة الأخيرة في الألبوم " . إن موقف والدة أمير من صديقته اليهودية روتي التي زارت معه قريته وحلت ضيفا على أمه وترحيب الأم بها نقرأ شبيها له في "مريم / مريام " ، وحين يقرأ المرء ما يقوله إلياس عن عمله في الناصرة العليا " حين ألحظ أن العرب هم من يبنون " إسرائيل " وهم من دقوا أول مسمار ، وهم من يشتغلون بالزراعة ومعامل الصناعة " سرعان ما يتذكر ما ورد على لسان سعيد المتشائل في رواية إميل حبيبي .
تقدم الرواية نماذج يهودية متعددة متنوعة حضرت شبيهاتها في أعمال فلسطينية سابقة ، فاليهودية التي تحب فلسطينيا وتتزوج منه حضرت مبكرا في قصة عبدالله عيشان " الغلطة " وحضرت في رواية أحمد حرب " الجانب الآخر لأرض المعاد " وروايته " بقايا " وفي روايات أخرى عديدة ، ولكن نهاية تجربة الزواج في " مريم / مريام " تبدو مختلفة فلا تنتهي بالانفصال . يظل الياس وشلوميت مرتبطين معا ويدفعان ثمنا غاليا برضا ولا يخضعان لضغوط المجتمع كما هو في قصة عيشان وروايتي حرب . إن من يدفع الثمن في رواية أبو حنيش هو ابن الزوجين ، مثله مثل الشخصية المحورية في رواية ( كانيوك ) .
ولعل ما يحسب للرواية هو بساطة لغة السرد فيها وسلاسته - أي السرد ، وتوفر عنصر التشويق .
هل يمكن القول إن هذه الرواية هي تصور الكاتب السياسي والفكري / الأيديولوجي للصراع وتصوره تصورات الآخرين له ، وبالتالي فقد وزع تصوراته على شخوصه ؟
أعتقد ذلك .
١٨ و ١٩ تشرين الأول ٢٠١٩
١٢
ازدحام المفكرة : " لولا أن محمدا هو آخر الأنبياء ..."
طغى أمس على حائط الفيس بوك الخاص بمعارفي وأصدقائي فقرات تنعى رحيل الروائية الفلسطينية / الأردنية ، البيت ساحورية الميلاد العمانية الإقامة ، ليلى الأطرش ، فقد انتقلت صباح أمس إلى رحمة الله عن عمر يناهز الرابعة والسبعين عاما . وتكون ، خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة انضمت إلى مجموعة من الأدباء والكتاب والفنانين الفلسطينيين الذين أسلموا روحهم إلى بارئها :
- المخرج نصري حجاج
- الشاعر أحمد يعقوب
- الرسام محمد الجولاني
- الأكاديمية والقاصة إلهام أبو غزالة
- الكاتب الشاعر والروائي محمد الأسعد Mohammed Al-asaad
- الأكاديمي والإعلامي القاص الدكتور سعيد عياد Said Ayyad
- الكاتب تميم محمود منصور
- الشاعر ماجد الدجاني .
ولم أشهد من قبل فترة مثل هذه امتلأت بها المفكرة بهذا العدد من الراحلين ، حتى أنني تذكرت قصيدة محمود درويش التي كتبها في العام ١٩٨١ يخاطب فيها أصدقاءه ، لكثرة من مات أو استشهد منهم ، أن يتوقفوا عن الموت ،فمن
" تبقى منكم يكفي لكي أحيا سنة
سنة أخرى فقط ،
سنة تكفي لكي أعشق عشرين امرأة
وثلاثين مدينة ...
.....
سنة واحدة تكفي لكي أحيا حياتي كلها " .
طبعا كان هذا قبل حلول الست كورونا وتشريفها ، إذ كانت حرية الحركة والتنقل أسهل بكثير مما هي عليها الآن .
ربما كان الخبر الأكثر إثارة أمس لأهل فلسطين كلها ، وتحديدا لسكان الضفة الغربية أكثرهم ، هو إقدام شاب في رام الله ؛ العاصمة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية ، والآن العاصمة الثقافية لها وللمثقفين والكتاب الفلسطينيين ، إقدامه على هدم تماثيل الأسود في دوار المنارة وسط المدينة ، ساعيا إلى التخلص من الأصنام وعبادة الأوثان ، سائرا على خطى داعش في سوريا وطالبان في بلاد الأفغان .
كان الشاب ، كما أظهرت الصورة التي عممت ، أحضر فأسا أخذ يهوي به على رموز الشرك ، مستحضرا ما فعله سيدنا إبراهيم أولا والمسلمون الأوائل في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ثانيا .
ولم يتوقف الشاب الذي تجمع حوله عدد من المواطنين ، لم يتوقف عن تحطيم تماثيل الأسود إلا عندما حضر شرطيان اقتاداه معهما إلى حيث لا أعرف .
عندما انقلبت حركة حماس على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة كتب محمود درويش قصيدته التي ألبت عليه الحركة وأنصارها ، بعد تغزل في شعره المبطن الهجاء لاتفاقية أوسلو ، قصيدته " أنت ، منذ الآن ، غيرك " وفيها يقول :
" لولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء ، لصار
لكل عصابة نبي ، ولكل صحابي ميليشيا "
و
" حار الفقهاء أمام النائمين في قبور متجاورة :
هل هم شهداء حرية ؟ أم ضحايا متناحرة في
عبث المسرحية ؟ حار الفقهاء واتفقوا على
أمر واحد هو : الله أعلم " .
وأنا ، بسبب ما نحياه في واقعنا العبثي السريالي ، حرت مثل الفقهاء ، فأمس اقترح علي الصديق Najeh Khalil ألا أظهر الصور السلبية لأبناء شعبنا الفلسطيني ، فثمة في مسيرته صور إيجابية مشرقة ومضيئة تبعث على التفاؤل ، ولا أنكر هذا بالطبع ولكن ... .
عندما سيطرت حماس على قطاع غزة استبدلت اسما آخر باسم مدرسة الشهيد غسان كنفاني ، ويا خوفي أنا ، مثل عبد الحليم حافظ ، من آخر المشوار الذي ابتدأ .
يبدو أن الشاب لم يقو على هدم الدولة الإسرائيلية ، ولم يقو على هز أركان مقاطعة رام الله ففش غله في التماثيل ، ومثلنا يقول " المسؤول فش غله في وأنا فشيت غلي في مرتي " و " اللي ما بقدر يركب الحمار بنط على البردعة " .
الحياة تخربشنا ولا فضل لي في خربشاتها إلا صياغتها .
١٨ تشرين الأول ٢٠٢١
١٣
حيوانات بشرية :
ما فعله الإسرائيليون بمشفى المعمداني أمس ١٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ يؤكد أنهم بالفعل يقصدون ما يقولونه عنا من أننا " حيوانات بشرية " و " حشرات وصراصير " يجب أن تباد . وما قالوه في ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ ليس عموما بجديد ، فقد قاله قسم من يمينهم المتطرف من قبل ، بل وتصرفوا بناء عليه في العام ١٩٤٨ ، فارتكبوا سلسلة مجازر لتسفر عن ترحيل أهلنا ؛ في دير ياسين والطنطورة وغيرها ، وتتناقل وسائل التواصل الاجتماعي أشرطة عديدة لمرتكبي تلك المجازر يقصون عنها باستهتار بالبشر ويضحكون كما لو أنهم قتلوا حشرات وصراصير وكلابا ضالة ، وارتكبوا لاحقا مجازر لاحقة في الهجوم على غزة بعد ١٩٤٨ وفي قبية ١٩٥٣ وفي كفر قاسم في ١٩٥٦ وفي السموع في ١٩٦٦ ، وفي حرب حزيران ١٩٦٧ قتلوا الجنود المصريين في سيناء ودفنوا جنودا أردنيين في القدس أحياء ، وفي أيلول ١٩٨٢ ارتكبوا مجزرة شاتيلا وصبرا مع قوات الكتائب ، وها هم يبيدون غزة حيا حيا .
قبل العام ١٩٤٨ ، بل قبل العام ١٩٤١ كتب شاعر فلسطين إبراهيم طوقان مدركا أن المشروع الصهيوني يرمي إلى تهجيرنا أو إبادتنا قائلا :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟ "
وعن السياسة التي اتبعتها بريطانيا في انتدابها وعى أن سياستها تهدف إلى إبادتنا بوسيلتين ؛ الحسنى والرصاص :
" أمامك أيها العربي يوم تشيب له سود النواصي
مناهج للإبادة واضحات وبالحسنى تنفذ والرصاص " .
حلت أمريكا في رعاية المشروع الصهيوني محل بريطانيا دون أن تتخلى الأخيرة عن مساهمتها ، ووقفت فرنسا إلى جانبهما ، واليوم اكتملت أركان النجمة السداسية بالكامل : ألمانيا وإيطاليا واليابان .
لقد قالها ( ليبرمان ) :
" إما أن نبيدهم أو يبيدوننا " .
هذا ما يحدث الآن من طرفهم .
١٨ / ١٠ / ٢٠٢٣
١٤
تداعيات الحرب في غزة ٢٠٢٣ :
التهجير والإبادة
مساء الثلاثاء ١٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ قصفت الطائرات الإسرائيلية مشفى المعمداني في غزة . أسفر القصف عن مقتل وجرح المئات من المرضى والمستجيرين بالمشفى من المدنيين الذين يبحثون عن مأوى آمن بعد أن دمرت منازلهم ومحيت أحياء بكاملها . هذا المحو وهذه الإبادة عبر عنهما ( ليبرمان ) الذي أراد الانضمام إلى حكومة الطواريء الإسرائيلية ، فقال " إنها حرب إبادة . إما أن نبيدهم أو يبيدونا " .
أغلب الظن أن قوله تعبير عما يكمن في اللاوعي الإسرائيلي الذي قام عليه المشروع الصهيوني وهو طرد السكان الفلسطينيين من فلسطين وإقامة الدولة العبرية اليهودية ، وما يجري هو انتصار للتيار الصهيوني الدموي الذي رأى أن إقامة الدولة يتم بالسيف والنار ، لا بالتضييق على السكان ، من أجل أن يرحلوا ؛ التضييق كان الخيار الذي عملت به تيارات صهيونية أقل دموية .
كان الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان المتوفى في العام ١٩٤١ تنبه مبكرا إلى سياسة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية وعبر عنها بقوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟ "
وقوله :
" أمامك أيها العربي يوم تشيب لهوله سود النواصي
مناهج للإبادة واضحات وبالحسنى تنفذ والرصاص "
وهذا ما تنبه له أيضا لاحقا الأدباء الفلسطينيون ، في المنفى وفي الأرض المحتلة ، ووقفوا في وجهه بالحث على البقاء في الأرض وعدم مغادرتها لأن الحياة في المنفى فيها من القسوة والإهانة والذل ما فيها .
عبر أدباء المنفى عن قسوته وذل الإقامة بعيدا عن فلسطين وفضلوا الموت على الحياة في بلدان الشتات . من سميرة عزام إلى غسان كنفاني فمحمود درويش فأحمد دحبور ، على لسان شخصياتهم وعلى لسانهم هم أيضا .
وفي الحرب الدائرة منذ ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ بدأ الحديث ، منذ بدء قصف أحياء سكنية على رؤوس سكانها ، عن ترحيل الفلسطينيين وتوزيعهم على البلدان العربية ؛ مصر والأردن والسعودية وبقية دول الخليج ، ورأى أحد الإسرائيليين أن هذا ممكن بناء على تجارب سابقة ، فالأردن مثلا أقام مخيمات للاجئين السوريين ومن قبل استقبل عراقيين ولبنانيين ، وهذا تناغم مع ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) في بداية الحرب ، إذ قال إن ما بعد ٧ / ١٠ لن يعود إلى ما كان عليه قبلها وأن الحرب ستغير خارطة الشرق الأوسط كله .
في غزة نشط ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي في حض الناس على مقاومة السياسة الإسرائيلية التي تنتهجها وتطبقها وحث الناس على البقاء والصمود ، مبينين قسوة حياة اللجوء ومذكرين بما حدث في العام ١٩٤٨ ، ودعا هؤلاء الناشطون إلى ضرورة البقاء حتى لو أسفر عن موت محتم .
إن ما يطرح الآن من مشاريع للتهجير وتوطين المهجرين في سيناء أو في البلدان العربية هو مشروع قديم كانت بداياته الفعلية في ١٩٤٨ وأراد الأمريكان والإسرائيليون تكراره في العام ١٩٥٥ خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي ( ايزنهاور ) ، وقد تصدى له أهل غزة وتظاهروا ضده وأفشلوه وكتب عن هذا في الأدب معين بسيسو في كتابه " دفاتر فلسطينية " :
" كتبوا مشروع سيناء بالحبر
وسنمحو مشروع سيناء بالدم "
و
" ولا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان "
ومنذ النكبة تعززت الكتابة عن المنفى وقسوة الحياة فيه والحنين إلى الوطن السليب وتصويره على أنه الجنة المفقودة التي يتطلع إليها كل فلسطيني طرد من أرضه أو ولد في مخيمات اللجوء ، وتعززت الكتابة في الأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة نفسها عن البقاء والصمود ورفض فكرة الرحيل .
منذ سميرة عزام رائدة القصة القصيرة الفلسطينية بدأنا نقرأ عن ذل حياة المنفى وقسوته ، حيث فقد الفلسطيني بفقدانه أرضه كرامته وتحول إلى لص وقواد وبغي ومخبر صار الكل يتجرأ عليه حتى الجرذان .
وفي رواية كنفاني " رجال في الشمس " يتذكر أبو قيس وهو ذاهب إلى الكويت الأستاذ سليم الذي مات في قريته قبل سقوطها بليلة واحدة ويغبطه أنه دفن في تراب بلده : " يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم ! يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك كنت ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود ... يا الله ! أتوجد نعمة إلهية أكبر من هذه ؟ ... وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار " .
أحمد دحبور الذي كان عمره عامين قبل النكبة تمنى لو أن أباه طلب ذبح ابنه ولم يرحل :
" ما الذي كان أبي يخشاه حتى ارتكبت أخطاؤه فعل السنونو ؟/ ليته قال : اذبحوا طفلي / ولم يرحل " .
وماذا عن أدباء الأرض المحتلة من توفيق زياد واميل حبيبي ومحمود درويش وغيرهم وغيرهم ؟
اشتهرت قصيدة الأول " هنا باقون " وذاع صيتها وغناها المغنون وصارت أيقونة لدى كثيرين ، ومثلها أيضا قصيدته " أناديكم " . في القصيدتين يفضل زياد الحياة في الوطن على حياة المنفى حتى لو كان نادلا في المطعم يغسل الصحون ، وبإباء وعزة وشموخ يقول إن هذا لا ينتقص من كرامته " أنا ما هنت في وطني " . أما حبيبي ففضل البقاء في حيفا على الرغم مما قدمه من تنازلات رأى أنه إنما قدمها حتى لا تصبح فلسطين أندلسا ثانية ، فحافظ بذلك على عروبة قسم من فلسطين وعلى لغتها العربية وكلنا يعرف وصيته الداعية إلى كتابة عبارة " باق في حيفا " على شاهد قبره .
هل اختلف محمود درويش ؟
وهو في الوطن قبل هجرته حث على البقاء وحين هاجر ندم ندما شديدا عبر عنه في ديوانه " محاولة رقم ٧ " وفي كتابه النثري الأخير " في حضرة الغياب " :
"- لماذا نزلت عن الكرمل ؟"
في الحرب الدائرة حاليا تمارس إسرائيل إبادة أهل غزة ، بل ومحوهم ، ويا لك يا إبراهيم طوقان من شاعر .
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة " .
ونتمنى أن نموت مثل الأستاذ سليم في رواية " رجال في الشمس " على أن نرحل .
الأربعاء والخميس ١٨ و ١٩ / ١٠ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٢٢ / ١٠ / ٢٠٢٣ )
١٥
في غزة لي أصدقاء ولي ذكريات : ( ٦ )
عرفت غزة من زياراتي لها وعرفتها من لقائي بكتابها وعرفتها أيضا من كتابات أدبائها ولوحات فنانيها ، بخاصة كامل المغني ، ثم عرفتها لاحقا من خلال المحطات الفضائية وأشرطة الفيديو .
من كتابات معين بسيسو وهارون هاشم رشيد ، بخاصة " دفاتر فلسطينية " للأول ، والكتاب قريب من السيرة الذاتية ، و " سنوات العذاب " للثاني ، وهو رواية كتبها في ١٩٧٠ ، من هذين الكتابين تعرفت إلى غزة في الخمسينيات ، ومن قصص غريب عسقلاني " الخروج عن الصمت " ورواية " الطوق " قرأت عن غزة بعد احتلالها في ١٩٦٧ ، وهنا تطابق ما رأيته مع ما شاهدته كما في قصص زكي العيلة عن مخيم جباليا ، وعرفتها لاحقا من روايات عاطف أبو سيف الذي كتب عن مخيماتها ومعاناة أهلها ومن رواية يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " التي يمتد زمنها الروائي من خمسينيات القرن ٢٠ إلى زمن صدورها في العام ٢٠٠٤ وقد كتبت عنها مطولا تحت عنوان " سهرة مع أبو إبراهيم " ولاحقا من رواية عمر حمش السيرية " مفاتيح البهجة " ( ٢٠٢٢ ) التي تكتب عن المخيمات في سنوات طويلة وقد خصصتها بمقالة .
في نهاية سبعينيات القرن ٢٠ أصدر القاص غريب عسقلاني ( إبراهيم الزنط ) عمليه المذكورين ، وعكس فيهما معاناة الناس هناك . كتب غريب عما شهدته غزة بعد إضعاف المقاومة فيها واضطرار بعض المقاومين إلى البحث عن عمل في المصانع والورش الإسرائيلية ، وكتب عن زيارات الفلسطينيين لمدنهم وقراهم ورؤيتهم ما آلت إليه من تهويد ، كما كتب عن حصار أحد مخيماتها حين بدأت روح المقاومة تعود إليها وأخذ الجيل الجديد يقاوم المحتل .
في قصة " الجوع " يكتب غريب عن فدائي كان يمنع الغزيين بالقوة من العمل لدى الإسرائيليين وكان يتصدى لهم ، ولما سجن وخرج من السجن بحث عن عمل في المدينة نفسها فلم يجد وابتعد عنه قسم من أصحاب العمل كونه سجينا ، ما دفعه للعمل لدى الإسرائيليين . تعاطف سعيد العامل الغزي مع عزرا العامل اليهودي اليمني حين طرده صاحب العمل اليهودي الأوروبي ، فطرد مثله .
في قصة " زائر الفجر " تعرفت إلى إخوة جمال زقوت قبل أن ألتقي به بعد سبع سنوات . كتب غريب عن منير زقوت وأخيه بشير . عندما عاد بشير من المنفى زارا مدينتهم عسقلان فدهش مما رأى وحين قفل إلى المنفى عائدا التحق بالمقاومة الفلسطينية واستشهد .
غزة التي حوصرت منذ ٢٠٠٧ حصارا مرا كانت تتدرب على ما يبدو على هذا الحصار ، ففي رواية " الطوق " وهي رواية لا تتجاوز ١١٣ صفحة من الحجم الصغير ، يرصد الروائي حياة الناس في أحد المخيمات . حوصر المخيم مدة شهر وضيق على أهله ولكنهم صمدوا .
عندما قرأت الرواية كتبت عنها مقالا طويلا نشرته أولا في جريدة " الشعب " ثم أعدت نشره في مجلة " الكاتب " لأسعد الأسعد Asad Alasad
. كان العنوان الذي اخترته في تلك الأيام ذا دلالة ، فالمخيمات التي أحاطت بالمدن الفلسطينية والعربية كانت تبدو نشازا ، وكان أهل المدن ينظرون إلى سكانها نظرة سلبية ، وجاءت الرواية لترسم لابن المخيم صورة الفلسطيني المقاوم . هكذا اخترت عنوان " الطوق : الوجه الآخر للمخيم " لأكتب تحته عن رواية غريب الذي صار من الأصدقاء الودودين لي ، وكلما التقينا في غزة أو في القدس أو قي رام الله تجاذبنا أطراف الحديث بنوع من الأخوة والصداقة .
لعل ما يستحق أن أكتب عنه هو صلتي بغزة من خلال نثر معين بسيسو وشعر محمود درويش ونثره ؟
الأربعاء ١٨ / ١٠ / ٢٠٢٣
١٦
يوميات غزة ولبنان ( ٣٧٨ ) :
أدباء تنبأوا بمصيرهم [ يحيى السسنوار ]
الشوك والقرنفل . نهاية الرواية ونهاية المؤلف . هل تنبأ أبو إبراهيم بمصيره " نصر أو استشهاد " .
لم يخرجوا رافعين أعلاما بيضا . رفعوا شعارهم " نصر أو استشهاد " فظفروا بالثانية .
وداعا مؤلف " الشوك والقرنفل " .
هل كتبت عن بعض تشابه مع بعض أعمال كنفاني ؟
[ يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " ٣٦ :
نهاية الرواية : استشهاد إبراهيم
تنتهي الرواية بخروج إبراهيم من السجن ومواصلته ، في انتفاضة الأقصى ، النضال ، واستشهاده .
يفصح الراوي عن رأي إبراهيم في اتفاقية أوسلو التي لم تنجز شيئا ، فلم تسفر عن انسحاب كامل من المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ ، علما بأن الاحتلال كان " جاهزا للهروب من غزة ، وجاهزا للهروب من الضفة عام ١٩٩٣ ، يوم أعمته المقاومة بضرباتها النوعية ، وصرح الكثيرون من قادته أنهم سيفعلون ذلك ، فجئنا نحن الفلسطينيين ووضعنا لعدونا السلم لينزل عن شجرة جرائمه .. " .
ويرى الراوي أن القوة لا التفاوض هي ما أجبرت العدو على الانسحاب من جنوب لبنان ٢٠٠٠ ، ويسرد عن اغتيال قيادات حمساوية ومن الجبهة الشعبية في انتفاضة الأقصى ويرى أن لا بديل سوى المقاومة ويكرر عبارات " فهذا جهاد جهاد .. نصر أو استشهاد ، يجب أن نصنع السلاح على بساطته ، ويجب أن نسعى لتطويره ، في كل يوم لنزيد قدرته التدميرية ، ونزيد مداه ونضرب به العدو الذي يمتلك كل تلك القدرات العسكرية " ( ٣٣٩ ) ويستشهد بالحديث النبوي ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليه ..ود حتى يقول الحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يه.. ودي تعال فاقت.. له ) .
وردا على قتل الإسرائيليين جمال منصور وجمال سليم وأبو علي مصطفى وكثرا آخرين تبدأ العمليات الاستشهادية ، فتودع الأمهات الأبناء " في سبيل الله ، وفي سبيل القدس والأقصى " ويعلن عن استعدادهن للتضحية بالأبناء من أجل عزة شعبنا وكرامة أمتنا .
تحضر الرؤيا لإبراهيم ويحدث الراوي - أي أخاه أحمد - بما يرى " ثم رأيتني يا أحمد صائما ورأيت رسول الله صلعم يقول لي إفطارك عندنا اليوم يا إبراهيم ، فأنا في انتظارك ، صرخت هل معنى ذلك .. " ( ٣٣٤ ) وتقصف سيارة إبراهيم ويرتقي شهيدا وتتلقى زوجته خبر استشهاده ببسمة لا تغادر شفتيها وزغرودة تعلو على صوت الحشد الهادر " إلى يمينها ياسر وإلى يسارها إسراء ، ورأس أمي يطل من ورائها وهي تمسح دمعتها بطرف منديلها "
وأما محمود فتحاوي الانتماء أخو الشهيد إبراهيم وأحمد الراوي فتمدهما مريم ببندقيتين رفعاها فوق الرؤوس وانطلقا والجماهير من ورائهما تهدد " خيبر خيبر يا يه ..ود جيش محمد سوف يعود ... " .
هكذا تنتهي الرواية التي انتهى الكاتب من كتابتها في كانون الأول من العام ٢٠٠٤ . ونحن اليوم في كانون الأول من العام ٢٠٢٣ . لقد مرت تسعة عشر عاما وها هي البندقية يعلو صوتها وها نحن نشهد ما قالته الرواية وما قاله يحيى السننوار وهو في " سجن بئر السبع ، ايشل فلسطين ، انتهت .. في زنازين سجن بئر السبع واكتملت بفصلها الثلاثين ولكن لا زالت مأساة كاتبها ورفاقه مستمرة في اقبية سجون الاحتلال " ( ٣٣٥ ) .
هل انتهت الحكاية التي ما زالت مأساة شعب كاتبها تتعاظم وتتزايد بوتيرة متسارعة وبمتوالية هندسية لا حسابية .
الحكاية طويلة .
هل عرفتم لماذا ندرس الأدب ولماذا أنفقت في العام ٢٠٢١ عشرة أيام ، وفي العام ٢٠٢٣ ستة وثلاثين يوما أكتب عنها .
يحيى السننوار أوقف العالم على رجل واحدة . هل هو ومحمد ضيف ومروان عيسى المسؤولون عما وصلنا إليه أم أنه ( ثيودور هرتسل ) و ( بلفور ) وبريطانيا العظمى وأمريكا والغرب ؟
راجعوا كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) " عشر خرافات هزت إسرائيل " فقد تجدون الإجابة فيه
١٢ / ١٢ / ٢٠٢٣ ]
١٧
من عز الدين القسام إلى عبد القادر الحسيني إلى أبو علي إياد إلى غسان كنفاني إلى خليل الوزير ..... إلى يحيى السنوار
من ١٩٣٥ إلى ١٩٤٨ إلى .... ١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤ والمسيرة مستمرة .
رحم الله الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور :
" يا كربلاء ، وأنت جارحة وصعبة
آتيك بالفرح الجريء ، وما حسبت الحرب لعبة
آت ولو كره السعاة إلى الخيول بلا فوارس ،
والسيوف بلا صليل
أودعتهم موتي ، وأرخت الحياة لكل جيل :
هذا زمان يكبر الفقراء فيه فيقتلون ويقتلون
هذا زمان للبطولة ، أو - لمن شاء - الجنون " .
١٧ / ١٠ / ٢٠٢٤ .
رحم الله الفلسطيني اللاجيء الفقير ابن مخيم خان يونس .
١٨
غزة 743 :
ثلاث قصائد
لم يتوقف القتل في غزة .
أمس استهدفت عائلة بأكملها . كلهم ارتقوا ، فلم يرتو دراكولا من دم أبناء قطاع غزة .
أمس أصغيت إلى ثلاث قصائد في رثاء يحيى السسنوار ( أبو إبراهيم ) ؛ قصيدة الشاعر صلاح أبو لاوي وقصيدة الشاعر تميم البرغوثي وقصيدة ل لولو الخاطر" يا سيدي هذي عصاك فألقها " ولا أعرف عن الأخيرة ( عرفت أنها وزيرة من قطر ).
القصائد الثلاث كلاسيكية الشكل وخارجة من رحم قصائد الرثاء العربية .
في المقتلة كتبت تحت عنوان " من هو المؤمن .. من هو الملحد : صورة صلاح الدين الأيوبي في آداب العالم الإسلامي " ، والعنوان دراسة للباحث الألماني ( فيرنر إندة ) وكنت ترجمتها عن الألمانية في العام ١٩٩٢ ونشرتها في مجلة " الكاتب " لصاحبها أسعد الأسعد Asad Alasad واعطاني مقابل الترجمة ٤٠٠ ألف دولار . كان ذلك في زمن الرخاء .
سيأتي يوم وينجز دارس دراسة مماثلة عن " أبو إبراهيم " .
حالة مربكة ومرتبكة وأكثر من ملتبسة .
١٨ / ١٠ / ٢٠٢٥