أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٠ تشرين الأول من كل عام

خربشات ٢٠ تشرين الأول من كل عام
عادل الأسطة
١
صباح مبكر :
كتبت عشرة أسطر سردية لطيفة وبلمسة غير مقصودة طارت فذهب جهدي سدى .
صحوت مبكرا من حلم بسبب وجع في القدمين ، صحوت بعد نوم عميق امتد خمس ساعات ونصف . فحصت السكر في دمي وتمشيت في الصالون وصنعت قهوتي وتفحصت الفيسبوك ، فوجدت وسام سيمون وقد مسى علي وأرسل لي قصائد بصوت محمود درويش فأصغيت إلى قصيدة " لا أعرف الشخص الغريب " .
تذكرت ما كتبه حافظ البرغوثي عن جنازة علي الخليلي قبل ثلاثة أسابع .
كانت جنازة علي جنازة شخص غريب ، خلافا لجنازة محمود .
رجل سلطة ورجل سلطة مع فارق في التاريخ الشعري والكتابي .
ثمن كون علي من الجيل الثاني . ثمن غياب الغنائية في أشعاره .
ربما سأدون كلاما جميلا يطير لحركة خاطئة ، ولكنني سأدونه بعد لحطات .
صباح مبكر
حنظلة
٢٠١٣
٢
عتاب :
فجر هذا اليوم صحوت على عتاب زوجة عمي تناديني كما كان يناديني جوجو وأبو بصير وحمدي وآخرون .
- يا عادل الأسطة.
وأدري ما يرمون إليه وما يعبر لدى بعضهم عن حقد كبير وتشف .
لا أظن أن زوجة عمي مثلهم . لم أزر زوجة عمي منذ وفاته .
ربما مقالي اليوم في الأيام هو للفنادق أيضا وجوه جميلة .
في بيت لحم في فندق جراند التقيت بامرأة عراقية ذكرتني برندة واﻷخيرة تشبه زوجة عمي . بياض يميل الى الشقرة . قامة ربعة ممتلئة .
أهي كوابيس الكتابة أم أنني مثل ابن الرومي كما كتب عنه عباس العقاد ؟ . حياته من شعره وشعره هو حياته . ربما !
لماذا ذكرت زوجة عمي الغاضبة الرقم29 .
بداية أوسلو كتبت 30 قصة عن الخيبة . قصص الخيبة لعلها الآن على موقع ما وحين أحذف الأخيرة منها تصبح ذات دلالة مختلفة كليا .
زوجة عمي في المنام غاضبة ، فهل السبب هو مقالي في الأيام اليوم . علما بأنها لم تخطر على بالي وأنا أكتبه وإنما تذكرت رندة .
حنظلة
٢٠١٣
٣
تشويش :
كل صباح أصغي إلى عبد الباسط من إذاعة أجيال .
أحيانا يكون الصوت واضحا فلا تشويش وأحيانا يختلط الصوت بالموسيقى من دار الإذاعة الإسرائيلية .
اليوم اختلط الأمر مع صوت فيروز من محطة عربية .
الموسيقى غذاء الروح لكنها لا تكون كذلك مع اللغة العبرية .
تاريخ من الدم والقتل والعداء .صوت فيروز لا يزعج مع صوت عبد الباسط .
فيروز لا تستوطن أرضنا ولا تقتلنا ولا تمنعنا من دخول القدس ومن الإقامة في حيفا ويافا إذا أردنا .
هل أنا عنصري لا سامي حاقد ......الخ .....الخ ....
حنظلة
٢٠١٣
٤
الأستاذ جمال شاهين المحترم :
أعتقد أن ما تقوله حول جبرا ابراهيم جبرا على قدر من الصحة .
خذ مثلا جنازة علي الخليلي وقارنها بجنازة محمود درويش .
لم يدرس جبرا جيدا .
٥
يوميات غزة ولبنان ( ٣٨٠ )
مجزرة في بيت لاهيا
" أشلاء الأطفال والنساء معلقة على أعمدة الكهرباء وأسلاكها "
هذا ما يكتب في صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ، وتتواصل الكتابة أيضا عن محو جباليا ومخيمها ، فإسرائيل تنفذ خطة جنرالاتها لتضم شمال قطاع غزة إليها خاليا من الفلسطينيين .
"- لات لات " أي شوية شوية . قطعة قطعة كما قال قبل أيام ( بتسلوئيل سموترتش ) حتى يصلوا إلى دمشق أولا قبل أن تصل حدود دولتهم إلى النيل والفرات .
منذ أيام وأنا استحضر قصيدة مظفر النواب في تل الزعتر ١٩٧٦ ، ونص ( جان جينيه ) " أربع ساعات في شاتيلا " ( ١٩٨٢ ) ولكني سرعان ما أقول إن ذلك لا يكاد يذكر إزاء ما يجري في قطاع غزة ولبنان . محو مربعات سكنية بالكامل . عشرات القتلى ومئات الجرحى يوميا والعالم صامت لا يتكلم ونحن عاجزون نتابع ما يجري ونتفرج على موت مدنيين يقتلهم الجوع والعطش وفقدان المأوى .
اقتبسنا من الأشعار والقصص ما امتلأت به الذاكرة ولم يبق المزيد وصارت الكتابة عادة . صار القتل عادة وصار مألوفا وتكررت العبارة : لا تعتد الأشياء .
إنه المحو .
إنها الإبادة .
إنه التطهير العرقي .
هل سنكرر قول الشاعر المصري أمل دنقل في قصيدته " كلمات سبارتكوس الأخيرة " وسبارتاكوس وثواره معلقون على أعمدة الكهرباء ؟ هل كررها يحيى السسنوار في دقيقته الأخيرة والطائرة المسيرة تنقض عليه ؟
" يا إخوتي : قرطاجة العذراء تحترق :
فقبلوا زوجاتكم
إني تركت زوجتي بلا وداع
وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع
فعلموه الانحناء
علموه الانحناء
علموه الانحناء "
أم أنه ، وهو رافع الرأس نحو المسيرة يريد إسقاطها بعصا ، ردد :
" وجبهتي بالموت محنية
لأنني لم أحنها حية " .
٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٤
٦
20 /10 / 1989
ليلة نينا :
هل كانت تلك الليلة أشبه بليلة امريء القيس في معلقته ؟
" وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي " .
أم كانت كليل المتنبي :
" ليالي بعد الظاعنين شكول
طوال وليل العاشقين طويل " .
ظعن الظاعنون وجاءت نينا .
أتذكر ابراهيم طوقان :
" وغريرة في المكتبة ".
وكانت غريرة .
تقرأ في الجروسالم بوست وتنظر من بعيد .
" نظرة فابتسامة " فقهوة فلقاء ف ... .
كانت لحظات عابرة وانتهت المهمة وتذكرت كارل وانجليكا و ..و .. .
فيما بعد ستفطن إلى وزير المالية الإسرائيلي .
كيف ستنفق تلك الليلة ؟
لو كنت يومها على ما أنت عليه الآن لقلت :
- وما له . اﻷمر عادي وله تخريجات ثم إن عينيها وعنقها وحلمتيها الورديتين و ، ولقد أدت المهمة وأنت ... .
ما الذي يعيدك الآن إلى تلك اﻷيام ؟
كم هي الحياة قاسية وصعبة ! كم !
خربشات من وحي رواية " تداعيات ضمير المخاطب " 1993
٧
من يترك حلب ينس الطريق إلى ... :
منذ أمس تلح علي مقاطع من قصيدة محمود درويش " رحلة المتنبي إلى مصر "( ١٩٧٩ / ١٩٨٠ ) :
" من يترك حلب ينس الطريق إلى حلب
قد جئت من حلب وإني لا أعود إلى العراق ،
سقط الشمال ، فلا ألاقي غير هذا الدرب
يسحبني إلى نفسي ، ومصر
كم ارتحلت إلى الصهيل ، فلم أجد فرسا وفرسانا ، وأسلمني الرحيل إلى الرحيل " .
- كيف لو عاش درويش وأصغى إلى خطابات السيسي ؟
**********
- ماذا كان محمود درويش سيكتب فيما يجري في حلب لو بقي حيا ؟
ولكن :
- ماذا بقي أصلا من حلب ؟
- قصائد المتنبي ودرويش وغيرهما ؟
كم أنا غبي ! ألم يبق الرئيس رئيسا ؟
مرة كتب درويش في قصائده المبكرة :
" يا دامي العينين والكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات وروما لم تمت
روما بعينيها تقاتل " .
وأما أنا فكتبت نص " ليل الضفة الطويل "
ليتني كنت أحمق ومخطئا !
ليتني ، فليل العرب كلهم ، على ما يبدو ، مثل ليل امريء القيس وليل المتنبي بعد الظاعنين وليلي الشخصي منذ سنوات المرض ، بل ومثل ليلتي في ٢٠/ ١٠ / ١٩٨٩ في مدينة ( بامبرغ ) - أتذكر المكتبة ونينا - ، ليلنا ليل طويل طويل .
ومن يترك حلب ينس الطريق إلى حلب ، لأنه لم يبق حلب من حلب !
٢٠/ ١٠ / ٢٠١٦
٨
سؤال الهوية في الرواية الخليجية :
هل أثار روائيو الخليج فبما كتبوا سؤال الهوية؟
ما من دولة خليجية - الأصح إمارة - إلا أخذ أدباؤها ، منذ اكتشاف النفط وتضخم الأموال ، يركزون على ادبهم الوطني ، فيستكتبون كتابا عربا لهم حضورهم ، ليكتبوا عن أدبهم ، ويعقدون المؤتمرات لدراسة الأدب الخاص بتلك الدول /الإمارات .
بدأت تلك الدول /الإمارات تحتل المركز في الاهتمام بالثقافة ، من السعودية والكويت حتى الإمارات وقطر ، وما الجائزة العربية للرواية وجائزة كتارا إلا تتويج لذلك الاهتمام .
مؤخرا قرأت عن نية جامعة قطر عقد مؤتمر حول الأدب القطري ، فأثرت السؤال الآتي :
هل يوجد أدب قطري؟
وكتبت تعليقا :
- هل توافقون على أن أثير سؤال الهوية في الأدب القطري ؟
طبعا على غرار سؤالي " سؤال الهوية في الادب الفلسطيني " ؟
وساناقش العنوان من خلال معايير تحديد هوية أدب ما ، اعتمادا على المعايبر التي حددها الألماني ( مانفريد فيشر ) .
***
كنت أود أن أكتب عن سؤال الهوية في رواية الكويتي سعود السنعوسي " ساق البامبو " وإذا بي اهذي وأحلم بالمفكر العربي عزمي بشارة وقطر .
يا لي من .... الخ ... الخ
٢٠/١٠/٢٠١٦
٩
أرجو من كتابنا إبداء الرأي في روايات الكاتب الفلسطيني المقيم في باريس الصديق أفنان القاسم ، ومنها على سبيل المثال :
-الباشا
-المسار
-النقيض
-العصافير لا تموت في الجليد(يجب ان أتأكد من عنوانها )
-أربعون يوما في انتظار الرئيس .
وشكرا.
١٠
ذكرى المولد النبوي ٢٠٢١
نابلس ... كما لو أنه كرنفال في مدينة أوروبية
كان احتفال مدينة نابلس ومحيطها أمس بذكرى المولد النبوي احتفالا لافتا ، ويبدو أن الفلسطينيين يبحثون عن فرح ما .
وأنا أسير في وسط المدينة لاحظت الاكتظاظ البشري العجيب ولم يختلف الأمر حين دلفت إلى شوارع البلدة القديمة .
في شارع النصر بدا الاحتفال كرنفاليا حقا ، فالإنشاد والأهازيج والأغاني والاكتظاظ بلغ مبلغا لم يصل إليه من قبل ، ما ذكرني بكرنفالات شاهدتها في مدن أوروبية صغيرة .
الناس في الشوارع يوزعون الحلوى ويبثون الأغاني والأهازيج و " يا حبيبي يا رسول الله " وفي ساعات المساء كانت الشوارع تضيق ذرعا بالسيارات .
هل شهدت الضفة الغربية والقدس من قبل احتفالا مثل هذا ؟ وهل صوره الأدباء في نصوصهم ؟
النص الأكثر حضورا في ذهني هو قصة أكرم هنية " عندما أضيء ليل القدس " الذي كتبه في العام ١٩٨٦ ، وفي الأعوام الأخيرة كتبت القاصة والروائية المقدسية نزهة الرملاوي " كرنفال المدينة " .
هل كنا أمس نعيش في القاهرة عاصمة المعز لدين الله الفاطمي ؟ ففي زمن حكم الفاطميين للقاهرة انتشرت الاحتفالات وكثرت كثرة لافتة تميز بها ذلك العهد .
وأنا أتمشى وجدتني أفضل مغادرة الشوارع والذهاب إلى شقتي تلافيا للست كورونا ، وفي الشارع الذي تقع فيه ، وهو شارع الرازي ، كانت السيارات تركن كما لم تركن من قبل إلا إذا كانت هناك مناسبة معقودة في ديوان أبو زنط وكانت مناسبة لافتة . سيارات سيارات سيارات كما لو أن المدينة تحولت إلى كراج سيارات حقا !!
أمس تساءلت عن سر الحب الذي يكنه أهل المدينة لهذه المناسبة ، وفي مناسبات سابقة كنت تساءلت :
- كيف لو مر الرسول عليه السلام بهذه المدينة ؟!
وأنا احاور أبو الوليد متسائلا عن فرح أهل نابلس بهذه المناسبة لم أتوقع إجابته ، فقد قال لي :
- ولكنك لو كنت في المسجد في صلاة الظهر فلن تجد سوى عشرين ثلاثين أربعين شخصا . انهم يتظاهرون .
كان فرح أهل نابلس أمس بالمناسبة تعبيرا عن توق الناس إلى فرح ما .
٢٠ تشرين الاول ٢٠٢١
١١
( يوميات حصار نابلس : في أثناء الحصار : الأعين تتجه صوب عدي التميمي ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٢ )
الشيء بالشيء يذكر : عدي وفدائي إبراهيم طوقان
وأنا أشاهد مقطع إقدام عدي نحو حارس المستوطنة عادت ذاكرتي إلى مسلسلي إبراهيم طوقان الذي كتبه محمود شقير والتغريبة الفلسطينية الذي كتبه وليد سيف وتوقفهما أمام قصة الفدائي الذي كتب عنه إبراهيم طوقان قصيدته الشهيرة " الفدائي " ومنها :
" هو بالباب واقف
والردى منه خائف
فاهدئي يا عواصف
خجلا من جراءته "
ولطالما توقفت أمامها وأنا أدرس إبراهيم طوقان وأربط البيت الأول ببيت المتنبي في وصف سيف الدولة الحمداني من قصيدته " الحدث الحمراء " :
" وقفت ، وما في الموت شك لواقف ،
كأنك في جفن الردى ، وهو نائم " .
ومطلع القصيدة :
" على قدر أهل العزم تأتي العزائم "
أي إقدام إقدامه كان . سيتوصل كثير من الفلسطينيين ، والله أعلم ، إلى ما توصل إليه .
هناك ظلم تاريخي ابتدأ ولما ينته ، وهناك سمك قرش صهيوني متعطش للدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية ، وعندنا مثل يقول " ما خلتش للصلح مطرح " ، وأغلب الظن أن هذا المثل صار لسان حال أكثر الفلسطينيين .
التاريخ الفلسطيني يتواصل والتضحيات نهر لا يتوقف جريان دمائه .
للشهداء المجد والخلود ولنا نحن الأحياء الرحمة والمغفرة وللاحتلال الزوال .
الأجواء خريفية . لقد أمعن الخريف في خريفه ورائحة المطر تبشر به أجواء هذا الصباح .
لعل خريفهم يدنو من اﻷبواب ! لعل !
الله المستعان به
٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٢ .
١٢
حتى الكنيسة لم تسلم :
أمس هدمت الطائرات الإسرائيلية ثالث أقدم كنيسة في العالم ؛ كنيسة الروم الارثوذكس / كنيسة القديس بيرفيربوس ، الكنيسة التي أريد من وراء إقامتها أن تشفع لأهل غزة .
لم تحم الكنيسة من لجأ إليها من معتنقي الديانة المسيحية من أبناء غزة ، ويبدو أن القيادة الإسرائيلية تعتقد أن كل من يقطن غزة هم من كتائب القسام وسرايا القدس ، وليست معاملة الأملاك المسيحية في فلسطين بمختلفة عن معاملة الوقف الإسلامي . كلها تخص القلسطينيين ولذا كلها يجب أن تصادر أو أن تهدم ، وليس هذا بجديد .
بعد تهجير الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ وضعت الدولة العبرية يدها على دور العبادة الإسلامية والمسيحية باعتبارها " أملاك غائب " ، وكانت سنت قانونا خاصا بأملاك أهل فلسطين الذين غادروا مدنهم وقراهم سمته " قانون أملاك الغائبين " .
سخر الشاعر راشد حسين من القانون فكتب قصيدة عنوانها " الله لاجيء " ومنها :
" الله أصبح لاجئا يا سيدي
صادر إذن حتى بساط المسجد
وبع الكنيسة فهي من أملاكه
وبع المؤذن في المزاد الأسود
واطفيء ذبالات النجوم فإنها
ستضيء درب التائه المتشرد
حتى يتامانا أبوهم " غائب "
صادر يتامانا إذن يا سيدي !
لا تعتذر ! من قال إنك ظالم ؟!
لا تنفعل من قال إنك معتدي ؟! " .
أمس أعلن حمزة يوسف رئيس وزراء اسكوتلندا أن بلاده مستعدة لإسكان أهل غزة فيها .
أليس الأجدر بالذهاب إلى أوروبا من جاء إلى فلسطين منها ؟
ما زالت المحرقة مستمرة !
صباح الخير يا غزة !
صباح السلامة ، إن بقي هناك خير وظلت هناك إمكانية لسلامة
٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٣
١٣
في غزة لي أصدقاء ولي ذكريات : ( ٨ ) الأخيرة
وحدت هزيمة حزيران ١٩٦٧ الوطن الفلسطيني كله تحت الاحتلال الإسرائيلي ، فصار الفلسطينيون يزورون أقاربهم الذين انفصلوا عن بعضهم ولم يكونوا يلتقون إلا مرة في العام عبر بوابة مندلباوم التي خلدتها قصص سميرة عزام واميل حبيبي القصيرة وبعض كتابات أخرى .
ولكن الهزيمة التي وحدت سكان فلسطين أقامت حاجزا بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة وأهلهم في المنافي . لم ينقطع اللقاء ولكنه صار أكثر صعوبة بسبب سياسة الجسور ولفترة السفر عبر مطار اللد . ولن ينسى قراء الأدب الفلسطيني أربعة أعمال لعزام وحبيبي هي " عام آخر " و " بوابة مندلباوم " و " حين سعد مسعود بابن عمه " و " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " .
وكما التقى ابن العم المقيم في مخيم جنين بابن عمه المقيم في الناصرة التقت أمي بأبناء وبنات عمها المقيمين في يافا والتقى أبي بأخته رئيسة المقيمة في غزة التي جاءت وأولادها لزيارة أمها / جدتي وفرحنا بها .
صار أعمامي وجدتي وعمتي يتبادلون الزيارات وعرفنا أن لنا عمة وأبناء وتصادقنا قبل أن يصبح الوصول إلى غزة منذ العام ١٩٩١ صعبا وصعبا جدا ، ولم نعد نرى منهم إلا ابنة ابن عمتي التي تزوجت في نابلس فصارت موضع عناية من أبي وأعمامي ، يزورونها وتزورهم .
عندما كانت عمتي أو أحد أبنائها يزورون نابلس كانوا يحضرون نوعا من السمك صغير الحجم جدا يسمى " صريدة / سريدة " وبرتقالا وعرفنا البرتقال البلنسي ، ولكننا عرفنا أيضا البلح الرطب القادم من دير البلح .
وفي مخيمنا تعرفنا إلى بعض أهل غزة ممن تركوها وجاؤوا ليستقروا في الضفة وصار هؤلاء أصدقاء غالبا ما يحنون إلى الحياة في غزة . لم تعجبهم الحياة في الضفة قياسا إلى غزة فأخذوا يعيروننا :
- هي نابلس مدينة وفيها ملاعب !!
ومع ما سبق ظلوا في نابلس إلى الآن .
في تلك الأيام حضر بعض لاعبي كرة القدم المشهورين وأخذوا يلعبون في فرق كرة القدم الضفاوية ؛ جمعية الشبان المسيحية ونادي البيرة وكان أحدهم لفت الأنظار . كما لو أنه في أيامنا هذه مثل رونالدو أو ميسي ، وكنا ننتظر مبارياته ونذهب إليها أيضا لنشاهد لعبه ، وفي مدرسة الجاحظ الثانوية في نابلس درس شاب غزي مادة الرياضة وقد لفت أنظارنا . هل كنا معجبين بشباب غزة لإعجابنا بمصر والمصريين والرئيس جمال عبد الناصر وفريد شوقي واللهجة المصرية التي أتقنها الغزيون إلى حد ما ؟
في منتصف ثمانينيات القرن ٢٠ زرت وأسرتي غزة زيارة خاصة . اطمأن أبي على أخته وابنها حسن جهير ، وسألهما عن فؤاد وعبود المقيمين في جدة واستقرت معهما لاحقا أختهما نعم وأخوهما الصغير سليم .
في فترات لاحقة صار اللقاء يتم بين بعض إخوتي وأبناء عمي مع أبناء عمتي في جدة في المملكة العربية السعودية ، بخاصة حين يسافر الأولون إلى السعودية لتأدية فريضة الحج أو مناسك العمرة .
ماتت عمتي ومات ابنها حسن ولا أعرف ما ألم ببيتهما في مخيم الشاطيء الذي كنت في زيارتي الأولى لغزة أمشي إليه سيرا على الأقدام غير مكترث لرمال الطريق .
هل أكلت في بيت عمتي الخبز المحمص بالفلفل ؟ لم أعد أذكر ، ولكن ما أذكره أن أبناء غزة الذين استقروا في مخيم عسكر القديم غالبا ما كانوا يذهبون إلى فرن " أبو توما " ومعهم رغيف خبز مدهون بالفلفل لكي يحمصه لهم .
الآن لا أفران في غزة والخبز شحيح وذهبت أرغفته والفلفل والثلاجات والنمليات وفرن الغاز والثلاجة وأثاث البيت وسكانه ؛ ذهبوا إلى المجهول .
في الحرب الدائرة حاليا سألت عن ابنة عمي فريال " أم هشام " لكي أطمئن عليها ، فتواصلت معي بعض بناتها يطمئنني . ولدت ابنة عمي في سنوات النكبة وها هي تعيش النكبة الآن لتكتمل الدائرة .
ماذا أقول في مدينة العنقاء ، مدينة طائر الفينيق ؟
هل أبكيها ؟ هل ارثيها ؟ هل أمدحها وأتغنى بها ؟ وكيف أواسيها وأواسي أهلها ؟
ماذا تجدي الكلمات في مدينة قال عنها محمود درويش في العام ١٩٧١ " تحيط خاصرتها بالألغام .. وتنفجر . لا هو موت ، ولا هو انتحار . إنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة .. بعد أربع سنوات ، ولحم غزة يتطاير شظايا قذائف " .
صمت من أجل غزة !!
منتصف النهار / الجمعة ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٣
١٤
كتبوا أو رسموا واستشهدوا :
( مقالي الأحد القادم ٢٧ / ١٠ / ٢٠٢٤ لجريدة الأيام الفلسطينية . Adel Al-osta )
١ - نوح إبراهيم ، " دبرها يا مستر دل " شاعر شعبي استشهد في ٢٨ / ١٠ / ١٩٣٨ .
٢ - عبد الرحيم محمود :
" سأحمل روحي على راحتي " ١٣ / ٧ / ١٩٤٨
٣ - عبد القادر الحسيني :
قصائد قليلة ٨ / ٤ / ١٩٤٨
٤ - غسان كنفاني :
روايات وقصص .٨ / ٧ / ١٩٧٢
٥ - كمال ناصر :
شعر . ١٠ / ٤ / ١٩٧٣
٦ - عز الدين القلق :
شهداء بلا تماثيل / قصص ٣ / ٨ / ١٩٧٨
٧ - ماجد أبو شرار :
الخبز المر / إلى أن يعود / قصص ٩ / ١٠ / ١٩٨١
٨ - علي فودة :
شعر ورواية " الفلسطيني الطيب " آب ١٩٨٢
٩ - زياد الخليل :
شعر / حسب رواية أحلام مستغانمي ٧ " ذاكرة الجسد " ١٩٨٢
١٠ - ناجي العلي :
رسام كاريكاتور - الاغتيال في تموز والارتقاء في ٢٩ آب ١٩٨٧
١١ - يحيى السسنوار :
الشوك والقرنفل / رواية .
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤ .
عدا من ارتقوا في قطاع غزة تحت الأنقاض :
سليم النفار ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣
هبة أبو ندى ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٣
رفعت العرعير ٦ / ١٢ / ٢٠٢٣ .
فتحي غبن ٢٥ / ٢ / ٢٠٢٤
محاسن الخطيب ١٩ / ١٠ / ٢٠٢٤
ولاء جمعة ٢٥ / ١٢ / ٢٠٢٤ .
فاطمة حسونة ١٨ / ٤ / ٢٠٢٥
نور الدين حجاج ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣
بلال عقل ١٨ / ٧ / ٢٠٢٤
هبة محمد المدهون ١٥ / ١٠ / ٢٠٢٣
أحمد الكحلوت ٥ / ٢ / ٢٠٢٤
آمنة حميد ، ٢٤ / ٤ / ٢٠
وآخرون أرجو كتابة أسمائهم في التعليقات لكي أدرجها .
١٥
محمود شقير " أنا والكتابة " 5
نقرأ في الكتاب الفقرة الآتية :
" بعد " طقوس للمرأة الشقية " أصدرت مجموعتي الرابعة " ورد لدماء الأنبياء " ، وبسبب شحنة الشعر الزائدة في العنوان قمت بتغييره لدى إصدار طبعة ثانية من الكتاب بحيث أصبحت هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا تحمل العنوان : " صمت النوافذ " ( صفحة ١١٩ ) .
هل هذا حقا هو السبب الحقيقي لتغيير العنوان ؟
ربما يتذكر القاص أنني كتبت مقالا نشرته في جريدة الأيام الفلسطينية عن هذه المجموعة في طبعتيها " ورد لدماء الأنبياء " و " صمت النوافذ " ، ولم أتوقف في المقال أمام التغيير في العنوان وحسب ، بل تتبعت التغيير في القصص نفسها وبعض عناوينها وربطت هذا كله بمكان صدور الطبعتين ( الأيام الفلسطينية ١٥ / ٢ / ٢٠٠٠ ) . كانت الطبعة الأولى " ورد لدماء الأنبياء " صدرت في المنفى يوم كان القاص مبعدا ، فيم صدرت الطبعة الثانية " صمت النوافذ " في الأرض المحتلة ، بعد عودته إلى القدس زمن اتفاقية أوسلو . ورجحت أن القاص العائد لا يريد وجع رأس مع سلطات الاحتلال التي ستستفز من بعض الألفاظ وقد تصادر المجموعة .
٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٤
١٦
محمود درويش في " مديح الظل العالي " يخاطب يحيى السسنوار :
" أشلاؤنا أسماؤنا . لا ... لا مفر
سقط القناع عن القناع عن القناع ،
سقط القناع
لا إخوة لك يا أخي ، لا أصدقاء
يا صديقي ، لا قلاع
لا الماء عندك ، لا الدواء ، ولا السماء ولا الدماء ولا الشراع
ولا الأمام ولا الوراء .
حاصر حصارك ... لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
واضرب عدوك ... لا مفر
وسقطت قربك ، فالتقطني
واضرب عدوك بي ... فأنت الآن حر
وحر
وحر ...
قتلاك ، أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها ، اضرب عدوك ... لا مفر "
[ سقطت ذراعك فالتقطها
واضرب عدوك ... لا مفر ]
١٧
غزة 745 :
في وصف حالتنا / حالة أهل قطاع غزة .
الناجي في غزة من ارتقى .
الشهيد ابن الشهيد أخو الشهيد حفيد الشهيد.
أمس ارتقى ٤٥ مواطنا مقابل جنديين قتلا وآخرين جرحا .
٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٥
١٨
الفلسطيني ولوثة المفاتيح :
[ هوامش من وحي ما جرى في غزة ]
بعد أن انتهيت من كتابة مقال " لقد هدموا البيوت ، فما جدوى المفاتيح ؟" تذكرت رواية إلياس خوري " باب الشمس "، ونظرت فيها ، فلا يعقل أن أكتب عن احتفاظ الفلسطينيين بمفاتيح بيوتهم دون النظر في رواية عدها نقاد معينون رواية النكبة التي جمع كاتبها فيها حكاياتها من أفواه اللاجئين ، الرواية التي كتبها بعد أن قرأ النتاج الأدبي الفلسطيني وكتب عنه ودرسه في الجامعات .
سأعود إلى الرواية باحثا عما قصه اللاجئون عن مفاتيحهم ، ولن يخيب اعتقادي ، وسأجد فيها تقاطعات مع ما كتبه عبد الكريم عاشور ، وما كتبه سلمان ناطور " هل قتلتم أحدا هناك؟" ، وتكمن التقاطعات في حضور شخصيات تحتفظ بالمفاتيح التي جمعتها أو تكتب عنها .
نزح عاشور في حرب ٢٠٢٣ من مكان إلى مكان واحتفظ بمفاتيح بيته ومكتبه وبيت أخيه وبيوت ومكاتب أخرى . وأما سلمان فلم يقص عن مفتاح بيت أبو سلمى وحسب ، بل سرد قصة طريفة هي قصة مفاتيح الشيخ عباس التي حملها عشرين عاما وأكثر ، ولم يخل السرد من التساؤل :
" ولماذا يجمعها الناس وقد حطمت أبوابها أو حرقت ؟"
وهو تساؤل لاحظناه في قصيدة مريد ، ويتكرر في رواية إلياس " نجمع المفاتيح والبواب تكسرت " . فما هي قصة الشيخ عباس ؟
يقول سلمان " صار المفتاح أغنية وأسطورة . ولماذا لا نحيك الأساطير حول مفاتيحنا الضائعة أو تلك التي ظلت في الأبواب تنتظر عودة أهلها فأكلها الصدأ وقد صدقوا أنهم عائدون بعد أيام ، فتوالت الأيام والأسابيع والشهور والسنين وما عادوا ؟"
انتبه الشيخ عباس إلى المفاتيح المنسية في الأبواب ، فسحبها واحتفظ بها في جيبه ، وظلت تتراقص على خاصرته عشرين عاما إلى أن سقطت على الأرض بجانب جسده الذي مزقه الضبع ولم يجمعها أحد من بعده " لأننا فقدنا الأمل " .
رواية خوري وشهادة سلمان نشرتا في الفترة نفسها تقريبا ( ١٩٩٨ و ١٩٩٩ ) ، فهل كان الأمر توارد خواطر أم أنه استيحاء مما سمعه كل منهما من أشخاص عرفهم وأصغى إليهم ؟
كتب الأول عن فلسطينيي اللجوء والثاني عن فلسطيني لم يلجأ ولكنه اهتم بمفاتيح من لجأوا . لقد أصيبت بعض شخصيات الكاتبين بلوثة المفاتيح ، والتعبير ورد في رواية خوري ،فماذا ورد عن المفاتيح في " باب الشمس " ؟
يروي الدكتور خليل على يونس الميت سريريا حكاية نعمان الناطور الذي كتب مقالا عن المفاتيح وعكا ، فبكى الدكتور على المفتاح لا على عكا ، وهذا مستغرب ولكن .. !
نعمان فلسطيني من مواليد مخيم اليرموك هاجر إلى الدنمارك وحصل على جنسيتها ، ثم قرر أن يزور عكا مدينة والديه ، وكانت أمه في المخيم تقص عليه عن بيتهم هناك ، حتى حفظ تفاصيله . زار المدينة وبحث عن البيت وتعرف عليه واستقبلته عائلة فلسطينية ، بعد أن استأجرته من حارس أملاك الغائبين ، وعندما غادر البيت لحقه المستأجر ليعطيه مفتاح البيت ، فقد أقام فيه مضطرا . رفض نعمان أخذه وقال لساكن البيت :
" لا لزوم " " المفتاح القديم ما يزال معنا في دمشق " .
تقود الحكاية هذه ، كما هو أسلوب خوري ، إلى حكايا أخرى عن المفاتيح والبيوت . تقود إلى قصة أم عيسى صافية وابنها دكتور الأدب العربي الذي تزوج في أمريكا من مغربية من مدينة مكناس وذهب معها إلى مدينتها واستقر هناك ناسيا أمه وحيدة في بيروت يتراسل معها . ولم يزرها وزوجته إلا مرة . في آخر رسالة كتبها لأمه أخبرها أنه يجمع مفاتيح أهل الأندلس التي احتفظ بها أحفاد المسلمين ممن تركوا الأندلس إلى المغرب .
" يا حسرتي علينا . صرنا نجمع مفاتيح أهل الأندلس . قال إن أحفاد أهل الأندلس الذين طردوا من بلادهم وهاجروا إلى مكناس ما يزالون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم الأندلسية " .
سيقيم عيسى للمفاتيح معرضا وسيكتب فيها كتابا " قال يجمع المفاتيح والأبواب تكسرت " وتخاطب جارتها أم حسن :
" عجبك هالحكي . قال بدو يجمع المفاتيح ويكتب كتاب . قال إنه لازم نجمع مفاتيح بيوتنا في القدس . عجبك . قال نجمع المفاتبح والأبواب تكسرت " .
الدكتور خليل المحاصر في مشفى ، وهو يروي الحكايات على يونس ، لا يسأل عن الدكتور نعمان من أجل المفاتيح . إنه يسأل عنه ليسأله عن إمكانية الهجرة إلى الدنمارك . " لكن أم حسن لا تصدقه ، فقد اعتقدت أنه أصيب أيضا بلوثة المفاتيح ، وأخبرته أن بيتهم في الغابسية لا باب له ، وأنه لم يعد بيتا ، لأن الأعشاب أكلته ..
" قالت ام حسن : ابق في بيتك هنا وبلاش قصة المفاتيح .
هل تستطيع تسمية هذه الأكواخ المقبرة في المخيم بيوتا .
كل شيء هنا يتداعى ألا توافق معي يا سيد أبو سالم ..؟ "
خاتمة : ألفت الانتباه إلى أن مقال الأحد الماضي تدوول بشكل لافت ونبه من كتب عن المفاتيح في غزة ، في الحرب ، إلى قصته معها ، فتذكر ما كتب مثل د.هيا فريج التي كتبت عن المفاتيح التي بحوزتها وشكرت الله أنها أضاعت مفتاح باب غرفتها " فقد أثقلني هذا الحمل الذي ينوء به الرجال والجبال " ( ٧ / ٤ / ٢٠٢٤ ) ، أو تذكر ما حدث فكتب قصته مثل الناشطة ام ايمن الصوص / فائقة التي رأت أن حرب الإبادة غيرت المعايير وقلبت الموازين ، فبعد ان ظل مفتاح العودة رمزا للعودة تحول إلى ذاكرة أسى وشاهد على وجع جديد ( ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٥ ) ، بل وهناك من أرسل لي صورة لمفاتيح بيته .
( ملاحظة : متمم لمقال " لقد هدموا البيوت ، فما جدوى المفاتيح ؟)
( ٢٠ و ٢١ و ٢٢ / ١٠ / ٢٠٢٥ )
دفاتر الأيام
لقد هدموا البيوت، فما جدوى المفاتيح؟
في العاشر من هذا الشهر تشرين الأول ٢٠٢٥، كتب الناشط الغزاوي عبد الكريم عاشور الذي يكتب يوميا تحت عنوان «يحدث في غزة» عن المفاتيح الآتي:
«مفاتيح ...
أما وقد وضعت الحرب أوزارها، فها هي المفاتيح التي اختبأت طويلا في ظلمة جيب بنطالي القديم خلال حرب الإبادة. تخرج، اليوم، تبحث عن أبوابها وأقفالها التي هجرتها طويلا، لتجد الأبواب قد تكسرت والأقفال تبعثرت تحت الركام.
كان أولها مفتاح بيت أخي أحمد في مدينة الزهراء، حملته بيدي يوم سقط البيت، وما زال يثقل قلبي كقطعة من الحديد ممزوجة بالحنين.
تلاه مفتاح مكتبي في برج مشتهى - أنصار، ثم مفتاح بيتي في السودانية، ومفتاح مكتب برنامج غزة للصحة النفسية في برج الشوا، يليه مفتاح مركز تطوير NDC في البرج ذاته، وكأن المفاتيح تتزاحم في يدي لتذكرني أن الخراب صار عنوان المرحلة.
ومع ذلك لم أنسَ المفتاح الأكبر... مفتاح بيت جدي ووالدي في مدينة المجدل - عسقلان، ذاك المفتاح الذي ورثته كما تورث الوصايا، مفتاح لا يفتح شيئا في الأرض، لكنه يفتح في القلب بابا إلى الذاكرة والحق». وأضاف: «كثيرة هي المفاتيح في أيدي أهل غزة تصرخ بصمت دامٍ، باحثة عن أبواب لم تعد موجودة وأقفال كانت تشبه أحلامنا الأولى. لكننا ما زلنا نحملها.. كمن يحمل وعدا لا يصدأ، بأن الأبواب مهما طال الغياب ستعود يوما لتفتح من جديد، لا أبواب البيوت فقط، بل أبواب الحياة».
أعادتني الكتابة السابقة إلى قصيدة مريد البرغوثي «المكيدة» في ديوانه «منطق الكائنات»:
«قال المتلهفون على الدخول:/عبثا احتفظنا بمفاتيحنا طوال العمر../ فقد غيروا الأقفال!»
وحثتني على البحث عن دال «مفتاح/ مفاتيح» في الأدب الفلسطيني، إذ حضر حضورا لافتا، كما حضر في لوحات فنانين فلسطينيين تشكيليين.
صار المفتاح أيقونة فلسطينية بامتياز واتخذ شكل ميدالية يحملها الفلسطيني معه كما حمل اللاجئون مفاتيح بيوتهم في منافيهم معهم، على أمل العودة وفتح أبواب بيوتهم التي أغلقوها وراءهم ساعة خروجهم الظانون أنه خروج مؤقت عابر لن يستمر طويلا، ولكن المؤقت دام حتى تساءل محمود درويش:
- أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟
ولك أن تسأل الذكاء الاصطناعي عن دلالة المفتاح في الأدب الفلسطيني ليجيبك:
«حق العودة والذاكرة والهوية والأمل والتصميم والصمود والمقاومة» ويشرح لك دلالة كل مفردة ويخلص إلى الآتي:
«بشكل عام يعتبر مفتاح العودة أحد أهم الرموز الوطنية في الأدب والفن الفلسطيني، جنبا إلى جنب مع رموز أخرى مثل الكوفية والبرتقال وحنظلة، وكلها تعبر عن الوجود التاريخي والصمود في وجه الاحتلال».
عندما بدأت استرجع حضور دال «مفتاح/ مفاتيح» في أديباتنا (لن أكتب عن الفن التشكيلي لعدم إلمامي الدقيق بالتفاصيل) تذكرت الآتي:
أولا: قصة غسان كنفاني «الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس» (أيار ١٩٦٧) من مجموعة «عن الرجال والبنادق»، ويمكن عدها القصة القصيرة الأساس للكتابة عن المفتاح في الأدب الفلسطيني، وهي تحكي عن المفتاح الذي حمله اللاجئ معه على أمل العودة إلى قريته ولكنه ظل ينتظر عشرين عاما والمفتاح معلق على الجدار حتى كاد حامله الذي ورثه عن أبيه ينساه، ولم يلتفت إليه مجددا إلا في أيار ١٩٦٧ فتفاءل. وغير خافٍ تأثير اللحظة الزمنية لتحركه، ففي أيار ١٩٦٧ كانت طبول الحرب تقرع وكان اللاجئون متفائلين تفاؤلا كبيرا قبل أن تخيب حرب حزيران ١٩٦٧ أملهم.
ثانيا: ما كتبه سلمان ناطور في كتابه «هل قتلتم أحدا هناك؟ « ١٩٩٩ عن لقائه بالشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) في صوفيا في العام ١٩٨٠ وحديث الشاعر إلى سلمان عن احتفاظه بمفتاح بيته وتوريثه له لابنه، والتوريث ظهر أيضا في قصة كنفاني. مات أبو سلمى وربما مات ابنه ولا نعرف إن كان ورث المفتاح لابنه أيضا.
ثالثا: عناوين مسرحيات وروايات ظهر فيها دال مفتاح/ مفاتيح، مثل مسرحية عبد اللطيف عقل «المفتاح» ١٩٧٦ ورواية علي الخليلي «المفاتيح تدور في الأقفال» ١٩٨٠، ورواية راشد عيسى «مفتاح الباب المخلوع».
أتى علي على تجربته في السجن في بداية ثمانينيات القرن العشرين وكتب عن ساعات الإفراج عنه «دارت المفاتيح في الأقفال» و»حملت الأغنية خلفي. من باب إلى باب. تدور المفاتيح خلفي. ستة أبواب». وأما راشد عيسى فكتب عن الحجرة/ البيت في المخيم والأثاث فيها «باب حجرتنا بلا قفل ولا مفتاح، إنه واثق من نفسه أو لعله ساخر بنفسه». ماذا سيسرق اللصوص إن أتوا ليسرقوا؟
هل ينسى الفلسطيني قصة مفاتيح كنيسة القيامة في القدس واختلاف الطوائف على الأحق بمن يحملها، ثم الاتفاق على احتفاظ عائلة مسلمة بها لفتح الكنيسة وإغلاقها، تلافيا للمشاكل؟
في قصيدته «أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي» التي استلهم فيها التاريخ كتب محمود درويش عن تسليم مفاتيح غرناطة «وزمان قديم يسلم هذا الزمان الجديد مفاتيح أبوابنا». هل ثمة دلالة رمزية؟
خاتمة: غير أن للمفاتيح معي قصة لن يصدقني أحد إذا كتبتها.
٢٦ / ١٠ / ٢٠٢٥
١٩
هل صار الفلسطيني مصابا ب " لوثة المفاتيح " ؟
كما الحكاية في روايات إلياس خوري المتأثر بأسلوب " ألف ليلة وليلة " تقود إلى الحكاية ، صارت كتاباتي هكذا . الشيء بالشيء يذكر .
أمس تذكرت كتابة قديمة لي هي الحلقة ٣٦ من حلقات " خفة الكائنات غير المحتملة " وأمس قرأت صفحات في رواية خوري " باب الشمس " لأواصل الكتابة عن مفاتيح البيوت .
سيلفت نظري ما كتبه عن البيوت وسأمعن النظر في عبارة " لوثة المفاتيح " .
مقالي الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية متمم لمقال امس " لقد هدموا البيوت ، فما جدوى المفاتيح ؟" .
هل صرت أنا أيضا ، مثل الدكتور عيسى صافية والدكتور نعمان الناطور في رواية خوري ، مصابا ب " لوثة المفاتيح " ؟ .
سيكون دال المفتاح لازمة / فكرة / ثيمة من لازمات / أفكار / ثيمات الأدب الفلسطيني !
٢٠
الحرب والحكام العرب :
منذ بداية الحرب الفلسطينية - الإسرائيلية يخاطب قسم من أصدقائي الافتراضيين الحكام العرب طالبين منهم أن يحركوا جيوشهم لنجدة أهل غزة ، والحكام العرب لا يحركون ساكنا .
غالبا ما نكون ، حين نناشد الحكام العرب مثل من يصرخ في واد ، أو مثل من ينفخ في قربة مخزوقة ، أو مثل من يدق الماء في الهاون .
قبل ألف عام قال أبو العلاء المعري :
" لقد أعييت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي " ،
وفي ثورة العام ١٩٣٦ قال شاعرنا الوطني عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) قصيدته الشهيرة " لهب القصيد " التي تنتهي بالبيتين الآتيين :
" يا من يعزون الحمى
ثوروا على الظلم المبيد
بل حرروه من الملوك
وحرروه من العبيد " .
وأمس سخر إسرائيلي من مظاهرات الجماهير العربية التي تناشد الحكام وتطالب بفتح الحدود قائلا :
" بدكم تحرروا فلسطين . إذا سفير إسرائيل في بلدكم مش قادرين تطردوه " .
أما أنا فمنذ العام ١٩٧٠ قد غسلت يدي ، بخصوص قيام الحكام العرب وتحريرهم فلسطين ، منهم قاطبة .
صباح الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
Adel Osta
١٩ / ١٠ / ٢٠٢٣
اليوم الثالث عشر للحرب ومسح غزة عن الخارطة . ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٥





[HEADING=2][/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...