العربي عبدالوهاب : نبيه الصعيدي الذى رحل مع طيور الفضة

هل يرحل ذلك الشهاب السماوي إلى آفاق مجهلة، ويترك حسرة فى القلب .. تنضم لحسراتنا على فرسان القصة، بادئة ب يحيى الطاهر عبدالله، مارة بإبراهيم فهمي، جارفة فى طريقها نبيه الصعيدي.

آراه الآن واقفا أمامى بابتسامته المفاجئة وطرقعة أصابعه من طول مدة الامساك بالقلم، عائدا بمقعده للخلف كأنه انتهى من مهمته الشاقة .. وإستراح.

ينكب على مكتبه ـ أثناء العمل الوظيفي فى شركة التأمين الأهلية ـ مستغرقا فى الكتابة .. الدرج مفتوح قليلا تتسرب منه السجائر إلى فمهوتتبدل فناجين القهوة والشاي بأيدي عامل البوفيه، وبايمائة منه.

كنت أجلس مترقبا ثرثرة النسوة فى المكتب ـ منتظرا نبيه الصعيدي حتى يضع القلم ـ ربما أذوب مع هذا العالم المكرور شاعرا أن ثمة حياة ما تكمن داخل هؤلاء الناس وفى ثنايا ذلك التكرار الممل.

ألتفت نحوه فأراه منفصلا تماما عن كل ما يحيط به، متوحدا بشخوص روايته ـ المؤجل ـ مخطوط ـ يبتسم مع إبتساماتهم ويحترق مع أمانيخم الضائعة والمستحيلة، يترقب إندفاعاتهم وسقوطهم المروع .. الكاميرا هى كل ما كنت أحتاجه لأسجل صورة تعبر عن علاقة الفن بالفنان و(لكاميرا هى كل ما كنت أحتاجه لأسجل صورة تعبر عن علاقة الفن بالفنان و(حتراق الكاتب بلهيب الكتابة).

أكون أو لا أكون.

إما كتابة أو لا كتابة.

قلت له فى أوائل 1993 وأنا فى مكتبه أثناء دوامه اليومي .

ـ سأتزوج.

نظر لى مليا ـ كأنه شرد تماما ـ ثم أشار لى فنضهت تلبية لاشارته رافقنى حتى السلم .. وودعنى قائلا: أرجو ألا أراك مرة أخرى (الشاب عندما يخيب يتزوج).

كأن وداعه كان لأحد القادة المنهزمين.

ما كل هذا العناد والسباق المحموم الذى عاشه نبيه الصعيدي ليكتب ويظل يكتب حتى الموت.

(مقعده فى المكتب من كثرة اهتزازته وعصبيته ـ أثناء الكتابة ـ صنع تجويفا غائرا فى الحائط، ذكرنى به صديقي الكاتب مبروك أبوالعلا).

عندما كنا نجوب شوارع الزقازيق، كان يتحدث عن الواقع الثقافى وأشجار اللبلاب من الأدباء ـ ويتبدل تماما ـ حبه الجارف للكتابة إلى حزن غائر فى القلب كالرصاصة.

لكننى كنت أحسده على طاقته الرهيبة فى الكتابة ـ ولم أكن أعلم ـ أنا الكاتب الموسمي ـ أن نبيه الصعيدي كان يسابق الزمن ليكمل مشروعه الابداعي.

ويضع القلم.

ثم يبتسم،

ويموت,

ــــــــــــــــــــ

نشرت فى مجلة الثقافة الجديدة العدد 110 نوفمبر 1997 بعنوان ( عندما ترحل طيور الفضة)

جدير بالذكر أن نبيه الصعيدي صدر له: عكس الريح .. قصص .. العدد الثانى من سلسلة إشراقات أدبية الأولى. الهيئة المصرية العامة للكتاب.

ـ وشارع المعقول .. رواية .. سلسلة أصوات ..هيئة قصور الثقافة .. 1995

ـ فى الصباح تسقط طيور الضة .. قصص .. النشر الاقليمى .. هيئة قصور الثقافة بعد رحيله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...