كُنْ جزءًا من القصة.. دراسة نقدية لرواية «الوصول المقطوع» لرشا عدلي

كُنْ جزءًا من القصة.. دراسة نقدية لرواية «الوصول المقطوع» لرشا عدلي

تُعَدُّ روايةُ "الوصول المقطوع" واحدةً من الروايات التي سرعان ما تجعل القارئ يتوحد مع أبطالها، ويشاركهم أحداثها، بل ويتفاعل شعوريًا وكأنما يعيش الحدث أو كأنه جزءٌ من القصة. وأعتقد أن الرواية تُعدُّ نموذجًا للأعمالِ الأدبيةِ التي تجعلُ من رفعِ وعيِ القارئِ وتثقيفِهِ مهمةً أساسيةً؛ وذلك من خلالِ إعادةِ تسليطِ الضوءِ على الأشخاصِ والأحداثِ التي اندثرتْ في ظلماتِ التاريخِ، رغمَ أنَّ أثرَها ظلَّ حافرًا ندوبَهُ في وجدانِ الشعبِ، وترددَ صداهُ المعنويُّ في الأغاني الشعبيةِ، وترك أثرَهُ النفسيَّ وإحساسًا متراكمًا بالمظلوميةِ. ومن هنا، فإنني أرى أنه وإنْ لم تكنْ وظيفةُ الأدبِ هي التأريخَ المباشرَ أو إثباتَ الحقوقِ أمامَ المحاكمِ، فإنه يظلُّ المصدرَ الأهمَّ لتشكيلِ الرأيِ العامِّ، وإحداثِ الصحوةِ الفكريةِ، وتكوينِ وعيٍ صَلْبٍ بالقضايا التاريخيةِ الكبرى.

تَتَفَتَّحُ الروايةُ على كابوسٍ افتتاحيٍّ في شتاءِ عامِ 2023م ؛ حيثُ تجدُ البطلةُ نفسَها محاصرةً بنيرانِ حربٍ افتراضيةٍ، تغوصُ قدمُها في الطينِ بينما يهدئُها زوجُها متسائلًا: "كيف يمكن لشيءٍ قرأته قبلَ ساعاتٍ أن يتحولَ إلى هذا الكابوسِ الحيِّ؟". ومن هذه البؤرةِ المشدودةِ، تفككُ الكاتبةُ مظلوميةً تاريخيةً جَسِيمَةً طالتْ أكثرَ من مائةِ ألفِ شابٍّ مصريٍّ (وفي بعضِ المصادرِ نصفَ مليونٍ) أُجْبِرُوا على السُّخْرَةِ ضمنَ "فرقةِ العمالةِ المصريةِ" في صفوفِ الجيشِ البريطانيِّ إبان الحرب العالمية الأولى؛ فَتَرَكَ كلُّ واحدٍ منهم خلفَهُ أسرةً تَفَتَّتَتْ بغيابِهِ، وعملوا بلا أجرٍ وبلا ذِكْرٍ للفصل والفضل في حربٍ لم تكنْ لهم فيها غايةٌ، وإنما كانتْ نزوةَ مُحْتَلٍّ وقَهْرَ استعمارٍ لم يكتَفِ بنهبِ الثرواتِ، بل نهبَ أرواحَ أبناءِ الشعوبِ وطَمَسَ ذِكْرَاهُمْ.

ولقد نجحتِ الروايةُ في تقصي الحقائق بشكلٍ موضوعيٍّ ووضعتْ إشاراتٍ حاسمةً نحو الجناةِ الحقيقيينَ؛ سواءٌ من أبناءِ الوطنِ مُمَثِّلِي السلطةِ المحليةِ الذين تنازلوا عن الحقِّ وأسقطوا الدَّيْنَ وساوموا على دماءِ البسطاءِ، أو من جانبِ الاستعمارِ الذي طَمَسَ الحقَّ قديمًا وأَنْكَرَهُ حديثًا. وفي المقابلِ، يُبْرِزُ العملُ الإشاداتِ المسجلةَ لبعضِ الضباطِ الإنجليزِ الذين بَهَرَهُمْ إنجازُ العمالِ المصريينَ وتَفَانِيهِمْ في مَدِّ خطوطِ السككِ الحديديةِ في فلسطينَ وموانئِ فرنسا (أمثال الضباط: موري، واللنبي، وفينابلز). غيرَ أنَّ الروايةَ تُفَكِّكُ زَيْفَ هذا التوثيقِ الرسميِّ عبرَ صرخةِ "ليلى" الحاسمةِ: "كتبوا كلَّ شيءٍ عدا الحقيقةَ"؛ إذ هكذا يُكْتَبُ التاريخُ الاستعماريُّ دائمًا عن معاناةِ المظلومينَ والبسطاءِ الذين تُسْتَبَاحُ أجسادُهُمْ كوقودٍ للحروبِ وكحقولِ تجاربَ للقاحاتٍ طبيةٍ استغلالًا لأُمِّيَّتِهِمْ وحاجَتِهِمْ. كما تكشفُ الروايةُ عن استمرارِ العقليةِ الاستعماريةِ في تنصُّلِهَا من حقوقِ الشعوبِ المُسْتَغَلَّةِ عبرَ تحصينِ نفسِهَا بذخيرةٍ قانونيةٍ كَسَنِّ قوانينَ تمنعُ المطالبةَ بحقوقٍ ماديةٍ أو أدبيةٍ مَرَّ عليها أكثرُ من خمسينَ عامًا، أو لجوءِ مجلسِ اللورداتِ إلى آلياتِهِ الإجرائيةِ لرفضِ مناقشةِ استردادِ الديونِ والتعويضاتِ المستحقةِ لفرقةِ العمالةِ المصريةِ.

وإنْ كان ما سَبَقَ هو الخطَّ الدراميَّ الرئيسيَّ للروايةِ، إلا أنَّ الكاتبةَ استطاعتْ بحسٍّ إنسانيٍّ رهيفٍ أن تَمْزُجَ هذا الجَوَّ المشحونَ والمواقفَ المأزومةَ بعلاقاتٍ إنسانيةٍ دافئةٍ بين أفرادِ الفرقةِ المصريةِ وما قَدَّمُوهُ من فنونٍ، وبين أفرادِ فريقِ البحثِ؛ حيثُ أظهرتْ مَوَاطِنَ من الجمالِ الظاهريِّ والسلوكياتِ والمشاعرِ الإنسانيةِ النبيلةِ. وبذلك حولت الكاتبة الرواية في بُعدٍ آخر من رحلةِ بحثٍ عن حقوقٍ غائبةٍ إلى رحلةِ بحثٍ عن الذات؛ انتهت بعودة "ليلى" لأسرتها واكتشافها أن عالمها الحقيقي مع زوجها وبين ولديها، بينما تصالح "كريم" مع مأساته وفتح قلبه مرةً أخرى للحياة، وتخلصت "شيرين" من منافستها لليلى وبدأت ترى نفسها شخصيةً قادرةً على النجاح بذاتها، وفي الوقت ذاته تحرر "مازن" من أسر تبعيته وتعلّقه بشيرين وأعلن تحرره النفسي. هذه الأحداثُ خَفَّفَتْ من إيقاعِ التحقيقِ الجنائيِّ والمأساةِ، وأَحْدَثَتْ توازنًا نفسيًا ووجدانيًا لَدَى القارئِ وهو يُعَايِشُ تفاصيلَ هذه الملحمةِ الإنسانيةِ؛ مما يدل على أننا أمام كاتبةٍ بارعةٍ تعرف كيف تنقل للقارئ المأساة دون أن يشعره بالسوداوية.

تقنيات السرد

اختارت الكاتبةُ رشا عدلي أن تروي روايتها بأسلوب السارد العليم، ولكنه ليس ساردًا عليما تقليديًا، بل ميزت روايتها بصَوْتِ السَّارِدِ العَلِيمِ التَّدَخُّلِيِّ؛ وهو راوٍ يتدخلُ في السرد ليُقَدِّمَ تفسيراتٍ تُقَرِّبُ الرُّؤَى للقارئ، ويميلُ إلى إغناءِ النصِّ بمعلوماتٍ تفصيليةٍ ثَرِيَّةٍ لم تأتِ على لسانِ الشخصياتِ نفسها، مُتَمَايِزًا بصوتهِ الخاصِّ عن أصواتِ بطلاتِهِ وأبطالِهِ. إنَّ هذا التدخُّلَ يَشْتَدُّ في أحيانٍ كثيرةٍ لِيَدْنُوَ من الساردِ العليمِ الشموليِّ والمطلقِ؛ ذلك الصوتُ الذي يتوقفُ ليُحَلِّلَ أهميةَ ممارسةِ الرياضةِ وتأثيرَها المباشرَ في تعديلِ الحالةِ النفسيةِ، أو يغوصُ بدقةٍ متناهيةٍ في تشريحِ تركيبةِ العُطُورِ ودَلاَلاَتِهَا السيكولوجيةِ. وقد كَشَفَتِ الكاتبةُ من خلالِ هذه التقنيةِ حِرْصَها البالغَ على توصيلِ أفكارِ النصِّ وأحداثِهِ كما أَرادَتْها هي تمامًا، مع إغناءِ الوعيِ الثقافيِّ للقارئ بمعلوماتٍ وأفكارٍ ارتأت الكاتبةُ أهميةَ وضعها أمامه، فيما جاءتِ الجُرْعَةُ الحواريةُ مقتصدةً ومحسوبةً بعنايةٍ؛ لتظلَّ الكاتبةُ هي المترجمَ الأوَّلَ والأوحدَ لِعُمْقِ الأحداثِ والمُوَجِّهَ الأساسيَّ لِدَلاَلَاَتِهَا.

وَمِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أنَّ هذا النَّمَطَ السَّرْدِيَّ التَّدَخُّلِيَّ لَمْ يُؤَثِّرْ بالسَّلْبِ على مُشَارَكَةِ القَارِئِ الفَاعِلَةِ في إِنتَاجِ الدَّلَالَةِ؛ إِذْ عَمَدَتِ الكَاتِبَةُ إِلى تَرْكِ مَسَاحَاتٍ وَفَجَوَاتٍ تَأْوِيلِيَّةٍ عَبْرَ جُمَلٍ حِوَارِيَّةٍ لَافِتَةٍ تَظَلُّ مُعَلَّقَةً في ذَاكِرَةِ الأَبْطَالِ، كَمَا صَاغَتْ أَحْدَاثًا وَمَلَامِحَ شَخْصِيَّاتٍ غَيْرَ مُحَدَّدَةٍ بِشَكْلٍ حَاسِمٍ؛ فجَاءَ امْتِزَاجُ الحُلْمِ بالوَاقِعِ، واسْتِدْعَاءُ فِكْرَةِ "تَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ"، لِيُسَاهِمَا في جَذْبِ القَارِئِ وتَحْفِيزِ مَخِيلَتِهِ لِمُشَارَكَةِ السَّارِدِ في صِنَاعَةِ المَعْنَى. وَيَتَجَلَّى هذا التَّكْتِيكُ الذَّكِيُّ أَيْضًا في تَرْكِ شَخْصِيَّةِ زَوْجِ "لَيْلَى" مُبْهَمَةً ومُتَوَارِيَةً في الظِّلِّ حَتَّى نِهَايَاتِ الرِّوَايَةِ؛ فيحتل فجأةً المقدمة مُكوِّنًا عالمها الخاص، فَضْلًا عَنْ نِهَايَةٍ مَفْتُوحَةٍ لَمْ تُحَدِّدْ فِيهَا الرِّوَايَةُ بِيَقِينٍ المساراتِ العاطفيةِ النهائيةِ كما في حالة كريم و شيرين فلم تؤكد الرواية ارتباطهما من عدمه؛ مِمَّا أَبْقَى النَّصَّ حَيًّا ومَفْتُوحًا على احْتِمَالَاتِ التَّأْوِيل.

وَيُعِيدُ هذا النمطُ السرديُّ إلى الأذهانِ تقنياتِ التشكيلِ الملحميِّ في «الحرب والسلام» لتولستوي؛ حيثُ يُُمْنَحُ الكاتبُ الحريةَ المطلقةَ في التنقُّلِ برشاقةٍ بين لحظاتِ الأزمةِ الإنسانيةِ الحادةِ وبين الاستطراداتِ النفسيةِ والفلسفيةِ. وجاءت معظمُ الأحداثِ بصيغةِ الاسترجاعِ الفنيِّ (الفلاش باك) التراتبيِّ والمنطقيِّ، متسقةً مع طبيعةِ تراتبيةِ الأحداثِ في التحقيقِ القانونيِّ؛ واكتفتِ الكاتبةُ بالتنقُّلِ الجغرافيِّ السَّلِسِ بين فضاءاتٍ متباعدةٍ دَعَتْ إليها ضرورةُ الأحداثِ، فَدَارَتِ الوقائعُ بين الإسكندريةِ وقريةِ البداري بالصعيدِ، ولندنَ وباريسَ وفلسطينَ والقاهرة. غيرَ أنَّها لَجَأَتْ أيضًا إلى "التَّشَظِّي الزَّمَنِيِّ" في لحظاتٍ استدعتْ فيها الماضي البعيدَ لارتباطِهِ بالحدثِ الآنِيِّ؛ كَالاسْتِدْعَاءِ غيرِ الخَطِّيِّ حين سَرَدَتْ "نبراس" الأحداثَ القديمةَ، والاسترجاعِ المتقطِّعِ لـ "ليلى" لأسرتِها وخلافاتِ الأبِ والأمِّ، فضْلًا عن الاستحضارِ التاريخيِّ لتهجيرِ أهالي النوبةِ إبَّانَ بناءِ السَّدِّ العالي وتشكيلِ بحيرةِ ناصرَ.

البناء السيكولوجي للشخصيات

تُبْنَى "ليلى فتحي المرغني" بوصفها مجازًا جامعًا للهوية المصرية؛ فهي ابنةٌ لأبٍ نوبيٍّ وأمٍّ إسكندرانيةٍ، جَمَعَتْ في تكوينِها بين النوبةِ الممتدةِ في عمقِ الجغرافيا والنظرَةِ المفتوحةِ على آفاقِ البحرِ. يَتَجَسَّدُ إغراقُهَا في المصريةِ الأصيلةِ عبر بشَرَتِهَا الأبنوسيةِ وعينيها اللتين بلونِ العَسَلِ الصافي، غيرَ أنَّ هذا الجمالَ الفريدَ لم يَعْصِمْهَا من التَّنَمُّرِ المباشرِ الذي جَرَحَ طفولَتَهَا، لينضافَ ذلك إلى شجونِ والدِها الذي اغتَرَبَ مقهورًا إبانَ تهجيرِ قريتِهِ النوبيةِ، وإلى صدمةِ الفَقْدِ الممتدةِ جَرَّاءَ انفصالِ والدَيْهَا بعد صمتٍ زوجيٍّ جافٍّ. غيرَ أنَّ المسارَ الدراميَّ لليلى لا يستسلمُ لِلانكسارِ؛ إذ تَتَطَوَّرُ سيكولوجيًا لِتَتَحَوَّلَ من "شَاةٍ ضَالَّةٍ تتخبطُ وتتهاوى إلى مُهْرَةٍ سَمْرَاءَ واثقةٍ"؛ فعندما يَبْتَذِلُهَا حبيبُهَا الأوَّلُ برَفْضِ أُمِّهِ زواجَهُما لِسُمْرَتِهَا، تنصهرُ الخيبةُ في وجدانِها لِتَتَشَكَّلَ كَمَعْدَنٍ حَارٍّ صَلْبٍ لا يَنْكَسِرُ. ورغم نجاحِها الأكاديميِّ المَرْمُوقِ وحصولِها على الماجستيرِ في حقوقِ الإنسانِ من بولندا، وتأسيسِها لأسرةٍ مع "عارف"، يظلُّ القَلَقُ الشعوريُّ يسكنُها حتى يصلَ النصُّ إلى الذروةِ النفسيةِ بالتشابُكِ الروحيِّ العميقِ بينها وبين "رابحة"؛ في محاولةٍ لاستدعاءِ الماضي وتفسيرِ الصدماتِ الموروثةِ، لِتَكْتَشِفَ أنَّ وِحْدَتَهَا القديمةَ تنتهي حين يَعُودُ الدِّفْءُ الأسريُّ لِحَيَاتِهَا، مُتَصالِحَةً مع ذاتِها ومُدْرِكَةً أنَّ هذا الرُّكْنَ الصغيرَ من العالمِ هو عَالَمُهَا الأَهَمُّ الذي تَحْمِيهِ من الشَّتَاتِ.

أما "كريم" — الشريكُ المؤسسُ في المؤسسةِ القانونيةِ — فيُمَثِّلُ في البناءِ الدراميِّ تجسيدًا حيًا لِعُقْدَةِ الذَّنْبِ واضطرابِ ما بعد الصدمةِ؛ فهو الشخصيةُ الأَلْمَعِيَّةُ الأنيقةُ التي تُغَالِبُ قَلَقَهَا الداخليَّ بالرياضةِ الصارمةِ ونادي الرمايةِ في محاولةٍ صَرِيعَةٍ لِلْسَيْطَرَةِ على الانهيارِ النفسيِّ. يَرْتَبِطُ غيابُ العدالةِ التاريخيةِ لدى كريم بالفَقْدِ الفَاجِعِ لزوجتِهِ التي صَرَعَهَا وباءُ "كورونا"، ليتحولَ حُزْنُهُ إلى جُرْحٍ غائرٍ يَبْحَثُ عن الخَلاَصِ. وتتجلَّى ذروةُ تحولِهِ الشعوريِّ حين يزورُ القبورَ الجماعيةَ في فرنسا؛ حيثُ تتراءى له أَهْوَالُ الحربِ كأنه يُسَافِرُ عبر الزمنِ ليشهدَ استباحةَ الأرواحِ دون قدرةٍ على تغييرِ المأساةِ، حتى يَقْرَأَ اسمَ "ثابت هارون محمد 1917" على أحدِ الشواهدِ، فتتطهرُ رُوحُهُ من رُكامِ الماضي، ويَنْجَحُ في النهايةِ في التَّخَلُّصِ من وِزْرِ أحزانِهِ ليَفْتَحَ قلبَهُ لِلثِّقَةِ والحياةِ والمَسِيرِ من جديدٍ.

أما شخصيتَا "شيرين" و"مازن" فتقدما تحليلًا سيكولوجيًا لِلتَّشَاَبُكِ العاطفيِّ والتعويضِ النفسيِّ؛ فشيرين المتخصصةُ في القانونِ الدوليِّ ذاتُ الصوتِ المَبْحُوحِ والمظهر التحرري والعقل التحليلي الذي يميل إلى التحدي وقهر الصعابِ، تُحَوِّلُ غِيرَتَهَا من ليلى وتَنَافُسَهَا معها على "كريم" إلى طاقةٍ جَبَّارَةٍ لِلإِتْقَانِ والتميزِ العمليِّ. وتتشابكُ شيرين في علاقةٍ معقدةٍ مع "مازن"؛ حيثُ كانت هي تعويضًا له عن شعورِ الأمِّ المفقودةِ، بينما كان هو تعويضًا لها عن شعورِ الحبيبِ والابنِ، فتُغْدِقُ عليه من حَنَانِهَا بينما يَبْذُلُ لها التَّعَلُّقَ، رَغْمَ إدراكِهِ المُرِّ لِتَعَلُّقِهَا بكريم وتَجَاهُلِ الأخيرِ لها؛ لِيُؤَكِّدَ النصُّ أطروحتَهُ الإنسانيةَ بأنَّ الحبَّ في الواقعِ كثيرًا ما يظهرُ في صُوَرٍ بَرَّاقَةٍ لكنها ناقصةٌ وغيرُ مكتملةٍ، قبلَ أنْ يَنْتَهِيَ المَطَافُ بِتَحَرُّرِ مازن من تَبَعِيَّتِهِ وخُرُوجِ شيرين من صِرَاعِ المقارنةِ والمنافسةِ.

أمَّا "رابحة" فَتُجَسِّدُ المأساةَ الإنسانيةَ في أَعْتَى صُوَرِهَا؛ حين تَقْبَلُ بإرسالِ ولدَيها "سند" و"عمد" مع فرقةِ العمالةِ المصريةِ لِتُنْقِذَهُمَا من الثَّأْرِ، مُعَلِّلَةً المَوْقِفَ بمقولتِها الخالدةِ: "عندما يفقدُ الإنسانُ الأمانَ في بيتهِ أو بلدِهِ، فلا قيمةَ لأيِّ خطرٍ آخرَ قد يتعرضُ لهُ". ويتولد عن رغبة سند في التخفي اكتشافه مهَارَتَهُ كَحَكَّاءٍ يَبْثُّ الشَّجَنَ، ويَصِلُ فوقَ سطحِ السفينةِ إلى عُمْقِ الفلسفةِ الذاتيةِ لِلْحُرِّيَةِ؛ فيَسْتَيْقِنُ أنَّ الحريةَ هي حُرِّيَةُ الروحِ التي لا تُقَيَّدُ بمكانٍ أو زِيٍّ، رَاحِلًا بالقارئِ نحو فرضياتِ تَنَاسُخِ الأرواحِ وتَكْرَارِ المَآسِي عبر التاريخِ. وتَكْتَمِلُ التراجيديا بمَوْتِ الولدَيْنِ وهَيَمَانِ الأم رابحة حزنا حتى المَوْتِ، بينما تبْقَى "نبراس" رمزًا لِذَاكِرَةِ الأُمَّةِ الحَيَّةِ التي قد تَخْبُو وتَضْعُفُ تحتَ وطأةِ السُّخْرَةِ والقَهْرِ، لكنها لا تَمُوتُ بل تَتَوَارَثُهَا الأجيالُ.

الفن أداة المقاومة والتأليف الاجتماعي وحفظ الذاكرة

تُبْرِهِنُ الروايةُ على نحوٍ جليٍّ على أنَّ الفنَّ هو طَاقَةٌ حَيَوِيَّةٌ تُؤَلِّفُ بين أفرادِ المجتمعِ، وتَصْنَعُ بينهم جُسُورًا من التَّعَاطُفِ في أحْلَكِ الظُّرُوفِ. يَتَجَلَّى ذلك حين يَعْمَدُ العُمَّالُ المُسَخَّرُونَ إلى إبْدَاعِ مسرحيةِ "الفَنْطِيطَةِ"؛ طلَبًا للتَّسْرِيَةِ عن أنفسِهم وتعديلِ حالتِهم المزاجيةِ المأزومةِ، وما يلبث أن يتحول ذلك إلى نداء حنينٍ للوطن وإلى فِعْلِ مقاومةٍ صريحٍ، وسُخْرِيَةٍ مَرِيرَةٍ من بَطْشِ السلطةِ تُكْسَرُ فيها هَيْبَتُهَا. وفي الوقتِ ذاتِهِ، تترددُ في أرجاءِ النصِّ الأغاني الشعبيةُ المأثورةُ التي تختزلُ قَهْرَ العُمَّالِ وسَلْبَ حُرِّيَّتِهِم، وتعلقهم وحنينهم للوطن:

"يا عزيز عيني أنا نفسي اروح بلدي.. بلدي يا بلدي والسلطة أخدت ولدي"

"مش قادر اقول راجع، ولا عارف اعيش.. بين أرض مش بلدي وبين موت ما بيجيش"

وتمتدُّ هذه الرؤيةُ لِتُثْبِتَ الروايةُ ذاتُها (بما تُمَثِّلُهُ من عَمَلٍ فَنِّيٍّ معاصرٍ) كيف يملكُ الفنُّ قدرةً استثنائيةً على انتشالِ القضيةِ التي اندثرتْ في طَيَّاتِ الزمنِ؛ حيثُ لَمْ تَكْتَفِ الكاتبةُ بِسَرْدِ الوقائعِ، بل أَلْبَسَتِ المأساةَ ثَوْبًا إنسانيًا عصريًا يُقَرِّبُهَا لِوِجْدَانِ جيلٍ جديدٍ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ بأحداثِ الماضِي، فكّونت في ذاتها تذكيرًا بالمأساة. كما قدم الفنِّ البرهانَ الأنْصَعَ والأَصْدَقَ على معاناةِ العُمَّالِ؛ إذ لم تكنِ الوثائقُ العسكريةُ البريطانيةُ الصَّمَّاءُ هي الحَافِظَةَ لِلحقيقةِ، بل كانتْ لوحةً فنيةً سِرِّيَّةً رُسِمَتْ في ميناءِ "كاليه" سنة 1916م، لِتُؤَرِّخَ لِوَقَائِعِ السُّخْرَةِ ومَشَاقِّهَا من مَنْظُورٍ حَيٍّ مُعَاصِرٍ لِلحَدَثِ، يُضَافُ إليها النَّصْبُ التَّذْكَارِيُّ القائمُ في المعهدِ التذكاريِّ للأبحاثِ الرمديةِ بالجيزةِ؛ حيثُ اسْتَطَاعَا المَعْمَارُ والرَّسْمُ أنْ يُخَلِّدَا الذَّكْرَى وَيَكْتُبَا بِلُغَةٍ جَمَالِيَّةٍ شَاهِدَةٍ ما عَجَزَتْ أو تَعَمَّدَتِ السجلاتُ الرسميةُ إغْفَالَهُ؛ لِيَغْدُوَ الفنُّ والرمزُ المعماريُّ هما الحارسَ الأمينَ للتاريخِ الإنسانيِّ، والضامنَ الفِعْلِيَّ لِذَاكِرَةِ الشعوبِ رَغْمَ أنْفِ السلطاتِ ومُحَاوَلاتِ الطَّمْسِ.

البُعد الثقافي والسيميائي

تَكْشِفُ القراءةُ السيميائيةُ للروايةِ عن عُمْقِ البُعْدِ الثقافيِّ والأنثروبولوجيِّ الذي اتَّخَذَتْهُ الكاتبةُ مَسَارًا لِتَفْكِيكِ البِنْيَةِ النفسيةِ والاجتماعيةِ لِشُخُوصِهَا؛ حيثُ يَبْدَأُ ذلك من تأثيرِ الأسرةِ والتنشئةِ الأولى ومَا يُخَلِّفُهُ الصَّمْتُ الزَّوْجِيُّ والتوتر الأسري من آثَارٍ سَيْكُولُوجِيَّةٍ مُمْتَدَّةٍ تُعِيدُ صِيَاغَةَ مَسَارِ الأبناءِ في المستقبلِ. وَتَتَجَلَّى سيميائيةُ الألوانِ بوصفِهَا رَمْزِيَّةً هُوِيَّاتِيَّةً حَاسِمَةً؛ فَالبَشَرَةُ الأَبْنُوسِيَّةُ والعيونُ التي بِلَوْنِ العَسَلِ الصَّافِي لَدَى "ليلى" ليستْ مجردَ مَلاَمِحَ ظَاهِرِيَّةٍ، بل هي اكْتِنَازٌ سِيمِيَائِيٌّ يُلَخِّصُ هُوِيَّةَ مِصْرَ التي جَمَعَتْ بين عُمْقِ النُّوبَةِ وحَيَوِيَّةِ الشَّاطِئِ؛ إذْ يحمل شجر الأبنوسِ رمزية الصمود في عمق المجتمع المصري، والعسل هنا يشير إلى "عسل قصب السكر" المشهور في عموم مصر وخاصة في الصعيد.

وَامْتِدَادًا لِهَذِهِ العَلاَمَاتِ، تُولِي الروايةُ اهتمامًا سيميائيًا بَالِغًا بِمَظْهَرِ الجَسَدِ والعَنَايَةِ بالذَّاتِ لدى الرجالِ والنساءِ على حَدٍّ سَوَاءٍ، كَرِفْضٍ صَرِيحٍ لاِسْتِسْلاَمِ الإنسانِ أو إِهْمَالِهِ لِبُنْيَتِهِ الجَسَدِيَّةِ مهما بَلَغَتْ مَشَاغِلُهُ؛ فَعَدَمُ حَمْلِ "كريم" لأَرْطَالٍ زَائِدَةٍ من الدُّهُونِ ومُحَافَظَتُهُ الدَّقِيقَةُ على لِيَاقَتِهِ يُعَبِّرَانِ عن رَغْبَةٍ سَيْكُولُوجِيَّةٍ في السَّيْطَرَةِ على المَصِيرِ ومُغَالَبَةِ الانهيارِ الداخليِّ. كَمَا أنَّ ظُهُورَ "ليلى" كَامْرَأَةٍ نَاجِحَةٍ عَمَلِيًا وأَكَادِيمِيًا ومُتَأَلِّقَةٍ في مَظْهَرِهَا يُبْرِهِنُ على أنَّ النَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ هو كُلٌّ مُتَكَامِلٌ لا يَقْبَلُ إِهْمَالَ الذَّاتِ أو إلْغَاءَ الجَانِبِ الجَمَالِيِّ.

وَتَكْتَمِلُ هذه الدَّلاَلاَتُ من خلالِ "سِيمْيَاءِ العُطُورِ" التي أَبْدَتْ فيها الكاتبةُ دِرَايَةً خَبِيرَةً بِتَرْكِيبَاتِهَا ودَلاَلاَتِهَا النفسيةِ والاجتماعيةِ؛ فَامْتِيَازُ "شيرين" بِوَضْعِ عِطْرِ (Body Splash) من ماركةِ "فيكتوريا سيكريت" يَتَنَاسَبُ مع إِطْلاَلَتِهَا العَصْرِيَّةِ السَّرِيعَةِ والعمليةِ، بينما يُؤَكِّدُ اختيارُ "ليلى" لِعِطْرِ «جَنَّةِ الصَّحْرَاءِ» من "إِسْتِي لُودَرْ" أُنُوثَتَهَا الوَاعِيَةَ ورُسُوخَ جُذُورِهَا الثقافيةِ التي لا تُفْقِدُهَا المعاصرةُ شَيْئًا من أَصَالَتِهَا. كما يدل بقوة على ولع الكاتبة بالعطور ومعرفتها المتعمقة بأنواعها ودلالاتها النفسية.

وفي المَنَاحِي الأنثروبولوجيةِ والتُّرَاثِيَّةِ، تُثْرِي الروايةُ النَّصَّ بِحَشْدٍ من تَفَاصِيلِ الحياةِ اليوميةِ المِصْرِيَّةِ الصَّافِيَةِ؛ عبرَ رَصْدِ طَقُوسِ خَبْزِ "العَيْشِ الشَّمْسِيِّ"، ودور"النِّدَابَةِ"، ووَجْبَةِ "الأَدُوسِيَّةِ". إنَّ هذه التَّفَاصِيلَ التُّرَاثِيَّةَ تَثْبِيتٌ سيميائيٌّ لِأَصَالَةِ المَكَانِ والزَّمَانِ، وخاصةً عندما يُوضَعُ جنباً إلى جنب مع تفاصيل الطقس والحياة اليومية في لندن كما عاشتها ليلى، والحياة في فرنسا كما عاشها كريم؛ ليترسخ في ذهن القارئ حَمِيمِيَّةَ تفاصيل الحياة المصرية وأصالتها.

وَتَمْتَدُّ البِنْيَةُ السيميائيةُ لِتَشْمَلَ ظَاهِرَةَ "تَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ"؛ حيثُ يَتَشَابَكُ الماضي مع الحاضرِ في حَرَكَةٍ دَائِرِيَّةٍ يَغْدُو فيها الحاضرُ امْتِدَادًا طَبِيعِيًا لِلْمَاضِي، والمستقبلُ إِعَادَةَ إِنْتَاجٍ لَهُمَا. وَهُنَا يَتَسَاءَلُ النَّصُّ في خَفَاءٍ: هَلْ "لَيْلَى" هي تَجَلٍّ مُعَاصِرٌ لِـ "رَابِحَةَ" يُفَسِّرُ هذا التَّعَاطُفَ العَمِيقَ مَعَ المَأْسَاةِ؟ وَهَلْ عَاشَ "سَنَدٌ" حَيَوَاتٍ سَابِقَةً حَكَاهَا وَهُوَ فَوْقَ سَطْحِ السَّفِينَةِ، لِيَكُونَ "كَرِيمٌ" امْتِدَادًا لَهُ في الحَاضِرِ؟ إنَّهَا تَصَوُّرَاتٌ ظَنِّيَّةٌ وَإِشَارَاتٌ شَفَّافَةٌ زَرَعَتْهَا الرِّوَايَةُ في مَخِيلَةِ القَارِئِ دُونَ أَنْ تُؤَكِّدَهَا أوْ تُنْفِيَهَا بصُورَةٍ جَازِمَةٍ. كَمَا يَبْرُزُ الحُضُورُ اللاَّفِتُ والمُتَكَرِّرُ لِلأَحْلاَمِ؛ حيثُ تُفْتَتَحُ الرِّوَايَةُ بِكَابُوسٍ، وَيَنْجَذِبُ "كَرِيمٌ" لِلْقِصَّةِ عَبْرَ رُؤْيَا شُهُودِيَّةٍ في زِيَارَتِهِ لِلْمَقَابِرِ، وَتَرَى "رَابِحَةُ" أَبْنَاءَهَا في المَنَامِ، لِتَنْصَهِرَ الحَقِيقَةُ والحُلْمُ في تَيَّارٍ فِكْرِيٍّ ومَعْرِفِيٍّ وَاحِدٍ يُدَلِّلُ على أنَّ وَعْيَ الإِنْسَانِ لا يَنْقَطِعُ بالنَّوْمِ؛ فَهُوَ يُكْمِلُ في يَقَظَتِهِ ما قَطَعَهُ في مَنَامِهِ، وَيُكْمِلُ في نَوْمِهِ ما عَجَزَ عن تَحْقِيقِهِ في يَقَظَتِهِ. فَالنَّوْمُ هُنَا ليس حَالَةَ خُمُولٍ سَلْبِيَّةٍ، بل هو إِعَادَةُ تَشْكِيلٍ وَتَكْوِينٍ لِلْوَاقِعِ من مَنْظُورٍ رُوحِيٍّ آخَرَ يُفَسِّرُ الصَّدَمَاتِ التَّارِيخِيَّةَ المَوْرُوثَةَ.

وَتَكْتَمِلُ هذه البنيةُ السيميائيةُ بِـ "المُفَاجَأَةِ السَّرْدِيَّةِ المَبَاغِتَةِ" التي تمثلتْ في ظُهُورِ "سِيلِين" حَفِيدَةِ "عُبَادَةَ ابْنِ طَهْطَا"؛ إذْ يُشَكِّلُ هذا الظُّهُورُ تحولًا دراميًا مَشْهُودًا يَحْمِلُ أَرْقَى دَرَجَاتِ التَّأْثِيرِ النَّفْسِيِّ؛ حيثُ يَتَحَوَّلُ عبادةُ من مجردِ عَامِلِ سُخْرَةٍ مَظْلُومٍ وَمُهَانٍ في المَاضِي، إلى مُهَاجِرٍ مُسْتَقِرٍّ في فرنسا، لِيَنْتَقِلَ نَسْلُهُ من هَامِشِ المَأْسَاةِ إِلى قَلْبِ المَجْتَمَعِ الأُورُوبِيِّ، في انْتِصَارٍ تَارِيخِيٍّ وَسِيمِيَائِيٍّ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ لِلْجَسَدِ المِصْرِيِّ الذي حَاوَلَ الاستعمارُ كَسْرَهُ وَطَمْسَهُ.

ملاحظات نقدية

يمكن اعتبار الروايةِ طَوِيلةً بَعْضَ الشيءِ (375 صفحة) في عُرْفِ الكتابةِ الروائيةِ المعاصرةِ؛ غيرَ أنَّ هذا الطُّولَ لم يَقَعْ في فَّخِّ التَّطْوِيلِ المُمِلِّ أو حَشْوِ المعلوماتِ المجانيةِ، بل جاءَ استجابةً لِطَبِيعَةِ المَلْحَمَةِ التاريخيةِ وتَعَدُّدِ الشَّخْصِيَّاتِ.

وفي المقابلِ، يُلاَحَظُ على المَسَارِ التحقيقيِّ لفريقِ البحثِ تركيزُهُ المكثفُ على التنقيب عن الوثائق واستجوابِ ومُتَابَعَةِ المعلومات لدى الشخصياتِ الرسميةِ والشِّبْهِ رسميةِ في إنجلترا وفرنسا، في مقابلِ إِغْفَالٍ لِلسِّجِلاَّتِ التاريخيةِ والوثائقِ والمسؤولينَ ذَوِي الصِّفَةِ الرسميةِ أو الشِّبْهِ رسميةِ داخلَ مصرَ؛ إذِ اكتفتِ الروايةُ بِمُسَاءَلَةِ شيخِ الغَفَرِ لِقَرْيَةِ البداري ورَصْدِ أرشيفِ بلاغاتِ قسمِ الشرطةِ، مما قد يرسخ عدم اليقين بقدرة المجتمع على حفظ وثائقه الوطنية التي تعبر عن سيادته الذاتية.

الخلاصة

يمكننا الجزمُ بأنَّ روايةَ "الوصول المقطوع" للكاتبةِ رشا عدلي هي عملٌ أدبيٌّ رفيعُ المستوى. فقد نجحتِ الكاتبةُ باقتدارٍ في الجمعِ بين دِقَّةِ التحقيقِ الجنائيِّ والقانونيِّ، وعُمْقِ التحليلِ النفسيِّ والسيكولوجيِّ، وثَرَاءِ التوثيقِ الأنثروبولوجيِّ والتاريخيِّ. إنَّ هذا النصَّ يبرهنُ بصورةٍ قاطعةٍ على أنَّ الأدبَ، حين يمتلكُ الشجاعةَ الفكريةَ والأداةَ الجماليةَ، يغدو قادرًا على فتحِ السجلاتِ المغلقةِ، وبعثِ الأرواحِ التي طَمَسَتْهَا الحروبُ الاستعماريةُ، وتحويلِ المظالمِ التاريخيةِ المنسيةِ إلى وعيٍ إنسانيٍّ متجددٍ يرفضُ الصمتَ.

لقد أعاد هذا العملُ لـ "فرقة العمالة المصرية" حقوقَها التاريخية والمعنوية السليبة، ولم تقف أهميتُه عند هذا الحد، بل منح القارئ زادًا فكريًا وشعوريًا أثرَى بناءه النفسي والسلوكي. فالروايةُ تُعيد للإعادة ترتيب أولويات الإنسان بنصرة البناء الأسري، مؤكدةً أن الأسرة هي "العالم الحقيقي" والسياج الحامي من الضياع، وتُبرز العناية بالجسد والذات بوصفها تعبيرًا أصيلاً عن الصمود والاعتزاز بالهوية. ومع خاتمة النص، يلتئم الماضي بالحاضر ويتعانق الحلم مع الحقيقة، لينهي القارئ رحلته بموقف إنساني ناضج ومُتسامح مع ذاته وتاريخه، موقنًا أن الحق وإن غُيِّب، فإن الفن الصادق يظل حارسه الخالد وشاهده الأبدي.

بقلم: الكاتب والناقد د. محروس عامر

القاهرة في : 06/10/2026 م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...