ممدوح رزق

ـ هل شاهدتِ فيديو الفتاة التي ألقت بنفسها من الدور السادس في المول أمس؟ ـ نعم .. الله يرحمها ويغفر لها. ـ تخيلي؛ لو قررت خلال تلك اللحظات أن تترك المقهى الذي كانت تبكي فيه قبل انتحارها وتتوجه إلى أقرب مسجد .. بالتأكيد كانت ستشعر هناك بالراحة والسكينة ولم تكن خسرت دنياها وآخرتها. ـ وهل تعتقدين...
كان يلقب بالشيخ؛ يؤم الناس في الصلاة، ويلقي دروسًا دينية في المساجد، كما كانت لديه صفحة على فيسبوك ينشر فيها أقوالًا إيمانية مأثورة .. جاءته في الحلم تلك الليلة طفلة صغيرة مريضة بالسرطان كان قد نشر صورتها على صفحته مع دعاء بالشفاء لها .. رآها كما كانت في صورتها تمامًا وسمعها تسأله بصوت واهن: ـ...
صباح الخير صديقي العزيز أعلم أنك ستدهش من هذه الصيغة التي أفتتح بها رسالتي إليك نظرًا لأنك لا تعرفني؛ ما بالك إذن لو عرفت أنني في المراجعة الأخيرة فضلت أن أجعلها بديلة لـ (صديقي الوحيد) خشية ألا تصدقني .. فبالرغم من أن تصديق ذلك أو عدمه ليس مؤثرًا في مضمون الرسالة إلا أنني لا أعرف لماذا أشعر...
لا تعطي الأمر أهمية أكثر مما يحتمل .. في الثالثة عصرًا حينما تستقبلك في بيتها بحسب الموعد المتفق عليه بينكما ستكتشف أنها تحتفل اليوم بعيد ميلادها الثاني والستين .. اعتبرها مصادفة سعيدة وليس تخطيطًا غامضًا منها .. كما تعرف من لقاءاتكما خلال الشهور الماضية على الماسنجر؛ هي مجرد امرأة مسالمة، تعيش...
قابلت أمي في السوق .. كنا ظهرًا وكانت تمسك بيد طفل صغير، في عُمر السادسة تقريبًا .. لم أسألها عنه بالرغم من كونه مجهولًا بالنسبة لي .. كان منطقيًا أن تمسك بيد طفل صغير بينما تشتري احتياجاتها وأن يرجع معها إلى البيت .. كنت عائدًا أنا الآخر إلى البيت فمشيت برفقتهما، لكنني لسبب غامض عجزت عن السير...
لوفرة من الأسباب القهرية المتواطئة في صلابتها؛ أُغلقت جميع أبواب الانتقام في وجهه .. لم يعد أمامه سوى أن يجرّب الأساليب الطفولية المألوفة لرد الأذى إليها .. تلك الحيل القديمة التي على بساطتها يمكنها أن تعكّر أكثر الأمزجة قدرة على الاحتفاظ بصفائها .. كانت فرصة غير متوقعة أيضًا لاسترجاع النشوة...
ذات يوم أهداني أبي عربة مطافئ .. كانت صغيرة وحمراء على النمط الغربي الكلاسيكي ويجلس داخلها طفلان بملامح متطابقة ويرتديان زي رجال الإطفاء .. تخيلت نفسي الطفل الجالس وراء عجلة القيادة أما الطفل الآخر فلم أمنحه هوية محددة .. في مساء اليوم نفسه رأيت عربة المطافئ تحلق في السماء الممتدة وراء البيوت...
هو محبة! .. حسنًا، طالما لن تتمكن من قتله، فلتواصل محاولاتك لقتل المحبة .. تبصر شيطانًا صغيرًا، أرسله أبواه للعب، يتراقص متباهيًا في جسد طفلتك، ببنما تتقدم نحوك لتحتضنك وتخبرك أنها تحبك جدًا .. بكل الدموع التي خبأتها في قلبك طوال حياتك، بشهوتك الجارفة لدخول السماء من الخلف، وبيديك التي قطعتهما...
بوجهه الحليق الذي لا ينطق بالتشرد، وملابسه المهندمة التي لا تشير إلى خبل، وباتزان خطواته الذي لا يدل على ثمالة؛ يسير في الشوارع منذ زمن طويل مناديًا على أسماء عديدة .. لا أحد يعرف إلى أي أشخاص تنتمي تلك الأسماء: إخوته .. أبناؤه .. أصدقاؤه .. لا أحد يعرف السبب الذي يدفعه للنداء عليهم بهذه الطريقة...
لم أكن أتخيل أنني حينما أكون هنا سأجد نفسي وحيدة .. من دون ذلك الذي تمنيت أن يشاركني رقصة مختلسة .. رقصة واحدة فقط معه داخل قاعة رقص كهذه .. نعم، أردت أبوابها مغلقة كتلك الابواب .. أردتها أن تكون خالية مثلما هي عليه الآن .. لكنني أردته أيضا أن يكون معي .. كيف جئت إلى هنا؟ .. هل قادتني تخيلاتي...
ليست المرة الأولى التي آتي فيها إلى كافتيريا محطة القطارات هذه .. فعلت ذلك كثيرًا .. كل مرة أجمع ملابسي وأغراضي في هذه الحقيبة، ثم أغادر البيت من دون أن يشعر بي أحد .. يحدث الأمر أحيانًا في الصباح، وأحيانًا في المساء .. لكنني دائمًا لا أشتري تذكرة .. أجلس فقط في كافتيريا المحطة مثل بقية...
أين أنا؟ .. ما الذي جاء بي إلى هذه الحجرة؟ .. إنها لا تشبه أي حجرة دخلتها من قبل .. لكن صورتي معلقة فوق جدارها .. كيف أتت هذه الصورة إلى هنا؟ .. مع ذلك أشعر بأنني لست غريبًا تمامًا عن هذا المكان .. ليست صورتي فقط هي التي تشعرني بذلك، وإنما بعض الأشياء التي توجد هنا أيضًا .. هل سبق أن رأيتها في...
... وكما أخبرتك من قبل فالأمر يسير وفقًا لما هو متوقع حيث ظللت أبحث في الأيام الثلاثة الماضية عن شيء ما، وأجهدت نفسي ومعي ابنتي في التفتيش عن ذلك الشيء قبل أن أتذكر أنه لم يكن لديّ أصلًا .. حدث هذا وأنا في الثالثة والأربعين .. ليس بعد الستين مثلك، ولكنني سبق أن قلت لك أنه من المنطقي أن يحتفل...
اليوم ذهبت إلى الطبيب وحدي .. سألتني الممرضة وأنا أدفع ثمن الكشف إن كانت تمطر في الخارج .. أجبتها بارتباك مقتضب: "نعم" .. كأني لم أعتبره مطرًا حقًا إلا حينما سألتني .. كانت قد لاحظت بعينيها الناعستين أثر قطرات الماء على شعري وملابسي، وكان لصوتها نبرة ريفية ضجرة، وتبدو في بداية العشرينيات، وحينما...
في لحظة ما ستعجز عن سماعهم مجددًا وهم يتحدثون أو يضحكون .. لن تقدر حتى على تخيّل صمتهم أو الطريقة التي كانوا ينظرون بها إلى ما حولهم مرة أخرى .. كل أصواتهم ستتحوّل في ذاكرتك حتى النهاية إلي بكاء .. أنفاسهم ستصبح توجعات، وعيونهم ستكون دموعًا فقط .. اللحظة التي تكشف فجأة عن طغيانها الأبدي بالرغم...

هذا الملف

نصوص
67
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى