أحمد عبدالله إسماعيل

تضعنا الأديبة جمالات عبد اللطيف في قصتها القصيرة المعنونة بـ "والبنون" أمام مرآة كاشفة، لا تعكس ملامح الوجه بل تعكس عورات العلاقات الإنسانية في أقصى لحظات ضعفها. النص ليس مجرد سرد لمشهد الموت، بل هو "تشريح أدبي" يتجاوز الجسد الفيزيائي ليصل إلى عفن الروابط الاجتماعية حين يقتلها الجفاء. العنوان...
غرق الزقاق الضيق في حياة مسائية فاترة، حين سار "أمين" ممسكًا بيد والده، متوجهين نحو صالون الحلاقة العتيق. وفي حين سار الأب بخطوات بطيئة، رتيبة، كأنها تحصي ذكريات الرصيف، تقافزت خطوات الصغير فوق الظلال، حتى توقف فجأة أمام ذلك السور الإسمنتي الذي نبتت على شقوقه طحالب الزمن. هناك، عند ثقبٍ صغيرٍ في...
يطلّ أحمد بسيوني، صاحب الثلاثين خريفًا، كقصيدة من النثر المتقن؛ رجلٌ صاغته الأرقام قبل أن تصقله الحياة. خريج "الاقتصاد والعلوم السياسية"، ذلك التخصص الذي علّمه كيف يُخضع فوضى العالم لقوانين "الإحصاء"، فغدا عقله دوامة تساؤلات لا تهدأ، يسكنه ذكاءٌ متقد، يلمع في عينيه كجذوةٍ لا تنطفئ. لم يكن تفوقه...
يؤمن مصطفى أن البيوت أسرار، وأن الفراق فنٌّ لا يجيده إلا النبلاء. حين انصرم حبل الوصال بينه وبين "ليلى"، لم يبعثر ذكرياتهما في ردهات المحاكم، بل لملم ما تبقى من كرامة المودة، ومضى يقتفي أثر ذلك العهد القديم الذي قطعه يوم دخلت بيته أول مرة؛ عهدٌ قوامه الثقة، وسياجه الاحترام. لكن ليلى لم تكن تمشي...
عاش "أدهم" أربع سنوات يقتات على فتات الذاكرة. كان الفقد هجيرًا لا يرحم، اختطف رفيقة دربه في غمرة زحام العودة من العمل، تاركةً خلفها "ياسين"؛ خمس سنوات من البراءة المذعورة. صار الصغير هو الشاطئ والمرسى لأدهم، يحمله فوق كاهله كتميمة مقدسة، يرى في ملامحه طيف الغائبة التي لم تغادر روحه قط. حين دخلت...
حين طرقت الشرطة بابه، ظنهم جاؤوا ليمنحوه أخيرًا الحق في الرؤية الذي طال انتظاره لثماني سنوات؛ لكنهم قذفوه بتهمة الإهمال؛ ليُسجن لأول مرة باسم ابنه الذي لم يرَ وجهه لسنوات. لم يطرق الباب. ركلوه. ارتد خشب الباب القديم إلى الداخل وهو لا يزال على سريره، يقلب في هاتفه صورًا لا يملكها. اقتحم ثلاثة...
في النادي، جلست الطفلة كطردٍ بريدي بانتظار الفحص. لم تنظر إلى الألعاب البلاستيكية المتهالكة حولها، بل راقبت انعكاس وجهها في مرآة حقيبة يد أمها الصغيرة. الأم، التي ترتدي ثيابًا أنيقة لا تليق بمعلمة لغات في مدرسة دولية فحسب، بل بسيدة أعمال، لم تنظر إلى الطفلة؛ تحركت أصابعها بآلية مدهشة على شاشة...
في حي "الشرفاء"، حيث تتدلى الأسلاك الكهربائية كشرايين منهكة على جدران الطين، اعتُمد الصمت لغةً رسمية. هناك، خلف ستائر مهترئة، شُيدت البيوت من الكتمان والسرية. في مستشفى "الرحمة"، تعتصر سوزان يد أمها بقوة تشبه التشبث بحافة الحياة. تتقلب على سرير الولادة كأنها تحاول الهروب من جسدها نفسه. همست الأم...
نظر إلى الساعة؛ فأحس أنه لا يزال لديه بعض الوقت لترتيب الفوضى قبل الانطلاق. وقف أمام المرآة، يربط رابطة عنقه بدقة جراح يغلق جرحًا لمريض السكري. لم يجد خلف انعكاس وجهه المتعب سوى "المعاناة". التفت إليها، رآها لا تزال تلتحف ببقايا النعاس، ألقى التحية الصباحية ثم مضى. لم يعلم أن الأبواب التي...
صار الصمت، في ردهات المنزل، أثقل من الجبال. أربعة أشهر و"عماد" يسير بجانبي كغريب، جسده حاضر وروحه غائبة خلف جدار من الجليد. أعلم أنني أنا من وضع اللبنة الأولى في هذا الجدار؛ تلك اللحظة التي خارت قواي فيها خلف شاشة "الماسنجر"، حيث تملكني ضعف لحظي في محادثة مرئية لا تشبهني في شيء. اليوم، تحطم...
البحث عن ذبابة لأحمد عبدالله إسماعيل والبحث في أغوار النفس الإنسانية، في توازن الحياة، فى التناقض والتعايش، فى الوحدة والفراغ والصمت، فى الضجيح والعرق والزحام، في رائحة البخار المنبعث من الأفواه، فى الغرف المعقمة والجدران التي تبدو مبطنة بالقطن، ودقات الساعة الرتيبة التي انتظمت مع دقات القلب...
في المساء الذي سبق الجنازة، وقف عمر أمام واجهة محل الصائغ. كان المحل مغلقًا. رأى وجهه في الزجاج، شاحباً كأنه لشخص آخر. عاد إلى بيته، وفي جيبه لفافتان: واحدة من ورق خشن، لف العم شاكر فيها تمرًا قبل موته بأسبوع، والأخرى من قماش، كتبت عليها ليلى ذات مساء: "لن أنتظر أكثر من عام". في صباح اليوم...
هذه القصة لا تحكي عن رجل انتقل من مدينة إلى أخرى، بل عن روحٍ حاولت أن تستبدل جلدها بالصمت، فاكتشفت أن الصمت جلدٌ أضيق من الضجيج. عمرو لم يهرب من وطنه بقدر ما هرب من الاحتكاك، من ذلك التلاصق البشري الذي يجرح ويؤنس في آنٍ معًا. كان يظن أن الازدحام اعتداء، وأن الخصوصية نجاة، لكنه حين بلغ أقصى درجات...
من أسمى تجليات العدالة الربانية والرحمة الإلهية أن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ عباده بجهالة، ولا يضرب عليهم بسوط العذاب إلا بعد إقامة الحجة واستبانة المحجة؛ مصداقًا لقوله عز وجل في محكم التنزيل: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا». وعليه، فإنّ الذين لم تدركهم شمس الرسالة، ولم...
تنفست المريوطية في ذلك المساء بصعوبة. الترعة راكدة، يغطي سطحها غشاء أخضر يشبه ذاكرة لم تعد قادرة على النسيان، وعلى الضفة تنتصب نخيلات متعبة، تتكئ على الريح كعجائز يرفضن السقوط. جلس "عادل" خلف مقود سيارته البيجو القديمة، يراقب انعكاس عينيه في المرآة. لم يعد يميز إن كان التعب قد حفرهما أم أن الشك...

هذا الملف

نصوص
231
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى