في حي "الشرفاء"، حيث تتدلى الأسلاك الكهربائية كشرايين منهكة على جدران الطين، اعتُمد الصمت لغةً رسمية. هناك، خلف ستائر مهترئة، شُيدت البيوت من الكتمان والسرية.
في مستشفى "الرحمة"، تعتصر سوزان يد أمها بقوة تشبه التشبث بحافة الحياة. تتقلب على سرير الولادة كأنها تحاول الهروب من جسدها نفسه. همست الأم...
نظر إلى الساعة؛ فأحس أنه لا يزال لديه بعض الوقت لترتيب الفوضى قبل الانطلاق. وقف أمام المرآة، يربط رابطة عنقه بدقة جراح يغلق جرحًا لمريض السكري. لم يجد خلف انعكاس وجهه المتعب سوى "المعاناة". التفت إليها، رآها لا تزال تلتحف ببقايا النعاس، ألقى التحية الصباحية ثم مضى. لم يعلم أن الأبواب التي...
صار الصمت، في ردهات المنزل، أثقل من الجبال. أربعة أشهر و"عماد" يسير بجانبي كغريب، جسده حاضر وروحه غائبة خلف جدار من الجليد. أعلم أنني أنا من وضع اللبنة الأولى في هذا الجدار؛ تلك اللحظة التي خارت قواي فيها خلف شاشة "الماسنجر"، حيث تملكني ضعف لحظي في محادثة مرئية لا تشبهني في شيء.
اليوم، تحطم...
البحث عن ذبابة لأحمد عبدالله إسماعيل والبحث في أغوار النفس الإنسانية، في توازن الحياة، فى التناقض والتعايش، فى الوحدة والفراغ والصمت، فى الضجيح والعرق والزحام، في رائحة البخار المنبعث من الأفواه، فى الغرف المعقمة والجدران التي تبدو مبطنة بالقطن، ودقات الساعة الرتيبة التي انتظمت مع دقات القلب...
في المساء الذي سبق الجنازة، وقف عمر أمام واجهة محل الصائغ. كان المحل مغلقًا. رأى وجهه في الزجاج، شاحباً كأنه لشخص آخر. عاد إلى بيته، وفي جيبه لفافتان: واحدة من ورق خشن، لف العم شاكر فيها تمرًا قبل موته بأسبوع، والأخرى من قماش، كتبت عليها ليلى ذات مساء: "لن أنتظر أكثر من عام".
في صباح اليوم...
هذه القصة لا تحكي عن رجل انتقل من مدينة إلى أخرى، بل عن روحٍ حاولت أن تستبدل جلدها بالصمت، فاكتشفت أن الصمت جلدٌ أضيق من الضجيج. عمرو لم يهرب من وطنه بقدر ما هرب من الاحتكاك، من ذلك التلاصق البشري الذي يجرح ويؤنس في آنٍ معًا. كان يظن أن الازدحام اعتداء، وأن الخصوصية نجاة، لكنه حين بلغ أقصى درجات...
من أسمى تجليات العدالة الربانية والرحمة الإلهية أن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ عباده بجهالة، ولا يضرب عليهم بسوط العذاب إلا بعد إقامة الحجة واستبانة المحجة؛ مصداقًا لقوله عز وجل في محكم التنزيل: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا».
وعليه، فإنّ الذين لم تدركهم شمس الرسالة، ولم...
تنفست المريوطية في ذلك المساء بصعوبة. الترعة راكدة، يغطي سطحها غشاء أخضر يشبه ذاكرة لم تعد قادرة على النسيان، وعلى الضفة تنتصب نخيلات متعبة، تتكئ على الريح كعجائز يرفضن السقوط.
جلس "عادل" خلف مقود سيارته البيجو القديمة، يراقب انعكاس عينيه في المرآة. لم يعد يميز إن كان التعب قد حفرهما أم أن الشك...
……..؟
ليست الكتابة عن فلسطين ترفًا أدبيًا تُملأ به الأوقات الفارغة، أو استجابةً لدافعٍ عابر تمليه اللحظة؛ بل هي في جوهرها عملية "تأريخ للروح" في مواجهة محوٍ قسري يُمارس على الهوية والجغرافيا.
………….؟
حين يقرر الكاتب أن يجعل من فلسطين نبضًا لنصه، فإنه يعبر جسرًا مشتعلا من حيز "المؤلف" إلى رحاب...
في مكتب هادئ، تسمع طنين جهاز التكييف، وصوت نقرات خفيفة وسريعة على لوحة مفاتيح، وصوت تقليب أوراق رصين، يجلس المدير العام، وفي المكتب المجاور حيث يطغى صوت العملاء والأوراق والآلات الحاسبة على أنفاس الموظفين، تتحرك "أميرة" كفراشة هادئة؛ أناقة مفرطة، وصوت خفيض لا يكاد يُسمع، ورزانة تفرض الاحترام على...
في قاعة المحكمة، لم يتسلل البرد من الرخام، بل من الكلمات الجافة التي تبادلها مع زوجته. وقف منصور بصلابة كبريائه الجريح، يرفض التنازل عن شبرٍ واحد من "عناده". على المقاعد المقابلة، جلس طفلاه يرقبان بصمتٍ مرعب تحوّل والدهما إلى "خصم قانوني". حينها، ظن منصور أن كسب القضية هو معركته الوحيدة، ولم...
في مدينة اللامبالاة، استيقظ آدم صباح اليوم وهو يشعر أن قلبه أُنهك من التجاهل. تذكّر عدد المرات التي مدّ فيها يده أولًا، وعدد المرات التي عادت فارغة. لم يكن غاضبًا فحسب، بل متعبًا أيضًا. جلس على حافة السرير، وابتسم ابتسامة باهتة، كمن وجد أخيرًا معادلة تُنهي الفوضى.
أعلنها في قرارة نفسه ثورةً...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
من وراء زجاج شرفتها في الطابق الثالث، وقفت سارة تراقب العالم كما لو أنه فيلمٌ بلا صوت، بطله المطر. غير أن المشهد في الأسفل خلخل منطق الأشياء: شابٌّ في عمر الحلم، ممدّدٌ وسط الشارع، غارقٌ في بركةٍ من ماءٍ وطين، كأن القاع الذي هرب منه طويلاً قرّر أخيرًا أن يحتضنه.
لم يكن يرتجف.
وذلك وحده كان...