في طريقه إلى العمل، تزاحمت أمثال جدّته في رأسه كما يتدافع الركّاب على باب الحافلة. وحين صعدت تلك المرأة، مدّ السائق يده قائلاً:
ـ تذكرة يا مدام؟
رأى في ملامحها حدّة، وفي كتفيها اتساع، وفي مشيتها صلابة رجلٍ يعرف طريقه.
مدّت إليه الأجرة، فالتقطها بأطراف أصابعه، وقال بنبرة هادئة:
ـ تفضّلي الباقي يا...
يمور العالم داخل بطن فرن مشتعل كالذي أمسكت يوما بعصاه الحديدية و شويت بها قفا ابن عم لي ؛كنا نتصارع على رغيف الخبز، ومن تلك الساعة وأنا في دوامة تأخذني حيث لا أكاد أشبع صغاري، خيل لي أن المحرقة التي أعدها هتلر ما يزال شبحها يخيم من جديد متوعدا بفناء هذا الكون، فم السقاء عبث به فأر الجيران الذين...
أنا رجل عجوز، أعيش في صقيع الوحدة القارس. أسكن شقة في الطابق الرابع، تطل شرفتها على نوافذ وشرفات البنايات المقابلة في هذا الحي التركي الذي استقررت فيه منذ عشر سنوات. لا أخرج إلى الشرفة إلا نادراً، وبدافع وحيد هو تجفيف الغسيل؛ فلا رغبة لي في أن يثير وجودي ريبة الجيران أو يتهمني أحد بالتلصص. أكتفي...
القطة
قصة قصيرة:
بقلم محمد محمود غدية / مصر
اعلان فى الصحف عن مكافأة نصف مليون جنيه لمن يعثر على الكلبة كاتي، التى قفزت من شباك النافذة، وهى كثيرا ماتفعل ذلك وتعود، حتى كان يوما قفزت فيه ولم تعد، المبلغ ليس بالقليل، الكثير حاولوا البحث والفوز بالجائزة ولم يفلحوا، فالكلبة من سلالة نادرة ورمادية...
- صوت المذيع يصدح بصوت جهوري مهيب: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية!!
البث التلفزيوني توقف إلا من هذا الصوت الذي يردد بشكل متكرر: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية، ويهدد بعدم التورط في أي عصيان أو تمرد مدني!!
تميز بيتنا في هذا اليوم بحركة غير عادية، وغريبة، وغامضة؟ جدتي لأبي...
كل صباح تأتي بعباءتها السوداء تحمل جرة فخارية تضمها إلى صدرها كأنها تمسك ضلع مكسور . تمشي بمحاذاة الشاطئ متكئة على عصا من جريد النخل تنقل قدميها النحيلتين المرتعشتين حتى تبلغ الركن الذي تتكسر عنده الأمواج ثم تجلس تحت نخلة لا يتذكر أحد من زرعها ولا لماذا تركت وحيدة في طرف القرية .تغمس أصابعها في...
كان يزن يرسم بيتهم للمرة الثالثة؛ عمارةً من خمسة طوابق، نوافذها زرقاء، وشرفة أمّه مليئة بأصص الريحان. رسم أباه واقفًا عند الباب، وأمّه في الشرفة، ثم رسم نفسه أمام البيت بسيارة حمراء صغيرة في يده.
رفعت أمّه رأسها من المطبخ وسألته: ليش بترسم البيت كل مرة يا يزن؟
ـ عشان لما أكبر وأصير مهندس، أبني...
حين اهتزّ سكون الليل بطرقات الباب، لم يكن الصوت مجرد قرع عابر، ورغم أن العتمة كانت قد طمست معالم الكون بالخارج، إلا أن الرجل أدرك بحدسه القلق أن الظلام لا يملك القدرة على تبديل هوية الأشياء، ولا تحويل صدى المعدن إلى خشخشة خشبية ميتة.
فتحت المرأة الشابة الباب والتردد ينهشها، فخطا القادم نحو باحة...
تحت شجرة البلوط العتيقة، كنت جالسا على صخرة ترابية عند مدخل الدوار، أنتظر الحافلة الوحيدة التي تمر من هناك مرة في اليوم. لم أكن أعرف إن كانت ستأتي في موعدها، ولا إن كان السائق سيقرر المرور أصلا. كانت الحقيبة الفوشية تستند إلى ساقي، وقد بدت لي غريبة في ذلك المكان، بلونها الصارخ وسط التراب وأوراق...
لم يظهر كافكا لي لأنني كنت في براج.
ظهر لأنني كنت قد وصلت إلى السؤال الذي ظللت أهرب منه طوال حياتي.
طوال سنوات عملي في الآثار، كنت أظن أنني أبحث عن الماضي. كنت أبحث عن المقابر، والتماثيل، والنقوش، والبرديات، والمدن التي ابتلعها الزمن. كنت أقرأ أسماء الموتى، وأحاول أن أعيد إليهم أصواتهم. كنت...
لضحكتُ حقًا لو أن أحدًا أخبرني يومًا، من قبل، أنني سأغرم برجل مجنون بالنساء.
كنت أظن يومها أنني سأختار مَن أحب كما أختار حقيبةً تناسب لون فستان سأرتديه.
لكنني لم أكن أعرف أن بعض القلوب تختارنا قبل أن نمنحها الإذن، وأن بعض العيون قادرة على أن تُربك كل ما رتّبناه في داخلنا.
سمعتُ الزميلات يتهامسن...
لم يكن أبو ناصر يتخيّل، وهو يعلّق شهادته الجامعية على جدار الصالة، أن يأتي يومٌ يقف فيه على باب سيارة أجرة، ينادي على الركاب، ويخاصمهم على ثلاثة شواكل.
كان معلّمًا للغة العربية منذ سبعة وعشرين عامًا. يعرفه أهل الحيّ بوقاره، ويحفظ طلابه عبارته التي كان يرددها كلما تشاجر اثنان منهم: «يا أولاد،...
تجلسُ امرأتان فوق مصطبة حجرية في إحدى محطات المحافظات الجنوبية، يلوذ البرد الشتائي القارس بأطراف عباءتيهما السوداوين، وينسج الليل سديمه الثقيل فوق رصيف ينتظر قطاراً قادماً من البصرة، محشواً بأجساد الجنود الناجين بعد أن انطفأت ملحمة الكويت الفاشلة وتركت البلاد نهباً للرماد، وكانت إحداهما فتاة...
"ثلاثون مترًا معلّقة بين الأرض والمجهول"
في الأحلام قد ترتدي عباءة البطل أو قناع الجبان، لكن اليقظة لا تفتح سوى درب واحد، كأنه خط محفور على صخرة، يقودك إلى مصيرك دون التفات.
خطوة واحدة على الحصيرة الهزّازة تكفي لتذكّرك أن الأحلام لا تملك درابزين، وأن النهر تحتك ليس ماءً فقط، بل مارد...
في نظركم، أقول الطنطاني رحمه الله أم أقول "سامحه الله" التي تعني دائما "لا سامحه الله" التي تقول بلطف لعنه الله؟.
كان ذلك يوم جاءها، كهدية، بالزّرِيعة التي اشتهت والتي طلبت، بلفظ خجول وغمزة صريحة بعدما سألته ببراءة خبيثة "واش محلوله حانوت الطنطاني؟".
كان، بحكم الصدفة لا غير، مصادفا لها في فضاء...