روزا ياسين - كتاب “القبلة” : أنت لا تقبّل بشفتيك، أنت تقبّل بقلبك

حين سألت في معرض الكتاب الأخير بدمشق عن كتاب جديد، كنت قد سمعت به مؤخراً، وهو بعنوان: القبلة، قيل لي أنه منع، وتمت مصادرة 45 نسخة منه. وتحت إصراري أعطاني الشاب البائع نسخة من اثنتين كان قد خبأهما عن عيون الرقباء في درج مكتبه.

وأنا عائدة كنت أفكر بأنه منذ أن كتب الشيخ النفزاوي كتابه الشهير: “الروض العاطر في نزهة الخاطر”، ويقدّر أن ذلك حصل في القرن السادس عشر، راحت جملته الشهيرة تحكم، باعتقادي، التفاصيل الجنسية لقارئيه: قبلة رطبة خير من إيلاج سريع. وهو إذ يصف الرجل الذي يستحق الإزدراء والاحتقار، بانه الذي لا يلاعب، لا يقبّل، ولا يعضّ أو يمصّ المرأة. والمرأة المحتقرة هي التي لا تهتم بشكلها، وتترك فمها بلا نظافة، وشفتيها باهتتين، وفمها مفتوحاً واسعاً غير معطّر!

كتب الكثير من الأئمة والشيوخ والعلماء العديد من الكتب الإيروتيكية بالعربية، العلمية منها وغير العلمية. منها كتاب: “تحفة العروس في نزهة ألباب النفوس” للشيخ التيفاشي، و“عروس العرايس” للجهشياري، وكتاب جلال الدين السيوطي: “الوشاح في فوائد النكاح”. وكتاب القرطبي: “التدبير المعين على كثرة الجماع”. وكتاب: “القول في شهوة الفرج” للغزالي. وكتاب: “الإيضاح في أسرار النكاح” للشيرازي. ثم انقطعت السلسلة بعد انحدار الإمبراطورية العربية واحتلالها من قبل العثمانيين. لتعود بخجل بكر كي تنكتب في العصر الحديث، لكنها هذه المرة أقل جرأة من جدّاتها، ممنوعة محتجبة. والملاحظ أن أكثرية الكتّاب، إن لم يكونوا كلهم، كانوا ذكوراً، وانسحبت تلك الأكثرية حتى اليوم، مع وجود استثناءات قليلة كتبت الإيروتيكا بشكلها السردي الأدبي وليس العلمي. فأن تكتب امرأة كتاباً إيروتيكياً علمياً لهو أمر غاية في الخطورة بالتأكيد، ضمن عقلية ذكورية لا تستطيع الاقتناع بنديتها في الحياة، فما بالك لو تنطّحت للتنظير الجنسي! وربما كانت نوال السعداوي، حسب إطلاعي، هي التي افتتحت المسيرة بكتابها «المرأة والجنس» 1969، ومن ثم ببقية كتبها. بعد ذلك بدأت تلك الاستثناءات القليلة بالحضور.

صاحبة الكتاب الذي سألت عنه هي د. فوزية الدريع، وهي كاتبة وأخصائية نفسية في جامعة الكويت، تبدو مصرّة على دخول النساء ذلك الميدان. فبعد أن كتبت دراستها العلمية: برود النساء 1993، راحت كتبها الجنسية تتوالى لتغدو أكثر من 11 كتاب، منها: الجنس والطعام في العام 1995، ثم الحب في الأربعين 1997، وعجز الرجال 1996/2006، ومليون سؤال في الجنس 2006 وغيرها. وكتابها الجديد: القبلة، يؤرخ في حوالي 300 صفحة للقبلة.

وانفتح أمامي، حالما بدأت القراءة، عالم هائل من الاكتشاف واللذة، ومتعة سبر جسدي، ومعرفة خصوصياته، وتفرده، وآماد الغواية التي لا تنتهي.

فأنت لا تقبّل بشفتيك، كما تقول د. فوزية، بل تقبّل بقلبك، بروحك، وبكل نبضة من جسدك. على هذا فالمثل القائل: القبلة هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تأخذه دون أن تعطيه، أو تعطيه دون ان تأخذه. هو مثل حاضر في كل صفحة من صفحات الكتاب.

تلفت الكاتبة إلى أن الدراسات الخاصة بلغة الجسد Body Language أكدت أن شفاه المرأة أقدر على توصيل رسالة واضحة من شفاه الرجل. لهذا أسباب نفسية، وهو تاريخ منع المرأة من التعبير اللفظي، مما دفعها إلى تطوير التعبير البدني، فأجادت لغة التمايل، لغة العيون، ولغة الشفاه. وهناك أسباب فيزيولوجية أيضاً، وهي ما تؤكده الأبحاث في كون شفاه المرأة يتغير حجمها وشكلها ولونها حسب إحساسها أكثر من شفاه الرجل. حتى أن الدراسات الأخيرة وجدت أن تقبيل المرأة الحامل في أشهرها الأخيرة، يجعل جسدها يزيد من إفراز هرمون بذري، فيه نزعة نمو وتطور سريع، ووظيفته توسيع عظام العانة وإرخاء الرحم، مما يجعل الولادة أسهل!

هناك نظرية قديمة ترى أن الأنفاس هي التي تجعل الروح متماسكة باقية. هذه الفكرة المخزّنة في اللاشعور أثناء التقبيل، تجعل تبادل النفس يخلق ارتباطاً غريباً. القبلة إذاً تزاوج أرواح ليس إلا. والجلد، باعتباره أكبر عضو جنسي في جسد الإنسان، هو المستقبل لها، فتغدو القبلة أهم بند من بنود الحب والمتعة واللذة الجنسية.

لكنها، أي القبلة، مهمة للمرأة أكثر من أهميتها عند الرجل، لأنها احتياج فطري تفرضه طبيعتها الجسدية والنفسية. المرأة تحتاج إلى القبلة لأنها تشبع فيها الشاعرية والرومانسية التي تتميز بها أكثر من الرجل. والمرأة تحتاج إلى التقبيل حتى يثار جسدها، ويتصاعد ويرتخي، ويتهيأ للعملية الجنسية. فالرجل يثار بشكل أكثر سهولة. وفي دراسة قامت بها مجلة New Woman الإنكليزية عام 1982 حول القبلة، وجدت أن ربع النساء يرين القبلة أهم من الإيلاج، وثلثي العينة الباقية يرين القبلة تساوي أهمية الإيلاج.

القبلة تقول الحقيقة: حقيقة إحساسك النفسي والعاطفي للحبيب، للصديق، للابن، للغريب، وللعدو أيضاً.

وتقوم الكاتبة خلال عرضها العلمي بدراسة القص الشعبي، وهي طريقة ما بعد حداثية عملت عليها مدارس النقد النسوي في الغرب. وهي تقوم بدراسة جميلة وعميقة لقصة: قبلة الأميرة للضفدع. فترى أن تحوّل الضفدع إلى أمير هو إعلان نفسي أن القبلة قادرة على إحداث تحوّل عام في حياة الإنسان. رسالة فلوكلورية نفسية، تقول أن القبلة قادرة على جعلنا أجمل شكلاً وروحاً، وقادرة على إعطاء إحساس جيد، وتصاعد روحي عظيم، ودغدغة ولذة.

لكن طريقة التقبيل مثل طريقة اللبس، يمكن الحكم فيها على شخصية المقبّل. فهناك مقبّل مغمض العينين، وهو رومنسي بشدة، برأي الكاتبة. وفي دراسة قام بها عالم أنثروبولوجي درس السلوك العاطفي في العالم، وجد أن 99% من النساء يغمضن العيون أثناء القبلة، و31% فقط من الرجال يغمضونها. والمرأة غالباً ما تحبّ التقبيل في الظلام، ربما من باب الحياء أو التركيز على اللذة. حتى أن هناك قولاً غربياً يقول: القبلة مثل الفيلم يجب أن نحمّضه في الظلام وإلا احترق.

في أنواع المقبّلين أيضاً هناك مقبّل مفتوح العينين، وهو واقعي. والمتدرجون في التقبيل. والذين يقبلون بفم مقفل. وأصحاب الشفاه العابسة. وأصحاب القبلة الشفاطة. وأصحاب القبلة الفرنسية. وعضاضو الأذن. وأصحاب البصمة، وهو يتركون بصمات تقبيل على الجسد. وقبلة الرضاعة. وهناك شخصيات متطرفة بأسلوب التقبيل، وهم أصحاب القبلة المختلفة.

تقول إحدى الحالات المذكورة في الكتاب: “أعرف زوجي والحالة التي يمر بها من طريقة تقبيله لي. فإن بدأ بتقبيل ذراعي مثل قبلات (باباي) في الرسوم المتحركة، أعرف أنه في حالة نفسية جيدة، وأن هناك شيئاً مرحاً حصل له في العمل. وإن قبلني على رأسي حال عودته من العمل، أعرف أنه مهموم بأفكار تخصّ عمله. أما إذا دخل علي في المطبخ، وقبّلني على رقبتي، فأنا أدرك أن تلك الليلة ستكون حمراء”.

وفي أنواع القبلة تورد الكاتبة أولاً القبلة العميقة، التي يسميها كتاب الكاماسوترا الهندي “حرب الألسن”. ثم قبلة العض، وقبلة الشفاطة، وقبلة اللسان، وقبلة الباحث، قبلة حلاقة اللسان، القبلة المنزلقة، قبلة الشعر، وقبلة العين، وقبلة الأذن، قبلة الوعد الشرقي (وهي قبلة الثدي)، قبلة الرقبة، قبلة الأنف، قبلة الفراشة (وهي تدغدغ الجسد كله برموش العينين)، القبلة المركزة على عضو ما، القبلة الكهربائية، القبلة المائية، القبلة الغذائية، قبلة أحمر الشفاه، القبلة الرطبة، القبلة الصوتية، قبلة التلفون، قبلة المفاجأة، القبلة الموسيقية، القبلة الحسابية، قبلة بارد- حار، القبلة المعطرة (نساء إفريقيا ما زلن يضعن قليلاً من سائل المنطقة التناسلية وراء الأذن، ليتم الانجذاب للتقبيل)، ومن ثم قبلة لعب الأدوار، وأخيراً القبلة الأكثر تهييجاً: القبلة التناسلية.

ثمة مثل يوناني قديم يقول: “العشاق يعيشون على الماء البارد والقبلة”. بمعنى أن التقبيل يخلق عند الإنسان حالة شبع شبيهة إلى حدّ بسيط بشبع الطعام. إذا القبلة وسيلة للريجيم! فهي تعطي دفئاً للجسم، بتحريك الدورة الدموية، وحرق سعرات حرارية. حتى أن القبلة الفرنسية مثلاً تحرق 239 سعرة حرارية. وضمن الأشياء الطريفة فإن هناك ثنائي استطاع أن يقبّل لمدة 17 يوماً وعشر ساعات ونصف الساعة، ليدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية في أطول قبلة في التاريخ.

كما إن مناطق التقبيل تعمّ مناطق الجسد كله وليس الشفاه فحسب. وتتراوح من فروة الرأس، حيث تتدغدغ القبل جذور الشعر، والقبلة على الجبهة، الحاجبين، العيون، الخدود، الأذن، الرقبة، الفم، اللسان، الشفاه، الظهر (من الأكتاف إلى العمود الفقري)، الثدي (صدر المرأة يكبر بنسبة 25% وقت الإثارة عن وضعه دون إثارة جنسية)، والقبلة على اليد، والأقدام، الأرداف، والجهاز التناسلي.

في مقدمة الكتاب تقول الكاتبة أن المشكلة كانت حين قررت أن تكتب كتاباً عن القبلة. ماذا يمكن أن أكتب عن القبلة؟!. وهل يحتمل الأمر كتاباً؟! خصوصاً أنه لا يوجد كتاب علمي تخصصي عن القبلة في المكتبة العربية، وفي المكتبة الأجنبية هناك خمسة كتب عن القبلة، اثنان جادان وثلاثة تميل للنكتة والدعابة.

لكن د. فوزية الدريع استطاعت، عبر فصول كتابها الذي نشرته دار الجمل في ألمانيا، أن تؤرخ للقبلة حقاً، من رسالة القبلة إلى سيكولوجيتها، إلى أسباب التقبيل، مناطقه، أنواع القبل، ومن ثم قبلة الحيوان، قبلة الموت، وفصل مختص بغرائب وحقائق عن القبلة. إضافة إلى تزيين مقدمة كل فصل بمجموعة من الأشعار والسرديات التي تتكلم عن القبلة عبر الزمن.
وربما كان واحد من أجمل تلك الاشعار ما قاله البهاء زهير:
وليس مشيباً ما ترون بعارضي = فلا تمنعوني أن أهيم وأطربا
فما هو إلا نور ثغر لثمته = تعلّق في أطراف شعري فألهبا

.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...