رامي زيدان - حكاية عائشة بنت طلحة امرأة عصرها

كلّما عدت الى قراءة أخبار عائشة بنت طلحة (توفيت عام 110 هـ ودفنت في المدينة المنورة)، في كتب "الأغاني" للاصفهاني، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"سير أعلام النبلاء" لشمس الدين الذهبي، و"نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري، و"صحيح" البخاري، سحرتني بجمالها المتخيل وأغوتني بأخبارها "الاستثنائية" و"الصادمة" و"المشرقطة" و"السوقية" والاريستوقراطية. كانت إحدى "سيدات" عصرها، تقرأ الشعر وتتذوقه وترويه وتحبّه على لسان عمر بن أبي ربيعة، ولها مجلس أو "ندوة" أدبية يُدعى إليها الشعراء وسادة القوم، بل كانت المرأة النموذج التي تناكف زوجها وتعيش هوى رغبتها ومبتغاها، ولها طقوسها الخاصة وعالمها المغاير في الباه والرجال والجمال والحياة والدين، وربما كانت واحدة من عشرات كن يعشن على هذا النسق في الزمن الاسلامي، لكن التركيز عليها كان باعتبارها من التابعين والمقربين من اركان الصحابة.

قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "كانت عائشة أجمل نساء زمانها وأرأسهن، وحديثها مخرّج في الصحاح". وهي "امرأة جليلة" بحسب أبي زُرعة الدمشقي، وسليلة بيت كبير القدر في عصر النبوة، و"قد حباها الله جمالاً باهراً، كأنها هي إحدى حور الجنة في هذه الدنيا"، بحسب كتاب "نساء من عصر التابعين". أبوها طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، أحد كبار الصحابة ومن "العشرة الأوائل المبشرين بالجنة"، وأمّها أمّ كلثوم، بنت الخليفة أبي بكر الصديق، وكانت أشبه الناس بخالتها عائشة زوجة النبي وأحبّهم إليها وأطبعهم على علمها وأدبها، فقد تتلمذت عليها، وروت عنها الحديث النبوي.
أسهب كتّاب السير الباحثون في التراث، في الحديث عن افتتان الرجال بجمال عائشة وقوة شخصيتها وتعابيرها. وعلى رغم أنها لم تنجب إلا ولداً واحداً طوال حياتها، وكان ذلك ينتقص من قدر المرأة وقيمتها في المجتمعات العربية والإسلامية، كانت لا تُرَدّ لها كلمة، بل ان جمالها كان سلطة إضافية الى سلطة سلالتها باعتبارها من التابعين أو المقربين من الصحابة والأولياء.

وجه بلا ستر
النقطة البارزة التي تستوقف الباحثين والرواة و"المندهشين" بأمور التراث، أن عائشة على رغم أنها من سلالة التابعين ولا تستر وجهها على أحد، تردّ ذلك الى جمالها وحسنها وليس الى التعبد والإيمان. يروي ابن إسحاق عن أبيه: دخلت على عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وكانت تجلس وتأذن كما يأذن الرجل. وقال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: إن القوم يريدون أن يدخلوا اليك فينظروا إلى حسنك! قالت: أفلا قلت لي فألبس حسن ثيابي.
يروي الأصفهاني: "كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد، فعاتبها مصعب (ابن الزبير زوجها) فقالت: إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس، ويعرفون فضلي عليهم، فما كنت أستره، والله ما فيَّ وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد". لا يجرؤ على نقل مثل هذه الصورة الحدث إلا أديب تحرّر من قيود المجتمع بعض الشيء، بحيث لا يعدّ سفور الوجه مثلبة على السافرة. غضّ بعض المؤرخين النظر عن مثل هذه الرواية، التي تؤشر إلى تقدّم الماضي على الحاضر. وتفصح عائشة عن ثقتها بنفسها حين ردّت على نظر شخص يدعى ابن أبي الذئب وهي تطوف حول الكعبة بالقول:
مِنَ اللاء لم يحججنَّ يبغينَ حسبةً/ ولكن ليقتلنَّ البريء المغفلا
يبدو عدم تستر وجه عائشة عابراً ونافلاً، مقارنةً بشخصيتها وزيجاتها وعلاقتها بأزواجها وتفاصيل تلك العلاقات التي كانت تروى على الملأ كأنها عبرة لمن اعتبر. حكي أن مصعب بن الزبير (زوج عائشة الثاني) لما عزم على زواج عائشة جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وسعيد بن العاص إلى عزة الميلاء، وكانت عزة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء، فقالوا لها خطبنا فأنظري لنا. فقالت لمصعب من خطبت؟ قال عائشة بنت طلحة. فقالت يا جارية هاتي خفّيَّ فلبستهما وخرجت ومعها خادمها فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت فديتك كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش فذكروا جمال النساء وخلقهن فلم أدر كيف أصفك، فألقي ثيابك ففعلتْ (أي خلعت عائشة ثيابها) فأقبلت وأدبرت فارتجّ كل شيء منها فقالت لها عزة خذي ثوبك. ثم أتت القوم في السقيفة فقالوا ما صنعتِ فقالت يا بن أبي عبد الله أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة محطوطة المتنين عظيمة العجيزة ممتلئة الترائب نقية الثغر وصفحة الوجه فرعاء الشعر ممتلئة الصدر خميصة البطن ذات عكن ضخمة السرة مسرولة الساق يرتج ما أعلاها، وفيها عيبان، أما أحدهما فيواريه الخمار، وأما الآخر فيواريه الخف؛ عِظم القدم والأذن.
وعن اثيلة بنت المغيرة قالت: زرت مع مولاتي خالتها عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ شابة فرأيت عجيزتها من خلفها وهى جالسة كأنها غيرها (دليل على كبر مؤخرتها) فوضعت إصبعي عليها لكي اعرف ما هي فلما أحست بإصبعي ضحكت وقالت ما اكثر من يعجب مما عجبت منه.
تزوجها مصعب بن الزبير فأمهرها خمسمئة ألف درهم وأهدى إليها مثل ذلك، ولكن هذا لم يجعلها تستسلم له في الفراش. ومن مظاهر كرهها لمصعب انها كانت تتركه كثيرا وتعود اليه لكنها كانت تمتنع عليه في غالب الأوقات (يعني في الفراش)، فقد دخل عليها يوماً وهي نائمة ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار ونثر اللؤلؤ في حجرها فقالت: نومتي كانت أحب اليّ من هذا اللؤلؤ.
وينقل الباحث وضاح شرارة في مقالة لافتة في دورية "باحثات" بعنوان "ذوات الفروج يركبن السروج/ قوة شهوات الناس": لما قتل مصعب ارسل اليها عمر بن عبدالله بن معمر التيمي القرشي جارية وقال لها (للجارية): قولي لإبنة عمي: يقرئك السلام ابن عمك يقول لك: أنا خير من هذا المبسور (السريع الإنزال)، وأنا ابن عمك وأحقّ بك، وإن تزوجتك ملأت بيتك خيراً. وسرعان ما تزوجته.
تحكي خادمة عائشة بنت طلحة قصة زواج سيدتها من عمر بن عبد الله وتصف تلك الليلة. جاءت بالطعام لعمر بن عبد الله فأكل حتى افرغ الإناء وتوضأ وصلّى حتى ضاق صدري ونمت ثم أدخلته وأسبلت الستر عليهما (أي على عائشة بنت طلحة وزوجها) فعددت له بقية الليل على قلتها سبع عشرة مرة دخل فيها المتوضأ (أي نكح عائشة 17 مرة) فلما أصبحنا وقفت على رأسه فقال أتقولين شيئا؟ قلت نعم! والله ما رأيت مثلك أكلت أكل سبعة وصليت صلاة سبعة و... نكاح سبعة (كتاب الأغاني لأبي الفرج، باب أخبار عائشة بنت طلحة ونسبها).
قالت امرأة كوفية دخلت على عائشة بنت طلحة فسألت عنها فقيل هي مع زوجها في القيطون فسمعت زفيرا ونخيرا لم يسمع قط مثله ثم خرجت وجبينها يتفصد عرقا فقلت لها ما أظن أن حرة تفعل مثل هذا؟ فقالت إن الخيل العتاق لا تشرب الا بالصفير (يعني كما تشرب الخيل عندما يصفرون لها هكذا الرجل ينكح عندما تشخر وتنخر له)!
عاشت عائشة مع زوجها عمر ثماني سنوات ومع ذلك كانت لا تتورع عن إثارة غيرته ايضا، فتذكر له مصعب: "وكانت كثيرا ما تصف لعمر بن عبيدالله مصعبا وجماله، تغيظه بذلك، فيكاد يموت". ولما توفي فحزنت عليه وندبته قائمة ولم تندب أحداً من أزواجها إلا جالسة (رغم ان هناك من يدعي ان الندب حرام) فقيل لها في ذلك، فقالت: إنه كان أكرمهم عليّ وأمسهم رحماً وأردت ألا أتزوج بعده.
كان الصحابة يتراكضون في طلبها للزواج، ولم يكن أحد يهتم في كونها مطلّقة كما هي الحال اليوم. ولعل رفض عائشة بنت طلحة تسليم دفة القيادة للزوج ومعاندته، يعتبر أيضا خروجاً على معايير الأنوثة والتقاليد والأعراف. في هذا السياق نقرأ الرواية الآتية: اخبرنا عبد الله بن مالك قال اخبرنا أبو مسلم الحرّاني قال حدثت عن عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير عن مجالد عن الشعبي قال: دخلت على مصعب بن الزبير فقال لي: يا شعبي ارفع هذا الستر فرفعته فإذا عائشة بنت طلحة فقال: كيف ترى؟ فقلت: ما كنت أظنّ أن في أهل الأرض من يشبه هذه. فقال: أما إني ما تهنأت بالعيش معها ولا انتفعت به حتى، لأني رجل مذكر أريد أن يكون الأمر لي، وهي مذكرة تريد أن يكون الأمر لها. فلا أنا أتابعها، ولا هي تتابعني. والرواية هذه تعكس إلى حد كبير حقيقة الأجواء آنذاك. حتى استقبال الوفود في صالونها كان مُحببا لمجتمعها وموضع إعجاب وتقدير إلا أنها تُعتبر أيضا ممارسة ذكورية، فالرجل تقليديا هو الذي يجتمع بالرجال في مجلسه. وهذا واضح بتشبيه مجلسها بمجلس الرجال في كتب التراث حيث يقولون: "وكانت تجلس للناس وتأذن لهم في مجلسها كما يأذن الرجل". والغالب أن نسب عائشة الرفيع وتربية خالتها وقوة شخصيتها وعلمها وثراءها وزواجها من رجالات السياسة، عوامل أتاحت لها لعب هذه الأدوار الذكورية أو المحصورة عادة بالرجال.
لم تكن عائشة بنت طلحة مجرد امرأة جميلة فحسب بل كانت حافظة للقرآن فقيهة، يتحدث الناس عن فضلها وأدبها، فقد كانت ذات دراية بأخبار العرب وأشعارهم وآدابهم. وكانت لها علاقات أدبية ومراسلات ومكاتبات مع الأدباء الشبان والشيوخ. لا توضح لنا كتب الأدب هذا الجانب من حياتها، وهي للأسف كتب قليلة إذ ان الجانب الديني طغى على اهتمام الموثقين، بعكس ما نجده عن توثيق نشاطها الديني في بعض كتب الحديث وتراجم الرواة من نصوص نقلت لنا شيئا من كلامها هي عن هذا الجانب من حياتها. ففي كتاب "الأدب المفرد" للإمام البخاري يقول ما نصّه: "باب الكتابة إلى النساء وجوابهنّ عن عائشة بنت طلحة قالت: قلتُ لعائشة ــ وأنا في حِجْرها ــ وكان الناس يأتونها من كل مِصر، فكان الشيوخ ينتابوني [أي يقصدونني مرة بعد اخرى] لمكاني منها، وكان الشباب يتأخَّوني [أي يتحرّونني ويقصدونني] فيهدون إليَّ ويكتبون إليَّ من الأمصار. فأقول لعائشة: يا خالة، هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة: أي بُنيَّة، فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندكِ ثواب أعطيتكِ، قالت فتعطيني" (صحيح الأدب المفرد، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني).
لعائشة محاورات مشهورة مع شعراء عصرها، موجود بعضها في كتابي "الأغاني" و"العقد الفريد". ولم يكن الشاعر يجد حرجاً ان يعلن لها عن اقواله ومشاعره وإعجابه في وسط مجتمع بدوي (مع أن الكثير من النساء منعن من زواج شاعر تشبب بهن)، ففي إحدى القصص بين عائشة بنت طلحة وعمر بن أبي ربيعة نجد أن اعتراضها على كلامه لم يتجاوز وصفه بالفاسق، إذا انها وافقت على سماعه، حيث يذكر الاصفهاني ان عمر لقي عائشة بمكة وهي تسير على بغلة لها، فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك، قالت: أوقد قلت يا فاسق؟ قال: نعم، فوقفت فأنشدها:
يا ربةَ البغلةِ الشهباءِ، هلْ لكمُ = أن ترحمي عمراً، لا ترهقي حرجا
قالت: بدائكَ متْ أو عشْ تعالجه، = فَمَا نَرَى لَكَ، فيما عِنْدَنا، فَرَجَا
قد كنتَ حملتني غيظاً أعالجه، فَإنْ تُقِدْني فَقَدْ عَنَّيْتَني حِجَجَا (الأغاني)

التهمة
لا شك ان عائشة بنت طلحة كانت بين مجموعة نيران، هناك نار المبالغة الثقافية الحديثة في النظر الى حياتها الشخصية وغرامياتها وتحررها، وهناك نار مبالغة بعض الكتب الشيعية في شتم عائشة بنت طلحة على جريرة شتم خالتها عائشة زوجة نبي الاسلام، وهناك مبالغة من بعض الأصوليين في الدفاع عنها باعتبار انها من "التابعين" ولا يمكن أن تكون على هذه الصورة، ولا يصدق كثيرون الصورة التي رسمت لعائشة بنت طلحة في "أغاني" الاصفهاني والكتب الأخرى، فينشر صاحب منتدى "مكافحة الشبهات" محوراً بعنوان "عائشة بنت طلحة، المؤمنة المُفْتَرَى عليها"، يقول فيه ادَّعَى أحد الرافضة على أحد المنتديات الرَّافضيَّة أن عائشة بنت طلحة كانت امرأة سافرة بل وتشجع على ذلك، وتناقل النصارى الموضوع على منتدياتهم كما هي عادتهم في تشويه كل ما هو إسلامي، ويغرق صاحب المنتدى في الاتهامات فيقول ان ابا الفرج الاصفهاني "فاسق ماجن كذاب دجال، ومشهورٌ أمرُه بين العلماء بانحرافه وزيغه وضلاله ومجونه، ومن يقرأ في كتابه الأغاني لا يرى إلا الضلال والفجور والكذب على عباد الله الصالحين". وحتى يسند اتهاماته يستشهد بالإمام ابن الجوزي القائل عن الاصفهاني: "كان يتشيع، وَمِثْلُهُ لا يُوثَقُ بروايته، يُصرِّح في كتُبِهِ بمـا يُوجِبُ عليه الْفِسْقَ، ويُهوِّنُ شُرْبَ الخمر، وربما حَكَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، ومَنْ تأمَّلَ كتابَ الأغاني رأى كُلَّ قبيحٍ ومُنْكَرٍ"، ويستتبع ذلك بالاستشهاد بالإمام الخطيب البغدادي: "قال أبو محمد الحسن بن الحسين النوبختي: كان أبو الفرج الأصفهاني أَكْذَبَ الناس، كان يدخل سوق الوَرَّاقِينَ وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشتري شيئاً كثيراً من الصحف ويحملها إلى بيته ثم تكون رواياتُه كُلها منها".
تنتشر عبر الانترنت سلسلة فتاوى حول مدى صحة رواية عائشة بنت طحلة وعلاقتها بالسفور والجمال والغرام، وغالباً ما يكون الرد على هذه الرواية في الهجوم على الأصفهاني واتهام كتابه بأن فيه "من الطامات والخزعبلات، ما يوهّن التقوى في القلوب ويشجع على الهبوط والإسفاف والرذيلة، وقد طالت سهامه المسمومة الكثير من أهل الفضل والشرف والرفعة والحسب، فنسب إليهم ما لا يجوز نسبته إلا لأهل المجون والانحلال".

.

* منحوتة لمحمد الحفار.

صورة مفقودة
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...