علي النجار - إشكالية الجنس والدين في الفن التشكيلي الأوسطي المعاصر

ـ 1 ـ
إننا عبر صورة الجسد لا نملك سوى ضعفنا
( رولان بارت)

لم يعد الحظر على إنتاج ألأعمال التشكيلية التي تتناول تابو الجنس من قبل الفنانين التشكيليين المنتمين للعالم الثالث الإسلامي ينفع في زمننا هذا. وان كانت هناك شواهد كثيرة خلفها لنا الإرث الثقافي الإسلامي, تجاوزت هذا التابو. إلا أن هذه الشواهد بقيت مطمورة في الذاكرة التي أريد لها الضمور في العصور اللاحقة وحتى القريبة, عن جهل وتجهيل, وسوء نية الأزمنة المريضة. ومعلوم لدينا أن العديد من مجتهدي الدين الإسلامي في العصر الوسيط قد أرخوا للجنس بتفاصيل مسهبة, تناولت الناحية الفسيولوجية والوظيفية وما رافقها من حالات وجدانية تندرج ما بين الغرام والعشق والهيام والوجد, والفراق والهجر. ثقافة جنسية أقصت تابو الحياء المفتعل, تنويرا للذات عن بعض مفاعيل خبايا الجسد والوجدان المتأصلة في الذات البشرية. هذا إن لم نستشهد بالكثرة من النصوص الأدبية التي تناولت هذا الجانب الجسدي. بل حتى من سيرة الخلفاء أولياء الأمر في تلك الحقب الزمنية, وانفتاحهم على الثقافة المدينية بأوج أبهتها الدنيوية.
اعتقد أن الأدب الجنسي للعصور الإسلامية بقي طي الإدراج لاحقا, وليتناول شفاها تبصرا, أو تندرا. لكن كتب أدبية مثل(ألف ليلة وليلة) كانت تبيحه في بعض من فصولها القصصية, ولتبقيه في المتناول. أما أن يتحول في زمننا الراهن إلى مواضيع شائكة تلاحقها ثقافات محلية متخلفة, أو سياسات ثقافية هامشية. فهذا أمر جديد, أبصرنا به واقع الانفتاح الثقافي العالمي في مجال الحريات الإنسانية. لقد انكشفت آفاق هذا الموضوع الغريزي وليتعدى كل حضر سواء من قبل بعض الفئات المجتمعية أو الدينية, او الدينية السياسية, الشرقية. ليس لمجرد التحدي. بل لكشف ممارسات مجتمعية ونخبوية غير سوية, توظف ارث المحظور بأبشع صوره لصالح منافعها الخاصة, منافع مبطنة بتبريرات تعداها الزمن.
منذ رسوم الكهوف والجسد حاضر. لكنه في العصر الزراعي اللاحق حقق حضورا جنسيا أكثر وضوحا (تماثيل الآلهة الأم, آو الأم). وفي عصور الرخاء النسبي الأحدث(عصور الحضارات) اكتسب قداسته المعبدية. وكان في أعلى وضوح قسماته في الحضارتين الفرعونية واليونانية ولم يعد للحياء وهو جزء من طقوس متأخرة, أن يحد من طغيان صوره. ثم ورثت الثقافة المسيحية هذا الطقس الأنثوي, اعلاءا لشأن الجسد الذي خلقه الله في أحسن تقويم. واكتظت رسوم عصر النهضة بالأجساد النسوية الرائعة. ولم يعد عري الجسد خرقا للمحظور. كما لم تكن حضارات الأطراف الإسلامية ببعيدة كليا عن ذلك. إذ لم يكن مجتهدي الدين الإسلامي الوحيدين الذين خلفوا لنا بحوثا تناولت الجنس من جميع نواحيه. الشعراء تناولوه أيضا بقصائد لا تزال درر في نصوصها. وكانت بلاطات الخلفاء لا تخلوا مسامراتها من ملح بإيحاءات جنسية, مثلما لم تخلوا فضاءات قاعاتها من صدى أغاني الجواري والقيان الغزلية. ولم تكن أردية النساء كما هي بمواصفات الإسلام المتشدد الآن. هذا ما تخبرنا به رسوم تلك الحقب الإسلامية. من بغداد والشام حتى بلاد فارس والتتر والأناضول والهند والصين.
التابو الجنسي ملغوم بشروطه الإجرائية التي تفكك أو تحجم منظومة التفكير والإيعاز. وله ضوابطه الإجرائية المتلبسة بإشكالية مظهرية الجسد. وما يهمنا, بالنسبة للأعمال الفنية التشكيلية, هو هذه المظهرية التي شغلت حيزا كبيرا في أعمال الفن التشكيلي قديمه وجديده حتى أيامنا هذه التي شهدت انفجارا في تأويل المفاهيم و لويها أو اشتقاقاتها لتناسب حراك العصر في توافقاته وتصادماته الفكرية والسلوكية. وما أجج من حدة هذه الصراعات التي كانت مسبباتها دفينة احياز ذهنيات مناطقية متباعدة. هو هذا الحراك العولمي ألمعلوماتي ألعنكبوتي الذي تسللت مجساته إلى كل الزوايا التي كانت مطمورة تحت ركام مخلفات عصور تجازوها الزمن.
أكثر الأعمال إثارة والتي تناولت( الجنس) جسدا قابلا على الإفصاح عن متناقضات الحالة الذهنية والسياسية الدينية, أو الدين ألسياسيي. هي أعمال الفنانين التشكيلين الإيرانيين, القاطنين إيران آو الأكثرية المهاجرة منهم. واهم ما تطرقوا إليه هو: أولا الفصل الحاد ما بين الجنسين. هذا الفصل الغير مبرر إلا في عقول الملالي وتابعي تهويماتهم الفقهية التي يستمدوا سلطتهم الدنيوية منها. وثانيا ظاهرة البغاء المقنع والصريح في مجتمعهم المحلي(*) الحاضر. وان تناول بعض الفنانين هذه المواضيع بشفافية وحرفية فنية عالية. فان البعض الآخر لعب على الإثارة وكسب تعاطف الآخر بشكل يدعو إلى الرثاء أحيانا, أو لمجرد تحقيق مصالح شخصية. لكن كلا الفريقين أنتجا أعمالا غزيرة تثير الانتباه وتدعونا لملاحظة هذه الظاهرة الفنية ودراسة مسببات نشأتها بهذا الزخم.
أشهر من اشتغل على تيمة(العزل الجنسي) هي الفنانة الإيرانية الأمريكية( شيرين نشأت) التي اشتغلت مجموعة صور فوتوغرافية وظفت فيها الجسد نصوصا متسربلة على القسمات والأكف والبدن, نصوص التابو الديني ونقيضه المدني. كما أخرجت مجموعة أفلام فيدويوية أظهرت فيها مجاميع عزل الجنسين ومجالاتها المدنية والدينية واحياز فواجعها المتستر عليها. لقد اشتغلت غالبية أعمالها بشفافية وشعرية عالية واستحقت عليها التقدير. الفنانة الثانية(شادرين) هي الأخرى تناولت هذا الموضوع, لكن من منطقة القهر المنزلي. فالأنثى عندها قطعة مستهلكة من أدوات المنزل محجوزة ضمن زواياه الخدمية وجاهزة لاستهلاك الرجل وتلبية رغباته. قطعة مكنية منزلية وأداة ترفيهية.
من محاضرة للباحثة العراقية المغتربة(أمل بورتر) المعنونة(الواسطي والحرية في التعبير التشكيلي), نقتطف منها هذا المقطع:
( لم تقف العوائق الدينية أمام الوسطي ورسم المرأة كما الرجل بكل وعي وحرية... وعن المرأة التي ترعى الجمال ـ في إشارة إلى إحدى رسوماته ـ حيث نجد تكورات جسمها تبدو واضحة ورك كبير وعجز كبيرة ويد رشيقة وخدود ملونة و زلف اسود يظهر بوضوح وعيون مكحلة كما وان الأكمام واسعة عريضة لا اعتقد بأنها تخفي الكثير).
لو تصفحنا غالبية المخطوطات والمنمنمات الأدبية الإسلامية لاكتشفنا الكثير من العوالم الفردوسية من قصص وقصائد العشق والغرام. الكثير من الأجساد النسائية الممشوقة القد والضفائر المجدولة زهورا. والأزياء الموردة المبهجة للنفس, والنفائس من الملامح الصبوحة. ولم يكن ظهور المحبين والعاشقين ووضعيات الهيام محظورة بفرمان. فللجسد أيضا طقوسه الربيعية, وفرحة انعتاقه. ومن أفضل من الفن ليسجل آثاره العطرة. وان خلق جسد الأنثى كالزهرة العطرة. ألا يجدر بنا رعاية عطره, لا قتل يفاعته وطمر ملامحه. وان كنا أجساد نتبادل طقس الربيع, ألا يجدر بنا العناية بثناياه من اجل ديمومة بهجتنا, لا تكدير أنفسنا, وتقصير أعمارنا. ألا يمكن لنا احترام خلقتنا, لا طمرها وطمس ألوانها, كما هو حادث في عموم مناطقنا وفي الذروة من مكتسبات البشرية الحضارية ووضوح صورها وصورنا. ألا يجدر بنا مراجعة ولو حتى ارثنا الجمالي والذوقي ومعاينة شواهده المصورة والمدونة.
الحجاب, و بضمنه الجلباب, باللغة السويدية, وحيث اقطن. يصطلح عليه شعبيا بالخيمة. ربما أطلقت عليه هذه التسمية لتشابه هيئة الحجاب وما يتبعه من الأردية الأخرى بمظهر الخيمة(1). والحجاب, هو الستار. ومنه(الستر) عرفيا, بالعامية العراقية. ولكون كل من الحجاب والخيمة يخفيان أكثر مما يظهران, رغم اختلاف وظيفتيهما الظاهرية. الفنان الإيراني(مكان عمادي) لعب على مفهوم ومظهر الحجاب اختراقا لمحظوراته وتدميرا لوظيفة الحجب التي اشتغلت عليها, أو الشعيرة الطقسية الجسدية الدينية.. أردية الحجاب في رسومه تنزاح وتنكشف عن أجزاء الجسد الأنثوي الحساسة والمحظورة. فما غرض الفنان من هذا اللعب المكشوف على طقس التحجب وتفكيكه لصالح إيحاءات جنسية فاضحة. وهل تندرج أعماله ضمن خط الإثارة الإعلامية, من خلال تعارضها الحاد والخطاب الديني المحلي(الإيراني) المتحفظ . هو يعلنه خطابا فنيا مناهضا للتشدد الديني, لكنه, وفي نفس الوقت خطاب يتمادى وأهداف المصالح السياسية للطرف الأخر. فدمج صورة الحجاب ورموز الإرهاب أو آلاته في بعض رسوماته, لم يعد في
وقتنا الراهن خطاب مقنع لكل الأطراف إذا ما تم المبالغة في طرحه وبتكرار ممل كما يفعله عماد. إلا إذا أريد له أن يحقق شهرة إعلامية في الوسط الغربي. وهذه هي إحدى محاذير الخوض فنيا في هكذا مواضيع دون الفهم الكامل للدوافع الثقافية الإنسانية التي يسعى الفنان لإبرازها. لقد اكتشف هذا الفنان وصفة الجنس المحرم والإرهاب, وخلطهم في وصفة واحدة. وبات حريصا على نفسه من تداعيات وصفته هذه, بالتخفي آن والتنقل آنا آخر. وان وجدنا تفسير معقول لبعض اطروحاته. إلا أن تكرارها إلى ما لا نهاية يفقدها غرضها التحريضي, ويدعونا للتساؤل عن مغزى ذلك, وان لم يكن المغزى مخفيا(2).
رسوم ألعمادي لا تملك مواصفات فنية مبهرة. ولا تكنيكا مميزا. ومعظمها لا تتجاوز في صيغتها سمات (الأفيش) الدعائي لأفلام الدرجة الثالثة السينمائية. لكن أعماله اكتسبت شهرتها في الوسط الذي يدعى(عالمي) من خلال اللعب على مفاهيم الموجة العالمية الجديدة لما يسمى بالإرهاب الإسلامي. هو يكشف عن بعض الخلل في البنية الاجتماعية المحلية الإيرانية. ويحاول الكشف عما آل إليه حال المرأة الإيرانية المبتلية بتجاوزات النظام واليات اجتهادات حجبه وأدواته القمعية الإجرائية . لكن وغير بعيد عن تفسير الفنان, فان ثمة حقائق لا يمكن إغفالها عن اتساع ظاهرة الدعارة في الوسط الاجتماعي(*), على الرغم من المظهر المتحفظ الظاهر للعيان. ظاهرة لم تصبح بهذا الاتساع لو توفر لإيران حداثة مجتمعية حقيقة لا زائفة. كذلك ما لدور التشدد الديني على الحريات المدنية, ومنها الحقوق المدنية النسائية, من اثر سلبي على واقع حالهن وللحد الذي يحيي بذرة التمرد والتحدي بالسلوك المضاد أو المراوغ لكل المحظورات(وكل ممنوع مرغوب). إذا تجاوزنا العمل الاقتصادي الضاغط. رسوم عمادي الجسدية من هذا المنظار, هي رسوم سياسية سخرت الجسد الأنثوي رسالة مشفرة ذات حدين. إذا ما عرفنا بان للجسد أيضا رغباته, قوانينه الوضعية, إن تعرضت للانتهاك, فسوف تناور على حافات هذه القوانين وبما يؤدي إلا اختراق مناطقها السلوكية الهشة.
ليس عمادي هو الفنان الإيراني الوحيد الذي يناور الجنس في الجسد. بل هي ظاهرة عند العديد من مغتربيهم. واعتقد ان الأمر راجع لفسحة الحرية الواسعة التي وجدوا أنفسهم يتمتعون بها في بلدان اغترابهم. لكن الفن الفارسي وعبر عصوره المختلفة هو بالدرجة الأولى فن حسي, يمجد جمال الطبيعة والجسد. والشعب الفارسي ميال للأنس والطرب وتجويد خط الحروف والمنمنمات والأدب. وحتى لفظ مخارج حروف لغته تشي بذلك... وما حدث من مصادرة متأخرة لهذه الروح الشفافة. اعتقده احدث شرخا في هذه الروح. من هنا حاول العديد من الفنانين, وسط هذه المحنة الثقافية المضادة, البحث عن مصادر إلهامهم. وهذا ما يفسر نزعة التمرد المتوفرة في معظم نتاجهم. ومنه ما يتناول اضطهاد الجسد وتعتيم مناطقه المضيئة. وان كان التعبير عند البعض بحثا حفريا في علة الفصل ألقسري بين الجنسين, بوسائل إيحائية رمزية راقية. فإنها عند البعض لا تخلو من فجاجة, ربما هي مقصودة, وكما في أعمال الفنانة(شيرين فهيم )
قريبا من عماد, وبعيدا عنه في نفس الوقت, نفذت فهيم أعمال بغاياها المجسمة بمخلفات البضاعة النسوية من الملابس الداخلية والحجاب وغير ذلك من قطع أجزائها, مثلما صنعت اكسسواراتها بغرائبية سقط موادها الأخرى . واستعارت لبعضها أعضاء جنسية ذكرية. في محاولة منها لجمع النقائض تحديا كاريكاتوريا لسلطة الحجب. أعمالها تبدو كأنها دمى العرائس في رحلة استجمام عبثية وسط زحمة الوسائل والوسائط الفنية لما بعد الحاثة التي أجازت التعبير حتى على أنقاض الإرث ومحظوراته. هي تلج منطقة عماد التعبيرية الهجائية, لكن ليس من المنظور ألذكوري, كما هي عنده. بل من داخل الفضاء ألحريمي العائم وسط مفاعيل الكبت و تابو المساس برموز الذكورة وسلطتها المطلقة. هي أيضا, ومن خلال أعمالها تسعى للكشف عن المستور من ممارسات القمع المنزلي والتهميش النسوي الاجتماعي المؤيد بسلطة الكهنوت المحلية. لذلك فهي تتحدى بنفس الأداة, أو الامتياز ألاختراقي ألذكوري, والذي يتم الإعلاء من شأنه دوما, وهي مثلما تجمع النقائض, فإنها أيضا تهدمها برثاثة مجسماتها في نزعة لتحدي رثاثة في ارث تعتقده لا يحتمل المساس بصيغ ثوابته التي هي في نظرها هشة لحد التمادي في كونها مزحة متعثرة بجلابيب هي دمى من مواد سقط المتاع.
.............................................................................................................................
*ـ عن حجة الإسلام محمد علي زام مدير المنظمة الثقافية والفنية في بلدية طهران:
إن المخدرات منتشرة بين طلاب المدارس, وزادت نسبة البغاء بين التلميذات وتخطت نسبة العشرة في المائة, وبات معدل أعمار من يتعاطين البغاء عشرين عاما مقابل سبع وعشرون قبل سنوات عدة... ماذا أفادت الشريعة والتشدد والنار والرقابة والحجاب وعدم الاختلاط الذي يراقبه رجالات الباسيج..
1ـ كما في مشروع (ولدمان) الإيقاعي, رقص المحجبات من داخل الخيمة ومعها.
2 ـ عماد هاجر من إيران إلى الولايات المتحدة بعمر مبكر. لذلك فإننا نجد له تبريرا لمنطقة أداءه الفني التصادمية, كونه ودوما ما يرجع لخزين ذكرياته الإيرانية الماضية. فترة حكم الشاه, حيث الحرية النسبية للطبقة الوسطى المنفتحة على الفن والثقافة والسلوك الفردي الأوربي, مقارنا بحاضر المرأة الإيرانية التي ترزح تحت سلطة القمع الديني ورقابة بوليسه الأخلاقي.
...............................................................................................................
علي النجار
2011ـ03ـ28

.

 
إشكالية الجنس والدين في الفن التشكيلي الأوسطي المعاصر
ـ2ـ
علي النجار


إننا عبر صورة الجسد لا نملك سوى ضعفنا
( رولان بارت)


ورد في احد كتب التاريخ للمؤلف المصري (جرجي زيدان) بان والدة احد السلاطين العثمانيين المتأخرين ( لم يردني اسمه) سقط لها شيئ في ضفة البحر التي يطل عليها القصر. فكلفت غواصا أوربيا لانتشاله من قاعه. لكن الغواص بعد أن غاص ظهر بحالة نفسية مزرية. لقد أصيب بصدمة حينما شاهد مئات الجثث النسائية المكفنة وهي مزروعة عموديا في القاع تتمايل مع تموج المياه لكونها مربوطة بحبال من اقدامها إلى صخور ثقيلة. لقد وجد الرجل نفسه فجأة وسط هذه الغابة الخرافية المرعبة الراعشة. المشهد المرعب هذا كان من صنع السلطان. ومن اجل إشباع غريزته, يأمر بإحضار الصبايا الحسان من جميع أنحاء البلاد, وكلما حصل على بعضهن يجمعهن في قاعة ويعريهن ثم يعتلي ظهورهن, بعد هذه النزوة يختار منهن واحدة لإطفاء شهوته وحين انتهائه من فعلته يأمر بخنقهن ورمي الجثث في البحر.
ليس كل ما ينتجه الفنانون التشكيليون الإيرانيون يندرج ضمن التصور الاحتجاجي, بالرغم من أن عددهم يتزايد دوما, ما دامت المسببات أو المحرضات قائمة. لكنها ظاهرة, ولا تعدم من يشير إليها وخاصة في الوسط النقدي الفني الغربي. وان كانوا ليس وحدهم من اهتم في التعبير عن ظاهرة المواضيع الخلافية فهذه فنانة تركية تعكس لنا في صورتها الفنية المركبة مدى تحررها من مفهوم المحظور, وتحوله في عرضها مباحا(*), صورتها المركبة تضعنا أمام مشهد لم نألفه سابقا في أعمال الفنانين الأوسطيين. لقد وضعت وسط مساحة صورتها جامع بمنارتين مشرعتين على الفضاء, ووضعت على كل جانب امرأتين بملابس البحر, مشرعة أذرعهن للأعلى وبنفس قياسات المنارتين وارتفاعهما, حركتين متقابلتين ومتجانستين. أجساد النساء في وضع مواجه للجامع. والجامع مواجه لنا. المنارات مشرعة لإله السماء, والأذرع البشرية مشرعة للانعتاق, مع كل ما تمثلانه من خرق للمنظومة العرفية ومحظوراتها الدينية التي تكتسب سلطة القانون العرفي(وفي بعض الدول, المدني). سلطة تحاول الفنانة اللعب على مديات توفيقية حرجة لمتناقضاتها. وهي بالنسبة لها تعني: ما لله لله, وما للإنسان, للإنسان. ولكل خياراته. خطاب ملغز, ربما لا نعدم مثيله في النصوص الصوفية الإسلامية, من شطحات يناقض ظاهرها باطنها, رغم تمترسها بخطاب العشق الدنيوي.
المغربية (مجيدة ختاري) في عرضها الباريسي عن(البرقع) قدمت هوية إحدى عارضاتها بنص مدون على جلبابها المبتكر الذي صممته بما يشبه الشادور الأفغاني, المتسربل من قمة رأسها حتى قدميها وكالتالي: (الاسم الثلاثي.., الاسم العائلي.., تاريخ الولادة: 1977, مكان الولادة: فرنسا, الجنسية: فرنسية, الديانة: مسلمة, بطاقة التعريف: 1111001, العنوان: اللوفر, رقم: 555).
يتمثل عرض ختاري في كونه عرضا جسديا إشكاليا بشكل رئيسي, الأزياء التي اقترحتها لهذا العرض ما هي إلا تبرير لتمرير مفهومها الخاص أو ربما العام والسائد عن إشكالية الحجاب في الوسط الفرنسي. فالعرض يظهر الجسد الأنثوي مغطى تماما أو جزئيا (بما يسمح به عرف الحجاب الإسلامي العام). وتقدمه أيضا برفقة الجسد الأنثوي العاري أو بإكسسوارات تغطي الأجزاء الحساسة منه فقط. عرض مزدوج تتجاور, أو كما تقترحه تتحاور في حدود فضاءه ثقافتين متعارضتين, لكن ليس بعيدا عن الجدل الدائر في الوسط الاجتماعي الفرنسي عن حضر الحجاب أو النقاب . لقد تفننت ختاري في تصاميم براقعها, مستعينة بإرثها المغربي والشرقي عموما, حلية تغطي ملامح أجساد ربما هي أجمل من كل ذلك. هي تضعنا أمام مقارنة لما يقدمه الجسد الأنثوي العاري, المكشوف. والجسد المتخفي, أو الملغي بفعل خفائه. ومن اجل أن تكتمل المقارنة' صممت الفنانة جلابيب تغطيها صور لوجوه نسائية شرقية جميلة, ربما هي نفس الوجوه المحجوبة التي ترتديها أجسادها.
الصورة و كثقافة معاصرة لا تحتمل فعل حجبها أو طمرها. والصورة البشرية بركة إلهية (وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم). لكنها هنا(في أعمال ختاري) لا تتعدى كونها إعلان عن بضاعة ثقافية يراد لها أن تخترق إشكالية الحجاب الإسلامي من خلال اندماجها بمشهديه العرض وغير بعيد عن إشكالية تابو الجسد الملغوم دينيا في ارث بلدها الأم (المغرب) وتداعيات تبعاته في بلدها الثاني بإرثه الحداثي ما دام هذا البلد حاضنا لكلا الثقافتين. لكن يبقى السؤال واردا عن كون الفنانة وهي التي تقيم في باريس: هل بإمكانها ن تعرض مشروعها الجسدي هذا المغلف ببضاعة إشكالية أزيائه في بلدها العربي والامازيغي الإسلامي الأم. وهل ستنجو من الملاحقة العرفية قبل الرسمية. أم سوف تواجه تهمة التحريض على ممارسة أنشطة شهوانية بحثا عن الشهرة الإعلامية.
للفنانة (شروق أمين) رسما يمثل أربعة نساء بجلسة محادثة عصرية(ساق على ساق) مرتديات ملابس قصيرة تكشف عن بعض أجزاء من سيقانهن. حاسرات الرؤوس, لكن وببراقع هي عبارة عن مناديل ملونة شفافة قصيرة تغطي الوجوه فقط. فما هو دافع شروق لرسم بهكذا توليفة جسدية. هل لمجرد الدعابة العابرة. رغم كون غالبية الأعمال الفنية التي تناولناها لا تعدمها. فالنكتة أو الدعابة هنا تكشف عن تلاوينها المتعددة وحسب أغراض الفنان الاحتجاجية التعبيرية وبالتوافق وضوابط أوساط حواملها, أو تعارضها. وصورة شروق بوضعيات هيئاتها النسائية لا تختلف كثيرا عن هيئات بعض صور الفنانة العراقية الفوتوغرافية (جنان العاني). جنان هي الأخرى تتناول في صورها إشكالية الاختلاف السلوكي الشخصي الظاهري والباطني لنسائها المتعددة الأجناس والانتماءات الجغرافية لحدي(الشمال والجنوب). إشكالية التعدد الثقافي المتمثل باختلاف مقاييس الأردية والتحفظ أو الطلاقة في الهيئة والتي تفصح بعضها عن السلوكيات التي تناور مناطق التصادم العرفي الاجتماعي. فالعديد ممن هن محجبات غالبا ما يكشفن أكثر مما يخفين من نوابا حجبهن وللحد الذي أصبح فيه هذا السلوك ظاهرة ملفتة للنظر, وخاصة في الغرب حيث الفرز على أشده. تلك هي أفعال الغريزة المتمردة على ما تيسر من المجالات المتاحة وغير المتاحة ضمن مساحة مناورة تابو الحظر الجسدي.
قدم الفنان العراقي المغترب (علي عساف) صورته الواضحة التفاصيل عن ظاهرة الإرهاب الديني ,وكما تطرحه أدبياته أو تفسيراته أو تبريراته, في صورة هي عبارة عن عمل جسدي تتمثل فيه الثلاثية الكلاسيكية المعروفة والمشاعة عن هذا السلوك, وهي: الفريضة الدينية, ممثلة في الرجل الساجد لأداء الصلاة(حافز العبادة) في مقدمة العمل. والعسكري المقنع الجالس خلفه, المنفذ لإرادة التكليف الديني (الإرهابي). وأخيرا, المرأة في الخلف (الحورية, الجائزة) وان كانت لا تود أن تكونها مثلما هو باد في شكل وضعيتها القلقة. لكنه النص الديني الجسدي الذي ينوه عنه من طرف خفي والملغوم باشكالياته العدمية. فالجنس حاضر في كل الأفعال الجهادية الإسلامية المعاصرة, بمؤجل الفوز بجائزته الجنسية. الفنانة الانكليزية الشابة(سارة مابل(**) تعرضت للتهديد بالقتل على اثر عرضها لرسوم إشكالية. رسومها, وكما يدعي خصومها تمس بثوابت الدين الإسلامي وتتجاوز محظوراته العقائدية. هي لا تعتقد ذلك من وجهة نظرها. إذا نحن أمام إشكالية ثقافية. ما تلتقطه الفنانة من هذه الإشكالية,هو الذي تصوغه رسوما وصورا في أعمالها, وهي في كل ما تفعله لا تبتعد كثيرا عن محيطها الشخصي, ومساحة تشكل قناعاتها الذاتية, حيث تكون هي الموديل إن أرادت صورة لفتاة عصرية. أو والدتها إن بحثت عن محجبة. لكن في كل الأحوال تتعرض هذه الصور النماذج إلى الصيغة المفهومية التي تقترحها الفنانة. ما عرضها للتهديد هو كون محجباتها (رسومها) لم تتقيد بالصيغ التقليدية أو النمطية لمفهوم التابو الملازم للتحجب. فالحجاب الذي ترتديه لا يمنعها من أن تستلذ بامتصاص السيكارة بشفاهها المطلية بالأحمر. ولا أن تمتنع عن حمل خنزير صغير على صدرها. ولا أن تضع أذني أرنب على رأسها وهي تصلي. كما لا يمنع من أن تركب صورة صدر عارضة أزياء عاري على جسدها. أو الكشف عن نهد في رسم آخر, أو تدون على صورة امرأة فوتوغرافية( أوه .. أنا نسويه), وغير ذلك من العبارات المتداولة عن الجنس والفن, أو الفن الجنساني. سارة هي نتاج هجين لتصارع الحضارات الثقافي والديني. وهي إذ تجد نفسها وسط كل ذلك. فإنها تبيح لنفسها أن تعبر عن كل ما تراه من تناقضات إشكالية. ولو بطبقتها الخفية, التي أرادت إظهارها للعلن. وان كان طرفي المعادلة التي يتوجه إليها خطابها لا يستسيغها كل منهم بنفس الدرجة. ومع كل إشكاليات أعمالها, كصور فاضحة. فهي لا تزال تصرح بأنها مسلمة لا تود أن تتجاوز التقاليد.. حتى وان ظهرت في ملابسها الداخلية بلونها الأحمر الشهواني في احد صورها الفنية.,فالجسد حاضر في كل أعمالها, كونه جسدين لا جسد واحد. جسدها, والجسد الديني الذي تود أن تتحدى ملابساته الإشكالية وسط فضاء مفتوح على كل الاتجاهات.
الأشباح عمل للفنان الجزائري ـ الفرنسي(قادر عطا) صنعه من مواد هشة(رقائق ألمنيوم خفيفة). والأشباح هي العشرات من الأجساد النسائية المتدثرة بجلابيبها,في وضعية السجود. هذه الأشباح المتوحدة في وضعيتها واتجاهاتها وانحناءاتها الخاشعة, ما هي إلا أجساد مجوفة, أغلفة من رقائق مغلفة بلون معدنها الرصاصي الحيادي المعرض للصدأ. فهل فعل الصلاة وكما تبرزه هذه الأجساد هواء, أم هي أرواح هواء غادرت أجسادها, أم لم يبقى لها من فعل صلواتها سواء هواء هباء لا ينتمي أصلا لنية فعل الصلاة وعقده الروحي ألاتصالاتي. وهل هذه الفريضة الدينية بالنسبة لهذه الأجساد النسوية لا تتعدى كونها فرضا بلا رابطة روحية بأصل الخلق وحمد ما خلق. وهل النساء بجلابيبها مجرد قشور فاقدة للب الجسد.
إن كان دثار الجسد هو الأهم من الروح. فهل يكتسب الدثار صفة قداسته الكهنوتية أم يكتسبها الجسد وهو في معراج اختطافه الروحي. أم أن هناك تفسير آخر, العمل الفني دوما ما يحتمل أكثر من تأويل.
بمعنى أن الجسد النسوي ربما هو في هذا العمل عورة علينا إقصائها أو حجبها. وفراغ هذه الأجساد الذي ما هو إلا هواء بلا وزن ولا إثم يصلح لفعل السجود والتعبد بعيدا عن كل جرم جسدي. وان حاول الفنان في عمله هذه إثارة كل هذه الشكوك لدينا عن عمله, فهو أصلا كان يقصد ذلك وربما لديه أكثر مما لدينا من أمر فتنة النساء وكيدهن كما ثبتته أدبياتنا الغابرة وحتى ما تبقى من أدبيات أو مدونات ذهنيات لاحقة لا تزال تنثر هباتها تقربا لأجر مؤجل بفعل نياته, والنيات ليست كلها صالحة, في زمن ازدادت فيه التشكيك بكل النيات التي كثرت اشكالياتها.
العائلة المقدسة, هو عنوان عمل فوتوغرافي تجميعي للفنانة الجزائرية ـ الفرنسية(زينب سديرة). العائلة المقدسة, ثلاثة صور منفصلة لامرأة بحجاب (جلباب) وبكامل قامتها.الصورتين التين على الجانبين لوضعيات جانبية متقابلة, و الوسطى من الخلف. الشكل الثلاثي أو المثلث يمثل الهيئة الكلاسيكية المثالية لتشكل الهيئات والأجساد في رسوم فن عصر النهضة. وهو الصفة المثالية لتمثيل للثالوث المسيحي المقدس (الأب والابن والروح القدس). لكن, ما هي صفة القداسة التي تشتغل عليها هذه الصور الثلاث والتي تمثل بالأساس شخصية واحدة. فالشخصية هنا عالجتها الفنانة وفق منظورها ألمفاهيمي الخاص. الفنانة لم تخضع مادة جسد المرأة, بقد ما أخضعت مصدر خفائه للقطات الإحاطة بزواياه العلنية. وهي بذلك, أعلنت موت الجسد. وما ملمس نسيج الجلباب, إلا, هو نفسه ملمس نسيج الكفن ومقاربة لونه المعفر. اللعب اللغوي ألمفاهيمي غالبا ما يتقدم خطوات على مقارباته الفنية الفيزيائية الملمسية. والتباس قداسة هذا العمل (الذي تعلنه الفنانة), ربما تؤكد مفهوميته, بمثل ما تنفيه في نفس الوقت. و لا يمثل التحول الثلاثي الإبعاد لجسد وهيئة المرأة ورداء حجبها, تمثيلا لثلاثة هيئات نسويه مختلفة, بقدر من ثباته هيئة واحدة متفردة وسط تعثر الكشف الصريح عن ماهية مادة جسدها. فالقداسة هنا هي هباء, أو هواء. يبحث
عن سر أو محنة خفائه. والقداسة هي أصلا هي براءة محنة تعثرت بأزمنة انتهاكها. فهل الجسد النسوي ( وهو جسد شرقي هنا), هو الذي تعرض للانتهاك. أم أن أرديته هي المنتهكة. أم أن القداسة هي مجرد وهم متعالق بأرديته. وان تم الإعلاء من شأن قداسة الأردية في زمننا هذا, دون النظر لما تحتويه من غث أو سمين.
للفنان العراقي القاطن نيويورك(وفاء بلال) عمل فني بليغ. العمل هو صورة بتقنية الفوتوشوب تمثل الفنان موثقا جسده العاري لصرح جامع. ربما هو مركز بناية مسجد الصخرة القدسي. او ربما هو أي رمز معماري لاي جامع إسلامي. الحبال تشد جسده وتلصق المنشأة الدينية بقوة إلى جسده العاري, قدميه تغوص في التربة وهو جاهد في اقتلاعها في مسيرته العسيرة. العناء واضح على قسماته التي زادت من قسوة شدتها صرخته التي تتسع على إيقاع خطواته العبثية لجرجرة أقدامه. ولا يبدو أن باستطاعته التحرك إلا ببذل كل جهد, وهو الذي يبدو مستنفذا. يمثل هذا العمل جسدين. الجسد الإنسي(للفنان) والجسد الديني الملصق به لحد الاختناق, ولا يبدو أن ثمة انعتاق لكليهما عن بعض. القدر هو ما يحاوره الفنان. وقدره, الذي هو قدرنا كمسلمين, هو في هذه الرابطة, سواء هي قسرية أم اختيارية. والرابطة هي بالأساس رابطة طوعية. لكننا أحيانا ما نرفض طواعيتها التي يقرها غيرنا. لذلك فسوف تبقى هذه الإشكالية تلاحق أجسادنا, مثلما أذهاننا. لكن الحادث, وهو معلن: أننا انتهكنا أجسادنا. وان نحن ذكور منتهكين. فكيف إن كنا إناث, وإناثنا نصف مجتمعاتنا. وعلينا يقع تكليف المصالحة ما بين نصفين. وإلا سوف نبقى مبتورين.
أخيرا, هل بإمكان ادم أن لا يرتكب الخطيئة ويترك حواء لوحدها متورطة فيها بعد أن توحد جسديهما, وعمرت وازدهرت عاطفتيهما وسط فضاء البراءة الأولى ومهرجاناتها الربيعية.. وهل توجد أفضل من هذه الخطيئة لتعمر الأرض بالنعم. لكن للخطيئة أيضا محظوراتها التي أورثتنا كل نزاعات التابوات أو تصادماتها, حقل تجارب جسدية لا تزال صورها شاخصة بعد أن عبرت كل الأزمنة الماضية, إشكالية لا نود أن نفكك كل ألغازها السرية بشكل مطلق.
*ـ عرضت عملها هذا في معرض(كونست راي) في أمستردام قبل أربعة أعوام.
**ـ سارة مابل فنانة شابة مولودة في انكلترا من عائلة مسلمة ذات أصل آسيوي.



* علي النجار
2011ـ03ـ28

.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...