قصة ايروتيكية عبد الباقي قربوعه - من تشكلاتها.!

عبدالباقي قربوعة

عبد الباقي قربوعه روائي وقاص جزائري.
ككل صباح أعود من موتي مبكرا، أفتح عيني ولا أفركهما، أخشى أن تصدرا صوتا فتتبعثر لوحاتي، لن تلهيني أبدا قطتي الشقية حين تلبد تترقب حركة يدي، ولن تجذبني قرون الشمس المتسللة من نوافذ الشباك، ولن يهزني تغريد العصفورة الحمراء على حافة الجدران المقابلة، حتى أزيز أبواب شقق الجيران لن ينال من انتباهي مثقال لفتة، من الضروري جدا أن أهمل كل شيء، هكذا تعودت وأنا أُستعد كي أقرأ موناليزتي، وأتغلغل في كل لوحة من تشكلاتها.!
ما أبدعك أيها النوم حين تحطك أجنحة الظلام في غرفتي، تسرق مني فرشاتي وألواني، وبما لا أتقن من عفوية تطرح موضوعا جديدا، ثم تمضي قبل أن تُؤذن الشمس لحياة أخرى. ينجلي الليل، ويترك لي لوحات أخرى لا تشبه لوحات صباح البارحة، ولا الصباح الذي قبلها، ولا كل الصباحات التي سبقت منذ أن وضعتُها وحدها تملأ غرفتي معرضا بديعا.
اللوحة الأولى:
شَعرها يكاد يغطي الوسادة البيضاء، حكاية وضعتني في لعبة سحرية، هل أقرأ شَعرها الذي انتشر كالحبر، ثم انساب عبر حواشي الوسادة، أم أقرأ الشكل الذي تبقى من بياضها.؟
اللوحة الثانية:
خصلة الشعر على بياض جبهتها فاصلة منحتني فرصة لأسترد أنفاسي، وأحالت إلي نصا جميلا لا يقرؤه إلا من له قدرة على تحمل النظر إلى الشمس، وله قدرة أيضا على استنباط اللوحات الكامنة في مجرد البياض.
اللوحة الثالثة:
اتخذت عينها مكانا لائقا أسفل استدارة حاجبها، أهدابها استقامت، وعندما اصطدمت بحرارة خدها التوت إلى الأعلى، يبدو لي أن قطرة الندى إذا انحدرت وجدت محيطا لا يتركها تنساب إلى أيّة جهة أخرى. فما عليها إلا أن تجف وسط السواد القاتم، كي تتحول بخارا ثم تعود من حيث جاءت.! الجديد أن عينها لوحة مكررة بجميع التفاصيل، في سابقة لم تعهدها تقاليد المعارض الفنية، تكرار يشحنني صبرا خرافيا كي أستكمل ما تبقى من اللوحات في شراهة عجيبة.!
اللوحة الرابعة:
قُبلتي كالفراشة تلعب بين شفتيها وبصيص الضوء، تود قُبلتي لو تحط على شفتيها لتأكل شيئا من رحيقها، لكنني حبستها تحت الغطاء حتى لا تُفسد متاع اللوحة، فظلت تتخبط حتى جفت على شفي وماتت في لعابي، أما قلبي فقد ازداد خفقا لأنها لوحة لا تكتفي بمجرد المشاهدة.!
اللوحة الخامسة:
وقفت عند هذه اللوحة فوجدت نفسي أميا، أو أن سحرا ما عبث بوعيي، فمن المفروض أن جيدها يحجب عن رؤيتي الجزء الأوسط من الضلع الرابع للوسادة، لكنني رأيت الضلع مكتملا لا ينقصه شيء، رأيت ذلك عندما جمعت في بصري كل العناصر البيضاء جملة واحدة: الوسادة، وجيدها، والرداء الذي تفترشه، عندما حددت موضوعي، قلت لو أن قطرة الندى تلك تدحرجت إلى فمها، لما وجدتُ صعوبة في تتبع مسارها حتى يضيفها البلور إلى بحر صدرها. دق المنبه اللعين، وقفزت قطتي إلى يدي، وانتشر أزيز أبواب الجيران، واكتسحت الشمس كل مساحة الغرفة، فوجدت نفسي مجبرا على المرور إلى اللوحة الأخيرة:
اللوحة الأخيرة:
وهي تسير ناحية المطبخ حملَت بقدميها عشرة عصافير، كانوا يمشون بخيلاء خمسة، خمسة، وكل عصفور يحمل في منقاره واحدة من فاكهة حب الملوك، أغلقت المعرض وسلّيت سيف يقظتي فقتلت الملوك جميعا، استغنيت عن القهوة، وعدت إلى فراشي ألعب مع العصافير، المضحك أني أكلت كل ما تحمله من فاكهة.

* عبد الباقي قربوعه/ روائي وقاص جزائري.



امـرأة بفستـان اصفـر
للفنان النمساوي ماكسيـميليـان كورزويـل - 1899
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...