جلال الدين الرومي - قصة القرعة والحمار والجارية - مثنوي.. ت: ولد جلبي

عوّدت جارية شبقةٌ عظيمةُ الشهوة، حمارًا على أن يأتيها ، واعتاد هذا الحمار قرب الإنسان وعُلّمَه
وكان لتلك الجارية حيلة بقرعة اتخذتها كيما يقربَها الحمار بقياسٍ معين
فكانت تضَعُ القرعةَ على كير الحِمار، تفعل ذلك كي يلج نصف أيره أثناء إتيانِه لها
فلو ولج كل أير الحمار لتقطع رحمها ولمُزِّقَت عروقها
كان الحمار في ضعف مستَمِر وهِزال دائم
وكانت المرأةُ صاحبةُ الحمارِ تعجب قائلة : لم يضُعفُ هذا الحمار !
لِمَ يهزل هكذا كالعود ! وما كانت تعرف السبب .
سألت السُّواسَ وأرتهم الحمار ليعرفوا علّته وسببه
لكنهم لم يجدوا فيه مرضًا ظاهرًا ولم يخبرها أحد بخبيء الأمر .
فبحثت الأمر مجتهدة فيه، تروم معرفة الذي جعل حمارها هزيلا،
فأصبحت تراقبه عن كثب ، و من يصبح عبدًا للبحث الجاد .
فإنه سيجد ما يبحث عنه في النهاية .
وبينا تراقب أحوال الحمار إذ بها ترى الجارية
تنام تحته ! فيـا لما رأت !
رأت هذا من شِقّ الباب فلشدّ ما عجبت لما رأت
الحمار يأتي الجاريةَ كما يأتي الرجالُ النساءَ مِثلا بمِثل !
فوقعت المرأة في الحسد قائلة : هذا الحمار لي، فكيف يحدث هذا ؟!
ينبغي أن يُفعل هذا الأمر بي ولأنا أكثر جدارة منها .

فتظاهرت بأنها لم تر شيئا ودقت باب الاسطبل قائلة :
يا بنت ! إلى متى تمكثين في الاسطبل تكنسينه ؟!
قالت هذا كمن يقول جئت فافتحي الباب
تُعَمّي عن مقصدها
وسكتت ولم تفاتح الجارية بشيء، خبأت في نفسها الأمر لأنها طمعت فيه !
فتحت الجارية الباب بعد أن دسّت جميع آلات الفساد !
وراحت تقطِّب وجهها، وتدمع عينيها وتحرك شفتيها وكأنها تقول : إني صائمة .
وتظاهرت بكنس الاسطبل كي تنام الإبل فيه وعند فتحها الباب وبيدها المكنسة
قالت المرأة في نفسها :
يالك من ممثلة محتالة ! أخذتِ المكنسة وقطبتِ وجهك حسنا :
ولكن ما حال الحمار الهزيل هذا ؟ قد قُطِعَ عليه عمله غضبانٌ يتحرك أيره
وعيناه على الباب ينتظرك !
قالت هذا في نفسها وخبَّأتهُ عن الجارية
وخاطبتها قائلة لها وكأنها بريئة : أسرعي فضعي الخمار على رأسك
واذهبي إلى بيت فلان وسلمي عليهم وقولي : كذا وافعلي كذا وكذا
كائنًا ما قالت فإني مختصرٌ
خذ الخلاصة واللب كائنا ما كان !
ولما أرسلتها المرأة المتظاهرة بعدم رؤية أي شيء غلَّقت الباب وقالت وقد أسكرتها الشهوة : أوه !
قد بقيت وحدي فلأصرخ شكرا لذلك .
فقد عوفيتُ من جماع الرجال الكامل تارة والناقص أخرى .
بلغت فرحة المرأة غايتها
ومع بلوغ الحمار قمة الشهوة ما قرّ لها قرار
وأي فرحة تلك ؟ فقد جعلها قربها من الحمار كالأتان !
ولا عجب أن يصيّرها حمقها وخستها بمنزلة الأتان
فعندما تَصُمُّ الشهوةُ القلبَ وتُعمِيه فإنها ترى الحمارَ في جمال يوسف تمثالا من البدر يتلألأ
كم ترى من سكارى النار أسكرتهم وهم يبحثون عنها ويخالون أنفسهم النور المطلق !
الحرص يُظهِرُ القبيحَ جميلا وليس في عقبات الطريق أسوأ من هذه الشهوة
قد سوّدت أسماءَ مئاتٍ من الآلاف وجعلت مثلهم من عقلاء الناس حيارى
وإن كانت -المرأة- قد رأت حمارا في صورة يوسف
فما الحال لو أريتها يوسف بحق ؟
تريك بسحر منها القذر عسلا فكيف بك لو أرتك العسل !
فتأمل.
غلّقت المرأة الباب
وجذبت الحمار إليها وهي جذلة مسرورة ولقد ذاقت وبال فعلتها
جعلت تُجاذب الحمار حتى أتت به وسط الاسطبل
ونامت تحتَ ذاك الفحل الحمار
نامت تلك القحبة لتنالَ مُرادَها في الموضِع المرتفع الذي رأت الجارية تنام فيه
رفع الحمار رجله وأوعب أيره
فما هي إلا نار خرجت مع أيره ووقعت داخل المرأة
وما كان من الحمار المدرَّب إلا أن اتكّأ على المرأة وأولج أيره إلى خصييه
و لحظتئذ هلكَت المرأة
وتقطعت كبدها من سرعة أير الحمار
وتمزقت أوردتها وفصلت عن بعضها بعضا
ماتت ولم تستطع أن تُعاودَ النفس
سقطت على جانبٍ وسقطت المِنصَةُ على جانب
و امتلأ الاسطبل بالدماء وسقطت المرأة على رأسها ميتة
كانت ميتة سوء هي التي أخذت روحها

فهل رأيت إنسان يقع شهيدا بأير حمار !

اعلم أن هذه النفس البهيمة حمار فحل
أما الوقوع تحتها فهي أشد قبحا وأسوأ مصيرًا
واعلم أنك لو مت في سبيلِ أنانية النفس
فأنت في الحقيقة مثل تلك المرأة

أيها الرجل الطَمِعُ كل لشبعك ولو كان طعامك حلوى وفالوذجًا
قد أعطى الله للميزان لسانا فارجع لعقلك واقرأ سورة الرحمان
ارجع لنفسك ولا تترك من طمعك الميزان
فالجشع والطمع هما العدو المحرض عليك
الجشع يطمعك في الجميع بيد أنك تحرم اللذائذ كلها
يا فجل بن فجل لا تعبد الجشع.

كانت الجارية تمشي وهي تُحدِّث نفسها قائلة :
آه يا لك من امرأة أرسلت الخبير
وأردت أن تعملي في غيبته فبجهل ما حاولت اللعب بروحك
سرقت مني علما بيد أنك سرقته وخجلت أن تسألي عن أحوال المصيدة
كالطير يجمع من الحصاد الحَب ويحذر أن يقع الحبل في عنقه

العلم والقناعة هما الموجبان لذلك
والمرء العاقل لا يجلب الغم بل النعم
أما الجهلة فيبقون في ندامتهم محرومين
فإذا ما التف حب المصيدة على أعناقهم
عاد أكل الحب عليهم جميعه ممتنعا
كيف يروم العصفور أكل الحبة وهي في المصيدة ؟
إنه لو رامها لتحولت لسم زعاف
يأكل العصفور الغافل الحبة في المصيدة كما يأكل الناس النعم من مصيدة الدنيا
عمياء هي العصفورة التي تطلب الحب من المصيدة

وخلاصة القول أنه عندما رأت الجارية سيدتها من شق الباب ميتة تحت الحمار
قالت : يا حمقاء أية حال هذه !
أإن أرتك معلمتك شيئا انخدعت بالظاهر منه فقط ؟
والواقع أن خبئ الأمر قد عَمِيَ عليك
لقد فتحت دكانا قبل أن تُحكِمِي الصَنعَة !
حسنا قد رأيت أيرَ الحمارِ الذي هو كالعسل والفالوذج
فلم لم تري يا جشعة القرعَةَ أيضا ؟!
أتراك غرقتِ في عِشقِ الحمار بالقدر الذي صدّ عينيكِ عن رؤية القرع ؟!
قد رأيت من معلمتك ظاهرَ الصنعةِ، فحاولت
والسرور يغالبك تقليدَ الخبير !

كم من المرائين و ممن لا يخبر شيئا من الحمقى من لا يرى من نهج الأولياء إلا قماش الصوف ؟
كم من الشرهين بخبراتهم القليلة من لم يُفد من الملوك إلا الكلام
غدا كل واحد منهم يقول عن نفسه أنا موسى وأمسَكَ بالعصا
وخرج كل واحد منهم يقول : أنا عيسى وراح ينفخ على الحمقى

يومًا ما ستطلب منك حقيقة الحقائق حجر المِحَكّ
الويل من ذاك اليوم
أما البقية فاسأل عنها الخبير
هؤلاء الجشعون كُلّهم عُمي وصُم
رأيتَ صورةً فرحتَ تردد كلامها
إنك كالببغاء لا تدري ما تقول .

* المثنوي - جلال الرومي - ج5 - 1333
ترجمة ولد جلبي


.

صورة مفقودة

امـرأة تقـرأ كتاباً قـرب نافـذة
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...