موفق محمد - شاكيرا

( الى سيدات زحل ) *

في أول ساعات اللّيل ترُّف اللافتاتُ السود من
ندمٍ
وتصهلُ
ثم تطير أسراباً تحمحم في الفضاء
تنفضُ ما تبقى من أسماء
قتلانا
فيغرق المدى بالشهداء
وعيون أمهاتنا
وتفوح في الأزقة رائحة
الخوفِ
الأبواب تعضُّ مزاليجها
والضيمُ يفتُّ مرارةَ أمي
ويشربُ قهوتها
ولا صوت غير نحيب أخرس
يولول في الصدور
ويندلق لاهثاً في الأزقةِ
وأيادٍ تشيرُ
إلى رؤوس تطيرُ
يا إلهي .. ولأنهم يقتلون بقلبٍ باردٍ
يلبسُ الموتُ معطفه
ويغطّي النجومَ التي تلمع فوق
كتفيه
خوفاً من قناصٍ يتنشق رائحته
ويلملم أرواح الأطفال التي
ترفرفُ محروقةً فوق جثثهم
يتلفت مذعوراً
ويفلتُ غارقاً بالدماء
إلى أينَ يا سيدي ؟
إنهم يرقصون الجوبي
وفي أيديهم رؤوسُ أطفالنا
والبلدُ يسيل بالأرامل
واليتامى

******
أتسحبينَ البحارَ بإشارة
من قدميك ..؟
أمن لثغة في شفتيك
تعلمت الطيورُ تسبيحها
وكيف ترقصين فوق الموج
الذي يتلوى تحتك
وأخافُ أن تكون الأسئلةُ
صعبةً يا شاكيرا
والسماء تصغي بكل ملائكتها
إلى صوتك
فتذرف نجومها فوق جسدك
اللّابط بالنور والراقص
بآلاف السنابل
فتزدادين نوراً ومحبةً
وتضيقُ الغابةُ بجسدك
فتطيرين بآلاف البلابل
التي تغرِّدُ في شفتيكِ
يا من لعبت به شكيرا
ما ألطف هذه الشكائر
(( ماكنتوش شفتج لو عسل غافي
وأنه من الهزِ أذوب وطاحت إجتافي
تعالي انطيني بوسه ونشرب الصافي
وخل كل الدول تزعل عليه ))
******
من نافذةٍ في منتصف اللّيل
وعلى غفلةٍ من الآلهة المتهارشين
على الكراسي
تاركين الوطن كعصف مأكولٍ
في مهب الخرافة التي لا تبقي
ولا تذرُ
أرى السماءَ بارقةً راعدةً
متفصدةَ الجبينِ
محفوفةً بالملائكة والغيوم
والسنابل والبلابل وهي تقتربُ
من الأرض لتلدَ موجةً راقصةً
اسمها .. شاكيرا
الغيوم عمّدَتْ مهدها
والملائكة تركت لها أجنحتها
وهذا البياضَ كلّه قائلة :
يا شاكيرا
طرزي جسدك بحبات
السنابل
وارضعي حليب البلابل
وقرّي رقصاً
فتقف ُ مثل شجرةٍ تمورُ
بالضوء وبالعنبر
وتصدحُ بالنايات
وترقص بآلاف الأغصانِ
التي تصلُّ العصافير في
ثمارها
فتشتعل الأنهارُ عسلاً
وتمتلئُ البيادرُ ذهباً
******
لا أحد يعرفُ أحداً
في هذا الفرن الذي نصطلي
به جميعاً
شعباً وأحزاباً
لأننا حين خرجنا من العالم
السفلي عشاةً لاهين ..
لم نضع الوطن نصبَ أعيننا
فالغنيمةُ تتعرى
والنفسُ أمارّةٌ
والعقلُ شاردٌ
فلم نعد نرى
وأنّى لنا أن نرى ؟
فلقد أتعبتم أللهَ والبلاد
والعبادَ ..
وأنتم تعبدون إلهاً آخراً
إلهاً مفخخاً يقيم فردوسه
في الكهوف والخرائبِ
وجحيمَه في المساجد والكنائس
والمدارس والحدائق
ليرسل الأجسادَ المتفحمةَ
إلى جهنم خوف أن تنضب نارها
إلهاً لا حول له ولا قوةَ فيما
تقتلون وتسرقون وتحللّون
وتحرمون
إلهاً يذبح الفرات من منبعه الى مصبه
ويفخخ دجلة بالرؤوس المقطوعة
وبغداد مصلخٌ كبير
يأتي القصابون إليها من
كل حدب وصوبٍ
وكل يذبحُ على طريقته الإسلامية
ويمضي أميراً طليقا
******
أنتِ تختصرين اللّيلَ كله
وجهك القمرُ والبرق
وثوبك السماء راعدةً بكل
نجومها
والظلمة تفورُ من قدميك
فينيرها اللّهب المتوهجُ
في خصرك
فترتد إلى قدميك الحافيتين
نوراً ..
وسرعان ما تشرقين
فيطلُ الفجر من عينيك
مبللاً بالندى
ومن منحدر نهديك
تصعد الشمسُ متثائبةً
لتبتسم في صدرك
ويتماوجُ الأحمرُ والأخضرُ
والأصفرُ والأبيضُ في صوتك
وفي جسدك المطيبِ بماء
الشمس ونثيثِ القمر وهمس
الغيوم
ليلمَ لك كلَّ هذه الفراشات
التي ترتدينها ثياباً
فما أجمل رفيفها
وما أجمله تحت أجنحتِها
والسنابلُ تفيضُ من قدميك
وعندما تصدحينَ
ترقص الحقول ناثرةً
جدائلها
فتمتلئالسماء طيوراً
ويسيل البنفسجُ صاقيا
من نجومها
******
لصوتك رائحةُ خبز أمي
الخارج تواً من تنورها ولجسدك
لونُه فهو يتعشق في لهبه
ويتنشق من جمرٍ معتق فيه
فتطيرُ الأرغفةُ ملمعةً بأجنحتها
إلى بيوت الفقراء
وأطيرُ بأجنحة اليمام
يا سلام
فأرى يداً من نورٍ تمسحُ
الظلمةَعن جبيني
وأرى أمي تسيسُ ضيمها *
في شط الحلة
وتوقدُ الشموع بدموعها
******
تقدمي أيتها اللبوةُ
فالغيوم تضرب بابك
بمناقيرها لترضع من
حليبك
أريها الأنوار البكرَ التي
تزأر في جسدك
الذي يختصرُ القارة كلّها
لتهطل عليها حليباً مدراراً
فينمو العشبُ من صوتك
ويهدر نهر الحمام الذي ينبعُ
من ظلك فنسري على براق
من جناح الحمام
*******
أنّى لك هذا الجسدُ الأفعى ؟
وأنت تطوّحين به
وهو يتلوى طوع بنانك
فيوحد الغابة كلّها
وتهتز طرباً حين تسمعُ
صوتك
فيغسلها بالنور
ويمنحها الدفءَ
ويملؤها رحمة وأمانا
********
شاكيرا ..
بهذا الاسم يدعو الطير
أنثاه
والوردةُ عطرَها
والأمُ وليدَها
والنهرُ أمواجَه
والأشجارُ ثمارها
والفقراء المنكوبون وهم
يتقاسمون رحمتك
مسكيناً ويتيماً واسيرا
فشكرا يا شاكيرا
فأنت الأسد والغابة
وخصرك يهدر باللّغات كلها
والخمرة تبرق في قدميك
فتفور الغيوم بحليب السباع *
وتمطر
وأشرب
أشرب
وأراني غافياً تحت شجرة شاكيرا
بعيداً عن الجبابرة المتهارشين
والعراق بشعبه وسمائه
يهرس تحت اظلافهم .. وهم ينظرون اليه
( من وره إخشومهم
والتوابيت اندلت الدرب )
فهي تسير وحيدة الى قبورها




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ( سيدات زحل ) رواية للمبدعة الكبيرة لطفية الدليمي
* تسيّس مفردة شعبية بمعنى ترسل بواسطة النهر وشط الحلة فرع من الفرات تقع عليه مدينة الحلة
* حليب السِباع كناية شعبية لنوع من الخمر



.

صورة مفقودة
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...