سامية علام - عبادة الأعضاء الجنسية... هل سمعتم بها من قبل؟

يعتبر البعض عبادة الأعضاء الجنسية من أغرب أنواع العبادات التي عرفتها البشرية. فأن يقدّس الإنسان جزءاً من جسده ويخصص له طقوساً فهو أمر سببه غير واضح، خاصةً إذا نظرنا إليه بشكل مادي وبعيداً عما قد يرمز إليه.

لطالما ربط الإنسان العلاقة بين الرجل والمرأة والتي ينتج عنها التناسل بسرّ الخلق، ونظر إليها باعتبارها معجزة كونية، مما دفع بالبعض إلى تقديس أو عبادة الأعضاء الجنسية، كونها، برأيه، هي التي تمنح الحياة.

وعرفت البشرية شكلين لهذا النوع من العبادة: شكل مال إلى تقديس العضو الذكري على اعتبار أن ماء الرجل هو أساس الخلق، وشكل آخر قدّس المهبل الأنثوي، والثدي في بعض الأحيان، كون المرأة هي التي تنجب وترضع مولودها.

وقد بدأ تقديس العضو الذكري منذ القدم. وكان المصريون القدماء والإغريق والرومان ممن عرفه، وظهر ذلك على جدران معابدهم وآثارهم. ولا يزال هذا التقديس شائعاً في بعض الأماكن التي سنستعرض بعضها لاحقاً.

الفراعنة وتقديس العضو الذكري

قدّس المصريون القدماء القضيب الذكري وصوّروا الإله أوزوريس بقضيب كبير منتصب في أكثر من مناسبة. وتختلف الروايات التاريخية بشأن أول شعب عرف تلك العبادة. فقد نسبها بعض علماء التاريخ والحضارات القديمة إلى المصريين القدماء، وهو ما يذهب إليه مسعود عبد الحميد، أستاذ الآثار اليونانية والرومانية المساعد في قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة عين شمس، فيقول: "الفراعنة كانوا سبّاقين إلى تقديس الذكر".

وقد خلّفت الحضارة المصرية القديمة منحوتات جدارية وتماثيل صغيرة تؤكد تقديس القضيب. وتُظهر هذه الآثار أشخاصاً قصيري القامة ولهم قضبان عملاقة، مثل "الإله بيس"، القزم الذي كان له قضيب طويل للغاية. ورمز الفراعنة بذلك إلى خصوبة بلادهم بفضل مياه النيل.
عرف المصريون القدماء والإغريق والرومان تقديس الأعضاء الجنسية، ولا تزال ذكرى هذه المعتقدات مستمرة إلى اليوم

كذلك صوّر المصريون القدماء "الإله مين"، إله الفحولة والخصوبة، واقفاً منتصب القضيب وتعلو رأسه ريشتان، وممسكاً بقضيبه بيده اليسرى ورافعاً يده اليمنى.

وعُثر في متحف العصور الوسطى في باريس على منحوتة من القصدير والرصاص تعود إلى المصريين وهي عبارة عن ثلاثة قضبان ذكورية تحمل على أكتافها مهبلاً أنثوياً، كما في المحمل الفرعوني أو اليهودي. وهذه المنحوتة قد تثبت تقديس الفراعنة للمهبل الأنثوي أيضاً.

وقال ماجد الراهب، المتخصص بالحضارة المصرية القديمة ورئيس جمعية الحفاظ على التراث المصري، إن "التماثيل والتعاويذ ومختلف الأدوات التي تتعلق بالجنس أو تكون على هيئة أعضاء جنسية عند المصريين القدماء، كان الهدف منها جلب الخصوبة لصاحبها على الأرض أو ولادته في الحياة الأخرى التي اعتقدوا بها".

وأضاف لرصيف22 أن "العديد من الآلهة المصرية القديمة اقترن اسمها بالجنس"، معدداً الإله "مين" والإله "أمون-كا-موت.إف"، وهو أحد تجلّيات الإله "آمون"، والإلهة "حتحور" والإلهة "إيزيس"، وأكّد أن "أغلب تلك الآلهة صوّرت عارية والذكور منها كانت بقضبان منتصبة وضخمة".

وأشار إلى "بردية تورين"، وهي البردية الرقم 5501 في متحف المصريات في مدينة تورين الإيطالية، واعتبرها أهم وثيقة جنسية كشفت لنا طبيعة الجنس ومكانته في مصر القديمة، إذ اشتملت على عدد من الرسومات الجنسية المبدعة بإتقان وكشفت عن الاعتقادات بفائدة بعض النباتات جنسياً مثل اللوتس والتي رمز بها الفراعنة إلى الحب والجنس، واللبلاب الذي رمز به إلى الإخصاب، كما ضمت مشاهد للولادة على الأرض وفي العالم الآخر "مما يعكس عظمة الجنس قديماً وعدم الخجل منه ومن إظهار الأعضاء الجنسية".

ولكنّ الباحث الأثري أحمد حماد يخالف هذا الرأي قليلاً. وقال لرصيف22: "لم يعبد الفراعنة أياً من أعضائهم. الأمر اقتصر على التقديس ليس للعضو ذاته بل للناتج عن العلاقة التي يقوم بها العضو. فالميلاد هو ما قدسه الإنسان المصري القديم وليس العضو الذكري أو المهبل الأنثوي".

وأردف أن "الصور المتداولة من العصر الفرعوني لمهبل أنثوي تحمله أذكار هو "كرسي الولادة" ويقصد به تقديس عملية الخلق أو ميلاد حياة جديدة، وليس العضو الجنسي الأنثوي بحد ذاته".
الإغريق على خطى الفراعنة

اعتبر الإغريق أن القضيب الذكري سببٌ للحياة، ورمز للإنتاج والخصوبة والوفرة. وقد ظهر في طقوس ديميتر وهرمس وديونيسيوس، على الجدران والمنحوتات، ووصل الأمر إلى افتتاح "عيد ديونيسيا"، وهو احتفال أثيني بالإله ديونيسيوس، بمجسمات ضخمة خشبية أو معدنية لقضبان ذكرية يحملها الرجال على الأكتاف. وكانوا يعتقدون أن تلك الطقوس تزيد القدرة على التناسل.

وكان ديونيسيوس، إله المتعة والسعادة والخمر، يظهر في منحوتاته بعضو منتصب عارٍ. وعُثر في جزيرة "ديلوس"، خارج مزار الإله، على منحوتات على شكل مجسمات لقضيب أو مجسمات متكاملة لمنظر القضيب والخصي مصنوعة من الحجر الأبيض.
تأثر الرومان بالإغريق

تأثر الرومان بالإغريق في ما يتعلق بالطقس القضيبي، فكانوا يرسمون القضيب على جدران المعابد ونحتوا له التماثيل. كما خصصوا مهرجان الربيع ومهرجان الإله باخوس (النسخة الإغريقية لديونيسيوس) للتعبير عن تقديس ذلك المعبود.

واعتبر الإغريق القضيب رمزاً لتجدد الحياة، وكانت النساء يذهبن إلى المعابد وينشدن ترانيم خاصة بمدح القضيب المقدس، ويدهنّه بالنبيذ ويزينّه بالورود.

وفي احتفال الليبراليا Liberalia، وهو امتداد للاحتفاء بباخوس، وإن كان في الأساس لتعظيم الإله ليبر، سُمح للرجال والنساء بالذهاب إلى المعابد معاً لممارسة بعض الطقوس القضيبية، ومنها حمل مجسمات خشبية أو معدنية ضخمة على شكل قضيب.

كما كانت تباع تعاويذ مقدسة وحلى ذهبية على شكل قضبان ذكورية، وعثر على إحداها في بريطانيا. وأغلب الظن أنها كانت بحوزة جندي روماني، إذ وُجدت في منطقة كانت معسكراً رومانياً في السابق.

وخلّف الرومان العديد من الحلى المصنوعة من الأحجار الكريمة والبرونز والذهب على شكل قضبان، وكانت بحسب معتقداتهم تجلب الخير والحماية من الحسد والإنجاب والإخصاب وتردّ فتنة العذارى للرجال على اعتبار أن فتنة المرأة لا يردها سوى قوة ذكورية مثل قوة القضيب.

وأكّد مسعود عبد الحميد أن "الحضارتين اليونانية والرومانية غنيتان بالآلهة المعنية بالخصوبة والتي جسدت تقديسهم للقضيب الذكري مثل "هرميس" الذي صوّر بشكل هرم Herm وهو عبارة عن عمود حجري طويل يعلوه رأس للإله هرميس بشكل شيخ له لحية طويلة ويبرز من هذا العمود العضو الذكري في حالة انتصاب".

وتابع: "يبقى الإله بريابوس Priapus أشهر الآلهة المرتبطة بالفحولة والخصوبة والوفرة، وقد صُوّر بهيئة رجل قوي البنيان. وكان إلهاً رعوياً في المقام الأول وكانت تماثيله توضع في الحقول والحدائق، وارتبط بمفهوم الخصوبة والوفرة في المحاصيل والحيوانات والبشر ومثّل حماية بالنسبة لهم. وكان عضوه ضخماً وكبيراً للغاية وانتشرت عبادته في مصر بعد فتح الإسكندر والرومان لها خاصة في المناطق ذات الطبيعة الريفية والزراعية مثل الحجر (سايس القديمة)، ومدن الفيوم".

وعن الآثار التي تعكس تلك العبادة، أشار مسعود إلى أن"الحضارتين اليونانية والرومانية خلّفتا أعداداً كبيرة من الأعمدة التي يعلوها العضو الذكري منتصباً فوق الخصيتين كما نرى في جزيرة ديلوس. كما نُحت العضو الذكري فوق جدران المنازل والمنشآت المختلفة في مدينتي بومبي وهيركولانيوم في إيطاليا، ورُسم على الأواني الفخارية الإغريقية ومنها رسوم لسيدات تحملن قضباناً ذكرية بأحجام ضخمة كقرابين للآلهة وللمشاركة في الاحتفالات المختلفة".

ولفت إلى أن "تقديم السيّدات لقرابين على شكل قضبان ذكرية استمرّ حتى القرن 18 في جزيرة صقلية". وأضاف أنه وجدت كذلك كميات هائلة من القضبان الذكرية مصنوعة من الطين المحروق والبرونز والأحجار المختلفة والعاج في نطاق المعابد، "وكانت تُقدم كإهداءات أو نذور للآلهة المرتبطة بمفهوم الخصوبة والوفرة في المعابد حتى أنها قدمت للإله إسكليبيوس، إله الطب والشفاء عند الإغريق والرومان، وأغلب الظن أن تلك الأعضاء كانت مريضة وتم شفاؤها ببركة الإله. لذا قُدّمت له قرابين على هيئتها من قبيل العرفان والامتنان للإله".

وتحدّث عن "وجود بعض التمائم التي كان الأطفال والجنود يرتدونها في أعناقهم على شكل قضيب بغرض الحماية، كذلك كانت بعض أغراض المنازل مثل الأجراس تُصنع بشكل عضو ذكري مجنح وكانت تعلق أمام باب المنزل والغرض منها إبعاد الحسد والعين الشريرة. كما كانت أرضيات المنازل تُزيّن بلوحات الفسيفساء وتصور أشخاصاً لهم عضو ذكري ضخم بغرض طرد العين والأرواح الشريرة والحسد".

اليابان: طقس لا يزال مستمراً

في كتابه "قصة الحضارات" (المجلد الأول، الجزء الخامس)،يقول الكاتب ول ديورانت: "كانت العاطفة الدينية عند اليابانيين الأوّلين تجد ما يشبعها في الاعتقاد بأن لكل كائن روحاً، وفي الطوطمية، وفي عبادة الأسلاف وعبادة العلاقة الجنسية".

وحالياً، لا تزال عبادة الأعضاء الجنسية منتشرة في اليابان، فنجد أكبر مركز لعبادة القضيب الذكري حول العالم في "تاجا جينجا" حيث يقام مهرجان سنوي يسمى "كانامارا ماتسوري" لعبادة القضيب. وهذا المهرجان الذي فقد الكثير من قدسيته وتحوّل إلى ما يشبه الكرنفال يتوافد إليه أشخاصمن الهند والصين وسائر أنحاء العالم.

وتتعدد المظاهر الاحتفالية في هذا الكرنفال. فتُباع شموع على شكل قضيب بخصيتين، وحلوى هلامية ومصاصات بألوان اللحم البشري وسلاسل ودمى بلاستيكية على شكل قضيب. ويُقدّم للمحتفلين شراب بلون السائل المنوي ويُسكب من قضيب ضخم في أكواب أو أطباق صغيرة.

كما يُسيّر في الشوارع قضيب على شكل مدفع تمتطيه النساء. ويتنافس المشاركون على رفع مجسّم خشبي لأكبر قضيب. وتظهر النساء عاريات وهن يحملن المجسّم القضيبي في حين يمشي بعض الرجال عراة تفاخراً بأعضائهم التناسيلة.

وأخيراً، صار المشاركون يتجمعون أسفل أحد الأبراج العملاقة المبنية على شكل قضيب. وتبدأ مراسم الاحتفال في المساء بما يشبه عملية القذف، فتضاء الأنوار من هذا البرج على دفعات.

النيبال: عبادة القضيب

يقدّس العضو الذكري في النيبال أكثر من 50 ألف شخص. ويقيم هؤلاء مهرجاناً لممارسة طقوس عبادة القضيب، ويتوعدون من يسخر من إلههم بالعجز الجنسي.

وتبدأ الطقوس بالطرق على رأس مجسم عملاق على شكل قضيب وبعد قليل يبدأ جر المجسم بالسلاسل الضخمة والمتينة من عشرات وربما مئات الأشخاص ويستغرق الأمر ساعات حتى يتمكنوا من رفعه عن الأرض، وكلما ارتفع يعلو الصياح والهتاف.

والإله القضيب في نيبال ليس مماثلاً للقضيب تماماً في الشكل. فهو عبارة عن عصا خشبية مستديرة أشبه بجذع النخلة وتتدلى من رأسها سنبلتان خضراوان.

بوتان: القضيب على الجدران

برغم اعتناق أهلها للهندوسية والبوذية، فهم يرسمون أعضاء ذكرية، مرة منتصبة ومرة في حالة قذف، على جدران المنازل ويلوّنونها بألوان زاهية ويعتقدون أنها تجلب الحظ الجيد. كما يزيّنونها بشرائط ملوّنة، بحسب ما أوضح طريف سردست في بحث له عن عبادة الأعضاء الجنسية أخذنا منه بعض التفاصيل الواردة في هذا الموضوع.

وخُصّص معبد "شيمي لاخانج" الأشهر في بوتان لعبادة إله الخصب. ورسم على جداره الخارجي قضيب يحيط به شريط ملون. وعلى أي ثنائي مقبل على الزواج زيارة المعبد والحصول على قضيبين مقدسين الأول من العظم والثاني من الخشب من أجل حياة زوجية ملأى بالخصوبة. ويتلو كاهن المعبد على الزوجين آيات مقدسة ويختاران ورقة باسم مولودهما الأول.
عبادة الفرج

يعتبر عبدة الفرج أن المرأة هي الأم والخالقة لأنها تحمل وتلد. لذلك يقدّسونها بهدف تقديم الشكر لها لوهبها الحياة.

في الهند، كان يُرمز إلى قضيب الرجل باسم "لينغام" في حين سمي مهبل المرأة "يوني". وجرت العادة على تصوير لينغام بحجر أسود ويجاوره دائماً يوني. واعتبر لينغام ويوني أصل الخليقة وعُدا إلهين يرمزان إلى الخلق والخصب والطاقة المستمدة من المنبع الأصلي.

وكانت طقوس تقديس فرج المرأة تعكس فلسفة كاملة عن الجنس والصحة والروح والجسد تهدف إلى تحقيق القوة والانسجام والاتزان الروحي.

وفي كتاب "قصة الحضارة" (المجلد الأول، الجزء الثالث)، تحدّث ديورانت عن وجود طقوس وممارسات عبادة الأعضاء التناسلية في الهند منذ القدم. وكتب: "أما الاحتفال المقدس الذي كانوا يقيمونه للإلهة "فاسانتي" فقد كان يصطبغ بشيء من المجون، إذ يحملون، وهم مشاة في صف، رموزاً للعلاقة الجنسية يهزونها هزات تمثل حركات العملية الجنسية. وكان وقت الحصاد في "شوناتاجيور" إيذاناً بإباحية خلقية، حيث يطرح الرجال جانباً كل أوضاع التقاليد، ويخلع النساء عن أنفسهن كل حياء، ويترك للفتيات الحبل على الغارب يفعلن ما شئن بدون قيود".



 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...