عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو الفتح العباسي - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

وَابْن الدمينة اسْمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عَامر بن تيم الله والدمينة أمه وَهِي سَلُولِيَّة ويكنى ابْن الدمينة أَبَا السّري وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور لَهُ غزل رَقِيق الْأَلْفَاظ دَقِيق الْمعَانِي وَكَانَ النَّاس فِي الصَّدْر الأول يسْتَحلُّونَ شعره ويتغنون بِهِ حدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ كَانَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف إِذا سمع شَيْئا يستحسنه أطرفني بِهِ وَأَنا أفعل مثل ذَلِك فَجَاءَنِي يَوْمًا فَوقف بَين النَّاس وَأنْشد لِابْنِ الدمينة
(ألاَ يَا صبَا نَجْدٍ مَتى هِجْتِ من نجدِ ... لقدْ زادني مَسْرَاكِ وجدا على وجد)
(إِن هَتفتْ وَرْقَاء فِي رونق الضُّحَى ... على فنن عض النَّبَات من الرَّندِ)
(بكيتَ كَمَا يبكي الوليدُ وَلم تَكُنْ ... جَزُوعاً وأبديتَ الَّذِي لم تكن تُبْدِي)
(وقدْ زَعَمُوا أنَّ المحبَّ إِذا دنا ... يملُّ وَأَن النأي يشفي من الوجد)
(بِكُل تَدَاوينا فَلم يُشْفَ مَا بنَا ... على أَن قرب الدّار خيرٌ من الْبعد)
(على أَن قربَ الدَّار لَيسَ بِنافعٍ ... إِذا كَانَ منْ تهواهُ ليسَ بِذِي ود) // الطَّوِيل //
ثمَّ ترنح سَاعَة ترنخ النشوان ودبح أُخْرَى ثمَّ قَالَ أنطح العمود رَأْسِي من
حسن هَذَا فَقلت لَا ارْفُقْ بِنَفْسِك
وَحدث ابْن ربيح راوية ابْن هرمة قَالَ لَقِي ابْن هرمة بعض أَصْحَابه بالبلاط فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من الْمَسْجِد فَقَالَ فَأَي شَيْء صنعت هُنَاكَ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد المَخْزُومِي قَالَ فَأَي شَيْء قَالَ قَالَ أَمرنِي أَن أطلق امْرَأَتي قَالَ فَأَي شَيْء قلت لَهُ قَالَ مَا قلت شَيْئا قَالَ فوَاللَّه مَا قَالَ لَك هَذَا إِلَّا لأمر أظهرته عَلَيْهِ وكتمتنيه أَفَرَأَيْت لَو أَمرته بِطَلَاق امْرَأَته أَكَانَ يطلقهَا قَالَ لَا وَالله قَالَ فَابْن الدمينة كَانَ أنصف مِنْك كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه فَأرْسلت إِلَيْهِ إِن أَهلِي قد نهوني عَن لقائك ومراسلتك فَأرْسل إِلَيْهَا يَقُول
(أريت الْآمِر يَك بِقطع حبلي ... مريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ)
(فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وَإِن عاصوك فاعصي من عصاك)
(أَما وَالرَّاقصاتِ بِكُل فجٍ ... وَمَنْ صلى بنُعْمانِ الأرَاكِ)
(لقد أضمرْتُ حبَّك فِي فُؤَادِي ... وَما أضمرْتُ حبّاً مِن سواكِ) // الوافر //
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ مَرَرْت بِالْكُوفَةِ وَإِذا أَنا بِجَارِيَة تطلع من جِدَار إِلَى الطَّرِيق وفتى وَاقِف وظهره إِلَيّ وَهُوَ يَقُول أسهر فِيك وتنامين عني وتضحكين مني وأبكي وتستريحين وأتعب وأمحضك الْمحبَّة وتمذقينها وأصدقك وتنافقيني ويأمرك عدوي بهجري فتطيعينه ويأمرني نصيحي بذلك فأعصيه ثمَّ تنفس وأجهش باكياً فَقَالَت لَهُ إِن أَهلِي يمنعونني مِنْك وينهونني عَنْك فَكيف أصنع فَقَالَ لَهَا
(أريت الْآمِر يَك بِقطع حبلي ... مريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ)
(فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وَإِن عاصوك فاعصي من عصاك) // الوافر //
ثمَّ الْتفت فرآني فَقَالَ يَا فَتى مَا تَقول أَنْت فِيمَا قلت فَقلت لَهُ وَالله لَو عَاشَ ابْن أبي ليلى مَا حكم إِلَّا بِمثل حكمك
وَحدث ابْن أبي السرى عَن هِشَام قَالَ هوى ابْن الدمينة امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا أُمَيْمَة فهاج بهَا مُدَّة فَلَمَّا وصلته تجنى عَلَيْهَا وَجعل يَنْقَطِع عَنْهَا ثمَّ زارها ذَات يَوْم فتعاتبا طَويلا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فَقَالَ وَالشعر لَهَا
(وأنْتَ الَّذِي أخلفتني مَا وَعَدتَنْي ... وأشمَتَّ بِي من كَانَ فِيكَ يَلومُ)
(وأبرزتني للنَّاس ثمَّ تَركتَنْي ... لَهُم غَرضاً أُرْمَى وَأَنت سليمُ)
(فَلوْ أَن قَوْلاً يَكْلَمُ الْجِسْم قد بَدَا ... بجسميَ من قولِ الوشاة كلوم) // الطَّوِيل //
قَالَ فأجابها ابْن الدمينة فَقَالَ
(وأنتِ الَّتِي كَلَّفْتِني دَلَجَ السُّرى ... وَجُونُ القَطا بالجَلهَتين جُثُومُ)
(وأنْتِ الَّتِي قَطَّعتِ قلبِي حَرَارةً ... ومزقت جُرْحَ الْقلب فهوَ كليمُ)
(وَأَنت الَّتِي أحْفَظت قومِي فَكلُّهم ... بعيد الرِّضَا داني الصدود كظيم) // الطَّوِيل //
قَالَ ثمَّ تزَوجهَا بعد ذَلِك وَقتل وَهِي عِنْده كَمَا سَيَأْتِي
وَحدث أَبُو الْحسن الينبعي قَالَ بَينا أَنا وصديق لي من قُرَيْش نمشي بالبلاط لَيْلًا فَإِذا بِظِل نسْوَة فِي الْقَمَر فالتقينا فَإِذا بِجَمَاعَة نسْوَة فَسمِعت وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَقول أهوَ هُوَ فَقَالَت الْأُخْرَى نعم وَالله إِنَّه لَهو هُوَ فدنت مني ثمَّ قَالَت يَا كهل قل لهَذَا الَّذِي مَعَك
(ليسَتْ لياليكَ فِي خَاخ بِعَائدةٍ ... كَمَا عَهدتَ وَلَا أيامُ ذِي سلم) // الْبَسِيط //
فَقلت لَهُ أجب فقد سَمِعت فَقَالَ قد وَالله قطع بِي وأرتج عَليّ فأجب عني فَالْتَفت إِلَيْهَا ثمَّ قلت
(فَقلت لَهَا يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت) // الطَّوِيل //
فَقَالَت الْمَرْأَة أَواه ثمَّ مَضَت ومضينا حَتَّى إِذا كُنَّا بمفرق طَرِيقين مضى الْفَتى إِلَى منزله ومضيت إِلَى منزلي فَإِذا بِجَارِيَة تجذب طرف رِدَائي فَالْتَفت إِلَيْهَا فَقَالَت الْمَرْأَة الَّتِي كلمتك تدعوك فمضيت مَعهَا حَتَّى دخلت دَارا ثمَّ صرت إِلَى بَيت فِيهِ حَصِير وثنيت لي وسَادَة فَجَلَست ثمَّ جَاءَت جَارِيَة بوسادة مثنية فطرحتها ثمَّ جَاءَت الْمَرْأَة فَجَلَست عَلَيْهَا وَقَالَت لي أَأَنْت الْمُجيب قلت نعم قَالَت مَا كَانَ أفظ جوابك وأغلظه قلت وَالله مَا حضرني غَيره فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت لي وَالله مَا خلق الله خلقا أحب إِلَيّ من إِنْسَان كَانَ مَعَك قلت وَأَنا الضَّامِن عَنهُ لَك مَا تحبين قَالَت أَو تفعل قلت نعم فوعدتها أَن آتيها بِهِ فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة وانصرفت فَإِذا الْفَتى ببالي فَقلت مَا جَاءَ بك قَالَ علمت أَنَّهَا سترسل إِلَيْك وَسَأَلت عَنْك فَلم أجدك فَعلمت أَنَّك عِنْدهَا فَجَلَست أنتظرك فَقلت لَهُ قد كَانَ كل مَا ظَنَنْت ووعدتها أَن آتيها بك فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة فَمضى ثمَّ أَصْبَحْنَا فتهيأنا ورحنا فَإِذا الْجَارِيَة تنتظرنا فمضت أمامنا حَتَّى دَخَلنَا الدَّار فَإِذا برائحة الطّيب وَجَاءَت فَجَلَست مَلِيًّا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فعاتبته طَويلا ثمَّ ذكرت الأبيات الَّتِي أنشدتها امْرَأَة ابْن الدمينة ثمَّ سكتت فَسكت الْفَتى هنيهة ثمَّ قَالَ
(غَدَرتِ وَلم أغدر وخُنْتِ وَلم أخُنْ ... وَفِي دونِ هَذَا للمُحِبِّ عزاءُ)
(جَزيتُكِ ضِعفَ الوُد ثمَّ صَرَمتنِي ... فحبكِ فِي قلبِي إِلَيْك أداءُ) // الطَّوِيل //
فالتفتت إِلَيّ وَقَالَت أَلا تسمع مَا يَقُول قد أَخْبَرتك قَالَ فغمزته فَكف ثمَّ قَالَت
(تجاهَلْتَ وَصْلي حِين لَّجتْ عَمايتي ... فَهَلا صَرَمْتَ الحبْلَ إِذْ أَنا مُبصرُ)
(ولي من قُوَي الحبْلِ الَّذِي قد قَطعتهُ ... نَصيبٌ وَإِذ رَأْيِي جَميع مُوَفِّرُ)
(وَلكنَّما آذنْتُ بِالصبرِ بَغتةً ... ولسْتُ على مثل الَّذِي جئتَ أقدِر) // الطَّوِيل //
فَقَالَ الْفَتى مجيباً لَهَا
(لقد جَعَلَتْ نَفسِي وَأَنت اجتَرمتِه ... وكنْتِ أحَبَّ النَّاس عنكِ تَطيبُ)
فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت أَو قد طابت نَفسك لَا وَالله مَا فِيك خير بعْدهَا فَعَلَيْك السَّلَام ثمَّ التفتت إِلَيّ وَقَالَت قد علمت أَنَّك لَا تفي بضمانك عَنهُ وانصرفنا
وَكَانَ السَّبَب فِي قتل ابْن دمينة أَن رجلا من سلول يُقَال لَهُ مُزَاحم بن عَمْرو كَانَ يَرْمِي بِامْرَأَة ابْن الدمينة وَكَانَ اسْمهَا حماء وَقيل حمادة فَكَانَ يَأْتِيهَا ويتحدث إِلَيْهَا حَتَّى اشْتهر ذَلِك فَمَنعه ابْن الدمينة من إتيانها وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ مُزَاحم يذكر ذَلِك
(يَا ابْن الدمينة والأخبارُ يرفَعها ... وَخْدُ النجائب والمحقور يخفيها
(يَا ابْن الدمينة إِن تغْضب لما فَعَلَتْ ... فَطالَ خِزْيُكَ أَو تَغضبْ مَوْاليها)
(أَو تُبغضوني فكم من طعنةٍ نَفَذَتْ ... يَغذو خِلال اختْلاج الجوْفِ غاذيها)
(جاهَدْتُ فِيهَا لكمُ إِنِّي لكم أبدا ... أبغي معايبَكم عَمْداً فآتيها)
(فَذَاك عِنْدِي لكم حَتَّى تُغَيِّبَنِي ... غَبراء مظلمَةٌ هارٍ نَوَاحِيهَا)
(أَغْشى نِساءَ بني تَمِيم إِذا هَجَعَتْ ... عنِّي العُيُونُ وَلَا أبغي مقاريها)
(كم كاعِبٍ من بني تَمِيم قَعَدْتُ لَهَا ... وعانسٍ حِين ذاق النومَ حامِيها)
(كقعدةِ الأعسر العُلفوف منتحياً ... مَتينة مِنْ متين النبل يَرميها)
(علامةٌ كَيَّةٌ مَا بينَ عانَتها ... وَبينَ سُبتها لَا شلّ كلويها)
(وشَهقةٌ عِنَد حِس الماءِ تشهقُها ... وقولُ رُكبتها قِضْ حِين تثنيها)
(وَتعدلُ الأير إنْ زَاغَتْ فتبعثهُ ... حتىَّ يُقيمَ برِفقٍ صدْرَهُ فِيها)
(بَين الصفوقين فِي مُستهدف وَمِدٍ ... ذِي حَرّة ذاق طعمَ الموتِ صاليها)
(مَاذَا تَرى يَا عبيد الله فِي امْرَأةٍ ... ليستْ بِمُحصنةٍ عَذراء حاويها)
(أيامَ أنتَ طَريدٌ لَا تُقاربُها ... وَصادفَ القوسَ فِي الغرَّاتِ باريها)
(ترَى عَجوزَ بَني تَمِيم مُلفعةً ... شُمطاً عوارِضُها رُبْداً دَواهيها)
(إِذ تجْعَل الدفنس الورهاء عذرتها ... قشارة من أدِيم الأرضِ تفريها)
(حتىَّ يظل هَذَانِ الْقَوْم يحسبها ... بكر أَو قبل هوى فِي الدَّار هاويها) // الْبَسِيط //
وَلما بلغ ابْن الدمينة شعر مُزَاحم أَتَى امْرَأَته فَقَالَ لَهَا قد قَالَ فِيك هَذَا الرجل مَا قَالَ وَقد بلغك قَالَت وَالله مَا رأى مني ذَلِك قطّ قَالَ فَمن أَيْن لَهُ العلامات قَالَت وصفتهن لَهُ النِّسَاء قَالَ هَيْهَات وَالله أَن يكون ذَلِك كَذَلِك ثمَّ أمسك مُدَّة وصبر حَتَّى ظن أَن مزاحماً قد نسي الْقِصَّة ثمَّ أعَاد عَلَيْهَا القَوْل وأعادت الْحلف أَن ذَلِك مِمَّا وَصفه لَهُ النِّسَاء فَقَالَ لَهَا وَالله لَئِن لم تمكنيني مِنْهُ لأَقْتُلَنك فَعلمت أَنه سيفعل ذَلِك فَبعثت إِلَيْهِ وواعدته لَيْلًا وَقعد لَهُ ابْن الدمينة وَصَاحب لَهُ فَجَاءَهَا للموعد فَجعل يكلمها وَهِي مَكَانهَا فَلم تكَلمه فَقَالَ لَهَا يَا حماء مَا هَذَا الْجفَاء اللَّيْلَة قَالَ فَتَقول لَهُ هِيَ بِصَوْت ضَعِيف ادخل فَدخل فَأَهوى بِيَدِهِ ليضعها عَلَيْهَا فوضعها على ابْن الدمينة فَوَثَبَ عَلَيْهِ هُوَ وَصَاحبه وَقد جعل لَهُ حصاً فِي ثوب فَضرب بن كبده حَتَّى قَتله وَأخرجه فطرحه مَيتا فجَاء أَهله فاحتملوه وَلم يَجدوا بِهِ أثر السِّلَاح فَعَلمُوا أَن ابْن الدمينة قَتله وَقد قَالَ ابْن الدمينة فِي تَحْقِيق ذَلِك
يَأْتِيهَا ويتحدث إِلَيْهَا حَتَّى اشْتهر ذَلِك فَمَنعه ابْن الدمينة من إتيانها وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ مُزَاحم يذكر ذَلِك
(يَا ابْن الدمينة والأخبارُ يرفَعها ... وَخْدُ النجائب والمحقور يخفيها
(يَا ابْن الدمينة إِن تغْضب لما فَعَلَتْ ... فَطالَ خِزْيُكَ أَو تَغضبْ مَوْاليها)
(أَو تُبغضوني فكم من طعنةٍ نَفَذَتْ ... يَغذو خِلال اختْلاج الجوْفِ غاذيها)
(جاهَدْتُ فِيهَا لكمُ إِنِّي لكم أبدا ... أبغي معايبَكم عَمْداً فآتيها)
(فَذَاك عِنْدِي لكم حَتَّى تُغَيِّبَنِي ... غَبراء مظلمَةٌ هارٍ نَوَاحِيهَا)
(أَغْشى نِساءَ بني تَمِيم إِذا هَجَعَتْ ... عنِّي العُيُونُ وَلَا أبغي مقاريها)
(كم كاعِبٍ من بني تَمِيم قَعَدْتُ لَهَا ... وعانسٍ حِين ذاق النومَ حامِيها)
(كقعدةِ الأعسر العُلفوف منتحياً ... مَتينة مِنْ متين النبل يَرميها)
(علامةٌ كَيَّةٌ مَا بينَ عانَتها ... وَبينَ سُبتها لَا شلّ كلويها)
(وشَهقةٌ عِنَد حِس الماءِ تشهقُها ... وقولُ رُكبتها قِضْ حِين تثنيها)
(وَتعدلُ الأير إنْ زَاغَتْ فتبعثهُ ... حتىَّ يُقيمَ برِفقٍ صدْرَهُ فِيها)
(بَين الصفوقين فِي مُستهدف وَمِدٍ ... ذِي حَرّة ذاق طعمَ الموتِ صاليها)
(مَاذَا تَرى يَا عبيد الله فِي امْرَأةٍ ... ليستْ بِمُحصنةٍ عَذراء حاويها)
(أيامَ أنتَ طَريدٌ لَا تُقاربُها ... وَصادفَ القوسَ فِي الغرَّاتِ باريها)
(ترَى عَجوزَ بَني تَمِيم مُلفعةً ... شُمطاً عوارِضُها رُبْداً دَواهيها)
(إِذ تجْعَل الدفنس الورهاء عذرتها ... قشارة من أدِيم الأرضِ تفريها)
(حتىَّ يظل هَذَانِ الْقَوْم يحسبها ... بكر أَو قبل هوى فِي الدَّار هاويها) // الْبَسِيط //
وَلما بلغ ابْن الدمينة شعر مُزَاحم أَتَى امْرَأَته فَقَالَ لَهَا قد قَالَ فِيك هَذَا الرجل مَا قَالَ وَقد بلغك قَالَت وَالله مَا رأى مني ذَلِك قطّ قَالَ فَمن أَيْن لَهُ العلامات قَالَت وصفتهن لَهُ النِّسَاء قَالَ هَيْهَات وَالله أَن يكون ذَلِك كَذَلِك ثمَّ أمسك مُدَّة وصبر حَتَّى ظن أَن مزاحماً قد نسي الْقِصَّة ثمَّ أعَاد عَلَيْهَا القَوْل وأعادت الْحلف أَن ذَلِك مِمَّا وَصفه لَهُ النِّسَاء فَقَالَ لَهَا وَالله لَئِن لم تمكنيني مِنْهُ لأَقْتُلَنك فَعلمت أَنه سيفعل ذَلِك فَبعثت إِلَيْهِ وواعدته لَيْلًا وَقعد لَهُ ابْن الدمينة وَصَاحب لَهُ فَجَاءَهَا للموعد فَجعل يكلمها وَهِي مَكَانهَا فَلم تكَلمه فَقَالَ لَهَا يَا حماء مَا هَذَا الْجفَاء اللَّيْلَة قَالَ فَتَقول لَهُ هِيَ بِصَوْت ضَعِيف ادخل فَدخل فَأَهوى بِيَدِهِ ليضعها عَلَيْهَا فوضعها على ابْن الدمينة فَوَثَبَ عَلَيْهِ هُوَ وَصَاحبه وَقد جعل لَهُ حصاً فِي ثوب فَضرب بن كبده حَتَّى قَتله وَأخرجه فطرحه مَيتا فجَاء أَهله فاحتملوه وَلم يَجدوا بِهِ أثر السِّلَاح فَعَلمُوا أَن ابْن الدمينة قَتله وَقد قَالَ ابْن الدمينة فِي تَحْقِيق ذَلِك
(قَالُوا هَجتكُ سَلولُ الْيَوْم مخيفة ... فاليومَ أهجو سَلولاً لَا أخافِيها)
(قَالُوا هَجاكَ سَلوليٌّ فقلتُ لهمْ ... قد أنصفَ الصَّخْرَة الصماء رامِيها)
(رِجَالهمْ شرُّ مَنْ يَمشي ونسوتُهم ... شرُّ البريَّةِ اسْتَاذلّ حامِيها)
(يَحككْنَ بالصخر أستاها لَهَا نَقبٌ ... كَمَا يَحك نقابَ الجرْبِ طاليها) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَيْضا يذكر دُخُول مُزَاحم وَوضع يَده عَلَيْهِ
(لكَ الخيرُ إِن وَاعدت حماء فالقها ... نَهَارا وَلَا تُدْلج إِذا الَّليلُ أظْلما)
(فإنَّكَ لَا تَدري أبَيْضَاء طَفْلةً ... تُعانقُ أَمْ ليثاً مِنَ الْقَوْم قَشْعمَا)
(فَلما سرى عَن ساعِديَّ ولحيتي ... وَأيقنَ أنِّي لست حماء جمجما) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَتَى ابْن الدمينة امْرَأَته فَطرح على وَجههَا قطيفة ثمَّ جلس عَلَيْهَا حَتَّى قَتلهَا فَلَمَّا مَاتَت قَالَ
(إِذا قَعدْتُ على عِرْنينِ جاريةٍ ... فوقَ القطيفةِ فَادعوا ليَ بحفار) // الْبَسِيط //
فَبَكَتْ بنت لَهُ مِنْهَا فَضرب بهَا الأَرْض فَقَتلهَا أَيْضا وَقَالَ متمثلاً
(لَا تغدوا مِنْ كَلْبِ سَوْءِ جَرْوَا ... )
فَخرج جنَاح أَخُو الْمَقْتُول إِلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فاستعداه على ابْن الدمينة فَبعث إِلَيْهِ فحبسه وَقَالَت أم أبان وَالِدَة مُزَاحم الْمَقْتُول وَهِي من بني خثعم ترثي ابْنهَا وتحرض مصعباً وجناحا أَخَوَيْهِ

(بأهلي وَمَالِي بَل بِجُلِّ عَشيرتي ... قَتِيل بني تَمِيم بِغيرِ سِلاح)
(فَهلاَّ قتلتُمْ بِالسِّلَاحِ ابْنَ أختِكم ... فتظهرَ فيهِ للشهودِ جِراحُ)
(فَلَا تطمعوا فِي الصُّلْح مَا دُمت حيَّةً ... وَما دَامَ حيّاً مُصعبٌ وَجناحُ)
(أَلمْ تعلمُوا أنَّ الدوَائِر بَيْننَا ... تَدور وَأَن الطالبين شحاح) // الطَّوِيل //
وَلما طَال حبس ابْن الدمينة وَلم يجد عَلَيْهِ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل سَبِيلا وَلَا حجَّة خلاه وَقتلت بَنو سلول من خثعم رجلا مَكَان الْمَقْتُول وَقتلت خثعم بعد ذَلِك نَفرا من سلول وَلَهُم قصَص وأخبار كَثِيرَة ثمَّ إِن ابْن الدمينة أقبل حَاجا بعد مُدَّة فَنزل بتبالة فَعدا عَلَيْهِ مُصعب أَخُو الْمَقْتُول لما رَآهُ وَكَانَت أمه حرضته وَقَالَت لَهُ اقْتُل ابْن الدمينة فَإِنَّهُ قتل أَخَاك وهجا قَوْمك وذم أختك وَقد كنت أعذرك قبل هَذَا لِأَنَّك كنت صَغِيرا والآن قد كَبرت فَلَمَّا أكثرت عَلَيْهِ خرج من عِنْدهَا وبصر بِابْن الدمينة وَاقِفًا ينشد النَّاس فغدا إِلَى جزار فَأخذ شفرته وَعدا على ابْن الدمينة فجرحه بهَا جراحتين فَقيل إِنَّه مَاتَ لوقته وَقيل بل سلم من تِلْكَ الدفعة وَمر بِهِ مُصعب بعد ذَلِك وَهُوَ فِي سوق العبلاء ينشد أَيْضا فعلاه بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتله وَعدا وَتَبعهُ النَّاس حَتَّى اقتحم دَارا وأغلقها عَلَيْهِ فَجَاءَهُ رجل من قومه فصاح بِهِ يَا مُصعب إِن لم تضع يدك فِي يَد السُّلْطَان قتلتك الْعَامَّة فَاخْرُج فَلَمَّا عرفه قَالَ لَهُ أَنا فِي ذِمَّتك حَتَّى تسلمني إِلَى السُّلْطَان فقذفه السُّلْطَان فِي سجن تبَالَة قَالَ وَمكث ابْن الدمينة جريحاً لَيْلَة ثمَّ مَاتَ فِي غَد وَقَالَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة يحرض قومه ويوبخهم

(هتفتَ بأكلبٍ ودعوتَ قيسا ... فَلَا خُذُلاً دَعوْتَ وَلَا قليلاَ)
(ثَأرْتَ مُزاحِما وَسررت قيسا ... وَكنتَ لِما هممْتَ بِهِ فَعولاَ)
(فَلَا تَشْلَلْ يدَاكَ وَلا تَزَالا ... تُفيدانِ الغنائِمَ وَالجزيلا)
(فلوْ كَانَ ابْن عبدِ اللهِ حيّاً ... لَصبَّحَ فِي منازِلِها سَلولَا) // الوافر //
وَبلغ مصعباً أَخا الْمَقْتُول أَن قوم ابْن الدمينة يُرِيدُونَ أَن يقتحموا عَلَيْهِ سجن تبَالَة فيقتلوه فَقَالَ يحرض قومه
(لقيتُ أَبَا السَّريّ وَقد تكالا ... لهُ حقُّ العداوةِ فِي فُؤَادِي)
(فكادَ الغيظُ يَفْرِطُني إليهِ ... بطعنٍ دُونهُ طعنُ الشدادِ)
(إِذا نبحَتْ كِلابُ السجْن حَولي ... طمعت هَشاشةً وَهفا فُؤَادِي)
(طماعاً أنْ يدُقّ السجنَ قومِي ... وَخوفاً أَن تُبَيِّتني الأعادي)
(فَمَا ظَنِّي بِقومي شرّ ظنّ ... وَلا أَن يُسلموني فِي البلادِ)
(وَقدْ جدَّلتُ قاتلَهمْ فأمسى ... يَمجُّ دَمَ الوتين على الوساد) // الوافر //
فَجَاءَت بَنو عقيل إِلَيْهِ لَيْلًا فكسروا السجْن وأخرجوه مِنْهُ فهرب إِلَى صنعاء
وَمن شعر أبن الدمينة الأبيات الْمَشْهُورَة
(أَقضي نَهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويَجْمعُنْي وَالهمَّ بِاللَّيْلِ جامعُ)
(نَهاري نَهارُ النَّاس حَتَّى إِذا بدا ... ليَ الليلُ شاقتني إليكِ المضاجعُ)
(لَقدْ ثَبتَتْ فِي القلبِ مِنكِ مَحَبة ... كَمَا ثبتَتْ فِي الراحتينِ الأصابِع) // الطَّوِيل //
وَهِي من قصيدة طَوِيلَة يخلطها النَّاس كثيرا بقصيدة لمَجْنُون ليلى لِأَنَّهَا توافقها فِي الْوَزْن والقافية
28 - (إِلهي عَبْدُكَ العَاصيِ أتَاكاَ ... )
هُوَ من الوافر وَلَا أعلم قَائِله وَتَمَامه
(
(مُقِرّاً بالذنُوبِ وقدْ دَعاكَا ... )
(فإنْ تغفرْ فأنتَ لِذاكَ أهلٌ ... وَإنْ تطرُدْ فمنْ يَرْحَمْ سواكا) // الوافر //
والطرد الأبعاد
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع الْمظهر وَهُوَ عَبدك مَوضِع الْمُضمر وَهُوَ أَنا للاستعطاف وَهُوَ طلب الْعَطف وَالرَّحْمَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمظهر من اسْتِحْقَاق الرَّحْمَة وترقب الرأفة وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ أَيْضا
29 - (تَطَاوَلَ لَيلَك بِالأثمُدِ ... )
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ أول


* عن معاهد التنصيص على شواهد التلخيص
المؤلف: عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو الفتح العباسي (المتوفى: 963هـ)
المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد



 
(أحدثت لكني لم أرَها ... مثلَ مَا كنتُ أرى كل سنة) // الرمل //
قَالَ فَأمر الْمَأْمُون بِحمْل الْعشْرين ألفا إِلَيْهِ وَقَالَ أغفلناه حَتَّى أذكرنا
وَحدث أَبُو عِكْرِمَة قَالَ كَانَ الرشيد إِذا رأى عبد الله بن معن بن زَائِدَة يتَمَثَّل بقول أبي الْعَتَاهِيَة
(أُختُ بني شيبانَ مرّتْ بِنَا ... ممشوطة كوراً على بغلِ) // السَّرِيع //
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأبي الْعَتَاهِيَة يهجو بهَا عبد الله الْمَذْكُور وَبعده
(تكنى أَبَا الْفضل وَمن ذَا رأى ... جَارِيَة تكنى أَبَا الْفضل)
(قد نقطت فِي وَجههَا نقطةً ... مخافةَ الْعين من الْكحل)
(إِن زُرتموها قَالَ حُجابها ... نحنُ عَن الزُّوَّار فِي شُغلِ)
(مولاَتُنَا مَشْغُولَة عندَها ... بعلٌ وَلَا إِذنَ على البعلِ)
(يَا بنتَ معنِ الخيرِ لَا تجهلِي ... وأينَ تقصيرٌ عَن الجهلِ)
(أتجلدُ الناسَ وأنتَ امرُؤٌ ... تُجلَدُ فِي دُبرِكَ والقبلِ)
(مَا يَنْبَغِي للناسِ أَن ينسُبُوا ... من كانَ ذَا جودٍ إِلَى البخلِ)
(يبذلُ مَا يمنعُ أهلُ الندَى ... هَذَا لعمرِي مُنْتَهَى البذلِ)
(مَا قلتُ هَذَا فيكَ إِلَّا وقَدْ ... جَفَّتْ بهِ الأقلامُ من قبلي) // السَّرِيع //
قَالَ فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن معن فَأتى بِهِ فَدَعَا بغلمان لَهُ ثمَّ أَمرهم أَن يرتكبوا مِنْهُ الْفَاحِشَة فَفَعَلُوا ذَلِك ثمَّ أجلسه وَقَالَ لَهُ قد جزيتك على قَوْلك فَهَل لَك بعد هَذَا فِي الصُّلْح وَمَعَهُ مركب وَعشرَة آلَاف دِرْهَم أَو تقيم على الْحَرْب وَمَا ترى قَالَ بل الصُّلْح قَالَ فأسمعني مَا تَقوله فِي معنى الصُّلْح فَقَالَ
(مَا لِعذالي ومالِي ... أمرُونِي بالضلاِل)
(عذَلوني فِي اغتفارِي ... لِابْنِ مَعنٍ واحتمالِي)
(إِن يكن مَا كانَ منهُ ... فَبجرْمِي وفعالِي)
(أَنا مِنْهُ كنتُ أسوا ... عِشْرَةً فِي كل حالِ)
(قل لمن يعجبُ من حسن ... رجوعي ومقالِي)
(رُبّ ودّ بعدَ صَدّ وَهوى بعدَ الرِّجَال ... )
(قد رَأينَا ذَا كثيرا ... جَارِيا بَين الرّجالِ)
(إِنما كَانَت يمينِي ... لطمتْ مِني شمَالي) // الرمل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي حداثته يهوى امْرَأَة من أهل الْحيرَة نائحة لَهَا حسن ودماثة يُقَال لَهَا سعدى وَكَانَ مِمَّن يهواها أَيْضا عبد الله بن معن وَكَانَت مولاة لَهُم وَكَانَت صَاحِبَة حبائب وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مُولَعا بِالنسَاء فَقَالَ فِيهَا
(أَلا يَا ذَوَات السحق فِي الغرب والشرقِ ... أفقنَ فَإِن النيكَ أشهى من السحق)
(أفقنَ فإنّ الْخبز بِالْأدمِ يشتهَى ... وَلَيْسَ يسوغُ الْخبز بالخبز فِي الْحلق)
(أراكنَّ ترقعنَ الخرُوق بِمِثْلِهَا ... وأيّ لبيبٍ يرقعُ الْخرق بالخرقِ)
(وَهل يصلحُ المهراسُ إِلَّا بعودهِ ... إذَا احتيجَ مِنْهُ ذَاتَ يَوْم إِلَى الدقّ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا
(قلتُ للقلب إِذْ طوى وصلَ سُعَدى ... لهواه الْبَعِيدَة الأسبابِ)
(أنتَ مثل الَّذِي يفرُّ من القَطرِ حِذَارَ الندى إِلَى الْمِيزَاب ... ) // الْخَفِيف // فَغَضب ابْن معن لسعدى فَضرب أَبَا الْعَتَاهِيَة مائَة فَقَالَ فِيهِ
(جَلَدَتْنِي بكفها ... بنتُ معن بن زَائِدَة)
(جلدتني بكفها ... بِأبي تِلْكَ جالدهْ)
(وتراها مَعَ الخصيِّ ... على الْبَاب قاعدهْ)
(تتكَنّى كني الرِّجَال ... لعمدٍ مُكايدهْ)
(جَلدَتْنِي وبالغت ... مائَة غير واحده)
(اجلديني اجلدي اجلدي ... إِنَّمَا أنتِ وَالِده) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي ضربه إِيَّاه أَيْضا
(ضربتني بكفها بنتُ معنٍ ... أوجعت كفها وَمَا أوجعتني)
(ولعمري لَوْلَا أَذَى كفها إِذْ ... ضربتني بِالسَّوْطِ مَا تَرَكتنِي) // الْخَفِيف //
وَحدث أَحْمد بن أبي فنن قَالَ كُنَّا عِنْد ابْن الْأَعرَابِي فَذكر قَول يحيى بن نَوْفَل فِي عبد الْملك بن عُمَيْر القَاضِي وَهُوَ
(إِذا كلمتهُ ذاتُ دَلٍّ لحاجةٍ ... فهمَّ بِأَن يقْضِي تنحنح أَو سعل) // الطَّوِيل //
وَأَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ تركني وَالله وَإِن السعلة لتعرض لي فِي الْخَلَاء فأذكر قَوْله فأهاب أَن أسعل قَالَ فَقلت هَذَا ابْن معن بن زَائِدَة يَقُول لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(فصُغْ مَا كنت حَلَّيْتَ ... بِهِ سيفكَ خَلخالا)
(فَمَا تصنعُ بالسيفِ ... إِذا لم تَكُ قتالا) // الهزج //
فَقَالَ عبد الله مَا لبست السَّيْف قطّ فلمحني إِنْسَان إِلَّا قلت يحفظ شعر أبي الْعَتَاهِيَة فِي فَينْظر إِلَيّ بِسَبَبِهِ فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي اعجبوا لهَذَا العَبْد يهجو مَوْلَاهُ وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة من موَالِي بني شَيبَان
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ اجْتمع أَبُو نواس وَأَبُو الشمقمق فِي بَيت ابْن أذين وَجَاء أَبُو الْعَتَاهِيَة وَكَانَ بَينه وَبَين أبي الشمقمق شَرّ فخبأه من أبي الْعَتَاهِيَة فِي بَيت وَدخل أَبُو الْعَتَاهِيَة فَنظر إِلَى غُلَام عِنْدهم فِيهِ تَأْنِيث فَظَنهُ جَارِيَة فَقَالَ لِابْنِ أذين مَتى استظرفت هَذِه الْجَارِيَة قَالَ قَرِيبا يَا أَبَا إِسْحَاق فَقل فِيهَا مَا حضر فَمد أَبُو الْعَتَاهِيَة يَده إِلَيْهِ وَقَالَ
(مددتُ كَفِّي نحوكم سَائِلًا ... مَاذَا تردُّون على السَّائِل) // السَّرِيع //
فَلم يلبث أَبُو الشمقمق حَتَّى ناداه من دَاخل الْبَيْت بِهَذَا الْبَيْت
نرد فِي كفك ذَا فَيْشَةٍ ... يشفي جَوّى فِي استك من دَاخل)
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة أَبُو الشمقمق وَالله وَقَامَ مغضبا
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة حَبَسَنِي الرشيد لما تركت قَول الشّعْر فأدخلت السجْن وأغلق الْبَاب عَليّ فدهشت كَمَا يدهش مثلي لذَلِك الْحَال فَإِذا أَنا بِرَجُل جَالس فِي جَانب الْحَبْس مُقَيّد فَجعلت أنظر إِلَيْهِ سَاعَة ثمَّ تمثل وَقَالَ
(تعوَّدْتُ مَسَّ الضّر حَتَّى ألفتُهُ ... وأسلمني حسنُ العزاء إِلَى الصَّبْر)
(وصيرني يأسي من النَّاسِ راجياً ... لحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ أعد أعزّك الله هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ لي وَيلك يَا أَبَا الْعَتَاهِيَة مَا أَسْوَأ أدبك وَأَقل عقلك دخلت عَليّ الْحَبْس فَمَا سلمت تَسْلِيم الْمُسلم على الْمُسلم



وَلَا سَالَتْ مَسْأَلَة الْحر للْحرّ وَلَا توجعت توجع المبتلي للمبتلي حَتَّى إِذا سَمِعت بَيْتَيْنِ من الشّعْر الَّذِي لَا فضل فِيك غَيره لم تصبر عَن استعادتهما وَلم تقدم قبل مسألتهما عذرا لنَفسك فِي طلبهما فَقلت يَا أخي إِنِّي دهشت لهَذَا الْحَال فَلَا تعذلني واعذرني متفضلاً بذلك فَقَالَ وَالله أَنا أولى بالدهش والحيرة مِنْك لِأَنَّك حبست فِي أَن تَقول الشّعْر الَّذِي بِهِ ارْتَفَعت وَبَلغت مَا بلغت فَإِذا قلت أمنت وَأَنا مَأْخُوذ بِأَن أدل على ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليقْتل أَو أقتل دونه وَوَاللَّه لَا أدل عَلَيْهِ أبدا والساعة يدعى بِي فأقتل فأينا أَحَق بالدهش فَقلت أَنْت وَالله أولى سلمك الله وَكَفاك وَلَو علمت أَن هَذِه حالك مَا سَأَلتك فَقَالَ لَا نبخل عَلَيْك إِذن ثمَّ أعَاد الْبَيْتَيْنِ حَتَّى حفظتهما فَسَأَلته من هُوَ قَالَ أَنا حَاضر دَاعِيَة عِيسَى بن زيد وَابْنه أَحْمد وَلم نَلْبَث أَن سَمِعت صَوت الأقفال فَقَامَ فسكب عَلَيْهِ مَاء كَانَ عِنْده فِي جرة وَلبس ثوبا نظيفاً وَدخل الحرس والجند مَعَهم الشمع فأخرجنا جَمِيعًا وَقدم قبلي إِلَى الرشيد فَسَأَلَهُ عَن أَحْمد بن عِيسَى فَقَالَ لَا تَسْأَلنِي عَنهُ واصنع مَا أَنْت صانع فَلَو أَنه تَحت ثوبي هَذَا مَا كشفت عَنهُ فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَضربت ثمَّ قَالَ لي أَظُنك ارتعت يَا إِسْمَاعِيل فَقلت دون مَا رَأَيْته تسيل مِنْهُ النُّفُوس فَقَالَ ردُّوهُ إِلَى محبسه فَرددت وانتحلت الْبَيْتَيْنِ وزدت فيهمَا
(إِذا أَنا لم أقبلْ من الدَّهْر كل مَا ... تَكَرَّهْتُ مِنْهُ طَال عَتْبي على الدَّهْر) // الطَّوِيل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مشتهراً بحب عتبَة جَارِيَة الْمهْدي وَأكْثر نسيبه فِيهَا فَمن ذَلِك قَوْله وَكتب بِهِ إِلَى الْمهْدي يعرض بهَا
(نَفسِي بِشَيْء من الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... وَالله والقائم المهديُّ يَكفْيها)
(إِنِّي لَا يأس مِنْهَا ثمَّ يُطْمعني ... فِيهَا احتقارك للدنيا وَمَا فِيهَا) // الْبَسِيط //
فهم الْمهْدي بِدفع عتبَة إِلَيْهِ فَخرجت وَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ حرمتي وخدمتي أفتدفعني إِلَى قَبِيح المنظر بَائِع جرارٍ ومكتسب بالعشق فأعفاها وَكَانَ قد كتب الْبَيْتَيْنِ على حَوَاشِي ثوب مُطيب وَوَضعه فِي برنية ضخمة فَقَالَ الْمهْدي املأوا لَهُ البرنية مَالا فَقَالَ للْكتاب أَمر لي بِدَنَانِير قَالُوا مَا ندفع إِلَيْك ذَلِك وَلَكِن إِن شِئْت أعطيناك الدَّرَاهِم إِلَى أَن يفصح بِمَا أَرَادَ فَاخْتلف فِي ذَلِك حولا فَقَالَت عتبَة لَو كَانَ عَاشِقًا كَمَا يزْعم لم يكن يخْتَلف مُنْذُ حول فِي التَّمْيِيز بَين الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَقد أضْرب عَن ذكري صفحاً
وَجلسَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا يعذل أَبَا نواس ويلومه على اسْتِمَاع الْغناء ومجالسته لأَصْحَابه فَقَالَ أَبُو نواس
(أَترَانِي يَا عتاهي ... تَارِكًا تِلْكَ الملاهي)
(أَترَانِي مُفْسِدا بالنُّسْكِ عِنْد الْقَوْم جاهي) // من مجزوء الرمل //
فَوَثَبَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ لَا بَارك الله عَلَيْك وَجعل أَبُو نواس يضْحك
وَحدث مُخَارق قَالَ جَاءَنِي أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا فَقَالَ لي قد عزمت على أَن أتزود مِنْك يَوْمًا تهبه لي فَمَتَى تنشط لذَلِك فَقلت مَتى شِئْت قَالَ أَنا أَخَاف أَن تقطع بِي فَقلت لَا وَالله وَلَو طلبني الْخَلِيفَة فَقَالَ يكون ذَلِك فِي غَد فَقلت افْعَل فَلَمَّا كَانَ من الْغَد باكرني رَسُوله فَجِئْته فَأَدْخلنِي بَيْتا لَهُ نظيفاً فِيهِ فرش نظيف ثمَّ دَعَا بمائدة وَعَلَيْهَا خبز سميد سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي قَالَ فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ دَعَا بسمك مشوي فأصبنا مِنْهُ أَيْضا ثمَّ دَعَا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ أتونا بحلواء فأصبنا مِنْهَا وغسلنا أَيْدِينَا ثمَّ جَاءُونَا بفاكهة وَرَيْحَان وألوان من الأنبذة فَقَالَ لي اختر مَا يصلح لَك فاخترت وشربت وصب قدحاً ثمَّ قَالَ غن لي قولي
(أحمدٌ قَالَ لي وَلم يَدْرِ مَا بِي ... أتحبُّ الفتاة عتبَة حَقًا) // الْخَفِيف //
فغنيته فَشرب أقداحاً وَهُوَ يبكي أحر بكاء ثمَّ قَالَ غَنِي فِي قولي
(ليسَ لمن ليستْ لهُ حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ) // السَّرِيع //
فغنيته وَهُوَ ينتحب ويبكي ثمَّ قَالَ غنني فديتك فِي قولي
(خليلي مَالِي لَا تزَال مُضرتِي ... تكونُ مَعَ الأقدار حَتْماً من الحتمِ) // الطَّوِيل //
فغنيته إِيَّاه وَمَا زَالَ يقترح عَليّ كل صَوت غَنِي بِهِ فِي شعره وَيَقُول غنني بِهِ فأغنيه وَيشْرب ويبكي ثمَّ صَارَت الْعَتَمَة فَقَالَ لي أحب أَن تصبر حَتَّى ترى مَا أصنع فَجَلَست فَأمر ابْنه وَغُلَامه فكسرا كل مَا كَانَ بَين أَيْدِينَا من النَّبِيذ وآلات الملاهي ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج كل مَا كَانَ فِي بَيته من النَّبِيذ وآلاته فَمَا زَالَ يكسرهُ وَيصب النَّبِيذ وَهُوَ يبكي حَتَّى لم يبْق من ذَلِك شَيْء ثمَّ نزع ثِيَابه واغتسل وَلبس ثِيَاب بَيَاض من الصُّوف ثمَّ عانقني وَبكى وَقَالَ عَلَيْك السَّلَام يَا حَبِيبِي وفرحي من النَّاس كلهم سَلام الْفِرَاق الَّذِي لَا لِقَاء بعده وَجعل يبكي وَيَقُول هَذَا آخر عَهْدك بِي فِي حَال تعاشر أهل الدُّنْيَا فَظَنَنْت أَنَّهَا بعض حماقاته فَانْصَرَفت فَمَا لَقيته زَمَانا ثمَّ تشوقته قأتيته فاستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي فَدخلت فَإِذا هُوَ قد أَخذ قوصرتين وثقب إِحْدَاهمَا وَأدْخل رَأسه وَيَديه فِيهَا وأقامها مقَام الْقَمِيص وثقب أُخْرَى وَأخرج رجلَيْهِ مِنْهَا وأقامها مقَام السَّرَاوِيل فَلَمَّا رَأَيْته نسيت مَا كَانَ عِنْدِي من الْغم عَلَيْهِ والوحشة لعشرته وضحكت وَالله ضحكاً مَا ضحِكت مثله قطّ فَقَالَ لي من أَي شَيْء تضحك لَا ضحِكت فَقلت اسخن الله عَيْنَيْك أَي شَيْء هُوَ من بلغك عَنهُ أَنه فعل مثل هَذَا من الْأَنْبِيَاء أَو الزهاد أَو الصَّحَابَة أَو التَّابِعين أَو المجانين انْزعْ عَنْك هَذَا يَا سخين الْعين فَكَأَنَّهُ استحيا مني ثمَّ بَلغنِي عَنهُ أَنه جلس حجاماً فجهدت أَن أرَاهُ بِتِلْكَ الْحَالة فَلم أره ثمَّ مرض فبلغني أَنه اشْتهى أَن أغنيه فَأَتَيْته عَائِدًا فَخرج إِلَى رَسُوله يَقُول إِن دخلت جددت لي حزنا وتاقت نَفسِي إِلَى سماعك وَإِلَى مَا قد غلبتها عَلَيْهِ وَأَنا أستودعك الله وأعتذر إِلَيْك من ترك الالتقاء ثمَّ كَانَ آخر عهدي بِهِ
وَقيل لأبي الْعَتَاهِيَة عِنْد الْمَوْت مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن يَجِيء مُخَارق فَيَضَع فَمه عِنْد أُذُنِي ثمَّ يغنيني
(ستعرضُ عَن ودي وتنسى مودتِي ... ويحدثُ بعدِي للخليل خليلُ)
(إِذا مَا انْقَضتْ عني من الدَّهْر مدّتي ... فإنَّ غَنَاء الباكيات قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَحدث مُحَمَّد بن أبي الْعَتَاهِيَة قَالَ آخر شعر قَالَه أبي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ
(إلهي لَا تعذبني فَإِنِّي ... مقرٌّ بِالَّذِي قد كانَ مني)
(فَمَا ليَ حيلةٌ إِلَّا رجائي ... لعفوكَ إِن عَفَوْت وحُسْنَ ظَنِّي)
(وَكم مِنْ زَلْةٍٍ لي فِي الْخَطَايَا ... وَأَنت عليَّ ذُو فضل ومَنِّ)
(إِذا فكرتُ فِي نَدَمي عَلَيْهَا ... عضضت أناملي وقَرَعْتُ سني)
(أجنُّ بزهرة الدُّنْيَا جنوناً ... وأقطعُ طولَ عمري بالتمني)
(وَلَو أنِّي صدقتُ الزهدَ عَنْهَا ... قلبتُ لأَهْلهَا ظهرَ المجنِّ)
(يظنُّ الناسُ بِي خيرا وَإِنِّي ... لَشَرُّ النَّاس إِن لم تعف عني) // الوافر //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ الْأَصْمَعِي يستحسن قَوْله
(أنتَ مَا استغنيتَ عَن صَاحبك ... الدهرَ أخوهُ)
(فَإِذا احتجتَ إِلَيْهِ ... سَاعَة مجك فوه) // من مجزوء الرمل //
وَحدث ابْن الْأَنْبَارِي أَبُو بكر قَالَ أرْسلت زبيدة أم الْأمين إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة أَن يَقُول على لسانها أبياتاً بعد قتل الْأمين يستعطف بهَا الْمَأْمُون فَأرْسل إِلَيْهَا هَذِه الأبيات
(أَلا إنّ صرف الدَّهْر يُدْنِي ويُبْعِدُ ... ويمتع بالآلاف طوراً ويفقدُ)
(أصَابت بريبِ الدَّهْر مني يَدي يدِي ... فسلمتُ للأقدار واللهَ أَحمدُ)
(وقلتُ لريب الدّهر إنْ هلكَتْ يدٌ ... فقد بقيت والحمدُ لله لي يدُ)
(إذَا بَقِي المأمونُ لي فالرّشيدُ لي ... ولي جعفرٌ لم يفتقد ومحمدُ) // الطَّوِيل //
قَالَ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُون استحسنها وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَعطف على زبيدة وَزَاد فِي تكرمتها وَقضى حوائجها جَمِيعًا
وَحدث عمر بن أبي شيبَة قَالَ مر عَابِد براهب فِي صومعة فَقَالَ لَهُ عظني قَالَ أعظك وَعَلَيْكُم نزل الْقُرْآن ونبيكم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قريب الْعَهْد بكم قلت نعم قَالَ فاتعظ بِبَيْت من شعر شاعركم أبي الْعَتَاهِيَة حَيْثُ يَقُول
(تجرّد من الدُّنيا فَإنَّكَ إِنَّمَا ... وقعْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد) // الطَّوِيل //
وَمن شعر أبي الْعَتَاهِيَة قَوْله
(بَادر إِلَى اللذّات يَوْمًا أمكنت ... بحلولهنّ بَوَادِر الآفاتِ)
(كم من مُؤَخِّرِ لذةٍ قد أمكنتْ ... لغدٍ وَلَيْسَ غدٌ لهُ بِمُوَاتِ)
(حَتَّى إِذا فَاتَت وفاتَ طلابها ... ذَهبت عَلَيْهَا نفسهُ حسرَاتِ)
(تَأتي المكارهُ حِين تَأتي جملَة ... وَأرى السُّرور يَجِيء فِي الفلتات) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول بَعضهم
(أيُّ شَيْء يكونُ أعجبَ أمرا ... إِن تنكرتَ من صُرُوف الزمانِ)
(عارضاتُ السُّرُور توزنُ فيهِ ... والبلايَا تكال بالقفزان) // الْخَفِيف //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(وإذَا انْقَضى هَمُّ امْرِئ فقد انْقَضى ... إنّ الهموم أشدُّهنّ الأحدث) // الْكَامِل //
ويومئ إِلَى هَذَا الْمَعْنى قَوْله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب فِي مَعْنَاهُ
(إِنَّمَا أنتَ طولَ عمركَ مَا عمرتَ فِي السَّاعَة الَّتِي أَنْت فِيهَا ... ) // الْخَفِيف //
وَمن هَذَا قَول من قَالَ
(وكما تبلىَ وُجوهٌ فِي الثرَى ... فَكَذَا يبلىَ عليهنَّ الحَزَنْ) // الرمل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(كأنّ عائبكم يُبْدِي محاسنكمْ ... مِنْكُم فيمدحكمْ عِنْدِي فيغرينِي)
(إِنِّي لأعجبُ من حبِّ يقرِّبني ... مِمَّا يباعدني عَنهُ ويقصيني) // الْبَسِيط //
وَمثل الأول قَول عُرْوَة بن أذينة
(كَأَنَّمَا عائبها جاهداً ... زينها عِنْدِي يتزيين) // السَّرِيع //
وَكَذَا قَول أبي نواس
(كَأَنَّهُمْ أْثَنْوا وَلم يعلَمُوا ... عليكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابوا) // السَّرِيع //
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة لابنته رقية فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا قومِي يَا بنية فارثي أَبَاك واندبيه بِهَذِهِ الأبيات فَقَامَتْ فندبته بقوله
(لعب البلا بمعالمي ورسومي ... وقُبِرْتُ حَيا تحتَ رَدم همومِي)
(لزمَ البلاَ جسمي فأوهى قوَّتي ... إنَّ البلاَ لموكَّلٌ بلزومي) // الْكَامِل //
وَكَانَ مولده سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة ووفاته فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان من جُمَادَى الأولى وَقيل لثلاث من جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ثَلَاث عشرَة وَدفن حِيَال قنطرة الزياتين فِي الْجَانِب الغربي بِبَغْدَاد وَأمر أَن يكْتب على قَبره
(إنَّ عَيْشًا يكونُ آخِره الْمَوْت ... لَعيشٌ معجَّلُ التنغيصِ) // الْخَفِيف //
وَقيل أوصى أَن يكْتب عَلَيْهِ
(أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي ... واسمعي ثمَّ عِي وَعِي)
(أَنا رهنٌ بمضجعي ... فاحذروا مثل مَصْرَعي)
(عِشْت تسعين حِجَّةً ... أسلمَتْنِي لمضجعي)
(كم ترى الْحَيّ ثَابتا ... فِي ديار التزعزُع)
(لَيْسَ زادٌ سوى التقى ... فَخذي مِنْهُ أَو دَعِي) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَلما مَاتَ رثاه ابْنه مُحَمَّد فَقَالَ
(يَا أبي ضَمَّكَ الثرى ... وطوى الموتُ أجْمَعَكْ)
(لَيْتَني متُّ يَوْم صرت ... إِلَى حُفْرَة مَعَك)
(رحم الله مصرعك ... بَرَّدَ الله مضجعك) // من مجزوء الْخَفِيف //
126 - (مَا نوالُ الْغَمَام وَقْتَ رَبيعٍ ... كنوالِ الْأَمِير يَوْم سخاءِ)
(فنوالُ الْأَمِير بدْرَةُ عَيْنٍ ... ونوالُ الْغَمَام قَطْرَةُ ماءِ)
البيتان لرشيد الدّين الوطواط الشَّاعِر من الْخَفِيف
والنوال الْعَطاء والبدرة كيس فِيهِ ألف دِينَار أَو عشرَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِينَار وَالْعين هُنَا المَال
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّفْرِيق وَهُوَ إِيقَاع تبَاين بَين أَمريْن من نوع فِي الْمَدْح أَو فِي غَيره فَمن ذَلِك قَول بَعضهم
(حسبْتُ جمالَهُ بَدْرًا منيراً ... وَأَيْنَ الْبَدْر من ذَاك الْجمال) // الوافر //
وَقَول قَوْله الآخر
(قاسوك بالغصن فِي التَّثَنِّي ... قياسَ جهل بِلَا انتصاف)
(هذاك غُصْن الْخلاف يُدْعَى ... وَأَنت غُصْن بِلَا خلاف) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْموصِلِي مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
(قَالُوا هُوَ الْبَحْر والتفريق بَينهمَا ... إِذْ ذَاك غَمٌّ وَهَذَا فَارق الغمم) // الْبَسِيط //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بِمَعْنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما فللوأواء الدِّمَشْقِي
(من قَاس جدواك بالغمام فَمَا ... انصف فِي الحكم بَين شكلين)
(أَنْت إِذا جُدْتَ ضَاحِك أبدا ... وَهُوَ إِذا جاد باكي الْعين) // المنسرح //
ولبعضهم فِيهِ أَيْضا وأجاد جدا
(من قَاس جَدْوَاكَ يَوْمًا ... بالسُّحْب أَخطَأ مدحك)
(السحبُ تُعْطِي وتبكي ... وَأَنت تُعْطِي وتضحك) // المجتث //
وَلأبي الْفَتْح البستي وأجاد
(يَا سيد الْأُمَرَاء يَا مَنْ جُودُه ... أوْفَى على الْغَيْث الْمَطير إِذا هَمَى)
(الغيثُ يُعْطي باكياً متجهِّماً ... ونراك تُعْطِي ناصرا مُتَبَسِّمًا) // الْكَامِل //
وَمثله لأبي مَنْصُور البوشنجي
(وذلكَ ضاحكٌ أبدا بجُودٍ ... وَجودك لَيْسَ يمطرُ غيرَ باكي) // الوافر //
وَقَول الأديب يَعْقُوب النَّيْسَابُورِي فِي الْأَمِير أبي الْفضل الميكالي


كتاب: معاهد التنصيص على شواهد التلخيص
المؤلف: عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو الفتح العباسي (المتوفى: 963هـ)


 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...