صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي - لوعة الشاكي ودمعة الباكي

بسم الله الرحمن الرحيم
ولابُدَّ من شَكْوى إلى ذي مُروءةٍ ... يُواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجَّعُ
(فإنْ كان من باب الُمروءة خالياً ... يقسيكَ أو يُقصيكَ أو ليس ينفعُ)
أما بعد حمد الله الذي قضى بالمحبة والولوع، وحكم بإحراق كبد كل عاشق وولوع، (وقدَّر) بهوان أهل الهوى، فلم يفرحوا بهجوم الهجوع، وأمر بشقائهم؛ إذ سقاهم كأس والتشوق والتحرق والدموع.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب العلم المزيد، والحلم المديد، والبطش الشديد، والرأي السديد، القائل وقوله يدني من بالغ الحكمة كل بعيد: من عشق، وكتم، وعف (وصبر) فمات، فهو شهيد.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا المهج في محبته، ولم يبتغوا غير طريقته، ولم يتبعوا غير سنته، ما هبت نسمات الصبا، فتروح الصب إليها، وتمشت من ديار الأحبة، فجرت دموعه عليها.
فإني أعرف إخواني وأصحابي، وخلاني وأترابي، سلمهم الله (تعالى) من سطوات العشق ونهباته، وروعات الحب وحسراته، ودواعي الهوى وهجومه، وحديث الوجد وقديمه، وولوع القلب واشتغاله، واحتراقه بالهم واشتعاله، ومرارة فراق الحبيب وفقده، وما يقاسيه المتيم بعد بعده، وما يكابده من تجرع كؤوس هجره وصده، وما يحصل عليه من وجود شتاته وعدم سناته، وما تذكيه نار المحبة من همول مقلتيه، وتصاعد زفراته، وما يبديه الغرام من تواتر أحزانه، وتزايد حسراته، وما يجنيه البعاد من تتابع أنفاسه، وتواصل أناته، فمعانيه مقهور بالأوجاع والأوجال، مأسور بحبائل الفتن وأغلال الإعلال، لا ينهض بمقاساته إلا الفحول من الرجال، ويضعف عنه كل ضعيف (قلب) نشأ في النعيم وفي الدلال، ولقد أجاد من أوضح هذا المقال؛ حيث قال:
هوىً بين الملاحةِ والجمالِ ... يُقاسيه القويُّ من الرِّجالِ
ويضعفُ عنه كُلُّ ضعيفِ قَلْبٍ ... تربَّى في الَّنعيمِ وفي الدَّلالِ
إن أضر ما على الإنسان، في كل زمان، أن يجري طرفه مرخى العنان، فيمرح في ميدان الملاحة والجمال، ويسرح في أفنان اللطافة والدلال، فينظر ما لا يقدر على الصبر عنه النظر إليه، ولا يستطيع الفرار منه عند الزحف عليه، فيرجع بعد النعمة والوقار، إلى موقف المذلة والانكسار، وبعد المناصب والخدم، إلى التوريط والندم، وقد قيل: كم نظرة أعقبت تعباً وحسرة! وكانت نظرة حلوة، فأعقبت عيشة مرة.
وكان يقطع الليل نوماً ملء جفونه، فصار يقطعه سهراً بتصاعد أنينه، وكان قلبه حراً ويده على العشاق ضارية، فصار قلبه مملوكاّ ودموعه في الهوى جارية، وكان تائهاً على كلِّ متواجد بالخلوِّ، فصار تائهاً لا يعرف القرار ولا السّلو، وكان فائقاً من سكرة الحب ولاعج الغرام، فصار عاشقاً لا يرده العذل ولا يثنيه الملام، وكان سالياً عن ملاعبة كل حبيب، فصار شاكياً عن ملازمة كل رقيب، وكان رادعاً كل محب عن الحبائب، فصار واقعاً في مصائد المصائب، وكان عاذلاً فصار عاذراً، وكان حاذقا فصار حائراً، وكان مخدوماً فصار خادماً، وكان مسروراً فصار واجماً، وكان ضاحكاً فصار نائحاً، وكان كاتماً فصار بائحاً، وكان سليماً فصار سليماً، وكان كليماً فصار كليماً، وكان صحيحاً فصار عليلاً، وكان عزيزاً فصار ذليلاً، وكان ذا عزٍّ فذلَّ، مُذْ سطا عليه جيش الحب من كمينه وحلَّ.
ولطالما أرخى النَّاظر زمام طرفه، متنزَّهاّ في رشاقة معاطف المحبوب وظرفه، متفكهاً في لطافة شمائله متفكراً في شمائل لطفه، إذ عاد النظر بوبال الناظر وحتفه، وكان كالساعي على حتفه بظلفه، والجالب له الحين من الحين عشقه وعسفه.
ولهذا أمر بغض البصر، ونهى عن إرسال النظر، وقد وقع ذلك في نظم من شرح الحال، وسرح في ميدان التّتُّيم وجال، ونظر نظرةً أعقبت سهراً ووجداً، وبات كما قال يشكو من المحبوب بعداً:
وكنتَ متى أرسلتَ طرفكَ رائداً ... لقلبكَ يوماً أتبعكَ النَّواظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنتَ قادرٌ ... عليه ولا عَنْ بعضه أنْتَ صابرُ
فصرح بأن من أرسل رائد طرفه، رجع بوبال مرسله وحتفه؛ لأنه يرى مالا قدرة له على كثيره، ولا صبر له عن يسيره.
فأي حال أصعب من هذه الأحوال! وأي سيئ أعظم من مقاساة هذه الأهواء والأهوال! وأي أمر أنكى من مكابدة هذا الخطب الجلي الجليل! وأي بطل يقوي على مقابلة هذا الهم العريض الطويل! وأي شجاع يثبت لنوافث سحر هاتيك! وأي همام يصبر على مناضلة نضال هاتيك الجفون! وأي عين لا تدمع عند معاينة هاتيك القدود العوامل! وأي كبد لا تتقطع عند مشاهدة هاتيك المعاطف والشمائل! وأي قلب لا يذوب عند استماع ذلك المنطق الشهي الرخيم! وأي صب لا يؤوب إلى محاسن تلك الأخلاق التي هي ألطف من مر النسيم! (وأي فؤاد لا يميل عند قوام ذلك الغصن القويم! وأي كبد لا يظمأ عند ريقه الذي هو أحلى من التنسيم! وأي لب لا يدهش لمعاناة هذا الخطر العظيم).
نَظَرتُكَ نظرةً بالخَيفِ كانتْ ... جلاء العين منِّي بل قذاها
فواها كيف تجمعنا اللَّيالي ... وواها مِنْ تفرُّقِنا وآها
على أن العين (هي) التي توقع القلب في التعب، وتوفر نصيبه من أسهم الهم والنصب، وترميه بدواعي الهوان الهوى، وتسلمه إلى مكايدة الغرام ومكابدة الجوى، فلو عذبت بطول السهر وكثرة الدموع، وبفيض الشؤون وعدم الهجوع، وبمسامرة الأحزان والفكر، وبمراقبة النجوم إلى السحر، وبعدم الإغفاء وطول
السهر، لكان استحقاقها وجود جود الدمع وإن طما، وعدم منال المنام وإنْ نما:
لأُعذِّبَنَّ العينَ غير مُفكِّرٍ ... فيما جَرَتْ بالدَّمْع أو سالتْ دَمَا
ولأهْجُرَنَّ من الرُّقَادِ لذيذَه ... حتَّى يعودَ على الجُفُون مُحرَّمَا
هي أوقَعَتْني في حبائل فتنةٍ ... لو لم تكن نَظَرَتْ لكنتُ مُسَلَّما
سَفَكَتْ دمي فلأسفحنَّ دُمُوعَها ... وهي التي ابتدأتْ فكانتْ أظْلَمَا
وموجب هذه المقدمة الواعظة، والألفاظ التي هي بالتحذير لافظة، أنني خرجتُ في بعض الأيام متفرجاً وسارحاً، وجائلاً بطرفي في الرياض وسائحاً، وصحبتي صديق لي في المحبة صادق، ورفيق لي فيما أروم موافق، قد ملك كل حسن ولطافة، وجمع كل حذق وظرافة، ينتصب لخدمتي لا يمل ولا يسأم، ويتعب في مرضاتي لا يكل ولا يندم، ويجتهد في موافقتي لا يمن ولا ينم، ويحسن في مرافقتي فلا يذم ولا أذم، قد اتخذته جهينة أخباري، وكنزاً لخزائن أسراري، لا أستطيع مفارقة وجهه الجميل، وهو عندي كما قيل:
برُوحي مَنْ لا أستطيع فراقَهُ ... ومَنْ هُو أوفى من أخي وشقيقي
إذا غاب عنِّي لم أزل مُتلفِّتاً ... أدور بعيني نحو كُلِّ طريقِ
فوصلنا إلى البستان قد أخذ زخرفه وتزين، وفاضت عيونه غيرةً من (حُسنِ) نازليه وتلون، تنساب جداول جوانبه كالأراقم، ويضفق النهر (طرباً) لرقص الغصون على غناء الحمائم، ويهب النسيم فينقطها من الظهر بدنانير ودراهم، قد تطاول فيه من البان كل قد مقصوف، وخجل فيه من الورد كل خد موصوف.
فأجلسنا النرجس على عينيه وأحداقه، وظللنا الغصن بستائر أوراقه، وحيانا منثوره الأبيض والأزرق بالأصابع، وفتح كفه الأصفر وهو منا غير أن فاقع، وجرى النهر بين أيدينا متواضعاً بسجوده، وشبب الشحرور بمنقاره لما تغنى الهزار على عوده، قد رق نسيمه وراق، وجذب الحمائم إلى الغناء بالأطواق،
وروى حديثاً تعطرت منه الربى والمسالك، وأهدى من خيام الحب ختام المسك، وفي ذلك:
أظنُّ نسيمَ الرّوض للزهر قد روى ... حديثاً فطابتْ من شذاه المسالكُ
وقال دنا فَصْل الرّبيع فكُلُّه ... ثُغُورٌ لما قال النَّسيم ضواحكُ
قد شاب ذلك الزهر قبل شبابه، وغناه الطير، فتساقط من طربه وإعجابه، وقر عليه النسيم بذيله البليل، فشب حتى عجبنا من حصول الشفاء من العليل، فيا لها روضة صدحت أطيارها فأطربت الأشجار، وألبستنا ثوب الخلاعة عند خلع العذار:
انْظُرْ إلى الرَّوضِ النَّضيرِ كأنَّما ... نُشِرَتْ عليه ملاءةٌ خضراءُ
أنِّى سَرَحْت بلحظِ عينيكَ لا ترى ... إلاَّ غديراً جالَ فيه الماءُ
وترى بنفسِكَ عِزَّةً في دوحةٍ ... إذْ فوقَ رأسكَ حيثُ سِرْتَ لواءُ
والماء قد رق وراق، وتسلسل وهو في الإطلاق، وجرى فتكسر، وصفا ولم يتغير، وصاحب النسمات وحالفها، وقاطع الأغصان وخالفها، وأتته الرياح للزيادة من شعابها وهضابها، وسرق حلي الأغصان فضمنها في صدره وجرى بها، والعيون ترمقه في جريه ومسيره، وهو لا يفتر عن تصفيقه وخريره، حتى خشينا عليه التكسير من التمادي، ورجونا من ماء عينيه يروي كل صادي:
يا حُسْنَه من جدولٍ مُتدفِّقٍ ... يلهو برونقِ حُسْنِهِ مَنْ أبصرا
ما زِلتُ أُنذِرهُ عُيُوناً حوله ... خوفاً عليه أن يُصابَ فَيعْثَرا
فأبى وزادَ تمادياً في جَرْيِهِ ... حتَّى هوى من شاهقٍ فتكسَّرا
ولم يزل الطير يسعى بين النهر والغصن في الاتفاق، ويكرر ألحانه، ويراسل في الأوراق، ويجتهد في الصلح ويدعو إليه، ويحرص على الوفاء ويحرض عليه، وقام الشّحرور بينهما واعظاً وخطيباً، فأجْدَتْ مواعظه، وكان قلب النهر صافياً
وقريباً، (فاصطلحا واتفقا، وتلازما واعتنقا)، وقام النَّسرِينُ من السرور على ساقه، وجذب كل صَدُوحٍ للغناء بأطواقه، وتبسمت من الأقحوان الثغور، وتنسمت نفحات المسك والكافور، واعتل النسيم غيرةً وتغير، فتولى وهو بذيله يتعثَّر، وجعل يجر من الحياء ذيولاً على الأغصان، فتعتنق اعتناق المُواصل الغضبان:
في روضةٍ عَلَّمَ أغصانُها ... أهلَ الهوى العُذْرِيِّ كيف العناقْ
هَّبت بها ريحُ الصَّبَا سحرةً ... فالتفَّتِ الأغصانُ ساقاً بساقْ
وبكى النهر على مواصلة الغصون، وخر لديها وفاضت منه العيون، ومثلها في قلبه شغفاً وحُبَّا، وصار بها من دون الصَّبا صبَّا:
والنَّهرُ قد عَشِقَ الغُصُونَ فلمْ يَزَلْ ... أبداً يمثلُ شخصَهَا في قلبهِ
حتَّى إذا فطن النَّسيم فجاءهُ ... من غِيرةٍ فأزالها عن قُربِهِ
وغدا عليه مُهَينِماً بعتابه ... سراً فجعَّدَ وجْهَهُ من عَتْبِهِ
فلم يزجر النهر عن حب الغصون زاجر ولا عاذل، ولم يجب العذل إلا بدمعه السائل، وصار يرد برد الهوى بحر هواه العذري، وغدا ساعيا بسعادة الأغصان يجري، فقنع منها بأدنى وصال، وربما اقتصر منها في الحب على الخيال:
ونهرٍ بحُبِّ الدَّوحِ أصبح مُغرماً ... يروحُ ويغدو هائماً بوِصَالِها
إذا بَعُدَتْ عنه شكا بخريره ... جفاها وأضحى قانعاً بخيالها
فسرحنا الناظر في تلك الربى والرياض، وشرحنا الخاطر في تلك الخمائل والغياض، وأصغينا إلى نغمات طيورها الصَّوادح، واستنشقنا أرجَ نسيمها الفائق الفائح، والأطيار قد أخذت في الأفنان بفنون ألحانها، وخلعت القلوب بشدوها على دفها وعيدانها، وناحت فناجت كل مشوق بأنواع الأشواق، وفرحت وقَرِحَت فأخذت الأحزان عن يعقوب والألحان عن إسحاق، وصدحت فصدعت قلب كل متيم ومشتاق، وشدت فشذت في حسن الرَّمل فهيجت بلابل العشاق، وناحت في النواحي تشكو ألم الفراق، ولها ألف ألف، ولم تكن كالعاشق المسكين ينوح على غصن القوام، ويبكي على خصرٍ وردف، (وفي هذا المعنى، ما يزيد على المغنى):
وهاتفةٍ في البان تُمْلِي غرافها ... علينا وتتلو من صبابتها صُحُفَا
عجبتُ لها تشكو الفراقَ جهالةً ... وقد جاوبتْ من كُلِّ ناحية إِلفا
فلو صدقتْ فيما تقول من الأسى ... لما لبستْ طوقاً وما خضبتْ كفَّا
ولم يكن عندي - إذ ذاك - باعث غرام، ولا لي همة إلى التّتُّيم والهيام، ولا بي من الشّغف ما يذود عن جفني المنام، ولا بي من الهوى ما يقودني إلى الرّدى بزمام، ولا لي تطلُّع إلى التَّضلُّع من ارتشاف رضاب الثُّغُور، ولا عندي من الحنين ما يشب الجنين إلى ضمَّات الأرداف والخصور.
أتعجب ممن يهيم وجداً وحبَّا، وأَنهر سائل الدمع صبا، وأهزأ بمن يعرض نفسه على المحبوب ليستبعدها، وأُكذب بدواهي دواعي الغرام وأستبعدها، وأفوق إلى توبة وجميل سهام ملام، وأُسفه رأي قيس وعُروة بن حزام، وأعد ما نقلوه من أخبارهم كذباً ومجوناً، وأستبعد من عاقل أن يجلب لنفسه جنوناً، ولا سبيل عليَّ لسُلطان الغرام والسَّهَر، ولا طريق إلى قلبي لفرد غلام ولو كان كألف قمر.
فبينما نحن في هذه اللَّذَّة التي وصفتْ، والعيشة التي راقت وصفتْ، والحالة التي طابتْ وحَلتْ، والخلوة التي من الخيال والخبال خلت، وإذا بجانب الرَّوض قد سطعَ بالأنوار، وتمايل السُّرور من المسار، وصفقَ النّهر طَرَبا، وغنى الحمام وصَبَا، بالأنوار، وتبسمت الأزهار فرحاً واعجاباً، وتعانقت الأغصان بعد أن كانت غضابا، وشممنا أرجاً فاق في الآفاق على المسك الاذفر، ولولا التماسك لطار القلب من الخفقان وفرَّ، فحدقنا نحو تلك الحدائق، لننظر ما هذا الأرج الفائق.
وإذا نحن بغلمان، عدد الكواكب السيارة، قد أهالوا الشمس في الهاله، واخلجوا القمر في الدّارة، من التُّرك الذين فاقوا بالملاحة والجمال، ونهلوا من مياه مناهل (الدَّلِّ) والدلال، قد تجنوا على العاشق، فغدا في حاله مقلقة، وبخلوا بالوصل على الصبِّ بعيون ضيقة، وأحرقوا قلب المتيم ببرد الثنايا وعذب اللّمى، وأرسلوا إلى مقالته من النَّواظر اسهما، وطعنوه بسمر قدودهم العوامل، وأسروه بلطف هاتيك المعاطف والشمائل، ولم يتركوا لغيرهم فضلة من المحاسن واللطائف، ولم نرَ لغيرهم رقة هاتيكَ الخضور ولا ثقل هاتيكَ الرَّوادف:
لم تترك الأتراكُ بعدَ جمالها ... حُسناً لمخلوقٍ سواها يُخلَق
جذبوا القسيَّ إلى قسيّ حواجب ... من تحتها نَبْلُ اللَّواحظ ترشقُ
نشروا الشُّعور فكُلُّ قَدٍّ منهم ... لدن عليه من الذَّوائب سنجقُ
لي منهم رشأ إذا قابلتُهُ ... كادتْ لواحظُهُ بسحرٍ تنطقُ
إن شاَء يلقاني بخَلْقٍ واسعٍ ... عند اللِّقاء نهاه طَرْفٌ ضيِّقُ
قد ركبوا الجياد من السوابق، وجذبوا قسياً، فاستبقت من قدودهم وعيونهم أسهم رواشق، ورموا قلب المحب فلم يخطئه سهم العيون، وخطروا بمعاطف خجلت منها مائسات الغصون، وشدوا مناطق خصورهم، فبهت المتيم وحار، وبرزوا بوجوه تقمر قمر الدُّجى وتكسف شمس النهار. فحين رأيتهم، وقفت ودمعي سائل وسائح، وبهت ولب عقلي ذاهب ورائح، فقال لي صاحبي: أبك خبال أم جنون، أم عشق أرسل من العيون مثل العيون؟!
فقلت: أجل، لقد طار فؤادي على أغصان هذه القدود، وسحرت بنرجس اللواحظ، وفتنت بورد الخدود، وجننت من الوجوه التي سار لها من الحسن أفنان وفنون، وفتنت بتلك القدود التي أطرقت منها في الرياض الخصون:
وُجُوٌه في قُدُودٍ مائساتٍ ... بأفنان الجمال لها فُنُونُ
فما رِفْقٌ لهُنَّ بذي غرامٍ ... به احتفلتْ من الوَجْد الظُنُونُ
فقيل به خبال مُسْتَمرٌّ ... وقيل أصابه سحْر مبينُ
وقال العارفون ببعض حالي ... هوى هذا وليس به جُنُونُ
ومعذورٌ إذا ما ماتَ وَجْداً ... على الأقمار تحملها الغُصُونُ
فنظرت إليهم وأطلت النظر، وقد سلبني الهوى ما كان عندي من الثبات والحذر، ونسيت ما تجلبه العين على الفؤاد، وجهلت ما يقاسيه العاشق من رعي السها والسهاد، ولم أخل أن العين للقلب عدو، وأنها تسلبه القرار وتمنعه الهدو:
تمتَّعتُمَا يا مُقلَتَيَّ بنظرةٍ ... فأوردتُما قلبي أمرَّ الموارد
أعيناي كُفَّا عن قتالي فانه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحدٍ
فبدا لي بينهم ظبي كأنه بدرٌّ سافر، أو غزال نافر، فاقهم حُسناً وظرفاً، وفاتهم رشاقة ولطفاً، قد تقمَّص بالحسن وارتدى بالجمال، وتسربل بالغُنج وتمنطق بالدلال، إن تبدَّى أنكرت البدر في تمامه، أو تثنَّى لم تعرف الغصن من قوامه، أو رنا لم تدرِ أسحرٌ يدا أم نصالُ؟! أو التفت لن تذكرَ بعدها جيدَ الغزال، قد أسهر العاشق بطرفه الوسنان، وفتن الرامق بقدِّه الفتان، وأطار الفؤاد على مائس غصن قدِّه، وأوهى جلد الكئيب المستهام بحلِّ عقدة بندهِ:
من الترك لو عاينتَ ذُلِّي وعزه ... لعاينتَ مولى لا يرق لعبده
أحبُّ التفاتَ الظبيِّ حبَّاً لجيده ... واعشق غصن البان حبَّاً لقدهِ
رعى الله هاتيك الشمائل أنها ... لبانة من أهوى وغاية قصدهِ
أيا سقمي أعياكَ رقَّة خصره ... ويا جلدي أوهاك عقدة بندهِ
فحين رأيته خطف قلبي، وأضعف صبري، وضاعف كربي، وتهتُ في مهالك الوجد ومهامه الغرام، وبتُ أتفكر في لُطف هاتيك الشمائل وهيف ذلك القوام، وحرت عند معاينة هاتيك العيون الرواشق، وهمتُ في رقة ذلك الخصر وقُراطق
المناطق، وشغلني الهوى عن التماسك والتقيه، وقادني الوجد والغرام قود المطية، وأصبحت بعد ذلك الخلو ملآناً، وبعد الرقاد مسهداً سهراناً، وملت بعد الراحة إلى التعب، وبعد الترفه إلى الشقاء والنصب، ووقعت في مصائد مصائب الوسواس، وهونت ما كنت استصعبه من لوم الناس، وجريت في ميدان التصابي كالصبا، وذهبت في مناكب العشق مذهبا، وأنشدت العواذل، وقد هاجت مني البلابل:
ألا ليقُلْ من شاء ما شاء إنَّما ... يُلامُ الفتى فيما استطاع من الأمرِ
قضى اللهُ حُبَّ المالكَّيةِ فاصطبر ... عليه فقد تجري الأمور علىْ القَدرِ
فدنوت منهم وقد عقد الهوى لساني، وقيد الحب والغرام جناني، وأجرى الوجد دمعي كالمطر، وأسلمني حالي إلى الأسى والسهر، وأنحل العشق جسمي فسار مع النسيم، وصرت مع صاحبي ودمعي بين صديق وحميم.
وقلت: حيا الله هذه الشمائل الحسان، والقدود التي تغار منها موائد الأغصان، والوجوه التي هي بماء الحسن نواضر، والنواظر التي هي شرك النفوس وقيد الخواطر، أما ترثون لصب مستهام، وأسير في قيود الوجد والغرام، وقتيل بالعيون الوقاح، وطعين بالقدود التي هي الرماح، وصريع بمدام المراشف، ولديغ من عقارب السَّوالف.
تملكت العُيُون فؤاده، وذاَدت عن الجفن رقاده، وتركته ذا وجد دائب وقلب ذائب، وسرًَّ مصُان وعقل صائب، وصبر فان، ورأس شائب، ودمع قانٍ، ولون شاحب، هجر الرقاد وكان من أهله، وعدم القرار لذهاب عقله، وترك المناصب وكان من أهلها، ووقع في المصائب أدقها وأجلها.
يقاسي زفرات الأنات والعويل، ويعرضُ نفسه للهم العريض الطويل، ويسامر النجوم السائرات، ويساور الهموم والحسرات:
يبيتُ كما باتَ السَّليم مسهداً ... وفي قلبه نار يشبُّ لها وَقْدُ
وقد هَجَرَ الخلاَّنَ من غير ما قلى ... وأفردَهُ الهَمُّ الُمبرَّحُ والوَجْدُ
فبادرني منهم ذلك البدر الزاهر، والغصن الناضر، والرشا الشادن، والظبي الفاتن، ذو العيون المراض الصحاح، والجفون الوقار الوقاح، والجبين المشرق الوضاح، والخد المورد الأسيل والجيد الجيد الطويل، والخصر النحيف النحيل، والردف الخارج الثقيل، والثغر الأشنب الرائق، والطرف الأدعج الراشق، والمرشف الزلال، والرضاب القرقفي الحلال، سيد القوم وواسطة عقدهم، وفتنة الخلق وموجد وجدهم، ظبي الكناس ووحش الفلا، محرق القلب ومذيب الكلى، جاذب العاشق إلى الردى بزمام، مبهت الرائق في اعتدال ذلك القوام.
وانتدب فقال بأحسن مقال: وأنت حياك الله ورقاك، وسلمك من دواعي الهوى ووقاك، ولا أسهر لك جفنا من جفاء الحبائب، ولا أوقعك من هجر المحبوب في مصائد المصائب، ولا أحرق لك قلباً بنار البعد والفراق، ولا أغرق لك جفنا بسيل المدمع المهراق، ولا أشغل فكرك بتجني الحبيب وصده، ولا أذاقك منه مرارة هجره وألم بعده، ولا أسلمك من صدوده إلى العناء والفكر، ولا أوقعك من تجافيه في بحار الأرق والسهر، ولا سلبك رونق الوصال والاجتماع، ولا راعك بيوم التفرق والوداع، بل عطف الله عليك الأعطاف، وأجناك ثمار الوصل دانية القطاف، وأنا لك حظا من الرقاد الهني، وأنهلك المرشف الزلال الشهي السني، وأضجعك مع المحبوب في فراش واحد، وقلد جيدك منه بمعصم وبساعد، وأباحك لثم الخدود ورشف الثغور، وسرك بحل عقدة البند من الأرداف والخصور، وجمع شملك بمن تحب وتختار، وشمل جمعك بمزار الدنو ودنو المزار.
ثم تحين غفلة أترابه، وركض نحوي بجواده، ففتح لي باب الفرج وأدخلني من باب النصر دار إسعاده، وقال: امض بنا مسرعا إلى آخر باب هذا البستان، واسترنا حتى عن عيون النرجس الغيران؛ لنتشاكى هما كثيراً في ساعة يسيرة، ووجداً طويلاً في جلسة قصيرة.
فسرتُ أمامه منشرح الصدر بتلك الجلسة، مهنا القلب بتلك الخلسة، فنظر يميناً وشمالاً، وقد تمايل عجباً ودلالاً، وقال أقمْ حوالينا الحرس، وانحط كالسهم عن ظهر الفرس، واقبلَ يتمايل بقده كالقضيب المائس، ويرنو بطرفه الكحيل الناعس، وقد سارتْ محبته في سائري، ولم يخطرْ سواه بفكري وخاطري:
وافى شبيهَ البَدْرِ يخطرُ مائلاً ... ثملُ القوامِ فديتهُ من خاطرِ
لا شيء أبلغ في هواهُ من الرَّدى ... يا نفسُ دونكِ فاعشَقِيِه وخاطِري
وقال: عهدتك ذا جنان ثابت ونفس أبيه، وعقل مصيب وآراء مضية، فما الذي جشمكَ هذا الموقف العجيب، وسلمك إلى البكاء والنحيب؟! وكيف وقعتَ في أمرٍ كنت تزجر عنه الخلائق، وتزدري منه بكل مهجور وعاشق؟! وكيف غررت بنفسٍ لم تبرح في صيانة، وأهنتها ولم تكن تعرف الإهانة؟!
وعلام أرخيت رسنها في ميدان الهوى والهوان، وأعطيتها من طلق الخلاعة فاضل العناء والعنان؟!
كيف نسيت المواعظ التي كنت للناس توردها، والحكم التي كنت تنشدها طوراً وتنجدها؟!
فهل صدقت بدواعي الهوى التي كنت تستبعدها، وهل استعبدتك نفس ما برحت تستعبدها؟!
أين مواعظك في كف النظر وإطالته؟! وزواجرك في غض البصر وإجالته؟!
أين تحذيرك من العشق ودواهيه؟! وأين تخويفك من الحب ودواعيه؟!
أين ازدراؤك بالتيم وسقامه؟! أين استهزاؤك بالصب وهيامه؟!
فسقت إلى نفسك بالنظر إلينا تعبا، وحملتها على رغمك وزعمك هماً ونصبا، أما علمت أن قتيل الهوى لا قود على قاتله، ولا حرج على متعمده وفاعله، وأن ثأره لا يطلب، وفاعله لا يدرك ولا يغلب؟! ألم يقل إمامك الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في تهويل هذا المقام والتحذير منه:
خُذُوا بدمي هذا الغزالَ فإنَّه ... رماني بسَهمَيْ مُقلَتَيْه على عَمْدِ
ولا تقتلوهُ إنَّني أنا عبدُهُ ... وفي مذهبي لا يُقتَلُ الحُرُّ بالعبدِ؟!
فقلت له: هذا قدر الله وما شاء فعل، وهذا قضاؤهُ السابق فلا يرد بالحول ولا بالحبل، فانظر إلي بعين الشفقة والرحمة، واجبر كسر قلبي منك بضمة، ولا تتركني مثلاً في البرية، ولا لاحقاً بوحوش البرية.
فتبسم عن ثنايا فضح رونقها عقود الدرر، ورمقني بلحظ يفتن الحور بالحور، وقال: أعندك بالله من المحبة كما ذكرت، ومن التتيم ما أنهيت وأشرت، وبك من العشق ما يذود عن جفنك المنام، ومن الولوع ما أسلمك إلى الوجد والهيام، ولحقك من الغرام، ما تقول وتدعي المقالة، فأت بها ودع عنك الإطالة، فأنا لا أقبل من الشهود إلا من يظهر لي حاله، وتحسن عندي أقواله وأفعاله.
فقلت له: عندي شهود معروفون بالعدالة، مقبولون عندك في المقالة، يسجلون على قاضي الحب ما يدعيه المشوق، فيرقم تحت كل اسم مقبول أمين ثقة عدل صدوق:
وعندي شُهُود للصَّبابة والأسى ... يُزَكُّونَ دعوايَ إذا جئتُ أدَّعي
سقامي وتسهيدي وشوقي وأنَّتي ... ووَجْدي وأشجاني وحُزْني وأدمعي
فقال: زدني بينه على دعواك، فقد أنكرتُ حالك في محبتك وهواك، وتكثير البينة مما تطمئن إليها النفوس، وتحصل بها العناق والبوس، بعد العناء والبؤس.
فقلت له وشهودي معي، وقد فاضت عيوني بأدمعي:
إنْ كنتَ تنكر حالي والغرام وما ... ألقي وأنَي في دعواي مُتَّهمُ
فاللَّيلُ والويلُ والتَّسهيدُ يشهد لي ... والحُزنُ والدَّمعُ والأشواقُ والسّقمُ
فقال: الآن علمنا حالك، فإن شهودك عدول، وأن ليس لما ذكرت من الأشجان عندك عدوزل، ولكنني أريد منك يميناً لست فيها تمين، بأن عندك من الحنين ما يشيب الجنين، وأني عندك من جميع الخلق أعز، وفي عينيك أحلى الناس وأبز، وأن وصالي أحب إليك من الدنيا وما فيها، وأن رضابي ورضائي أحلى لنفسك من أمانيها، وأن هواي قد ملك منك الفؤاد، وأسلمك إلى الأرق والسهاد.
فقلت: ومن زين صبح الجبين بليل الشعر، وجمل سحر العيون بالكحل والحور، وغرس في عذب المراشف صغار الدرر، وخلق أقماراً أرضية أبهى من الشمس وأحسن من القمر، وألسع كل متيم بعقارب السوالف، وأسكر كل صب بصهباء المراشف، وخلق خدوداً أطرى من الورد وأظرف، وأشهى من الخمر وألطف، لا تفتر عن الحمرة والتخجيل، ولا تصلح لغير العض والتقبيل.
وزين الثغور بيواقيت الشفاه، وجعل رضابها دواء كل صب وصفاه، وأبدع في إجادة الأجياد والأعناق، وجعلها سببا لزوال العناء عند العناق، وأعدم الخصور وأوجد الأرداف، وأبدع في زخرف مناطقها على الأحقاف.
إنك عندي أعز من بصري وسمعي، وأحب إلي من سروري ونفعي، وأحلى في عيني من جميع النسمات، وألطف عندي من هبوب النسمات، أجتهد في خدمتك فوق الاستطاعة، وأقابل أوامركَ بالامتثال والطاعة:
لأجلكَ سعيي واجتهادي وخدمتي ... ويا ليت هذا كُلَّهُ فيكَ يُثمرُ
تبعتُ الذي يُرضيكَ في كُلَّ حالةٍ ... وإنْ كنتَ لم تبصرْهُ فاللهُ يُبصرُ
فواللهِ ما بعدي مُحبٌّ ومُشفق ... وسوف إذا جرَّبتَ غيري تذكرُ
فما شئتَ من أمر فسمعاً وطاعة ... فما تمَّ إلا ما تُحبُّ وتأمرُ
عليَّ بأنَيّ لا أخلُّ بخدمتي ... وأبذلُ مجهودي وأنتَ الُمخيَّرُ
فتبسم عجباً، وتثنى طرباً، وقال: إن صدقت دعواك في محبتنا، وصحت أقوالك في مودتنا، فلا تحل عن المحبة الصادقة، ولا تشم للسلو بارقة، ومت على تلك المحبة وابعث، فإنها ألطف لشمائلك وأدمث، وليكن لك في موت هوى الجميل الجميلة، فالموت لابد منه وما الردى حيلة:
مُتْ راشداً ولك الجميلةُ في الهوى ... فالموت في غير الهوى لا يحسنُ
(إن الغرامَ هو الحياةُ فعش بهِ ... عيشاً هنيَّاً أنتَ فيه محسنُ)
فقلت له: اُقسمُ بقدِّكَ الأهيف النضير، وجبينك المشرق المنير، وطرفك الفاتن الفاتر، ولحظك الساجي الساحر، وشعرك السود الحالك، وصدغك الأرقم الفاتك، وخدك الأحمر الناعم، وثغرك الأشنب الباسم، وريقك المستعذب الصافي، وحسنك الوافر الوافي.
ورد خدك الجنيّ، ونرجس لحظك البابلي، ودرُّ ثغرك اليتيم، وغصن قدك القويم، ورقة خصرك السقيم النحيل، ودَص ردفك الثقيل، وذل مصارع العشاق، وحل سحر مواقع الأحداق، وزورتك التي من غير كلفه ولا ميعاد، وطيب ما أودعت من الهوى في صحيح الفؤاد، لا حلت عن المحبة في الحياة ولا بعد الموت، ولا رجعت عن الوداد ولا سَلَوْت:
قَسَمَاً بزورتكَ التي من غير ما ... وعدٍ سَمَحْتَ بها وغير تَكَلُّفِ
وبطيب ما أودعتَ من طيب الهوى ... سمعي وذكر صبابتي وتعنُّفي
هي زورة نفت الرقّاد وغادرت ... بين الجوانح جمرة لا تنطفي
ما أنتَ إلا مُنَيتي ومَنَّيتي ... وعلى رضاكَ تحرُّقي وتلهُّفي
أنا عَبْدُ عبدكَ إنْ غدوتَ مُواصلي ... أو هاجري أو ظالمي أو مُنصفي
ومريضُ حُبّكَ إنْ سمعتَ بأنَّهُ ... يوماً تحدَّثَ بالَسلُوَّ فلا شُفِي
فقال: صدقت في هذه الدعوى، وتبعت الحق في الشكوى، من عدم السلوى، فإن عندي لك من المحبة ما يشهد بصحة دعواك، وبي من الوجد ما أتحقق به بلواك، وها أنا في خدمتك وبين يديك، ونافذ علي حكمك ولا ينفذ حكمي عليك، فأمرني بالذي تختار وتريد، واحكم - فديتك - حكم الموالي على العبيد، وارسم، فإني لك سامع ومطيع، وقل، فقولك المسك يضوع ولا يضيع:
سيَّدي لبَّيكَ عشرا ... لستُ أعصي لكَ أمرا
كيف أعصيكَ وُودَّي ... لكَ دون النَّاس طُراَّ
فجلب قلبي بلطف كلامه الفصيح، وسلب لبي بغصن قوامه الرجيح، وأولاني من الإحسان ما لم يكن في الحساب، وفاضت جفوني فأخجلت نوء السحاب، وخدد سيل المدامع مني كل خد، وطال شرحه فلا يوصف ولا يحد.
وقلت له: أما ترثي لصب دمعه مثل اسمه، وقد جرى على شرحه وعادته ورسمه، وقد صار السلو أوفر سقمه.
فقال: لا تشك لي سائل دمعك، فما لي طاقة برد سائل، ولا تشرح لي شرح حبك، فهو شرح طويل وليس تحته طائل، وليكن لك في فوت هو جميل الحب جميل، فما لي برد التسلي سبيل.
فلما كسر قلبي بهذه المقالة، وأسمعني مختصر الشرح خوف الإطالة، نكست رأسي مكمداً، وصعدت أنفاسي منشداً:
أَقُولُ لهُ أمَا تَرِثي لَخدَّي ... وتسمعُ مِنْ دُمُوعي ما تقولُ
وتُبصِرُ ما جَرى مِنْها عليهِ ... لأَجْلِكَ قال ذا شَرْحٌ يطولُ
فنظر إلي نظرة المحب الشفوق، ولاحظني ملاحظة الصديق الصدوق، وقال: ما الذي يبكيك وأنا بين يديك حاضر؟! وما الذي يشجيك وأنا لك منادم ومسامر؟! ما الذي يقلقك وأنا محدثك ومناجيك؟! وما الذي يحزنك وأنا تحت أوامرك ونواهيك؟!
فقلت: والله ما أبكاني وأودى بي وآذاني، إلا ما تحققه من الفراق الداني، فأبكي وأنت حاضر ومقيم، لأنني بالذي يصنع الفراق عليم:
في كُلّ يوم لأرباب الهوى شانُ ... وَجْدٌ وشوقٌ وتبريحٌ وأشجانُ
دُمُوعهم كالغوادي وهي سائلةٌ ... وفي حشاشتهم للحُبَّ نيرانُ
يبكون في الوصل خوف الهجر من شَفَقٍ ... فَكُلُّ أوقاتهم هَمّ وأحزانُ
لا يعرفون سُلُوَّاً يهتدون به ... هيهاتَ ليس مع العُشَّاق سُلوانُ
فقال: دع عنك هذا الكلام، وارسم لي بالمراد والمرام، واطلب الذي تختاره وتشتهيه، وأظهر لي المقصود ولا تخفيه.
فقلت: مرادي تطفي كربي من ثغرك بنهلة، وتجير كسر قلبي من خدك بقبلة، فهذا مرادي ومناي وجل قصدي، فأنلني مرادي بقيت بعدي:
تقبيل خَدَّكَ أشتهي ... أمَلٌ إليه أنْتَهِي
لو نلْتَ ذلك لم أُبلْ ... بالرُّوح منَي أن تَهِي
دُنياي لَذَّة ساعةٍ ... وعلى الحقيقة أنتَ هِيْ
فنظر إلي متبسما، وأشار إلي متحكماً، وقال: يا لله العجب! كيف سلبك الحب العرفان، وأودي بذهنك مع القلب والأجفان، وكيف أعدمك الوجد تلك الفراسة، وأسلمك إلى المذلة بعد العز والرئاسة.
العشق غلب عليك فتهتَ في صحارى الحيرة، والحب أوقعك في الردى، فسلبت الخير والخيرة، يا ذا اللون الشاحب، والذهن الغائب، والجفن الساكب، والقلب الذائب، والوجد البادي، والحزن الحاضر، والدمع الجادي والقلب السائر، والصبر الغادي، والنوم الرائح، والقلب الصادي، والخد السائح.
أما لوحت بين يديك كرة، أما صرحت بقولي مرة بعد مرة، بأني في خدمتك فافعل ما تريد، واحكم علي حكم الموالي على العبيد، ها رضابي فانهل منه حتى تروى، وها لساني فاشربْ من مائه حتى تقوى، فسكن بهما من فؤادك غليله وحره، ولا تشره إذا تشرب فتتبع الشربة بالجرة، وها خصري وجيدي فاعتنقهما ولا أبا لكَ، وها خدي وفمي فالثمهما ما بدا لك، وها مرشفي وريقي فارشف منهما قرقفكَ وزلالك.
ثم دنا مني بلطافة تقصر عنها صفتي، وأهوى بمرشفه وقال: الثم شفتي:
أهوى بمرشفه إليَّ وقال ها ... ويلاه من رشا أطاع وقالَها
فرشفتُ من رشفاتِهِ معسُولَها ... وضَمَمْتُ من أعطافِهِ عُسَّالَها
وظفرتُ في اليقظاتِ منهُ بخَلْوَةٍ ... ما كُنْتُ آمل في المنام خيالَها
وقال: دونك مني وما تريد، فإنني منك غير بعيد، فارشف رضابي، والثم وجناتي، واغتنم رضاي، وادخل جناتي، فها خصري وردفي بين يديك، وها لساني وشفتي بين شفتيك، فاضمم منها ما بدا لك، وارشف منها قرقفك وزلالك.
فعجبت من لطافته وكرم أخلاقه، وسلب عقلي عند تقبيله واعتناقه، أنعشني بحمرة خده الرائق الوردي، وأسكرني بخمرة ريقه العاطر الندي:
وفي شَفَتِي من مُلتَقَى رشفاتِهِ ... بقايا رضابٍ طِيْبُهُ يتشوَّفُ
فأثْبتَ عِنْدِي أنَّ فاهُ وثَغْرَهُ ... وريقته كأسٌ ودرٌّ وقرقفُ
فضممته إلى صدري ضمة وأي ضمة، وبادرته بلثمة بعد لثمة، فسلم إلي في اللثم وفي الرشف قيادي، وأبلغني من الضم والقبل مرادي، وقال: أبحتك نفسي هذه الجلسة، وسلمتك أمري هذه الخلسة، فبس ما استطعت أن تبوس، وأزل بالعناق ما بك من عناء وبوس.
فبادرت في الحال إلى امتثال أمره، وتنقلت من برد ثغره ونجد ردفه إلى غور خصره:
يا طِيبَ يومٍ ظَلْتُ فيهِ مُعانقَاً ... مَنْ أَشْتَهِي قدْ كانَ يوماً أزهرا
واصلتُ فيه مُعذَّبي ولثمُتهُ ... ألفاً على وجناتِهِ أو أكْثَرا
ويعزُّ والله العظيم عليَّ أنْ ... أصف الذي قد كان منَّي أو جرى
لكنني لم أخل من واشٍ ورقيب، فلم تكمل لذتي بمجالسة الحبيب، لأنني حين حللت عن أردافه بند القباء، خشيت التنغيص من الوشاة والرقباء، فلم أتهنا بوصل وعناق، ولم يحصل للقلب شفاء من تلك الشفاه الرقاق، بل كنت الثم لثمة، وأنظر إلى الطريق، وأرشف رشفة، ورحيقه في القلب حريق، فكأنني عصفور أتى يسرق يانع الثمر، وهو حذر من نواظر النواطير بالغ الحذر:
فكَمْ عناقٍ لنا وكَمْ قُبَلٍ ... مُخْتَلسَاتٍ حِذارَ مُرتَقِبِ
نقر العصافيرِ وهي خائفةٌ ... من النّواطير يانع الرُّطبِ
فملازمة الرقيب أمر يضني، ومرض يفتت القلب ويفني، والمحبون ابتلوا بالرقباء قديماً، وراعوا بهم روض الغرام يانعاً وهشيماً، مع أن الرقيب هو المبتلى بالنصب، وصاحب الأرق والأسى والتعب؛ لأن العاشق يجد لذة في المحبة عليه عائدة، والرقيب يضيع زمانه ويذوب فؤاده بلا فائدة.
لكن العاشق يشتكي من حضوره ومجالسته، ويتأذى بترصده وملازمته، فلو كان لي حكم يشاع أو أمر يطاع، لمتعت كل عاشق بالحبيب، وأخليت الأرض من كل رقيب، وفي هذا المعنى العجيب، واللفظ المطرب الغريب:
لي شهوتانِ أوَدُّ جَمْعَهُمَا ... لو كانت الشهَّوات مضمُونَة
أعناقُ عُذَّالي مُدقَّقَةٌ ... ومَفَاصِلُ الرُّقباءِ مدفُونَة
ولكن القضاء ليس بمدفوع ولا مردود، ولنرجع الآن إلى ذكر المقصود.
فقال لي مصباح النواظر، وراحة الأرواح والخواطر: عدني إلى يوم ألقاك فيه هنا وأغشى فيه وطنك، لتبلغ به وطرك والهنا، فقد طال على أصحابي مقامي، وهم لا يدرون أين مرامي، ولا يمكنني التأخير عندك ساعة أخرى، بل اللحوق بأترابي أولى وأحرى، فمتى بلغهم حقيقة خبرنا، واقتصوا مع العلم على أثرنا، وقعنا معهم في المقعد المقيم، فلم تأمن أن تحرم من وجهي بعدها نضرة النعيم.
فقطع نياط قلبي بهذا الكلام، وقادني غريم الغرام إلى الرضى بزمام، وذهب عقلي وطار، وجرى دمعي وجار، وقرب مصرعي ودنا، وحرت فلم أدر أين أنا:
أَأَحْبابَنَا ماذا الرَّحيلُ الذي دَنَا ... لقد كُنْتُ مِنْهُ دائماً أَتخوَّفُ
هَبُوا لي قلباً إنْ رحلتُم أطاعني ... فإنَي بقلبي ذلك اليوم أُعْرَفُ
ويا ليتَ عيني تعرف النَّوم بعدكم ... عساها بطيف منكمُ تتألَّفُ
قفوا زوَّدوني إنْ مَنَنْتُم بنظرة ... تُعَلّلُ قلباً كاد بالبين يتلفُ
تعالوا بنا نسرق من العمر ساعة ... فنجني ثمار الأنس فيها ونقطفُ
وإنْ كنُتمُ تلقون في ذاك كلفةً ... ذروني أُمِتْ وَجْدَاً ولا تتكلَّفوا
فقلت: ما أقرب ما بين الوداع واللقاء، وما أقصر ما بين النعيم والشفاء، وافى الحبيب ونشره يتضوع، ثم سرى بقلبي إذ سار وما سلم حتى ودع:
وكنتُ كالُمتمنّي أنْ يرى فلقاً ... من الصَّباح فلمَّا أنْ رآه عُمِي
فقال: إني أود أن أكون بخدمتك مقاماً ورحيلا، ولا أتخذ غيرك صاحباً وخليلاً، ولكن؛ لا حيلة لي في رد القضا، ومن ذا الذي أعطاه دهره الرضى، ومن عادة الدهر عكس المرام والمراد، وإظهار العناء والعناد:
يا دهرُ ما للمرء طبعُ حديدة ... فارفقُ به فالمرءُ مِنْ فَخَّارِ
ولكن؛ اجعل لي ولك موعداً نجلو به الغم والهم، ووقتاً آتيك به سعياً على الرأس لا سعياً على القدم.
فقلت له وقد أرسل فرط غرامه من طرفي الدمع المدرار، وعدم قلبي الجلد والاصطبار: قد سلبت مني بهذا القول قلباً وعقلاً، فعد أنت، فالوعد منك أعذب وأحلى.
فقال: ميعادنا يوم السبت بهذا المكان، وبالله التوفيق والمستعان، ثم شرع في أسباب التهيؤ للرحيل، ودموع العين تسيح وتسيل.
فقلت له: بالله اصدق الوعد في العود والإياب، ولا تدعني أظل أشكو، فمثلك لا يشكي ولا يعاب:
بالله جُدْ لي بوعدِ صِدْقٍ ... وخلَّ هذا الدَّلالَ عَنْكَا
ولا تَدعْنِي أظلُّ أشكوُ ... مثلُ مُحيَّاكَ لَيْسَ يَشْكَا
فقال: سمعاً وطاعة لإشارتك، وحظي أوفى وأوفر في إتيانك وزيارتك، وشرع في القيام، فسقطت مغشيا، فضمني ضمة عدت بها قويا سويا.
فقال: تثبت أيها الشهم الشجاع، وتجلد أيها البطل المطاع فما أنت من أراذل الناس، ولا ممن يردعه الباس، بل أنت من جملة السراة وأساطينهم، والمعروف عند ملوك الإسلام وسلاطينهم، فقف عند مقدار نفسك العزيزة، ولا تعد عن ألفاظك الوجيزة، ثم أنشدني في الحال مرتجلاً:
فأنت إمامي في العلا والودادا ... فما زلتَ تدَّعي فيهم سيْداً سيَّدا
فيا لكَ من حَبْرِ وبَحْرِ مَواهِبٍ ... تجدُ الفتاوَى والفُتُوَّةَ سَرْمَدَا
على هذه الأيَّام ما تستحقُّه ... فكم قد أضاعتْ منكَ حقَّاً مُؤكَّدا
فلم أنصفتَ ساورتْ محلَّك بالسُّهَا ... عُلُوَّاً وصاغت نعلَ رِجْلِكَ عَسْجَداً
فقلتُ له: لقد أهديتني بفصاحة لسانكَ، وأسكرتني بخمرة رضابك وبنانك، فمتعني بك سويعة يسيرة، وعللني بالنظر إليك مدة قصيرة، وأسكرني من رضاب ثغرك ولفظه، وسر في أمان الله وحفظه:
مَتِّعْ لواحظَنَا بحسنكَ ساعةً ... ودَعِ النُّفُوسَ تروحُ وهي توالفُ
فاجعلْ وعُوُدكَ لي صُدُوداً خالصاً ... فلقد أراك إذا وعدتَ تخالفُ
واشقوتي في حُبِّ أهيفَ فاتني ... فمالي عليه سوى البُكاء مُساعفُ
سَلْ خصرَهُ عن طُل ليلة شعره ... إن َّ السَّقيم بطُول ليلٍ عارِفُ
فقال: دعني من التسويف والتعليل، فلا بد من التفرق والرحيل، وميعادنا يوم السبت المذكور، والله سبحانه وتعالى ميسر الأمور.
ثم ودعني، فودعت عقلي وقلبي، ولاقيت أحزاني وكربي، فقبلت فاه العاطر، وعانقت قوامه المياد، وضاعف الوجد حزني فتقطع القلب أو كاد، فما رويت بمراشفه وإن كان لها برد في الفؤاد، ولا سررت بمعانقته لأنه عناق بعاد:
قبَّلتُهُ ولثمتُ باسِم ثَغْرِهِ ... مع خَدِّه وضَمَمْتُ عادلَ قَدِّهِ
ثُمَّ انثنيتُ ومُقلَتي تبكي دماً ... يا ربِّ لا تجعله آخِرَ عَهْدِهِ
ثم امتطى ظهر جواده الأشقر، وصبح جبينه قد أشرق وأسفر، وطرفه قد سكر وعربد، وخده قد توهج وتوقد، وصدغه قد تعقرب وتجعد، وعطفه قد تثنى وتفرد، وخصره قد تناحف وتناحل، وردفه قد تخارج وتثاقل.
وقال: ميعادنا اليوم المذكور بهذا المكان، وركض جواده حتى غاب عن العيان، فرحل بمهجة ختم عليها وخيم فيها، وعوض العين عن الكرى فيض مآقيها:
أيا مَنْ غاب عن عيني منامي ... لغيبته ووصلني سقامي
رحلتَ بمُهجةٍ خيَّمت فيها ... وشأن التُّرك ترحَلُ بالخيامِ
فحين ولى، غادر في القلب ناراً لا يخبو زفيرها، لا يفتر وقدها وسعيرها، فيا لله ما أقرب ما بين الراحة والتعب، وأقصر ما بين اللذة والنصب:
ومضى وخلَّف في فُؤادي لوعةً ... تَرَكَتْهُ موقوفاً على أوجاعهِ
لم أستتمَّ عناقه لقُدُمه ... حتَّى ابتدأتُ عناقه لوداعهِ
فلم يكن إلا بمقدار ما غاب عن عياني، حتَّى أظلم على مكاني، وحال قلبي وحار، وسال دمعي وسار، وبقيت باهتاً أبكي وأنوح، حائراً كيف أغدو وأروح، وفاضت من عيني عيون، واعتراني ذهول وجنون:
ولقيتُ في حُبَّبْكَ ما لمْ يلقَهُ ... في حبِّ ليلى قيسُها المجنونُ
لكنني لمْ أتَّبع وحش الفلا ... كفعال قيس والجُنُون فُنُونُ
فبينما أنا في تلك الحالة الحائلة، وقلبي مذعور وعيني حائلة، أستنجد بالدموع فتأتي ولا تأبى، وأرسل الأشجان إلى الأجفان فتسلبها المنام سلباً، أقول لقلبي استعد للأحزان والأشجان، وللدمع اجر فلمثل هذا اليوم صنتك في الأجفان:
لبكاء هذا اليوم صُنتُ مدامعي ... وكذا العزيز لكُلِّ خطب يذخرُ
يا ساكني وادي العقيق فَدَتْكُم ... عينٌ مدامعها عقيقٌ أحمرُ
بنُتم فما استعذبتُ بعد حديثكُم ... لفظاً ولم يحسنِ لَعْينِي منظَرُ
وإذا بصاحبي قد أقبل من جانب البستان، وهو يجاوب الأطيار بترجيح الألحان فرآني على تلك الحالة التي وصفت، والصورة التي ما راقت ولا صفت، فاستعظم أمري واستبشعه، وازدرى حالي واستشنعه.
وقال: ما لي أراك على هذه الصورة العجيبة، وأرى دموعك سائلة ومجيبة، ولا تكتم مني، وصرح ولا تكني:
أيا صاحِبِي مالي أراكَ مُفكَّراً ... وحتَّامَ قُلْ لي لا تزالُ كئيَبا
لقد بانَ لي أشياءُ منكَ تُريبُنِي ... وهيهاتَ يخفى مَنْ يكونُ مُريبا
تعالَ فَحَدَّثْني حديثَكَ آمِنَاً ... وجدتَ مكاناً خالياً وطبيبا
تعالَ أطارحكَ الأحاديث في الهوى ... فيذكر كُلٌّ مِنْ هواهُ نصيبا
قل لي ما أصابك جعلت فداك، وأي خطب به الدهر رماك، أبك خبال أم جنون، أم أصابتك عيون عيون؟!
فقلت (له): نعم، بي نظرة عيون كحيلة، ما لي من التخلص منها حول ولا حيلة:
وما لي سوى عين نظرتُ لحُسنها ... وذاك لجهلي بالعُيُون وغُرَّتِي
وقالوا في الحُبِّ عينٌ ونظرةٌ ... لقدْ صَدَقُوا عينُ الحبيبِ ونظرتِي
فقال: كان ذلك وانفصل، واتَّصل بك من الوَجْد والغرام ما قد اتَّصل؟!
فقلتُ: نعم، قضى الله وما شاء فعل، ومن ذا الذي يرد القضاء إذا ما نزل، وما بقي لي غير تدبيرك الحسن المعهود، وأجري من صنيعك المحمود، وبذل المجهود، فقد قامت قيامتي إن لم أشاهد وجه المليح، وقد زالت سلامتي، إن لم أعاين قده الرجيح:
أنا واللهِ هالِكْ ... آيَسُ مِنْ سَلامَتِي
أو أرى القامَةَ التِي ... قَدْ أقامت قيامَتِي
قفْ معي أو معيناً، أو ضاحكاً أو حزيناً، أو عاذلاً أو عاذراً، أو فاضحاً أو ساتراً:
قفْ مشوقاً أو مُستعِداً أو حزيناً ... أو مُعيناً أو عاذراً أو عذولاً
فقال: لأجعلنَّ وجهي في خدمتك أبيضاً، ولأبذلن جهدي لتنال الرضى، وفوق الرضى، ولكن؛ اكتم ما بك واصبر على الغرام، ولا تظهر شأنك لأحد من الأنام، فلست من السوقة الأرذال، وظهور هذا منك ليس بطائل.
فقلت: صدقت، ولكن ليس لي دمع يمتنع، ونصحت، ولكن؛ ليس لي قلب يرتدع، فما أقابل حلاوة محبوبي بالصبر، ولا أسلو هواه ولو وسدت في القبر، وقد شكا الناس قبلي ألم البعد والفراق، وقاسوا عظيم الوجد والاحتراق، ولكن؛ لمثل حبي ما مشيت ولا سعيتُ، ويمثل وجدي لا سمعت ولا رأيتُ:
شكا ألمَ الفراق النَّاسُ قبلي ... ورُوِّعَ بالهوى حيٌّ ومَيْتُ
وأمَّا مِثْلُ ما ضمَّتْ ضُلُوعِي ... فأنِّي لا سَمِعْتُ ولا رأيتُ
فقال: قم أيها المغرور المقهور، والمأسور المعذور.
فسرت معه إلى الدار، وأنا أستنجد الدموع الغزار، وأسكن القلب (وهو لا يسكن) ولا يطمئن، وأعلله (بالوصال وهو لا يتعلل) ولا يستكن، وصاحبي يصبرني وأنا لا أصغي سمعاً، ويذلني ودموعي تذرف سبعاً سبعاً، وأقول له: لا تتعب، فقلبي معلق بتلك العلائق، ولا تعتب، فنومي وعقلي وصبري طالق وطالق وطالق:
ومُصبِّرِ للقلب قلتُ له فهل ... صبر لمَنْ عنه الحبيب يغيبُ
والله إنَّ الشَّهد بعد فراقه ... ما طابَ لي فالصَّبر كيف يطيبُ؟!
ولم أزل أرسب في الفكر وأعوم، وأقعد في الوجد وأقوم، وأعاني من الولوع عظائم الزفرات، وأقاسي من الدموع سحائب العبرات، وصاحبي يعذلني ويلحاني، ويعوذني مما اعتراني، وأنا لا أرتجع ولا ألتوي، ولا أرتدع ولا أرعوي، بل أقول له سلم لي قيادي في العشق والغرام، ولا تعترض علي في اللوعة والهيام:
للعاشقين بأحكام الغرام رضَى ... فلا تكن يا فتى بالعَذْلِ مُعترِضا
رُوحي الفداء لأحبابي وإنْ نقضوا ... عهد الوفيِّ الذي للعهد ما نَقَضَا
قفْ واستمعْ راحماً أخبار مَنْ قُتِلُوا ... فمات في حُبِّهم لم يبلُغِ الغَرَضَا
رأى فَحَبَّ فرامَ الوصلَ فامتنعوا ... فسام صبراً فأعيا نيلهُ فقَضَى
فنظرَ إلي نظرة مشفق وراحم، وقال: سبحان مقلب قلوب العوالم، ولم أزل على حالي الحائل العجيب، ودمعي السائل المجيب، إلى أن أتت عساكر الليل الجحافل، وأقبلت طلائعه بكل بطل ومقاتل، فحكم الليل في وأمر، وحبس النوم وأسلم العين للسهر، وأطلق أجفاني بسيل المدامع الذوارف، ونصبني واقفاً أتلهف من عينيه وصدغيه على الماضي والسالف، قد شرد النوم عن أجفاني، فمالي بالمنام منال وأمرني بتوديع قلبي عند توديع ذلك الرشا الغزال:
ودَّعتُ قلبي يوم توديعهم ... وقلتُ يا قلبي عليكَ السَّلامْ
وأنتَ يا نومُ انصرفْ راشداً ... فإنَّ عيِني بعدَهُمْ لا تنامْ
وقد نسيت الكرى والصباح، وتذكرت الجوى والصياح، وساهرت النجوم، وسامرت الهموم، والليل مستمر لا يبرح، وكواكبه لا تتقلقل ولا تتزحزح، وطال علي الليل فهو سنة، فما ألم بمقلتي غمض ولا سنة:
وطالَ عليَّ اللَّيلُ حتَّى كأنَّه ... من الطُول موصولٌ به الدَّهرُ أجْمَعُ
وشرعت في مسامرة القمر، ولم أجد عوناً على السهاد والسهر، وأنشدت عند تراكم الأحزان والفكر، أخاطب الليل الطويل، مع ملازمة البكاء والعويل:
يا ليلُ طُلْ أو لا تَطُلْ ... لابُدَّ لي أنْ أسهرَكْ
لو باتَ عندي قَمَري ... ما بتُّ أرعى قَمَرَكْ
ولم أر ليلة أجور منها ولا أظلم، ولا أطول منها ولا أعتم، كأنها من الطول حرون أدهم، وأنا بها مصاب إذ هم بي ما هم:
غابُوا فلمْ أدرِ ما أُلاقِي ... مسٌّ مِن الوَجْدِ أمْ جُنُونُ؟
ليلي لا يبتغي حراكاً ... كأنه أدهم حَرُونُ
ولم أشك أن الدهر كُله (ليل) ليس يبرح، وأن كواكبه مستمرة لا تنتقل ولا تتزحزح، وأن الصبح قد مات فلا يتنفس ولا يتوضح، وأن النهار قد تاه فما له إلي الاستدلال مطمع ولا مطمح:
خليليَّ ما بالُ الدُّجى لا يُزَحْزَحُ ... وما بالُ ضوءِ الصُبحِ لا يتوضَّحُ
أضَلَّ النَّهارُ المُستنيرُ طريقَه ... أم الدَّهر ليلٌ كُلُّه ليس يبرَحُ
وأطلب النَّوم برفق فيأبى مُصاحبة الأجفان، وتدخل العين عليه في الصّلح وما هي عنده بإنسان، فإنه عدم صحة القلب وطيب العيش على السفر، وامتنع من خيط الأجفان وإن كانت الأهداب كالإبر:
قلبِي وعقلِي وطيبُ العيشِ بعدكُمُ ... ثلاثةٌ للنَّوى أمسُوا على السَّفَرِ
أجفانُ عينيَّ ما حيطتْ على سنةٍ ... هذا وقد غَدَتْ الأهدابُ كالإبَرِ
أستُرسل الطيف إذ ذاك محال؛ لأن الطيف على النوم محال، ومن عدم الكرى كيف يأنس بالطيف؟! ومن سلب المنام فأني يطرق للطيف ضيف؟!
فلا أعاتب الأحباب في منع خيالهم الناشز، لعلمي بما بين الكرى وعيني من المفاوز، فلقد بعد عهدها بلذيذ المنام وطيب الكرى، وقد كفى ما همل منها على الخدين وجرى:
أأحْبَابَنَا إنْ فَرَّقَ الدَّهرُ بيننا ... وغَّركم من بعد قُربِكُم البُعْدُ
فلا تبعثوا طيفَ الخيالِ مُسلِّماً ... فما لجُفُوني بالكَرَى بعدكم عَهْدُ
فلقد كفاني حزناً عدم اللذات إلا بالفكر والتخييل، وعدم استزارة العين الطيف لاشتغالها بالدمع المديد والسهر الطويل، ولو حصل نوم وأتاني طيف لقاسيت منه الخطب (الجلي) الجليل، فقد حصل من الفراق أولاً ما منعني من استزارة الطيف الكريم البخيل:
كفى حُزناً أنْ لا أُراقب لمحةً ... ولا أنظرَ اللَّذَّاتِ إلا تخيُّلا
ولا أستزيرُ الطُّيفَ خوفَ فراقِهِ ... لما ذقتُ من طعم التَّفرُّق أولا
وأقسِمُ لو جادَ الخيالُ بزورةٍ ... لصادفَ بابَ الجَفْنِ بالفَتْحِ مُقْفَلا
وما زلت أعاني القلق والسهر، وأكابد الأحزان والفكر، حتى برق عمود الصباح، وأعلن الداعي بحي على الفلاح، وظهرت بشائر الصبح الوسيم، وولى ونجي الليل وهو هزيم، وكأن الصبح في الأفق باز (نهاب)، والدجى بين مخلبيه غراب.
فلما ارتفع ضوء النهار، ودمعي وصبري قد سال وسار، ما رأيت حسناً إلا توهمتة الحبيب، ولا مروعاً إلا وخلته الرقيب، وأنا في حالة تسر الحواسدَ والأعداء وتسوء الأصدقاء والأوداء، وكلما تذكرت الحبيب تنفست، وكلما فطنت للرقيب أوجست:
أُقَضِّي نهاري بالحديثِ وبالُمنى ... ويجمعُني والهَمَّ باللَّيلِ جامحُ
نهاري نهارُ النَّاسِ حتَّى إذا بدا ... لي اللَّيلُ هَزَّتْني إليكَ المضاجحُ
أتذكر الحبيب فأصرخ وأصيح، وأستنجد الدموع فتسيل وتسيح، وصاحبي يلحاني ويردعني، ويهددني بالملامة ويصدعني، أقول له: لا تؤذني بنصحك وعذلك، فيقول: إني أحزن لثبوت جنك، ووثوب عقلك، فأنشد وقلبي ذاهل، وعقلي زائل:
مَنْ مُنصِفِي مِنْ عاذِلٍ جاهِلٍ ... يخونُ باللَّومِ لمنْ لا يخونُ؟
إنْ قلتُ: ما نصحكَ إلا أذى ... قال: وما عِشْقُكَ إلا جُنُونُ
فيقول: نعم، أنت مجنون في معرفتي وفهمي، أو كما ورد حبك الشيء يصمي ويعمي.
فقلت: ليس عجيباً جنون مثلي، وقد عدمت فؤادي وسلبت عقلي:
هَبُوني قد جُننتُ وضلّ عقلي ... فهل عجب لمثلي أنْ يُجنَّا؟!
ونحن معاشرَ العُشَّاق نرضى ... بما فرض الغرام لنا وسنَّا
إذا عبث الغرام بقلب صَبٍّ ... وأمسى لا يحنُّ فليس منَّا
نشدتُكَ أيها اللاَّحي روُيدا ... فقد أزعجتَ قلباً مُطمئَّنا
أُعيذكَ من صباباتي ووَجْدي ... ومن قلقي إذا ما اللَّيلُ جَّنا
هوىً لو أنَّ عَذْرَةَ أدْرَكَتْهُ ... لأنساها هوى قيسٍ ولُبنى
فقال لي صاحبي وهو يحاورني، وبالعذل والملام يبادرني: بالله أرجح عما أنت فيه من الخيال والخبال، ولا تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال.
فقلت: دعني بالله أيها الصاحب الصدوق، والناصح الشفوق، فإنني أخشى طول مدة الفراق وبعدها، فيا ليتني أراه نظرة وأموت بعدها:
أليس عجيباً أنَّني لا أراهم ... وأنَّ زماني بالفراق يفوتُ؟!
فيا ليت أنَّ الدَّهر جاد بُقربهم ... لعلِّي أراهم نظرةً وأموتُ
فقلد ذهبت مقلتي من السهر والعبرات، وأحترق قلبي بتصاعد الأنين والزفرات، وذاب فؤادي من لا عج الحب والغرام، وانتحل جسمي من تلاعب الضنى والسقام، فما لي سمير غير الهموم والفكر، ولا أنيس سوى الأحزان والسهر:
سَلُوا دُجى اللَّيل عن حالي وأخباري ... يحكي لكم سهري فيها وأفكاري
تُرى تَعُوُد ليالينا بذي سَلَمٍ ... لعلَّي أُقَضِّي لُباناتي وأوطاري
رُوحي الفداء لَمنْ باتت حواسده ... تثني على حُسْنه العاري من العار
تجمَّع الحُسْنُ فيه وهُو منُفرِدٌ ... بين البريَّة جَلَّ الخالقُ الباري
فقال لي صاحبي: قد رأينا من عشق وكتم، وأحب وتهتك، وهوى وألم، أنت قد أتعبت نفسك فيما لا يفيدك، وأردت من لا يحبك ولا يريدك، فإن كان بك جنون فخبرني، أو عشق فلا تكتم عني.
فقلت: إني لأحسد والله من يجتمع شمله بأحبابه، ويرقد مع محبوبه بعد إشعاله شموعه وإغلاق بابه، حتى تراني أحسد احتباك الثريا في السما، وأتواجد على الزمان إذ جعل وجوده عدما:
خليليَّ إنِّي للثُّريا الحاسِدُ ... وإنِّي على ريب الزَّمان لواجدُ
أيبقى جميعاً شملها وهي ستَّةٌ ... وأفقد من أحببتُهُ وهُو واحدُ؟!
ومازلت على مثل هذا الحال، من تواتر الحرق وتزايد البلبال، وقطع مسافة الليالي والأيام، واستبطاء ساعاتها التي هي أطول من القرون فضلاً عن الأعوام، أقاسي كل ساعة أطول من الحول، وأقتل نفسي حتى عدمت الجلد والقوة والحول، وأنتظر رحلة الأيام والليالي، وأنا أعظم من حر المقالي.
إلى أن دنا وقت الميعاد، وأطل يومه أو كاد، فبت تلك الليلة التي تسفر عن صباحه الأنور، وتنفس من نفحات الحبيب عن نفحات المسك الأذفر، أراقب النجوم وهي واقفة لا تتقلقل، وأشاهد الفلك وقد عطل من المدار فلا يتخلخل، وكان النجوم عيون طرقها الأرق والسهاد، وجفا أجفانها لذيذ الكرى والرقاد، وكان الكواكب شمع وقد وقد، والقطب إليها شاخص للرصد، وتراها مجتمعة ثابتة لا يزول اجتماعها وثباتها، وكأنها زهر روضة أريضة فاح زهرها ونباتها، فأي كوكب نظرت إليه وجدته مقيما لا يبرح عن مكانه، ومستقرأ لا يغرب ولا يعزب عن إخوانه، والثريا كأنها راحة تشبر الظلام، لا يزول بقيسها مسافة شهور، بل أعوام.
فكيف يرجى لليل العاشق بهذا الشرط زوال، وكيف لا يتمنى الوامق إشراق الغزالة لميعاد الغزال:
ألا رُبَّ ليل بتُّ أرعى نُجُومه ... فلا النَّوم وافاني ولا الجَفْن أغمضَا
كانَّ الثُّريَّا راحةٌ تشبر الدُّجى ... لتعلم طالَ اللَّيل لي أم تعرَّضَا
عجبتُ لليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يُقاس بشبرٍ كيف يُرجى له انقضَا
مع علمي بأن الصبع مات بليله الذي أظلم فيه وعسعس، وتحقق بأنه لو كان في قيد الحياة لكان تنفس:
لَّما رأيتُ النّجمَ ساهٍ طرفُهُ ... والقُطْبُ قد ألقى عليهِ سُباتا
وبنات نعشٍ في الحدادِ سوافِراً ... أيقنت أن صباحَهُم قَدْ ماتا
فبعداً لها من ليلة طال أمد عمرها، وأريت على شهرها وحولها ودهرها، وشكراً لها إذا كان يومها موعداً للوصال والهنا، وسلماً إلى بلوغ الآمال والمنى.


(1/42)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتاب: لوعة الشاكي ودمعة الباكي
المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: 764هـ)
ضبط وشرح وتصحيح: الأديب الأستاذ الشيخ محمد أبو الفضل محمد هارون
 
تابع

فلم أزل أحييها وجداً وغراماً، وتميتني تذكراً وهياماً، إلى أن كاد الظلام يشف لونه الحالك، ويتبسم ثغر صبحه الضاحك، وبدت أعلام الصباح منشورة الرايات، وسطعت أنوار النهار منصورة الآيات، وأقبل الفجر مؤيداً منصوراً، وولى الليل مهزوماً ومكسوراً، وبدا صاحب الغزالة مشرق الأنوار، وفرق من شعاعها سبائك الذهب على سائر الأشجار:
كأنَّ شُعاعَ الشَّمسِ في كُلِّ غَدْوَةٍ ... على ورقِ الأشجارِ أوَّلُ طالعِ
دنانيرُ في كفِّ الأشلِّ يضمُّها ... لقبضٍ فتهوي من فُرُوج الأصابعِ
فنهضت أسابق رجح البصر، مسارعا إلى ميعاد ذلك القمر، واستصحبت معي ذلك الصديق الصادق، والرفيق المرافق.
فوصلنا إلى ميعاد جالب الأرق والهموم، وفاضح شمس النهار ولا أرضى أقول القمر فضلاً عن النجوم، وأنا أرسب في الفكر وأعوم، وقلبي يتململ ويتقلقل ويقعد في الوجد ويقوم، فوصلنا إلى المنتزه الأنيق، والمحل الذي هو باللطافة والمحاسن خليق، فما وقفنا على عين ولا أثر، ولا ظفرنا بحس ولا خبر، بل الماء يجري ويتوجح بخريره، والنواعير تئن لنواح بلبله وشحروره.
فأجرى من النواحي نوح النواعير دمعي، فأطرقت للماء طرفي وأصغيت للدولاب سمعي، وأنا أتعجب من تلك الناعورة المذعورة الحائرة، وأنظر الماء فوق كتفها وهي عليه دائرة.
فعلمت أنها تئن من لوعة الفراق لما فقدت قرينها، فجعلت تعلل قلبها بلقائه، وتدير في الماء عيونها، كأنها تذكرت حالها وهي غصن يفهم التمايل ويدري، فغدت كلها عيوناً على عهد أيام الصبا تجري، فصارت تعد من العجائب، إذ تسير من غير مفارقة موضعها، إذ لا رأس في جسدها، وقلبها ظاهر وعيونها في أضلعها:
وناعورةٍ قد ضاعفت بنُواحها ... نُواحي وأجرت مُقلَتَيَّ دُمُوعَها
وقد ضعفتْ مَّما تئنُّ فقد غَدَتْ ... من الضَّعف والشَّكوى تَعُدُّ ضُلُوعها
والحمائم تبكي على موائس الأغصان في الرياض، وتذري دموع الخمول في تلك الخمائل والغياض، فقاسمتني الغضا قسمة شوهت خلقي وإنشائي، فجعلت غصونه في راحتيها وجمرة في قلبي وأحشائي:
أحمامَةَ الوادي بمُنعرج اللِّوى ... إنْ كنتِ مُسعدة الكئيب فرجِّعي
فلقد تقاسمنا الغَضَا فغُصُونه ... في راحَتْيكِ وجمره في أضلُعِي
وجعلت أخاطبها بلسان الشكوى والغرام، وأغامزها بعين البلوى والهيام، وهي تطارحني الأحزان والأشجان، وتأتي من الألحان بالفنون على الأفنان، فخاطبتها بلسان حالي الحالي، وأنشدتها بلسان مقالي أتعرض للقالي:
أحمامَةٌ فوقَ الأراكةِ بيِّني ... بحياة مَنْ أبكاكِ ما أبكاكِ؟
أما أنا فبكيتُ من ألم الجوى ... وفراق مَنْ أهوى فأنتِ كذاكِ
وناحت فنحت بنواحها على الغصون، وأحزنتها بتصاعد الزفرات وفيض الشؤون، فصار بيني وبينها نسبة بالبكاء والأحزان، وود وإخاء، إذ كل منا يبكي على الأغصان:
رُبَّ ورقاَء هَتُوفٍ في الضُّحى ... ذات شَجْو صَدَحَتْ في فَنَن
ذكرتْ إلفاً ودهراً ماضياً ... فَبَكَتْ حُزْنَاً فَهَاجَتْ شجني
فَبُكَائي رُبَّما أرَّقَهَا ... وبكْاها ربُمَّا أرَّقني
ولقد تشكو فما أفهُمَها ... ولقد أشكو فما تفهمُني
غير أنَّي بالجَوَى أعرفُهَا ... وهي أيضاً بالجَوَى تعرفُني
أتراها بالبكاء مولعةٌ ... أم سقاها البينُ ما جرَّعَنِي
فجلسنا ننتظر الوعد من الحبيب، وقلبي قد تقطع من البكاء والنحيب، فقال لي صاحبي: أنا أتوجه إلى محبوبك لتقديم قصتك، وأجتهد في تفريج همك إن شاء الله وغصتك، وأستنجزه الوفاء بالميعاد، والله المستعان وعليه الاعتماد، وآتيك به أو بالجواب، وأفوز بالأخر في الجمع بين الأحباب.
فقلت: لمثل هذا اليوم ادخرتك صديقاً وصاحباً وحميما، ولمثل هذا اليوم أعددتك شغوفا ظاعناً ومقيماً، فتوجه إليه، وبالغ في الخطاب، ولطف الألفاظ وسدد الجواب، وتوسل إلى المراد والمرام، فمثلك لا يدل إلاَّ على صواب، واستمنحه الوفاء، فهو غاية المقصود والأمل، وأوجز في المقال فحبيبي عنده ملل، وأنت - بحمد الله - ذو فطنة ورتبة ودراية، وصاحب توسل ودرية وولاية:
فيا رسولي إلي مَنْ لا أبوحُ به ... إنَّ المهمَّاتِ فيها يُعرَف الرَّجلُ
بَلِّغْ سلامي وبَالغْ في الخطاب لهُ ... وقَبِّلِ الأرضَ عِّني عندما تصلُ
بالله عَرِّفْهُ عنِّي إنْ خلوتَ به ... ولا تُطِلْ فحبيبي عنده مَلَلُ
وتلك أعظمُ حاجاتي إليكَ فإنْ ... تنجحْ فما خابَ فيكَ القصدُ والأملُ
ولم أزلْ في أموري كُلَّما عرضتْ ... على اهتمامك - بعد الله - أتَّكِلُ
فالنَّاس بالنَّاس والدُّنيا مكُافأةٌ ... والخير يُذكَرُ والأخبارُ تنتْقِلُ
فتوجه صاحبي إلى المحبوب بالرسالة، وتركني في البستان على أسوء حالة، فمشيت في جوانب ذلك الروض الأريض، وأنا في الهم الطويل العريض، فما نظرت نرجساً إلى وقلت هذا طرف الحبيب الناعس، ولا رأيت غصناً إلا ذكرت قده المائد المائس، ولا ورداً إلا قطعت بأنه خده الناعم، ولا أقحواناً إلا وتحققت بأنه ثغره (الأشنب) الباسم.
وبقيت أجول في تلك الرياض وأطلب الخلاص، وأنى لي بذلك ولات حين مناص، وألوم نفسي تارة وأعذرها أخرى، وأستنصر الصبر فلا أبصر له نصراً.
وكلما ذكرت الحبيب ذبت (في) مكاني، وكلما عانيت مكانه تضاعفت أحزاني، وسال دمعي في تلك العراص والرحاب، وجاد بما لم يكن في حساب الحساب، فكففته تجلداً فما كف، وسمته وقوفاً فوقع وما وقف، وأردت الإنكار فخالف واعترف، وتكرم وهو سائل حتى كأنه من لجة البحر اغترف:
أرى آثارَهُم فأذوبُ شوقاً ... وأسكبُ في مواضعهم دُمُوعِي
وأسألُ مَنْ بفُرْقَتهم رماني ... يمُنُّ عليَّ يوماً بالرُّجُوعِ
كل ذلك وأنا ذاهب ذائب، ونادم ونادب، متضلع من ماء جفني الساكب، متطلع إلى سرعة عود الصاحب، لا أستقر بمكان واحد، ولا أظفر بمساعف ولا مساعد، بل تارة أستكن وأتجلد، وتارة أنشد وأتنهد:
إنْ تَّم ما جاَء رسولي به ... غفرتُ ما أسلفَهُ الدَّهرُ
وإنْ وفى الحبُّ بميعاده ... وباتَ عندي ولهُ الأمرُ
سمحتُ بالنَّفْس جزاءً لهُ ... إذْ لا يُؤدِّي حقَّهُ الشُّكْرُ
وأنا في ذلك على أعظم من حر النار، من طول التطلع والترقب والانتظار، وأستنشق ريح الصبا من جهة المحبوب، وأستبشر بريحه مع ريحه حتى كأنني يعقوب، وأسر حتى بالطيف من رؤياه، وأقنع حتى بالريح من هواه:
أستودعُ اللهَ أحبابي الذين نَأوا ... وخلَّفُوني في نيران تبريحِ
أستنشقُ الرِّيح من تلقاء كاظمةِ ... لقد قنعتُ من الأحباب بالرِّيحِ
كل هذا وعيني تجود وتجول، وأنا متطلع إلى عود الرسول، وإذا به قد عاد فريداً كثيبا وحيداً مبعداً، يموج تارة، وتارة يترنم، ويبكي تارة، وتارة يتبسم.
فحين رأيته على هذا الحال، ليس معه بدر ولا غزال، وقعت على الأرض من قامتي، وقامت في تلك الساعة قيامتي، لكن طاب قلبي لما بدا متبسماً، وسكن جأشي لما بدا مترنما.
فقمت مبادراً له وإليه، وعكفت إلى تقبيل كفيه وعينيه، وقلت له: بين لي حقيقة أمرك، ودلني على خبرك وخيرك، فدتك روحي أين الحبيب؟ خبر، فعهدك به قريب، واشف قلباً ضاق به الفضاء الرحيب، وجفنا أغلقه البكاء والنحيب، وفي هذا اللفظ العجيب، والمعنى القريب:
مَنْ رآني قَبَّلْتُ عينَ رسولي ... ظنَّ أنَّ الرَّسول جاء بسولي
إنَّ عيناً تأمَّلتْ ذلك الوجهَ ... أحقُّ العُيُون بالتقّبيل
إنَّما حين قالَ أبصرتُ مأمون ... لَكَ قَبَّلْتُ مَنْ رأى مأمولي
نبئني ما الخبر؟ وأين النجم، بل القمر؟ وما فعل البدر وغصن النقاء؟ ومتى يدنو المزار ويحصل اللقاء؟ وما هذا الوجوم الذي يعتريك؟ وما الذي يضحكك تارة وتارة يبكيك؟ قل ولا تكتم فتيلا ولا نقيرا، وأعد حديثك، وكرره تكريرا:
كَرِّرْ حديَثكَ قد تَضَوَّعَ ريحُهُ ... مسكاً وطابَ على السَّماعِ صحيحُهُ
وأَعِدْهُ حَّتى يشتفي من طيبهِ ... مُضني الفُؤاد وصَبُّهُ وجريحة
وحديثُكَ المرفوعُ صِلهُ بمسمعي ... فعساه من ألم الفراق يُزيحُهُ
وعساه يقطع مُرسلاً من أدمعي ... ويزيلُ مُعضِل علَّتي وتريحُهُ
لو كنتَ تروي مُرسلاً من لوعتي ... لرويتَ منه ما يطولُ شُرُوحُهُ
إنَّي امرؤٌ في الحُبِّ فَرْدٌ شأنه ... قد مَسَّني وأضرَّني تبريحُهُ
خيَّم على الحُبَّ حَّتى أنَّني ... لخليلُهُ وكليمُهُ وذبيحة
فقال: توجهت من عندك إلى مكانه، فوجدته جالساً بين إخوانه، وأترابه الأتراك، الناصبين لمثلك شرك الأشراك، فعلم أني رسول منك إليه، فرمقني بطرفه وغمزني بعينيه، ففهمت المقصود فجلست ساكتاً، وبقيت في تلك المحاسن واللطافة باهتاً، فلم أتمكن من الكلام سوى بالحواجب والعيون، ولم أحادثه سوى بإشارة الأصابع وغمز الجفون:
غَمَزْتُهُ بناظري ... ولم أفُهُ بكلمة
أجابني حاجُبه ... لكنْ بُنون العَظمَة
ولم أزل على هذه الحالة مقيماً هناك، وأنا مجتهد على العود فيما فيه مناك وهناك، فالتفت إليه أترابه الأتراك، الناصبون لمثلك أشراك الأشراك، وقالوا: لابد من اصطيادك معنا هذا النهار، والتنزه بالسرحة إلى المساء والمسار.
فقال: أجدني لا نشاط لي في الركوب اليوم، ولا غرض لي في السرحة أيها القوم.
فقالوا: والله لابد من الركوب معنا هذه الساعة، فانهض ولا تتوان فيد الله مع الجماعة، فأنت واصل حبلنا، وجامع شملنا، وأنت بدرنا، ونحن كواكبك، وأنت أعيننا، ونحن حواجبك، فإن سرحت شرحت بطلعتك الصدور، وإن تخلفت كدرت الورود والصدور، فأجبرنا معشر المماليك، أيها المالك، فو حياة رأسك لا بد من ذلك.
فلم يمكنه إلا إجابة سؤالهم بالقبول، وأجراهم منه على خلق ألطف من نسمات القبول، فشد حياصته وقلبي يتقطع ويذوب، وقدم أليه جواده الأشقر للركوب، وتحين غفلتهم وأتاني، وحياني فأحياني.
وقال: مرحباً بكَ وأهلاً، ورعياً لكَ وسهلاً، فتعظيمك واجب لمرسلك الميتم، وأكرامك متعين ولأجل عين ألف عين تكرم:
أُجازي على العَين لأنَّهُ ... لعينِ تُجازى ألف عينٍ وتُكرَمُ
سلمْ عليه من جهتي أبلغ السلام، وعرفه ما عندي من الشوق والغرام، وأنتي لا أختار عنه عوضاً وبديلاً، ولا أتخذ غيره صديقاً وخليلاً، فجزاؤه أن يراعي جانبه ويواصل، ويناضل عدوه ويفاضل، فهو فينا محب، ونحن فيه أحب، وما جزاء من يحب إلا أن يحب.
لا تنس محافظته على العهد والوداد، ولذلك لا أخلف الميعاد، فدعه ينتظر بالمكان المذكور فأنا أحرص منه على الإتيان والحضور، وليكن المكان خالياً من الأكدار، صافياً من الرقباء والأغيار، لا يشير إلينا سوى المنثور بإصبع وكف، ولا يرمقنا سوى عيون النرجس المضعف، ولتكن أنت معه في هذا المكان، فنعم الرجل أنت أيها الإنسان.
وأنَّى أتوجه من البستان إلى داره، وأرضيه جهدي وأداره، وأفوز بم نادمته ومفاكهته، وأشاركه في شرابه وفاكهته، وأسقيه طوراً بفمي وطوراً بالأقداح، وأشفيه بسقام عيوني المراض الصحاح، وأحييه بمشاهدة جبيني المشرق الوضاح، وأبيت في صدره معانقا من المساء إلى الصباح، فهل يجب علي أكثر مما ذكرت، وهل يطلب مني فوق ما أشرت؟!
فقلت له: لقد جاوزت الحدود في الأوصاف، وأنصفت غاية الإنصاف، فلم أملك إعادة الجواب، ولا أطلت له بعدها في الخطاب، وسبقت إليك فوح النسيم؛ لأبشرك بطلوع الشمس في الليل البهيم، فقم على قدميك، وتلق بالترحاب من قدم عليك، وأنشد الأبيات والأمثال، في وصف هذا الحال:
أهلاً وسهلاً بكَ من زائرٍ ... يُخجل نورَ القمر الباهرْ
أهلاً وسهلاً بكَ من مُؤٍنسٍ ... ينظر عن ظرف الرَّشا النَّافرْ
رَدَدْتَ بالقُرب زمانَ الصّبا ... وطيبَ عيش السَّالف النّاضرْ
وعيشة ولَّت على حاجرِ ... جاد الحيا السَّكب ربُى حاجرْ
فكدت أطير فرحاً وسروراً، ولو لم أتماسك لصرت مثلاً مشهوراً، وتضاعفت محبتي لصديقي، وصار أنفس من نفسي فضلاً عن شقيقي، وعذُبَ كلامه في مسمعي وحلا، وأزال عن القلب الهَمَّ وجلا، وهزني وأطربني بطيب حديثه، وأنساني ما لقيت من قديم النصب وحديثه:
رسولَ الرِّضا أهلاً وسهلاً ومرحبا ... حديثُكَ ما أحلاهُ عندِي وأطيَبا
ويا مُحسناً قد جاَء مِنْ عِنْدِ مُحسنٍ ... ويا طَيِّبَاً أهدى مِنَ القَوْلِ طيَّبَا
ويا حاملاً مَّمنْ أُحبُّ سلامَهُ ... عليكَ سلامُ الله ما هَبَّت الصبَّا
لقد سرَّني ما قد سمعتُ من الرِّضا ... وقد هَزَّني ذاك الحديثُ وأطرَبا
وبَشَّرْتَ باليوم الذي فيه نلتقي ... ألا إنَّه يومٌ يكونُ لَهُ نَبَا
ستكفيكَ مِنْ ذاك الُمسمَّى إشارةٌ ... ودَعْهُ مَصُونَاً بالجمال مُحجَّبَا
أشِرْ لي بوصف واحد مِنْ صفاتِهِ ... تكنْ مثل مَنْ سمَّى وكَّنى ولقَّبَا
فقال لي صاحبي: إن سيوف المحبة تكلم القلب ولا تؤلم، وقد سررت بهذا الكلام، ومن سر فليولم، فاخلع لي ما عليك بشارة بالفرح والفرج، فقد أتيتك بميعاد سالب القلوب والمهج.
فقلت له: والله لا أرضى بخلع قلبي عليك بأجمعه، إذ به جعلتني أهلاً لمن لم أكن
أهلاً لموقعه:
أهلاً بَمنْ لم أكُنْ أهلاً لموقِعِهِ ... قول الُمبشَّر بعد اليأس بالفرجِ
لكَ البشارةُ فاخلعْ ما عليكَ فقد ... ذُكِرْتَ ثُمَّ على ما فيكَ من عَوَجِ
هذا؛ وقد كنتُ أجتهد في إصلاح منزلي جهد الطاقة، ولم يصدني عن قصد البيت والقاعة عاقة، وهيأت جميع المشروب والمشموم، والظاهر والمكتوم، وحرصت على تحصيل الموجود والمعدوم.
فبينما نحن في تلك الحالة التي هي بالوعد هنية، والعيشة التي هي بالانتظار رضية، وإذا بجانب الروض قد أشرق بالأنوار، وتمايلت عجبا أغصان الأشجار، وغنت طرباً صوادح الأطيار، فرمقنا ننظر السبب الموجب لذلك، وما هذا العنبر الذي ضوع المسالك؟!
فإذا الحبيب قد صدق في الميعاد، وأقبل يتمايل بقده المياد، وبدا يرفل في حلل الملاحة، وشمس وجهه مشرقة في سماء الصباحة، والمحاسن تنشر في غلائله، والملاحة تقطر من شمائله.
فحين رأيته من بعيد وهو مقبل، قلت لدمع السرور: أهمل أيها الدمع، ولا تمهل:
بكيتُ وقد بدا لي من بعيد ... يلوح بوجنَتْيهِ الجُلَّنارُ
ففي خدَّيْه نارٌ وهي ماءٌ ... وفي عينيَّ ماءٌ وهي نارُ
فدفع إلي من الفرح دفعات، وصرت في الأحياء بعد أن كنت في الأموات، وعاد القلب في مستقره بعد القروح، وطاب الجسد وطار حين عادت فيه الروح، وقمت مبادراً له وإليه، واضعاً حر وجهي مكان قدميه:
وقمتُ أفرشُ خَدَّي في الطَّريق لهُ ... ذلاً وأسحبُ أذيالي على الأثَرِ
فهمت عند مشاهدة جماله، وقد شغلني حسنه عن السلام عليه وسؤاله، فوقفت مبهوتاً ذاهلاً، وقد أصبح دمعي باقلاً، فابتدرني بالترحيب والتسليم، وقابلني بالتبجيل والتعظيم:
وحَّيا ثُمَّ لاحظني دلالاً ... بوجهِ غزالةٍ وعُيُون ريمِ
غزالٌ كالصَّريم لهُ جبينُ ... يهيمُ بحُبُه قلبُ الصَّريمِ
لهُ قلبٌ كأنَّ الصَّخرَ منهُ ... ويحسدُ خصرهَ مَرٌّ النَّسيمِ
بَدِيعُ ملاحةٍ يصبو إليه ... بأوَّل لمحةٍ قلبُ الحكيمِ
لهُ خصرُ وطرفٌ مثل جسمي ... سَقيِمٌ في سقيمٍ في سقيمِ
ثم رمقني بطرفه الصحيح السقيم، وابتسم عن ثغر يفضح الدر النظيم، ثم شرع في تقبيل يدي بالإشارة، فسلبني بذلك فصيح اللفظ والعبارة.
فقلت لهُ: لقد أضحى غرامي فيك لي غريماً، وأمسى قلبي وحزني ظاعناً ومقيماً:
غرامي فيكَ قد أضحى غريمي ... وهَجْرُكَ والتَّجنِّي مُستطابُ
كذا بلوى مَلا لُكَ لا لذئبٍ ... وقولكَ ساعةَ التَّوديع طابوا
ثم قال: بالله عليك كيف وجدت نفسك بعدنا؟ وهل عندك من الشوق كما عندنا؟ وهل أحسنت تلقينا؟ وليتك لقيت من الصبابة كما لقينا، وكيف صرت حين قدمنا؟ وهل عدمت الجلد كما عدمنا؟ أم قتلك الوجد فأخرس لسانك، وغلبك الهوى فسلبك بيانك؟ خبرني عن أصل ضمائرك، واشرح لي كنه سرائركَ.
فأنشدت وقلبي طائحٌ وطائر، وعقلي حائم وحائر، ووجدي جائد وجائر، وطرفي ساهد وساهر، ودمعي سائل وسائر:
لم أنسَهُ لَّما بدا متُمايلاً ... يهتزُّ من طيب الصّبا ويقولُ
ماذا لقيتَ من الجَوىَ فأجبُتهُ ... في قصَّتي طُولٌ وأنتَ مَلُولُ
فتبسم عن نظيم الدر المكنون، ورمقني بعين تحار فيها العيون، وقال: والله، إن غيرك لا يراع ولا يراد ولا يرام، وأنت عندي لا تضاع ولا تضار ولا تضام، ولمثل ودك لا يقاس ولا يقال ولا يقام، ولمثل سرك لا يذاع ولا يزال ولا يذام، فإن صدقت قول الوشاة فماذا منك بجميل، وإن زعمت بأني مللت حديثك، فبالله، قل لي إلى من أميل:
صَدَّقْتُمُ قولَ الوُشاةِ وقد مضى ... في حُبّكم عُمري وفي تكذيِبها
وزَعَمْتُم أنَّي أمَلُّ حديثكُم ... مَنْ ذا يملُّ من الحياة وطيبِها
أما أنا، فشوقي إليك متزايد، ونفسي لبعدك متصاعد، ولومي بعد بعدك طويل، ونومي من بعد غيبتك قليل، ما أتيتك إلا وقد ضاق صدري من الفراق، وسئمت من سيل الدمع المهراق، فلو علمت ما بي لعجلت نحوي المسير والسباق، وأتيتني كسرعة البرق، ويجل هنا ذكر البراق:
فَدَيْتُكَ لولا الحُبُّ كنتَ فَدَيْتَني ... ولكنْ بسِحْرِ الُمقلَتَيْن رَمَيْتَني
أتيتُكَ لَّما ضاقَ صدري من الهَوَى ... ولو كنتَ تدري حالتي لرَحِمْتَني
إيه، وكيف صبرك بعد فراقي؟ وكيف حالك بعد ركوبي وانطلاقي؟ وهل رزقت مناما هجرناه، أو عرفت قراراً أنكرناه؟ وهذه الجملة والتفصيل، والاختصار أولى عندي من التطويل.
فإن أنكرت دعواي، فاستفت قلبك فهو عارف، أو استقللت دمعاً فشاهد دمعك الدافق الذارف، وهاأنا تحت أوامرك ونواهيكَ، فاحكم - فديتك - حكم المالك على المماليك، لكن؛ اصدقني، عل حلت عن مودتك الصافية، وتغيرت عن محبتك الوافرة الوافية؟ وهل رجعت عن محبتك الصادقة؟ وهل قامت السنة السلو إليك ناطقة.
فقلت وقد أزعجني بهذا الكلام، وذاد عن جفني لذيذ المنام:
لا والذي سَمَكَ السَّماء بأمره ... قَسَمَاً وتكفي هذه الأقسامُ
ما حلت عن ذاك الوداد وإنَّه ... بَاقٍ له عند الممات دوامُ
فقال: اتبع الحق في هذا المقام والمقال، ولا تكن ممن حال عن ذا الحال في الحال، وقم بصبابات الهوى في، لترشف كؤوس الراح من في، ولا يصدنك عن ذاك هجر وصدود، واصعد للجو في الجوى لتنال السعود في الصعود.
فقلت: لا تتعب نفسك في الوصية بالغرام، فإنني قائم في الصبابة والهيام أتم قيام، فإن لم أقم بذلك، فلا حظيت ببرد ثناياكَ وطيب ثنائك، ولا فزت ببرد رضابك وحلو رضائك:
إنْ لم أقم بصبابات الهوى فيكا ... فلا ارتشفتُ كُؤُوس الَّراح من فيكا
فيا مُريقَ دمي من غير ما سببٍ ... ها قد رضيتُ به إنْ كانُ يرضيكا
لم يُبْقِ هجرُكَ لي صبراً ولا جَلَدَاً ... ولم يَدَع فيَّ كتماناً يجنيكا
يا قلبُ إيَّاكَ أنْ تهوى سوى أملي ... أرقيكَ أرقيكَ باسم الله أرقيكا
فإنْ أَضَلَّكَ منهُ ليلُ طَّرته ... فَصُبْحُ غرَّتِهِ الوضَّاح يهديكا
يميلُ غُصنُ النّقا إنْ مال مُنعطفاً ... وإنْ رنا لفتات الظَّبي يعطيكا
يا ثغرَهُ كان دمعي أبيضاً يَقَقَاً ... فَبَدَّلَتْهُ يواقيتاً لآ ليكا
وأنتَ يا خصرَهُ أعديتَ سقمكَ بي ... حقَّاً لقد صرتُ بالي الجسم منهوكا
وبِتَّ تلدغُ يا ثعبانُ طرَّته ... قلبي فيا ليتَ أنَّي بِتُّ حاويكا
يا فِتْنَهً لو وقاني الحُبُّ وقعتَهَا ... ما كان سرَّي بعد الصَّون مهتوكا
فلا تَسَلْني عن وَجْدي وعن قَلَقي ... بَلْ سائِلِ الدَّمْعَ إنَّ الدَّمْعَ يُنبيكا
هذي دمُوُعي على حالي متُرجمةٌ ... وهذه ألسنُ الشَّكوى تُناجيكا
فقال: صدقت أيها الصب الوامق، والمحب الصادق، لكن؛ مع وجود المحبوب تسرع القلوب في توددها وتقربها، وفي غيبته ترجح إلى تنفرها وتجبنها، وهذه عادة القلوب في تعنتها وتعتبها، وما سميت القلوب قلوباً إلا لتقلبها.
فقلت له: لساني يقصر عن محاجتك عند حضورك، ويطول في غيبتك بما أنت عليه من أمورك، فلا يمكنني أن أتظلم وأنت لي ظلوم، والله يعلم الظاهر من المكتوم:
حُجَجي عليكَ إذا خلوتَ كثيرةٌ ... وإذا حضرتَ فإنَّني مخصومُ
لا أستطيع أقولُ أنتَ ظَلَمْنَي ... واللهُ يعلمُ أنَّني مظلومُ
فقال: تزعم أنك مظلوم وأنا ظلمتك، وأنك مسلوب وأنا سلبتك، وتدعي أني خال من الأشجان والهموم، وناء عن الأحزان والوجوم، وقد حلفت لك ألف يمين، وتزعم أني في اليمين غير أمين، فإن كنت عندك غير صدوق، وممن لا ترعي لديه الحقوق، رجعت من حيث أتيت، ولا يضمني وإياك - ورب البيت - بيت.
فامدد يدك أقبلها للوداع، وأذيقك حرارة الفراق بعد لذة هذا الاجتماع، ولا تطمع مني بعدها في الوصال.
فقلت وقد تقطع قلبي بهذا المقال ورماني بما هو أشد من وقع النصال: بالله، لا تمل علي مع الزمان الغادر، ولا ترم بسهم بعادك فؤادي الطائر، فلقد عجبت من صدودك والجفاء، من بعد ذاك الوداد والوفاء، حاشا شمائلك اللطيفة أن ترى علي عونا، وحاشا أخلاقك الشريفة أن تكون لوناً وتصير لونا:
إنَّي لأعجبُ من صُدُودكَ والجَفَا ... كم بعد ذاك القُرْبِ والإيناسِ
حاشا شمائلكَ اللَّطيفة أنْ ترى ... عوناً عليَّ مع الزَّمانِ القاسي
فقال: والله، لقد ندمت على حضوري إليك، وعلى إنجاز الوعد بالعطف عليك، لأن باطنك غير سليم، وحبك غير ثابت ومقيم.
فقلت: لا تنسبي إلى عدم المودة، واستفت قلبك، فلا تتهمني، فوالله، لا أسلو هواك وحبك، فيا ليت قلبك مثل عطفك، ويا ليت ودك مثل ردفك، فبالله، ارحمني، فقد صرت من الشفا على شفا، ولا تبدل حلاوة الود بمر الجفا:
لو كان قُلبكَ مثل عطفكَ ليَّنا ... ما كنتُ أقنعُ من وصالكَ بالُمنى
لكنَّ خصرَكَ مثل جسمي ناحلٌ ... وكلاهما متُحالفان على الضَّنى
يا هاجري ظُلْمَاً بغير جنايةٍ ... ما هكذا شرط المحَّبة بينناَ
قَّيدْتَ طرفي مُذ تسلسلَ دمعُهُ ... وجستَ نومي فالأسيرُ إذاً أنا
لا تحمِ قَدَّكَ عن حنايا أضلُعي ... كم لذَّةٍ بين الحَنَا والُمنحنى
علَّمتني كيفَ الغرام ولم أكن ... أهوى الهوى فرأيتُ صعباً هيَّنا
فقال: يهون إن شاء الله ولا يصعب، ويرغب القلب في الاجتماع ولا يعزب، ويطلع بدر اللقاء في أفق الوصال ولا يغرب، ويبيت قمرك في صدرك ولا يغرب، فلم أعاتبك إلا من باب اللعب والمجون، وإن اتخذت صاحباً سواك إني إذاً لمجنون، فوالله، ليس في قلبي محبة لسواك، وإن أظلمت بالفراق صباحك لأشرقن بالوصال مساك، وقد كابدت أيها الصب الصبابة، ولم أصرح وعندي من الصبر لبابه:
ألِفنا التَّجا في واطمأنَّت قُلُوبنا ... عليه وهذا آخر العهد بالصَّبرِ
وإنْ واصلَ المحبوبُ وارتفعَ العنا ... وطالَ زمانُ الوصل لاشتقتُ للبحرِ
فلما سمعت در كلامه، وفهمت رونق نظامه، زاد وجدي وغرامي، وتضاعف حنيني وهيامي، وكدت أطير من الفرح والسرور، وكاد فؤادي يلحق بملحقات الطيور.
فقلت: يا قرة العين الساهرة، وقرار القلوب النافرة، شفيت نفساً أشرفت على التلف، وأنعشت قلباً أودي به وارد الأسى والأسف، ورفعت أملا كان في الحضيض فنال الشرف، وأحييت روحاً أماتها الهجر والصدود، ونفساً لازمها الهم فلا يجوز أن يجوز عليها ولا يجود، فاستدركت ما بقي من رمقها، وخلصتها من لوعاتها وحرقها، وسقيتها، فعادت مخضرة الأوراق يانعة الأزهار، متمايلة بنسمات الوصال وقرب المزار:
لَّما رأيتُ الوَجْد قد شَفَّني ... وخانني من بعدكَ الصَّبرُ
مَنَنْتَ بالوصل على مُغرمٍ ... ذاب اشتياقاً فلكَ الأجرُ
فقال: خلنا من زخرف الأقوال، فلك المنة علينا في جميع الأحوال، وقم بنا إلى الدار، وأخلها من الرقباء والأغيار، وحظي في ذلك أوفي وأوفر، ونصيبي منه أقوى وأكثر، فاستعد لوصالي، فنعم البدل أنا من خيالي، فقد تبلج الليل الدامس، وابتسم ثغر الدهر العابس، وحضر الحبيب وغاب الرقيب، وقهقه العيش بعد القطوب، ولم تبق حاجة في نفس يعقوب، فقم بنا فدتك النفس، فقد أقبل السعد وولى العكس.
فأمرت صاحبي بالوجه إلى الدار، لترويق العقار، وتزويق العقار، ومشيت أنا والحبيب معا، والسعد قد أقبل نحوي وسعي، فوصلنا إلى المنزل وقت الغروب، وقد زال ما على القلب من الغم والكروب، فأضاه الأفق من سنا نوره، وسلب الليل لباس ديجوره:
فو اللهِ ما أدْرِي أأحلامُ نائمٍ ... ألَّمتْ بنا أم كان في الرّكب يُوشَعُ
فحيين رأيت المحبوب قد حصل، وخضاب الفراق قد نصل، بكيت بدمع أجراه الفرح والجذل، وأطلقه السرور فسح وهمل.
فقال: ما هذا البكاء والنحيب، وقد عالج الداء الطبيب، وغاب العاذل والرقيب، وحضر المحب والحبيب:
فأجبُتهُ لَّما رأيتكَ زائري ... وسمحتَ لي بعد النَّوى بتداني
طَفَحَ السُّروُرُ عليَّ حتَّى أنَّه ... من عِظَمِ ما قد سرَّني أبكاني
فدخلت أمامه الدار، ونعمت عيشا بالجار، وكدت أطير في المساء بالمسار، حتى شممت درك الأماني والأوطار، فجزيته خيرأً إذ جبرني بمزاره، وبقيت أقبل يده، وأمسح خدي بسقيط غباره، وبهت في لطفه الذي عليه منه أغارني، ونوه بذكري وإلا فمن أنا حتى تعني وزارني؟:
جزى اللهُ بعضَ النّاس ما هُو أهلُهُ ... وحَيَّاهُ عني كُلَّما هَبَّتِ الصَّبَا
حبيبٌ لأجلي قد تعنَّى وزارني ... وما قيمتي حتَّى مشى وتعذَّبا
وفي لي بوعد مثلهُ من وفي به ... ومثلي فيه عاشقٌ هام أو صبا
فأنقذَ عيناً بالدُّمُوع غريقة ... وخلَّصَ قلباً بالجفاء مُعذَّبا
سأشكرُ كُلَّ الشُّكْر إحسان محُسن ... تحَّيل حتَّى زارني وتسبَّبا
فلما استقر به المجلس أعجبه تركيبه، وراقه أرجه وطيبه، فقدم لنا الأكل على خوان الإخوان، عليه من الأطعمة ألوان، وناهيك بخوان قد أعجز في وصف ما عليه فصاحة الألسن، وجمع من المآكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، والاختصار أولى عندي من وصف الطعام، لأن الأكل أقل من أن يطول فيه وصف وكلام.
حتى إذا مد الليل رواقه، وألقي في بحر االجوزاء أطواقه، أشعلنا شموع الكافور عليها من فتات العنبر حباب، فغدت تلك الشموع يبدو منها لعبير عنبرها التهاب، وتشير إلى الدجى بلسان أفعى فيشمر ذيلة طلباً للذهاب:
وصَحِيحَةٍ بيضاَء تطلعُ في الدُّجى ... صبُحاً وتشفي النَّاظرين بدائها
شابتْ ذوابئها أوانَ شبابها ... واسودَّ مفرقها أوانَ فنائها
كالعين في طبقاتها ودمُوُعها ... وسوادها وبياضها وضيائها
ثم أحضرت أنواع الرياحين، وتفاءلت في الجمع بين الورد والياسمين، وفرشنا سفرة المدام، فتحرقت نحوها أحداق الأقداح بعد فتح المسام، فقالت بلسان الحال فأغربت، وأفصحت عن لسان القال وأعربت:
انظرْ إليَّ تراني سفرةً بديعةً ... وأنْ تُرِدْ وصفي فمهما شئتَ قُلْ
وجهي طليقٌ وانبساطي زائد ... يا ضيفِيَ ادخُلْ وانبسطْ واشربْ وكُلْ
ثم أتينا بسلاف أرق من الماء، وأجرى من الهواء، وأنور من اللهب، وأحسن من
الذهب، وأسلس من النسيم، وأشد إشراقا من الشمس قبل المغيب، وأرق من دين المحب، وخصر الحبيب:
أقول له قدْ رقَّ عيشي والصِّبا ... وخمري وكاساتي وصوت الذي غنَّى
فقال الذي أهوى: وخصري نسيتَهُ ... فقلتُ له: والله قد جئتَ في المعنى
وتضاعفت المسرات بوجود القرقف، وان كان رضاب الحبيب أشرق وأشرف، لكن الجمع بينهما نهاية الأرب، وغاية القصد والطلب، فلقد تقنعت بمر الصهباء، وحلو الكلام، وتعصبت بحديث الحبيب وعتيق المدام:
وإنَّي من لذَّات دهري لَقَانِعٌ ... بحُلْو حديث أو بمُرِّ عتيقِ
هُمَا ما هُمَا لم يبقَ شيءٌ سواهما ... عتيقُ مُدام أو حديث صديقِ
وأتينا بمناديل الشرب برسم مسح الصهباء عن الشفاه، ووضعنا على ركبنا نفائس الفوط على عادة الشرب والسقاة، وبعثنا أرواح الراح في أجسام الأقداح، وسال دم الزق في تلك البواطي وساح.
وابتنى ابن الغيوم بابنه الكروم، فما دخلا حتى اتفقا على إطلاق الهموم، فيا له مجلساً ما فيه ساع سوى ساقي المدام، ولا مع الأحباب سوى الريحان نمام:
ومجلسٍ راقَ من واشٍ يُكَدِّرُهُ ... ومن رقيبٍ له باللَّومِ إلمامُ
ما فيه ساعٍ سوى السَّاقي وليس به ... بين النَّدامى سوى الرَّيحان نمَّامُ
ولم يزل المحبوب ينادمني، ويعاطيني الكاسات ويناولني، فأقصد مكان فيه من فيه، وقد رقت وراقت، فلم أدر أهي في المدام أم المدام فيه؟ واشتبه الأمر علي، ووقعت في الوسواس، فكأنها كاس بلا خمر، أو خمر بلا كاس:
رقَّ الزّجاج وراقتِ الخمرُ ... وتَشَابَهَا فتشاكلَ الأمرُ
فكأنَّما خمرٌ ولا قَدَحٌ ... وكأنَّما قدَحٌ ولا خمرُ
فقال لي المحبوب وقد سقاني، ومن داء البعاد شفاني: اشرب ولا تخش من
الأوزار، فقد أمكنك المحبوب وزار، وأطفي بنار المدام فرط همك وكربك، ولا تخش إثماً، فأوراق الكرم أكف غدت تستغفر الله لذنبك:
صِلِ الرَّاحَ بالرَّاحات وأغنم مسرَّةً ... بأقداحها واعكفْ على لذَّة الشُّربِ
ولا تخشَ أوزاراً فأرواقُ كرِمهَا ... أكُفٌّ غَدَتْ تستغفرُ اللهَ للذَّنبِ
فقلت له: مرسومك أحق أن يطاع ويمتثل، وخدمتك أيها الملك لا تقابل بالملل.
فقال: قد وجب حقك فما لنا من بدل، فتنقل مني على المدام بلذيذات القبل.
فجعل يشرب ويسقيني فضله، وأشكر بره العميم وفضله، فسكرت من ريقه ومدامه، ودهشت من غصن البان وقوامه، وسار غرامه في سائري، لما صار منادمي ومسامري:
تأمَّلْ من خلال الشُّرب وأنظر ... بعينكَ ما شَرِبْتُ وما سقاني
تجدْ شمسَ الضُّحى تدنو بشمسٍ ... إليَّ من الرَّحيق الخُسْرُواني
فطبنا وطربنا، وشرهنا وشربنا، وغردت مناطق طيورنا، وضعف الهم بمضاعفة سرورنا، وفاح العنبر بين أيدينا من المجامر، وراح النصب وهو علينا مخامر، وأقبلت طلائح السعد في جحافل وعساكر، ودقت كاساتها لكؤوسنا، ورقصنا بقلوبنا ورؤوسنا، واستنطقنا ألسن عيداننا، وكدنا نطير ونحن في مكاننا.
فقال لي المحبوب وهو ينادمني، وبعينيه الوقاح يغازلني: تمتع بشبابك واقطعه بالطيبات وثبا، وإن أتاك شيطان الهموم فاقذفه من أنجم الصهبا:
مَتِّعْ شبابَكَ واستمتعْ بخدمته ... فهو الحبيبُ إذا ما غابَ لم يؤُبِ
والهَمُّ للنَّفْس شيطانٌ يُوَسْوسُهَا ... فاقذفْهُ من أنجم الصَّهباء بالشُّهُبِ
فقلت له: لا أخالفك في أو أمرك ولا أعصيها، وأمضي إلى آرائك فأقضيها ولا أقصيها، فلقد صار المدام عندي قريباً من رضابك، لامتثال أوامرك والرضا بك، لأنني أهواك وأهوى هواك، ولا أطلب غيرك ولا أريد سواك، وأستشهد لك من الآي والأشعار بالإشعار، بأني سأبيع العقار لحسو العقار:
أحسنُ الأشْعَارِ عندي ... انْفِ بالخمر الخمارا
وأَلَذُّ الآي عندي ... وترى النَّاس سُكارى
ولم أزل آخذ ملآناً وأعيد فارغا، والقرقف والرضاب قد أسكراني وبالغا، فجنت بأقسام ثلاثة في ذلك المقام، أزالوا العقل فهاج القلب وهام، السرور الزائد والعشق القائد والتزام المدام:
ما أطيبَ وقتَنا وأهنَا ... والعاذلُ غائبٌ وغافلْ
عشقٌ ومَسَرَّةٌ وسُكْرٌ ... والعقلُ ببعض ذاك ذاهلْ
والبدرُ يلوحُ من قناع ... والغُصْنُ يميسُ في غلائلْ
والوردُ على الخُدوُد غَضٌّ ... والنَّرجس في العُيُون ذابلْ
والعيشُ كما أحبُّ صافٍ ... والأنُسُ بَمنْ أُحبُّ كاملْ
فزحفنا على جيش الهموم بكاسات الراح، فأتى السرور لما هزم الشر وراح، وتذكرت دوسها بالأرجل، فأخذت ثأرها من الرؤوس، وكادت تطير لولا شباك الحبيب في رؤوس الكؤوس: وفي هذا المعنى اللطيف، والقول الظريف:
راحٌ زحفتُ على جيش الهُمُوم بهاَ ... حتَّى كانَّ سَنَا الأكوابِ راياتُ
تجولُ حولَ أوانيها أشَّعُتهَا ... كأنَّما هي للكاساتِ كاساتُ
تذكَّرت عند قوم دوسَ أرجُلِهِم ... فاسْتَرْجَعْتْ من رؤُوُس القوم ثاراتُ
كأنَّها في أَكُفِّ الطَّائفين بها ... نارٌ تطوفُ بها في الأرض جنَّاتُ
من كُلِّ أغيدَ في دينار وَجْنَتِهِ ... توزَّعت من قُلُوب النَّاس حبَّاتُ
مُبلبلُ الصَّدْغِ طَوعُ الوصل مُنعطف ... كأنَّ أصداغه للُّطف واواتُ
ترنَّحتْ وهي في كَفَّيْهِ من طَرَبٍ ... حتَّى لقد رقَصَتْ تلكَ الزُّجاجاتُ
وبتُّ أشربُ من فيهِ وخمرِتهِ ... شُرْباً تُشَنُّ به للعقل غاراتُ
وينزل اللَّثمُ خدَّيْه فيُنْشِدهُا ... هي المنازلُ لي فيها علاماتُ
سقُياً لتلك اللُّيَيْلاتِ التي سلفتْ ... كأنَّما العُمْرُ هاتيكَ اللُّيَيْلاتُ
ولم نزل نميت الدنان ونحيي النفوس، ونزمر بالكؤوس، ونرقص بالرؤوس، ونأخذ أوتاراً لهم بأوتار العود، ونستنشق أرج نسمات العنبر والعود، ويحاسبني على اللثم فأغلط في العدد وأعود:
سألتُهُ التّقبيلَ في خَدِّه ... عشراً وما زادَ يكون احتسابْ
فَمُذْ تَعَانَقْنَا وقَبَّلْتُهُ ... غلطتُ في العَدِّ وضاعَ الحسابْ
وبقيت أتذكر أيام الفراق، فآخذ الثار بساعات التلاق، والمحبوب قد رمى العمامة عن رأسه، وقطب وجهه عند قهقهة كأسه، وصاحبي معنا جالس في المقام، برسم قط الشموع وصف الزهور ومزج المدام.
فقال لي: بالله أميلك إلى هذا أو القينات أعظم؟ فأطلعني منك على المقصود، وأظهرني على المكتتم.
فقلت: إن كان حب سلمى للعيش أسلم، وعشق نعمى للعين أنعم، فقد تقنعت لكن؛ بالحبيب المعمم، أما علمت يا هذا فافهم وترنم:
أحببُتهُ مُتَعَمَّمَاً ومقُنَّعاً ... أبداً عليَّ بظُلمه يتعصَّبُ
فعندي من هواه ما أطلع النفس مع النفس، ومن السرور بلقائه ما أضاء له بين جوانح الصب قبس:
قد سَبَاني من بني التُّرْك رَشَا ... جوهريُّ الثَّغر مِسْكِيُّ النَّفَسْ
قد حَكَى شمساً وغُصْناً ونقا ... في ابتلاجٍ وارتجاجٍ ومَيَسْ
ضَيِّقُ العيَنْينِ تُركيُّهُمَا ... واسعُ الجبهةِ خَزِّيُّ الَمَجسْ
ناظِرِي للوَرْدِ مِنْهُ غارِسٌ ... ما لَهُ لا يَجتْنِيَ ممَّا غَرَسْ
أصْبَحَتْ عَقْرَبُ صَدْغَيْهِ مَعَاً ... لِجَنِىِّ الوَرْدِ في الخَدِّ حَرَسْ
وغَدَا ثُعْبَانُ دَبُّوقَتِهِ ... جَاِئلاً في ظَهْرِهِ ممَّا أَحَسّ
لَسْتُ أخْشَى سَيْفَهُ أو رُمْحَهُ ... إنَّما أَرْهَبُ لَحْظاً قَدْ نَعَسْ
اخْتَلَسْنَا بَعْدَ هَجْرٍ وَصْلَهُ ... إنَّ أهْنَى العَيْشِ ما كان خُلَسْ
لَسْتُ أَنْسَاه وقَدْ أطْلَعَ مِنْ ... خَدِّهِ ناراً أضاَءتْ في الغَلَسْ
ورمى العِمَّةَ فالتَاجَ لَنا ... فَرْقَ شَعْرٍ دقَّ معنى ما ألْتَبَسْ
لَمَس الكَاْسَ لكَيْ يَشْرَبَها ... فاعترتْهُ هزة لَمَّا لَمَسْ
ثُمَّ أدنى جوهراً من جَوْهَرٍ ... وتحسَّى الكأسَ في فَرْدِ نَفَسْ
وغدا يَمْسَحُ بالمنْديِلِ مَا ... أبْقَتِ الخَمْرَةُ في ذاك اللَّعَسْ
عَجَبَاً مِنْها ومِنْهُ قَهْقَهَتْ ... إذْ حَساهَا وهْوَ مِنْها قَدْ عَبَسْ
ولم نزل على هذه اللذة الغائبة الفانية، والعيشة الشافية الصافية، حتى انتصف الليل، وأقبلت عساكر السعد بالرجل والخيل، فأمرت صاحبي برفع المدام، وتجهيز المرقد للمنام. فرفع الأواني في الحال، وأقبل على ذلك الشان وشال، وعلق في المرقد نفحات المسك الأذفر، وأطلق فيه مباخر الند والعنبر، ثم قال: أين ترسم لي أن أبيت؟
فقلت: نم عندنا، لكن؛ خارج المبيت، فأنت ممن تحققنا منه المروءة والشفقة، فاخرج عنا ورد الباب بالحلقة.
ففعل ما أمرناه وخرج، ولم يبق في الصدر هم ولا حرج، فقلت لمحبوبي: أما تقوم بنا لننام، وأتنعم بتقبيل الثغر واعتناق القوام.
فقال لي: أقوم، ولكن العناق حرام، فقلت: في عنقي تكون الأوزار والآثام:
دعوتُهُ لعناقٍ فانثنى خجلاً ... وكُلَّلت وجناتُ الخَدِّ بالعَرَقِ
فقامَ ينهضُ والصَّهباء تقُعدُهُ ... سُكْراً وحاولَ أنْ يسعى فلم يُطقِ
وقال لي بفُتُورٍ من لواحظه ... إنَّ العناقَ حرامٌ قلتُ: في عنُقُي
فقال: أستغفر الله من الفجور واللغط، ومن وقوعك أيها الإنسان في النسيان والغلط.
فقلت: لا تظن أن محبتك من الخطايا والسيئات، ولا تخل أن صحيفة عاشقك كسواد خيلانك والحسنات، واعلم أن هواك من أفضل الفضائل وأحسن القربات:
أستغفرُ الله إلاَّ من محبَّتكُم ... فإنَّها حسناتي يومَ ألقاهُ
فإنْ زعمْتُمْ بأنَّ الحُبَّ معصيةٌ ... فالحُبُّ أحسنُ ما يُعصى به اللهُ
فقم بنا - فدتك النفس - نجعل الشك يقيناً، ونستنجد بالعناق على العناد لعل العناق يقينا.
فمسكت يده وقمت إلى المبيت، بصدد الاعتناق فيه والمبيت، فتجرد من قماشه إلا من قميص فضي، وطاقية فوق جبين مضي، فاضطجعنا معاً في لحاف وأحد، وتوسدت منه بمعصم وساعدني منه بساعد:
وحَلَلْتُ بَنْدَ قبائِهِ عن بانةٍ ... هيفاَء تحكيها الغُصُون وتدَّعي
وأُخادِعُ من أنفاسها ... كتماً ويأبى المسكُ غير تَضَوُّعِ
حتَّى لو أنَّ اللَّيلَ ينشدُ بدرَهُ ... في تمِّه لأصابَهُ في مَضْجَعِي
ولم أر أحلى من معانقته، ولا ألطف من موافقته، فالتزمته حتى صرنا كواحد، وساعده مساعف لي ومساعد:
ولَّما زارَ مَنْ أهواهُ ليلاً ... وخفْنَا أنْ يلمَّ بنا مُراقبْ
تعانقْنَا لأخفيه فصرنا ... كأنَّا واحدٌ في عقل حاسبْ
وكلما التزمته زاد ما بي من الحنين والشوق، وكلما لثمته ورشفته اشتد ما عندي من الحرق والتوق، فلو اتحدنا وهو لي معانق لقلت: معاند، ولو مازجت روحي روحه لقلت: ادن مني أيها المتباعد:
أُعانقُهُ والنَّفْسُ بعد مشوقةٌ ... إليه وهل بعد العناق تدرانِ
وألثمُ فاهُ كي تزولَ حرارتي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيمانِ
كأنَّ فؤادي ليس يُشفى غليلُهُ ... سوى أنْ يرى الرُّوحَيْن يمتزجانِ
ولم يكُ مقدارُ الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما تروي به الشَّفتانِ
وذكرت ليالي الهجر وطولها، وما أريت في الطول على شهرها وحولها، ونظرت إلى البدر في السماء وليس له عندي بهجة، ومثلته ومحبوبي فكان تفضيل المحبوب أوجب وأوجه، وقلت أخاطب الليل وأنا صدوق اللهجة:
لَيْلَ الحِمَى باتَ بدري فيكَ معُتنقي ... وباتَ بدركَ مرميَّاً على الطُّرُقِ
شتَّانَ ما بين بدرٍ صِيغَ من ذَهَبِ ... وذاكَ بدري وبدرٌ صِيغَ من بَهَقِ
وبقيت أهصر قده القويم، وألثم ثغره النظيم، فاستحكم الفرح والسرور، وكاد يشرق على وجه الأرض نور.
وخلعنا العذار، ونبذنا الوقار، وتدانت القلوب، وساعد المحبوب، وحصل المقصود والمطلوب، وأنشدت ولبي ذاهل، ونادي السرور آهل:
رعى اللهُ ليلاً ضَمَّنَا بعد فرقةٍ ... وأدنى حبيباً من فُؤاد مُعذَّب
فَبْتَنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌ ... من الرَّاح فيما بيننا لم تُسَرَّبِ
فيا لله ما ألذ التزامه واعتناقه، وما أكثر إشفاقه بالصب وإرفاقه، فلقد سكرت من طيب شذاه عند العناق، وساق القلب إلى النعيم بالتفاف الساق بالساق:
عانقْتُهُ فسكرتُ من طيب الشَّذا ... غُصناً رطيباً بالنَّسيم قد اغتذى
نَشْوَانُ ما شربَ الُمدام وإنَّما ... أضحى بخمر رضابه مُتَنَبَّذَا
كَتَبَ الجمالَ على صحيفةِ خَدَّهِ ... يا حُسْنَهُ لا بأسَ أنْ يتعوَّذا
أضحى الجمالُ بأسرهِ في أسرهِ ... فلأجل ذاكَ على القُلُوب استحوذا
وأتى العذولُ يلومُني من بعد ما ... أخذ الغرامُ على فيه مأخذا
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... عن حُبِّه فليهذُ فيه مَنْ هذى
والله ما خطررَ السّلو بخاطري ... ما دُمْتَ في قَيْد الحياة ولا إذا
إنْ عشتُ على هواه وإنْ أمتْ ... وَجْداً به وصبابة يا حبَّذا
إنَّي ليعجبني تلا في الهوى ... ويلذُّ لي ما قد لقيتُ من الأذى
ثم جرينا في ميدان الهوى والخلاعة، وبذلنا في طاعة الهوى جهد الاستطاعة، وعصينا الوقار والنهى، وبلغنا كل قلب ما اشتهى، وأعطينا النفوس غاية أمانيها، وسلمنا قوس التصابي إلى باريها.
واستعذبت ريقه فلم أفتر من الرشف، واستطيبت تقبيله فما غفلت عن ذاك لمحة طرف، فجعلت أقبله وأتوه في العادة عن العد، فيقول: أما تحسب قبلك التي لا توصف ولا تحد:
وغَدَا يُنادمني وكأسُ حديثه ... أِهى إليَّ من الرَّحيق وأطيبُ
قال: احسبِ القُبَلَ التي قَبَّلْتَني ... فأجبتُ: إنَّا أمَّةٌ لا تحَسبُ
فشكرت تلك الليلة التي جادت بعد شحها ويخلها، وتداويت بالعيون التي رمتني بنبلها ونجلها، فيا لله ما كان أطيبها وأقصرها، وأحسنها في القلوب وأخصرها، ففي راحتي بقية من طيب ذلك الشذا العاطر، وفي فمي حلاوة من ذلك الريق الشهي الطاهر:
وجادَ الزَّمانُ به ليلةً ... وعمَّا جرى بيننا لا تَسَلْ
فَأَنْحَلْتُ قامَتهُ بالعناقِ ... وأذبلتُ مرشَفَهُ بالقُبَلْ
وها أثرُ المسكِ في راحتي ... وهاك فمي فيه طعم العَسَلْ
فجعلت أشره في التقبيل وهو لا يمتنع، وأردع النفس عن تكراره وهي لا ترتدع، وأكفكف عبرة السرور وهي لا تنقطع، حتى عاد فص خاتم فيه العقيق فيروزجا، وهو لا ينكره، بل كلما قصدت قبلة أو ما إلي وجا:
حَمَلْتُ خاتَمَ فْيهِ فَصَّاً أَزْرَقَا ... من كثرة اللَّثْمِ الذي لَمْ أُحصِهِ
لولاهُ ما عَلِمَ الرَّقيبُ فيا له ... من خاتمٍ نَقَلَ الحديثَ بفصَّهِ
فرعاها الله من ليلة ما كان أعظمها وأعزها، وأبرها وألذها، وأخصرها وأقصرها، وأحلاها وأجلاها قلت فيها لقلبي: أتعرف يا قلب من سمح لك بعد العناء بالعناق، وتدري من أباحك لف الساق بالساق؟ ومن ذا الذي يأتي من لطيف العتاب بما يلين الحجر، ويبدي من المقال ما يطيب به رعي السهر بالسمر:
رعى الله ليلةَ وصلٍ حلَتْ ... وما خالطَ الصَّفْوُ فيها كَدَرْ
أتَتْ بغتةً ومَضَتْ سُرعةً ... وما قَصُرَتْ بعد ذاك الِقصَرْ
خَلَتْ عن رقيبٍ وعن حاسدٍ ... ولم تكُ إلا كَلَمْحِ البَصَرْ
بغير اختيارٍ ولا كُلفَةٍ ... ولا موعدٍ بيننا يُنْتَظَرَ
فقلتُ وقد كادَ قلبي يطيرُ ... سُرُوراً بنيل الُمنى والوَطَرْ
أيا قلبُ تعرفُ مَنْ قد أتاكَ ... ويا عينُ تدرينَ مَنْ قد حَضَرْ
ويا قمرَ الأُفقِ عُدْ راجعاً ... فقد باتَ في الأرض عندي قمرْ
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالله بالله قِفْ يا سَحَرْ
فكانتْ كما أشتهي ليلتي ... وطابَ الحديثُ وطالَ السَّهَرْ
ومرَّ لنا مِنْ لَطيف العِتابِ ... عَجَائِبُ ما مِثْلُها في السَّيَرْ
خَلوْنا وما بَيْنَنَا ثالِثٌ ... فأصبَحَ عند النسَّيم الخَبَرْ
وصرت ألاعب المحبوب وأسامره، وأناغيه وأداعبه وأساهره، ولم أقص ليلة مثلها في العمر، ولا نالها ذو عقل ولا غمر، قطعتها هياماً وسهرا، ولا ذقت فيها مناماً ولا كرى:
لا أعرِفُ النَّومَ في حالَيْ جفاً ورضىَ ... كأنَّ جفني مطبوعٌ على السُّهَدِ
فليلةُ الوصلِ تُمْضَى كُلُّها سَهَرَاً ... وليلةُ الهجرِ لا أغفو من الكَمَدِ
وكلما جاء الكرى يعبث بجفونه النواعس، أوعظه بمعانقة قده المائس، وأمنعه النوم لأتملأ بمسامرته ومساهرته، وأفوز عند مساهدته بمشاهدته.
وقلت لعينيه: كللتم بالنهار فرقدتم، وأصبتم قلب المستهام بالسهام فجرحتم:
وفَتَّاكُ اللَّواحظ بعد هَجْرٍ ... دنا كَرَمَاً وأنعمَ بالمزارِ
وظلَّ نهارُهُ يرمي بقلبي ... سِهاماً من جُفُونٍ كالشَّفارِ
وعند اللَّيلِ قلتُ لُقلَتَيْه ... وحُكْمُ النّضوم في الوَجَنات ساري
تباركَ مَنْ توفَّاكُم بليلٍ ... ويعلمُ ما جَرَ حْتُمْ بالَّنهارِ
ولم أزل في تلك النعمة العظيمة، والمنة الجسيمة، حتى برق عمود الصباح فانفلق، من الغيرة وانخنق وناحت الأطيار في الأسحار، فتصدع القلب للفراق وطار، وتحققنا وفاة ليلتنا الجانحة الناجحة، ومصادفتها الحمام لما سمعنا من الحمام في كل ناحية نائحة:
وأنذرتْ بوفاةِ اللَّيل ساجعةٌ ... كأنَّها في غدير الصُّبح قد سَبَحَتْ
مخضوبةُ الكَفِّ لا تنفكُّ نائحةً ... كأنَّ أفراخَها في كَفِّها ذُبِحَتْ
فقال لي المحبوب: أما ترى الصبح يحسدنا على التالف والوصال، حتى سطا علينا وظهر وصال.
فقلت: إن عندي من ذلك قلقا وضجر، فقال: ألا تراه من الغيط قد انفلق وانفجر:
قلتُ وقد عانَقتُهُ: ... عِندي من الصبُّح قلقْ
قال: وهل يحسُدنُا؟ ... قلتُ نَعَمْ قد انفلقْ
وطال نوحي؛ حيث أتانا الصبح يجر ذيله، وطار قلبي لطيران تلك الليلة، وتذكرت تلك الليالي الطول، وقصر ليلة القرب والوصال، فأخذت العين في البكاء والإرسال، وأخذ القلب في الحنين والإعوال، فلم أر ليلة أطول من إحيائها وسهرها، ولا أقرب مما بين عشائها وسحرها:
يا ليلةً كادَ من تَقَاصرُهَا ... يعثُرُ فيها العشاءُ بالسَّحَرِ
تطولُ في هجرنا وتقصرُ في ال ... وصلِ فما نلتقي على قَدَرِ
تذكرت قيام الحبيب من صدري، فعدمت قلبي وسلبت صبري، فقال لي: إني عازم على الرحيل ومسارع، وقد أودعتك لمن لا تخيب لديه الودائع، وقبل يدي وانتصب للرحيل، فتضاعف ما بي من البكاء والعويل.
فقلت: قبل فمي، فإني إليه أشره وأشوف وأشوق، وهو للصب أرفد وأرفع وأرفق، وأنشدت وقلبي في نار الجحيم مخلد، وأنا أبكي وأنتحب وأنوح وأتنهد، أتذكر ليلتي المنعمة بأنواع اللطائف والتحف، وغبطتي المستحيلة بالأسى والأسف:
وافى وقد أبدى الحياَء بوجهه ... وصُدُوده في القلب نارٌ تحرقُ
أمسى يُعاطيني الُمدام وبيننا ... عَتَبٌ أرقُّ من النَّسيم وأروقُ
حتَّى إذا عَبّثَ الكَرَى بجُفُونه ... كأنَّ الوسادةَ ساعدٌ والمرفقُ
حتَّى بدا فَلَقُ الصَّباح فراعني ... إنَّ الصَّباحَ هُو العدُوُّ الأزرق
فهناك أومأ للوداع مُقَبِّلاً ... كَفِّي وهي بذيله تتعلَّقُ
يا مَنْ يُقِّبلُ للوداع أناملي ... إنَّي إلى تقبيل ثغركَ أشوقُ
فتولى وتلوى وتفرد وتثنى، وأجرى في المعنى على ذلك المعتاد دمع المعنى، فعلم أغصان النقا كيف تميد وتميل، وعلمت أنا ورق الحمام، كيف تنوح وتطيل:
تثَّنى وأغْصَانُ الأراك نواضرٌ ... ونحتُ وأسرابٌ من الطَّير عْكَّفُ
فَعَلَّمَ باناتِ النَّقَا كيف تنثني ... وعلمتُ وَرْقَاَء الحِمَى كيف تهتفُ
وخلفني ومضى، وتركني على جمر الغضا، وغادر قلبي بنار حره وقد أشغل وأشغل، وقال: لابد من زيارتك إن كان في العمر مهل، فاخذ القلب معه وسار، فبقيت لا أعرف الفرح والمسار، فأودعته المهجة وقت الوداع، فشاع الوجد عليها وذاع، ورمى القلب لتذكاره وبعده بحرقتين، وقسمت أدمعي عليه عند الفراق فرقتين:
ساروا وسارَ القلبُ إثر حُمُولَهِم ... رهنَ الصَّبابة لا يفيقُ ولا يعي
أوْدَعْتُهُم مُذ ودَّعُوني مهُجةً ... فَغَدَوْتُ فاقدَ موُدِعي ومُوَدَّعي
وقَسَمتُ دمعي فرقَتْين فشطُرُه ... للظاعنين وشطره للأربعِ
فجاءني صاحبي عقب فراقه، فوجدني باكياً لبعده وانطلاقه، وقال: تهنئك ليلتك الغراء، وعيشتك الخضراء.
فقلت: والله ذهب ما كنت فيه من السرور، وقد وقعت الآن في أضيق الأمور، فلو دام لي الوصال ألفي عام على التحقيق، ما كان يفي بساعة التوديع والتفريق:
يا مَنْ سَلَبوا بينهم مجموعي ... قلبي وحشاي ذابَ بالتَّقطيعِ
لو دامَ لي الوصالُ ألفَيْ سنةٍ ... ما كان يفي بساعة التَّوديعِ
وبقيت أتذكر ليلتي فأبكي وأنوح، وأغدو في عرصات الدار وأروح، فجزى الله عني تلك الليلة أفضل الجزاء، ولولا طيبها لكانت تعد من الليالي الطوال، (ولله در القائل حيث قال):
جزى الله بالحُنسى ليالي أقبلتْ ... إليتا بإيناسِ الحبيب الُمسامِرِ
ليالي كانتْ بالسُّروُر قصيرةً ... ولم تكُ لولا طولُهَا بالقصائرِ
فيا لكَ وصلاً كان وشكُ انقصائه ... كزَورِة طَيف أو كَنُفْيَةِ طائرِ
وهاأنا أتمنى عودة حلاوة ليلتنا السالفة، لأن قلبي بها دَنِ فٌ وروحي عليها ناطفة، ودمعي في صحن خدي سكب ونفسي بالبعاد تالفة، وقد صرت بعدها تبعاً وأنا في الحقيقة خاص، وبقيت لفقدها متيما ولات حين مناص.
فلو عادت تلك الليلة لأحيت ميت الأحياء، ولنوهت بقدرها بين الأقوام والأحباء، فيا لله ما أعجل ما تقضت تلك الليلة بالوصال، فلقد قنعت منها اليوم إن نلت لياليها بالخيال:
عُودي عليَّ ولو كَلَمْحِ الناَّظرِ ... ليعودَ لي زمنُ الشَّباب النَّاضرِ
كُلُّ اللَّيالي الماضيات خلاعةٌ ... تفدي نعيمكَ يا ليالي حاجرِ
ما كُنْتَ في اللَّذَّات إلاَّ خلسةً ... سمعتْ بها الأيَّامُ سمعةَ غادرِ
كان الصِّبا منها أرقَّ من الصبَّا ... وألذَّ من غفوات عين السَّاهرِ
آهاً على أيَّام نجدٍ إنَّها ... أيَّام أفراح ٍوعَصرُ بشائرِ
ما كنتُ أقنعُ بالتَّواصل منهم ... واليومَ أقنعُ بالخيالِ الزَّائرِ
فلقد أضحى البعاد بديلاً من التلاقي، وشؤون الجفون تفيض من آماقي، حتى تبدلت بالنعيم جحيماً، وبالخضرة هشيما، وبالعيان غيابا، وبالعذوبة عذابا، وبالوصال بعادا، وبالعناق عنادا، وبالكسب خسراناً، وتغبينا، وبالكوثر (العذاب) زقوماً وغسلينا:
أضحى التَّنائي بديلاً من تدانينا ... وعَزَّ عن طيبِ لُقيانا تجافينا
بِنْتُمْ وبِنَّا فما ابتلَّتْ جوانحُنا ... شوقاً إليكم ولا جَفَّتْ أماقينا
حالتْ لفقدكُم أيامُنا وغَدَتْ ... سُودَاً وكانتْ بكُمْ بيضاً ليالينا
نكادُ حين تُناجيكُم ضمائرُنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا
لو يسبقُ العهدُ منكُم للسُّرُور فما ... كُنْتُمْ لأرواحنا إلا رياحينا
إنَّ الزَّمان الذي قد كان يُضحكُنا ... أُنساً بقُربكُمْ قد عاد يُبكينا
غِيْظَ العدَى من تَساقِينَا الهَوَى فَدَعَوا ... بأنْ نَغَصَّ فقالَ الدَّهرُ آمينا
فانْحَلَّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانْبَتَّ ما كان موصولاً بأيدينا
لا تحسبوا أنَّ بُعْدَ الدَّار غَيَّرَنَا ... يا طالما غَيَّرَ النَّاْيُ المُحبيِّنا
والله ما طلبتْ أرواحُنا بَدَلاً ... منكُمْ ولا انصرفتْ عنكُمْ أمانينا
فيا نسيمَ الصَّبا بَلِّغْ تحيَّتَنَا ... مَنْ لو على البُعْدِ حيَّا كانَ يُحيينا
(لسنا نُسميَّكَ إجلالاً وتكرمةً ... وقَدرُكَ الُمعْتَلِي عن ذاك يُغنينا
يا جنَّةَ الخُلدِ أُبْدِلْنَا بِسِدْرَتَهِا ... والكَوْثَرِ العَذْبِ زقُّماً وغسلينا)
يا صرخةَ البين كم فَتَّتَّ من كبدٍ ... ويا مُنادي الأسى كم ذا تنُادينا
ويا غُراباً ببُعْد الدَّار خَبَّرنَا ... فَقَدْتَ إلْفَكَ كم بالبَيْن تَنْعينَا
فيا لله ما كان أخلى قربه ووصاله، وما أسرع نأيه وارتحاله. فصرت بعده أجرد الهم للهمم، ولا أجيب العذال للصمم، وأصبو إلى أجفانه المراض الصحاح، وأدخل منها في المضائق الفساح:
نَعَمْ في جُفُون التُّرك للنَّفْس صَبْوَةٌ ... وللقلب في تِلْكَ المضائِقِ مَدْخَلُ
وتجرح قلبي تارةً بعد تارةٍ ... وتشهد أنَّي عاشقٌ فتَعْدِلُ
ورُبَّ عذولٍ لامني فتركتُه ... يقول وقلبي بالصَّبابة يفعلُ
(ولو أنّ عذالي على الحسن اخوتي ... لقلتُ لهم طوعي لذا الحُسن أجملُ
أقيموا بني أُمَّي صدور مطيِّكم ... فإنِّي إلى قومٍ سواكم لأمَيلُ
سقى الغيث أوقاني إذا الغيث ممكن ... وخدام أمري بالهناء تَتَعَجُّلُ
زماني مختار وقصدي منجحٌ ... وراحي ريحان وبدري مُقْبلُ
مدى اللَّيلِ فيه ناطري مُتفكِّرٌ ... إلى لثمةٍ من ضمِّه أتنقَّلُ)
وهاأنا أرجو من كرم الله اخضرار عود العود، وانسكاب سحاب الوصل بالجودة والجود، لأشرح الصدر بليلة كالماضية، وأقطع حيازيم البعد بأسياف جفونه الماضية، فإنني واثق منه بالوعد الوفي، وأرجو إظهار اللطف بلطف الله الخفي، وهمى، ويزول بالقرب ما تم ونم من الغرام ونما، وأرجو ذلك عندما أبدت العينان عندما ولا أقنط من ذلك وإن كان البعاد موجوداً والقرب معدما، ولا أياس من أنس اللقاء فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما، لأن قلبي واثق منه بكل جميل، وعنده لي من الحب ما يعجز عن حمل جملته جميل.
ولقد أصبت ساعة الفراق مما أصبت من القلق، وأبدت منه العينان عينين يوقدان ما في الأحشاء من الحرق، واختار كل منا توديع روحه ولا يفارق الخل ويودعه، وأستودعه قمري الذي غدا وفلك الأزرار مطلعه:
وَدَّعْتُه وبِوُدَّي لو يُوَدَّعُنِي ... طِيبُ الحياةِ وأنَّي لا أودَّعُهُ
وكم تشفَّع أنَّي لا أفارِقه ... وللضّروراتِ حالٌ لا تُشَفِّهُ
وكم تشَّبثَ بي خوفَ الفراقِ ضحىً ... وأدُمعي مُسْتَهِلاَّتٌ وأدمُعُهُ
لا أكْذِبُ اللهَ ثوب العُذْر مُنْخَرِقٌ ... عنَّي بفُرقته لكِنْ أرقَّعُهُ
اعتَضْتُ مِنْ وجهِ خِلِّي بعد فُرقَتِهِ ... كأساً تجرَّعَ منها ما أُجرَّعُهُ
إنِّي لأقْطَعُ أيَّامِي وأُنْفِذُهَا ... بِحَسْرَةٍ منهُ في قلبي تُقطِّعُهُ
يا من إذا هجع النُّوَّامِ بتُّ لَهُ ... بلوعةٍ منه ليِلي لَسْتُ أهْجَعُهُ
لا يطمئنُّ لقلبي مضجعٌ وكذا ... لا يطمِئنُّ له مُذْ بِنْتُ مضجعُهُ
ما كُنْتُ أحسِبُ رَيْبَ الدَّهرِ يفجعُني ... بِه ولا أنَّ بيَ الأيام تفجعُهُ
حتَّى جرى الدّهر فيما بَيْنَنَا بيدٍ ... غدت تمنَعُني عَنْهُ وتمنَعُهُ
فكنتُ من ريب دهري خائفاً جزعاً ... فلم أُوَقَّ الذي قد كنتُ أجْزَعُهُ
بالله يا منزِلَ القصرِ الذي دَرَسَتْ ... آثارُهُ وعَفَتْ مُذْ بِنْتَ أربعُهُ
هل الزّمان مُعِيدٌ فيك لذَّتَنَا ... أم الليالي التي أمضته تُرْجِعُهُ
من عنده لي عهد لا يُضَيَّعُه ... كما له عهدُ صدقٍ لا أُضَيِّعُهُ
ومن يصدِّع قلبي ذكرهُ وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدِّعهُ
لأصبِرنَّ لدَهْرِي لا يُمتِّعُنِي ... به كما أنَّه بِي لا يُمَتِّعُهُ
علماً بأنَّ اصطِبارِي مُعْقِبٌ فرجاً ... وأضيَقْ الأمر إنْ فَكَّرْتَ أوسَعُهُ
عسى اللَّيالي التي أضْنَتْ بفرقَتِنَا ... جسمِي ستجمَعُنِي يوماً وتَجْمَعُهُ
وهاأنا أرجو عود الوصال، وبلوغ المنى والآمال، إنه على جمعهم إذا يشاء قدير،
وبالإجادة لطيف خبير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتاب: لوعة الشاكي ودمعة الباكي
المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: 764هـ)
ضبط وشرح وتصحيح: الأديب الأستاذ الشيخ محمد أبو الفضل محمد هارون


 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...