شاندور فودور - أثر "ألف ليله وليله" في الأدب الغربي


ج1

حكايات شعبية جمعت في كتاب، وصل إلينا مدونًا يحمل خصائص الأدب الشعبي الذي يتوجه إلى السامعين ليمتعهم بالأسمار، فيروي الأحداث ويمزج فيها الواقع بالأسطورة والحقيقة بالغرائب والعجائب.
ويتداخل الزمان والمكان في حكايات ألف ليلة وليلة مثله في ذلك مثل الحكايات الأسطورية، وتحكي قصصًا من التاريخ والعادات وأخبار الملوك وعامة الناس، وعن العيارين واللصوص والمستغلين، كما تتحدث عن الجن والعفاريت والمردة، وفيها قصص على ألسنة الحيوانات. وتمثل الحكايات بيئات الرافدين وحاضرتها بغداد في العهد العباسي، ومصر وبلاد الشام في العهد الفاطمي وما بعده. ويبدو أن تسمية الليالي بألف ليلة سببها رواية الحكايات على ليال متتالية تمتد زمنًا طويلًا، وقد تعزى إلى تفاؤل العرب بلفظ ألف.
أصل الكتاب:
ليس من اليسير على الباحث معرفة مؤلفي حكايات هذا الكتاب وما قام به كل منهم، ومما لا شك فيه أن ما نعنيه بالكتاب لا يجري مجرى التأليف على النحو الذي نقصده اليوم، ذلك أن القاص، وإن كان ينقل الحكايات شفاهًا إلى مستمعيه، فقد كانت له نسخته المدونة التي كان يروي حكاياتها بأسلوبه الخاص، ولهذا نقل القصاصون الحكايات وفق لهجاتهم المتعددة، وعصورهم المختلفة، وأقطارهم التي كانت تسرد فيها الحكايات.
وقد اتفق أكثر دارسي كتاب ألف ليلة وليلة، من العرب والمستشرقين، على أنه يمكن تقسيم أصول الكتاب إلى مجموعات من الحكايات على الوجه التالي:
المجموعة الأولى: وتضم مقدمة هي أصل الكتاب ونواته، وهي أقاصيص هندية وفارسية تسمى هزار أفسانة (ألف خرافة) ويستدل على ذلك بما أورده كل من المسعودي وابن النديم، فقد جاء في مروج الذهب للمسعودي (ت346هـ) حين عرض لأخبار شدّاد بن عاد ومدينة إرم ذات العماد: "أنّ هذه أخبار موضوعة، في خرافات مصنوعة، نظمها من تقرّب من الملوك بروايتها، وأن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة من الفارسية والهندية والرومية، مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك بالفارسية ألف خرافة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة".
ويأتي بعده ابن النديم (ت385هـ) فيذكر في الفهرست في المقالة الثامنة من الفن الأول من أخبار المسامرين والمخرّفين (أي الذين يروون الحكايات الخرافية) وأسماء الكتب المصنفة في ذلك ما نصّه عن محمد بن إسحاق: "أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبًا وأودعها الخزائن وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان الفرسُ الأُوَل، ونقلته العرب إلى اللغة العربية، وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عمل في هذا المعنى كتاب هزار أفسان، ومعناه ألف خرافة، وكان السبب في ذلك أن ملكًا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة، قتلها من الغد، فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد، فلما حصلت معه (تزوجته) ابتدأت تخرّفه (تروي له حكايات مشوقة) وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك على استبقائها، ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث، إلى أن أتى عليها ألف ليلة، ورزقت منه ولدًا فأظهرته، وأوقفته على حيلتها عليه فاستعقلها ومال إليها واستبقاها، وكان للملك قهرمانة يقال لها دينار زاد فكانت موافقة لها على ذلك"، ثم يقول ابن النديم: "والصحيح أن أول من سمر بالليل الاسكندر، وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه واستعمل لذلك بعده الملوك هزار أفسان ويحتوي على ألف ليلة وعلى دون المئتي سمر، لأن السمر ربما حدث في عدة ليال، وهو بالحقيقة كتاب غثّ بارد الحديث".
وهكذا نرى أن المؤرخَيْن متفقان على وجود كتاب في العربية منقول عن هزار أفسانة الفارسي، وأن اسمه كان ألف خرافة وترجم باسم ألف ليلة، وإن كان بين المؤرخَيْن بعض الاختلاف في رواية تفاصيل قصة شهرزاد.
وتشمل قصص هزار أفسانة، أو نواة ألف ليلة، إضافة إلى حكاية شهرزاد، حكاية التاجر مع العفريت، وحكاية الصياد مع العفريت، وحكاية حسن البصري، وحكاية الحصان المسحور الأبنوسي، وحكاية باسم وجوهرة السمندلية، وحكاية أردشير وحياة النفوس، وحكاية قمر الزمان ابن الملك شهرمان والأميرة بدور، وحكاية سيف الملوك وبديعة الجمال.
وفي الفارسية بعض الحكايات التي تقابل هذه الحكايات، غير أن الدارسين اختلفوا في الأصل الفارسي لبعضها وأرجعوه إلى أصل هندي كقصة شهرزاد التي بنيت عليها الليالي، مستدلّين على ذلك بقصص يشبه الباعث الأول لتأليفها، وهو اكتساب الوقت وثني المتهور عن عزمه، بقصص هندية تدور حول الباعث نفسه كقصة "سوكا سابتاتي" التي تدور حول حكاية ببغاء ذكية تحول بين زوجة صاحبها وبين خيانتها لزوجها المسافر بأن تشغلها بسرد قصص لا تتمها في ليلتها، وتختمها دائمًا بقولها: سأقص بقية القصة غدًا إذا بقيتِ في البيت، وهكذا تغريها بالبقاء وعدم الخيانة حتى يعود زوجها.
ويضاف إلى ذلك أن الحكايات الهندية تكوّن سلسلة متماسكة الحلقات متعاقبة الخطوات، يتصل بعضها ببعض، فتستدعي الحكاية رواية حكاية أخرى، ومن لوازمها أن يقول القاص الهندي للسامع في ذكر أحداث قصته: لا تفعل ذلك وإلاّ أصابك ما أصاب فلانًا، فيسأل السامع بعبارة: وكيف كان ذلك؟ فيجيب القاص برواية أخرى. ونجد أحيانًا هذا الأسلوب في ألف ليلة وليلة.
والحكايات في أوائل جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة من الكتاب تمثل هذه الطريقة التي قام عليها هيكل الكتاب، وتحمل السمات القديمة للحكايات الشعبية الهندية التي وجدت طريقها إلى الفارسية ثم إلى العربية عن طريق الترجمة في أيام العصر العباسي الأول، وإن أصاب الحكايات كثير من التبديل والتغيير والتهويل والتكرار.
ثم تجمعت حول هذه الحكايات ـ نواة ألف ليلة ـ حكايات عربية مختلفة، وامتدّ ذلك ما بين القرنين الرابع والعاشر الهجريين، وفي هذه الحكايات أقسام واضحة تؤلف المجموعتين البغدادية والمصرية.
المجموعة البغدادية: وتشمل هذه المجموعة حكايات شعبية عربية قديمة متوارثة كانت تتناقلها الأجيال وحكايات عربية ألفها المسلمون في العصر العباسي وحوادث وسيرًا تاريخية. ويذكر ابن النديم أنّ الجَهْشياري صاحب كتاب الوزراء: "ابتدأ بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم. كل جزء قام بذاته، لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين وأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه، فاجتمع له من ذلك أربعمئة ليلة وثمانون ليلة، كل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر" ويضيف ابن النديم: "وكان قبل ذلك ممن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم جماعة منهم عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون وعلي بن داود". كما يذكر ابن النديم كتبًا كثيرة، مؤلفة أو مترجمة من كتب الأسمار، عرفها العرب في أيام خلفاء بني العباس، ولاسيما في أيام المقتدر بالله (حكم 295 - 320هـ) ويذكر أن الأسمار والخرافات كان مرغوبًا فيها مشتهاة، فصنّف الورّاقون فيها وكذبوا.
وقد تجمّعت هذه الحكايات في مدى القرنين الرابع والخامس للهجرة، مما أثر عن الرواة ودوّن في الكتب، وأضيف إليها حوادث تاريخية دخلتها زيادات وتعديلات فضلًا عن كثير من سير الشعراء والأشخاص الذين عاشوا في زمن العباسيين كأبي نواس وأبي دلامة، واستغلت تلك الحكايات والأخبار استغلالًا متنوع الغايات. وأشهر حكايات هذا القسم: حكاية علي بن بكار وشمس النهار، وحكاية أنس الوجود والورد في الأكمام، إلى غير ذلك من الحكايات التي يصوّر أكثرها المحبين وما يلاقون في حبهم، كما تصوّر حياة النعيم والترف، وتبيّن ما وصلت إليه الحضارة في بغداد والبصرة من ترف وأبّهة، وتشهد على الغنى في الأسواق، وتمثل الجواري في المقاصير، وتجعل من الرشيد مثالًا للعدل والصلاح.
المجموعة المصرية من الحكايات: يرى كثير من الباحثين في الأدب أن صورة كتاب ألف ليلة وليلة عرفت طريقها إلى مصر نحو منتصف القرن الخامس الهجري، وأنها ظلّت تزاد على مرّ الزمن وتنمو، فتكوّنت المجموعة المصرية الجديدة التي هي أكبر أقسام ألف ليلة وليلة، وفيها كُررت موضوعات بعينها أو قصص صغيرة، وإن تغيرت أسماء أبطالها ثم أُلفت قصص جديدة. وتضم هذه المجموعة ما كتب من القصص في مصر أو بلاد الشام، لاتصال البلدين بصلة وثيقة أيام الفاطميين ثم المماليك والعثمانيين، وقد تألفت هذه القصص ما بين القرنين الخامس والعاشر الهجريين من القصص العربية والتقاليد الإسلامية والأساطير الشرقية.
ويشير المَقَّري (ت1041هـ) في نفح الطيب إلى أن ابن سعيد الأندلسي الغرناطي (615-685هـ) يذكر في كتابه "المحلى بالأشعار" ما يدل على أن كتاب ألف ليلة وليلة كان شائعًا ومعروفًا في مصر في القرنين الخامس والسادس الهجريين.
تتألف قصص ألف ليلة وليلة في المجموعة المصرية من قسمين: قسم قديم ينتهي في القرن الثامن الهجري، وقسم حديث ينتهي في القرن العاشر الهجري.
أما القسم القديم فحسن الأسلوب مطّرد السياق مهذب العبارة، يدور حول المغامرة والحرب وتعارض الأخلاق وتضارب العواطف، وتعتمد القصص فيه على الطلاسم والأرصاد والجن والسحر والقدر، كحكاية "جودر التاجر وإخوته"، وحكاية "مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف"، وحكاية "علي شار مع زمرد الجارية".
أما القسم الثاني من الحكايات المصرية فأكثره ركيك الأسلوب جريء العبارة، تدور أحداثه حول حيل المحتالين ومكايد العيّارين ومخاطر اللصوص، إلى جانب قصص التصوف والزهد السائدين في المجتمع المصري آنذاك، وأشهر حكايات هذا القسم حكاية "معروف الإسكافي" وحكاية "أبي قير وأبي صير" وحكاية "مدينة النحاس" وحكاية "علي الزيبق ودليلة المحتالة" وحكاية "زينب النصابة" وحكاية "الرجل الصعيدي وامرأته الإفرنجية".
مجموعة القصص التي أضيفت كاملة إلى كتاب ألف ليلة وليلة: وهذه القصص ترد في نسخ من دون الأخرى، وكانت إضافتها ليبلغ عدد الليالي الألف، كما يدلّ على ذلك عنوان الكتاب، وأشهر هذه القصص قصة "السندباد".
مجموعة الأخبار: وهي الأخبار المنتزعة من التاريخ الماضي والتاريخ المعاصر لتلك القصص عن عجائب البلاد والخلق وأخبار الملوك وآدابهم.
جمع كتاب ألف ليلة وليلة:
ترى سهير القلماوي أن النسخة المصرية من الكتاب جمعها مؤلف مصري، وأدخل فيها تحويرًا أو تعديلًا في الجمع وفي الأسلوب طبعها في جملتها بالطابع المصري، ثم أضيفت إليها قصص جديدة وحذفت منها قصص أخرى، ولهذا اختلفت النسخ في عدد القصص وترتيبها، وإن اتفقت كلها في جوهر الكتاب في حين يرى المستشرق وليم لين W.Lane أن هذا الكتاب قد تجمعت قصصه حتى نهاية القرن التاسع الهجري وأعاد تأليفه مؤلف شاميّ، وأن ما بين النسخ من وصف حالات اجتماعية متوافقة يدل على أن الجامع واحد، وذلك على الرغم من الفروق بين النسخ المختلفة، وأنه ليس بين قصص هزار أفسانة وبين ألف ليلة وليلة من روابط إلاّ المقدمة ولفظ "ألف".
أما الدنماركي أويسترب Oestrup فيرى أن "الليالي" مجموعة قصص يختلف عددها وترتيبها باختلاف جامعها في نسخة واحدة، في إطار واحد، ويرى أن القصص قد تحوّلت على مرّ العصور واستمرت في النمو والتغيير، وكانت دائمًا ذات صبغة شعبية عند عامة المسلمين، يُضْفى عليها ما يدل على أنها من بلد عربي.
أما ماكدونالد Mecdonald فيرى أن ألف ليلة وليلة عنوان دلّ على أشياء مختلفة في عصور مختلفة، وقد مرّت مادة الليالي بأطوار ثلاثة: الأول وجودها على ألسنة العامة وفي ذاكرتهم، وهي أدب شعبي صرف، والثاني تهيئة هذه العناصر على أيدي كتّاب وأدباء لتصبح قصصًا مكتوبة ومسموعة، وآخر طور استعانة ناشري ألف ليلة وليلة بمواد جاهزة أضافوها كما هي إلى الليالي.
ويتفق الدارسون على أن ألف ليلة وليلة في كل نسخها تتفق في جوهر الكتاب الذي يبدو في الأمور التالية:
ـ إن الكتاب قصص شعبية يتوجه قاصها إلى السامعين لإمتاعهم.
ـ إن الكتاب يصور الحياة في المجتمعات على اختلافها، لذلك تتعارض مذاهبه وتتناقض مراميه وتختلف الآراء فيه، لأنه يمثل المجتمع في أزمان متباينة وأطوار مختلفة.
ـ إن الكتاب في كل نسخه ـ على ما بينها من اختلاف ـ يعتمد على قصة شهرزاد التي تكوّن الإطار العام لليالي والمقدمة في كل النسخ المخطوطة والطبعات الموجودة.
ـ إن قصص الكتاب لم تلاق تشجيعًا عند الأدباء وأصحاب الفن الراقي، لذلك عمل واضعو القصص على أن يكون فيها عبرة لتجعل للأدب المسموع قيمة.
ـ إن الكتاب اعتراه كثير من التحوير والزيادة لأن طبيعته كانت تسمح بالتصرف فيه، أما الزيادة فتبدو في إضافة الأحداث القصصية الخارقة، أو التفاصيل الخرافية المبالغ فيها، أو الأشعار الدخيلة عليها، أو وضع قصص جديدة توجد في بعض النسخ ولا توجد في سواها، كما يبدو التصرف في تقسيم الأسمار إلى ليالٍ على نحوٍ اعتباطي، يطول أو يقصر بحسب رغبة القاص، ولذلك يختلف هذا التقسيم من نسخة إلى أخرى.
ويبدو أن الأسمار التي أدخلها النسّاخ على الليالي أضيفت بعد أن وصل الكتاب إلى أيديهم، فطبقوا ما جاء في المقدمة على ما بين أيديهم من أسمار، يؤيد ذلك اختلاف النسخ في تقسيم الليالي، وما ذلك إلا ليحققوا التقسيم إلى ألف ليلة. ومما لا شك فيه أن العدد ألف يدل على التكثير وليس على عدد الأسمار تحديدًا.
أسلوب الكتاب:
يختلف أسلوب قصص الكتاب بحسب مجموعاته، فهو في المقدمة والمجموعة البغدادية، غالبًا، متين العبارة، حسن السبك، دقيق الوصف، كثير السجع، قليل الفضول، وإن كان يسفّ أحيانًا ويتجرأ بالعبارة النابية عن الحشمة. وهو في المجموعة المصرية الأخيرة مهلهل النسج، عامي اللفظ، فيه تهويل ممجوج، وهو سيء التلفيق، شديد الوطأة على الحياء، لصدوره عن قصاصين يتملقون شهوات العامة بالإفحاش.
غير أن أسلوب الكتاب على العموم يتسم بالوضوح والصراحة والتشويق والبعد عن التعقيد والتكلف، ولغة الكتاب بسيطة صادقة، شعبية، صريحة، جريئة الإشارة، تراوح بين الفصحى والعاميّة، فتساير العامة وتلذّ لهم.
ويتخلل القصص شعر، يفتقر أحيانًا إلى الوزن السليم وقد وضع القصاصون الأشعار لتطويل القصة حينًا أو للتأثير في السامعين حينًا آخر. وهذه الأشعار قد تكون أشعارًا منقولة عن شعراء مجيدين، حفظها القاص فزيّن بها موقفًا، أو أشعارًا أراد بها أن ينسج على منوال ما حفظ، فهي أبيات ركيكة غالبًا من السهل تمييزها من الأصل الجيّد، ويتردد الشعر عادة على لسان بطل القصة في مواقف الوعظ، ويكثر في مواقف فراق العاشقين، وتبدو معظم الأشعار دخيلة على سياق القصة لا تتناسب وأحداثها.
مضمون الكتاب:
تأتلف في كتاب ألف ليلة وليلة النزعات البشرية وأساطيرها وثقافتها القديمة، ولكن لا يمكن اعتمادها مصدرًا للتاريخ، إذ يمتزج في قالبها القصصي الأسطورة مع الخيال الشعبي، والواقع مع المبالغة، وسرد الحوادث الخيالية وكأنها الحقيقة. وتستوفي بعض القصص شروط الفن القصصي ويفتقر بعضها إلى الترتيب والتناسق، ويعتمد كثير من القصص على كثرة الحوادث وتسلسلها مع عرض نماذج مختلفة من البشر.
والأقسام المهمة الأساسية في الليالي هي الخرافات ثم قصص الغرام ثم الأساطير أو القصص القديمة، ثم القصص التعليمية والفكاهية وأخيرًا الأحاديث والأخبار.
وقد ملئت الليالي بذكر الجن والعفاريت، واحتلّ جنُّ سليمان مكانة ممتازة. وتقوم العفاريت غالبًا بدور الحبّ والسحر واللهو بالبشر، كما في قصة قمر الزمان ابن الملك شهرمان. وتظهر الليالي قدرة الجن الخارقة، وهي القدرات التي تميّزها من الأنس، ويدخل السحر في شفاء المرضى وفي تحويل الآدميين إلى حيوانات وأحجار وفي إظهار المخبوء من الكنوز. والساحر غالبًا ما يكون مجوسيًا.
ويلحظ في نفوس أبطال القصص الشعور الديني الإسلامي الذي يعكس المعتقدات الدينية الشعبية كما يبدو أثر القرآن والسنة في الحياة الاجتماعية الشعبية التي تصورها الليالي، وخاصة في الجزء المصري منه، ويتجلى الروح الإسلامي في القصص في الإذعان للقضاء والقدر، وأن كل شيء مسطور في كتاب، لذلك على الإنسان أن يتوكل دائمًا على الله، كما يبدو هذا الروح في إحقاق العدل في آخر تتابع الأحداث.
وتسيطر على أكثر قصص الكتاب بيئة التجار المتصلة بطبقة الحكام من جهة وبطبقة الفقراء المقتر عليهم في الرزق من جهة أخرى. ومع أن بعض القصص يرجع إلى أصل هندي أو فارسي فقد صبغها القصاصون بالروح الإسلامي، وأدمجوها في الحياة الاجتماعية عند المسلمين.
وقد صورت الليالي في القصص المصرية بيئة عجيبة هي بيئة الشطّار والعيارين، كما صورت بيئة الطبقات الفقيرة التي لا تكاد تجد قوتها، ثم تمتعها بالغنى بعد أن تفتح لها الكنوز المرصودة.
واحتلت المرأة في كتاب الليالي مكانة كبيرة وحيّزًا بارزًا متعدد الجوانب متباين الأبعاد، فتنوعت صورها واختلفت اختلافًا بينًا، وليس ذلك بغريب، إذ إن الكتاب لا تجمعه وحدة المؤلف ولا العصر، فهو لذلك يجمع أشتاتًا من صور المرأة على مرّ العصور في مختلف البيئات. ففي الليالي صور كثيرة عن ملكات وعن نساء عاديات، ميسورات وفقيرات، وقد استمدت الشخصيات من الواقع حينًا ومن خيال القاص أحيانًا، وأكبر دور قامت به المرأة في الليالي هو دور العاشقة، وهي في كل صور هذا الدور، سواء أكانت ملكة أم جارية مشتراة، تخضع لحبيبها وتناديه يا سيدي، وتقوم على خدمته، وهي في سبيل حبها تبدو أحيانًا خائنة لزوجها، قادرة على الكيد للوصول إلى من تحبّ والتخلص من زوجها.
والعجوز في هذه القصص شمطاء، وهي مصدر شر كبير، تفرّق المحبين وتكون وسيلة بشعة للكيد والانتقام، وكثيرًا ما يستعين بها اللصوص أحيانًا، ونجدها في أحيان أخرى تجمع بين المحبين بطرق مشروعة أو غير مشروعة.
والمرأة غالبًا ذات دهاء ومكر، وقد يبدو ذلك في كيدها السياسي كما في "شواهي" بطلة قصة عمر النعمان وولديه.
وهناك المرأة المحاربة، والمرأة الجارية العالمة كما في شخصيتي "نزهة الزمان، وتودد".
وفي القصص نساء من الجن يعشن كالنساء العاديات في الحب والكره، وإن كانت لهن قدرات غير عادية.
ولقد أفاضت القصص في وصف النساء ومفاتنهن، وكان هذا من أسباب رواج هذه القصص شعبيًا.
وأخيرًا، ومع سيطرة فكرة ظلم الرجل للمرأة وحظها المنكود، فإنها تحتلّ المقام الأول فيما يحدث في القصة من أحداث وما يثار فيها من عواطف.
ترجمة الكتاب وطبعاته:
لا شك في أن أول من نبه الغرب على وجود الكتاب هم المستشرقون الذين قاموا بترجمته، ثم انكبّوا على دراسته. وأول ما لفت نظر الغربيين إلى الكتاب الترجمة التي قام بها أنطون غالان Antoine Galland وهو أستاذ فرنسي تخصص في العلوم الشرقية، وكان قد ترجم قصص السندباد، ثم وجد أن هذه القصص جزء من مجموعة كبيرة من هذا النوع بعد أن أرسلت إليه من حلب أربعة مجلدات من هذا المؤلَف الضخم، فبدأ بالترجمة سنة 1704م، وانتهت طباعة الكتاب سنة 1717م، وقد ترجم ثلاثة مجلدات من المجلدات الأربعة.
ولكن هذه الترجمة لم تكن أمينة، فلم يترجم غالان كل الليالي، وزاد بين المجلد الثاني والثالث قصص السندباد، وتصرّف في ترجمته فأضاف وحذف وغيّر، حتى يلائم الذوق الأوربي، وقد لاقت الترجمة الفرنسية نجاحًا لأن النص كتب بلغةٍ فرنسيةٍ ناصعة سلسة جميلة، يتداولها القارئ الفرنسي بسهولة. لذلك أعيد طبع الليالي مرارًا، وظلت هذه الترجمة طوال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تمثّل للأوربيين المعنى المفهوم لألف ليلة وليلة.
وقد صدرت عن هذه الترجمة ترجمات إلى اللغات: الإنكليزية والألمانية والإيطالية والدنماركية والروسية والفلمنكية والرومانية والهولندية واليونانية والسويدية والبولونية والهنغارية.
ومن أشهر ترجمات الليالي ترجمة هابِكْت Habicht الألماني الذي أصدرها في برسلو (1837 - 1841م) وأغلب الحكايات الواردة فيها وأهمها أخذت بطريقة غير مباشرة من مخطوط غالان وترجمة هنري تورنز (Henry Tornes (1838. ومن أشهر هذه الترجمات كذلك ترجمة وليم لين (1839) الذي ترجم الشعر في الليالي إلى شعر إنكليزي، ولكنه لم ينجز إلا الليالي الخمسين، ثم ريتشارد بورتُن Burton الذي نشر ترجمة ضخمة في عشرة أجزاء وأتبعها بملحق من سبعة أجزاء وصدرت ما بين 1886 و1888م، وقد حافظ على تقسيم الكتاب إلى ليال بعد أن أهمل المستشرقون هذا التقسيم. وهناك أيضًا ترجمة مارْدروسي الفرنسي (Mardrus (1899.
ثم عمد بعض المستشرقين إلى ترجمة الليالي عن الأصل العربي فكان من أبرز هذه الترجمات ترجمة كرايمسكي Krymski الروسي (1904)، وإنوليتنمان Enolittnman الألماني مابين 1921 و1928.
كما شغل المستشرقون بالبحث في أصل الليالي، فلم تخل ترجمة من مقدمة تدرس الليالي وتتكلم عن أصلها، أو تحلل بعضًا من قصصها، وأول عالمين أسهبا في بحث هذا الموضوع سلفستر دي ساسي وفون هامر.
ومع تعدد النسخ المخطوطة التي أخذت عن الطبعات العربية المختلفة، فإنه يمكن إرجاع النسخ المخطوطة إلى ثلاث مجموعات مختلفة: مجموعة آسيوية، ومجموعتين مصريتين. فأما المجموعة الآسيوية فتشمل القسم الأول من الكتاب وقد طبعت في كلكتة في جزأين ما بين سنتي 1814 و1818 وهي نسخة كلكتة الأولى ـ أول مخطوطة طبعت ـ ثم نسخة برسلو بإشراف هابكت في اثني عشر جزءًا مابين سنتي 1825 و1843. ثم طبعت المجموعتان المصريتان، وبينهما اختلاف شديد في الأسلوب والترتيب والعدد والقصص، جمعها ماكناتن Macnaghten في أربعة مجلدات ما بين 1830 و1842 فكان منهما نسخة كلكتة الثانية. ثم كانت طبعة بولاق في القاهرة في مجلدين، وهي أصح الطبعات، وعنها صدرت جميع الترجمات التي لم تعتمد على ترجمة غالان.
وهناك طبعة الآباء اليسوعيين التي حذف منها كثير من الأحداث، وهذب فيها كثير من العبارات مما أبعدها عن الأصل.
أثر "الليالي" في الأدب الغربي:
أثارت ألف ليلة وليلة في نفوس الغربيين شغفًا بجمع الأدب الشعبي ودراسته على نحوٍ لم يكونوا قد بدؤوا يحسون بالحاجة إليه أو الحافز نحوه، كما أثارت في نفوسهم التطلع إلى معرفة هذه الشعوب التي أنتجت هذا الأثر والتي دارت حوادث الكتاب حولها. وقد كانت ألف ليلة وليلة في عداد الحوافز التي دفعت الغرب إلى زيادة اهتمامه بالشرق إضافة إلى النواحي الاستعمارية والتجارية والسياسية، وكان لها تأثيرها في حركة الاستشراق وتوق الأدباء إلى زيارة البلاد الشرقية، ويمثل هذا المستشرق لين الذي زار الشرق ثم أقام في مصر.
وتغلغلت الليالي في نفوس أدباء الغرب وأثّرت في أدبهم، وبدا ذلك في تأثرهم بالخيال والشخصيات التي دارت حولها القصص، وغدت ترجمة غالان للقصص جزءًا من الأدب العالمي، وأمدّت الليالي الأدباء بعالمٍ وافر من الشخصيات والحوادث. وقد استعان كثير من مؤلفي قصص الأطفال بما في الكتاب من أدب سهل، قريب المنال، يتسم بالبساطة والسذاجة التي هي من أخص مميزات قرائهم الأطفال، كقصة علاء الدين وقصة علي بابا وقصة السندباد، فكتبوا في أدب الرحلات التي تتسم بالمغامرات كرحلات غولفر Gullever وروبنسون كروزو Robenson Grusoe والرحلات التي ألفها جول فرن Jules Verne.
واستمدت القصة الغربية من ألف ليلة وليلة آفاقًا جديدة وميادين مبتكرة لحوادثها وعواطفها، كما أصبحت صناعة المناظر المسرحية تعتمد اعتمادًا قويًا في إبراز الأدب المسرحي الشرقي على الصورة التي أوحت بها الليالي، كذلك أثّرت ألف ليلة وليلة فأدخلت موضوعات جديدة في أدب الغرب كقصص الحيوان والجن، وأدخلت هذه الموضوعات في الفنون الأخرى كالرقص والرسم.
وغدت شخصية شهرزاد شخصية عالمية، وقد تأثر بها غوته، فراح يكتب عن الليلة الثانية بعد الألف، وكذلك فعل إدغار آلان بو بأسلوبه الساخر.
وقد أدّى الإقبال على تأليف قصص عن الشرق مستوحاة من ألف ليلة وليلة إلى استلهام الكتّاب الغربيين القصص الشرقية الأخرى التي ترجمت إلى لغاتهم بعد ترجمة ألف ليلة وليلة.
كذلك أوحت الليالي إلى الموسيقيين بأوبرات عالمية كأوبريت معروف الإسكافي، وباليه شهرزاد التي ألفها ريمسكي كورساكوف، وباليه ثورة الحريم.
وقد طبعت الليالي أكثر من ثلاثين مرة في فرنسة وإنكلترة في القرن الثامن عشر وحده، ونشرت نحو ثلاثمائة مرة بلغات أوربة الغربية منذ ذلك الحين






.../...
 
ج2

إن ترجمة إنتاج أي كاتب أو شاعر أجنبي -بحسب اعتقادي- لدى أي شعب من الشعوب، ليست بالبساطة مسألة لغوية، إذ يرتبط ذلك بتواجد شخص الذي يعرف اللغة المعنية، والقادر على ترجمته بالمستوى الأدبي اللائق، إذ واقع الترجمة في حد ذاته، لا يعني بأن الإنتاج المعنى المترجم يلقى على الأقل القبول أو الاهتمام به بين سكان أحد الأقطار، ولا يوجد خلاف في ذلك بالنسبة للتقبل المجري للأدب العربي، وبشكل خاص لنجيب محفوظ. وللتفهم الصحيح لهذا الواقع، فإنه يجب أن نرجع، من أجل ذلك، إلى الماضي لنلقي نظرة تاريخية تساعد على تفهم الأرضية المناسبة، والظروف العامة للاهتمام بالحضارة العربية، وبصفة خاصة الأدب العربي، ومن المفيد الإشارة إلى تلك السمات المميزة الخاصة، التي تفرق بين ذلك الاهتمام، وبين الاهتمامات الأوربية العامة.
وإننا نركز قبل كل شيء على أن الخطوط العامة للاهتمامات المجرية بالثقافة العربية، تتبع المتجهات الأوربية غير أنه وجدت دائمًا لذلك سمات ذاتية خاصة، وهكذا فقد تنامى الاهتمام في أوربا وبالمجر، منذ بداية عصر النهضة والإصلاح بدراسة اللغات السامية، وضمن إطارها اللغة العربية، إذ برزت وقتذاك المجادلات العقائدية، ودارت حول الكتاب المقدس للمسيحية أي: حول " العهد القديم"، وهي المجادلات التي حاول المشاركون فيها إظهار وجهات نظرهم الصحيحة متذرعين، وملتجئين للغته الأصلية أي: العبرانية ليتخذوا منها الحجج المؤيدة لما يريدون إثباته.
وقد أيقظ الاشتغال بالعبرانية، وبشكل طبيعي اهتمامهم ببقية اللغات السامية، وبالدرجة الأولى اللغة العربية، وكان لابد من أن يتعرفوا على الدين الإسلامي والقرآن، والجدير بالذكر أن بعض المتجهات البروتستانتية المجرية، التي رفضت مذهب "الثالوث المقدس" استندت في حججها على كتابات المؤلفين المسلمين المختلفة، وعلى هذا الأساس لم يكن من مجرد الصدفة أن بدأ تعليم اللغة العربية بالمجر " بجامعة ناجسومباط" في عام 1637م.
وإلى جانب الدوافع الدينية، فقد بدأت بشكل خاص -اعتبارًا من القرن الثامن عشر في أوربا الغربية-، تتعمق عوامل جديدة ساعدت على تنامي الاهتمامات بالشرق، وضمن إطارها العالم الإسلامي والعربي، ووقتذاك دفعت العلاقات التجارية والسياسية، والمطامع الاستعمارية إلى ضرورة التعرف على الشرق أيضًا، ومن الواضح أن تلك الدوافع لم تظهر بالمجر، وذلك بحكم وضعيتها الجغرافية والسياسية، وقد اتجهت بدلًا من ذلك نحو الشرق وفق مبررات مجرية.
وإلى جانب المصالح السياسية والاقتصادية اليومية، لعب في ذلك دور أهم يتمثَّل في أن المجريين -كما هو معلوم- قد قدموا إلى موطنهم الحالي من الشرق، في أواخر القرن التاسع، وذلك بعد أن عاشوا من قبل فترات طويلة مع قبائل تركية في الأقاليم الجنوبية للاتحاد السوفيتي اليوم، ويرجع الفضل في التعرف على الفترة المبكرة للتاريخ المجري،
أي: على المصادر الأولى المكتوبة لهذا التاريخ، وهي كتابات الرحالة والجغرافيين العرب المسلمين أمثال: ابن فضلان وابن رسته والبكري والمسعودي والإصطخري.
لذا لا يثير الدهشة أن تصبح قضية دراسة المجريين عبر مؤلفات هؤلاء، وعبر الثقافة العربية والإسلامية قضية وطنية. وقد تنامت بشكل خاص في النصف الأول من القرن التاسع عشر تلك الفكرة، وذلك عندما اكتسحت أوربا الأفكار القومية، وعند تشكل المفهوم الجديد للدول القومية.
ولقد ساعدت هذه الأرضية التاريخية على انتشار الرومانسية في المجر، وهي كانت النزعة الأدبية السائدة في أوربا في القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر. والمعلوم أن هذه النزعة أعرضت عن الكلاسيكية المقلدة للحضارة اليونانية اللاتينية، وتحولت إلى الماضي القومي وإلى العصور الوسطى، وإلى الشعر الشعبي، وقد بحثت الرومانسية بشكل قوي عن السمات المميزة لها، ووجدتها بين أشياء أخرى في اكتشاف العلاقة الشرقية، وقد أبرزت الأفكار الأخرى للرومانسية الاهتمام بموضوعات شرقية. وعلى سبيل المثال، فإن الوجدانية قد صورت شخصية المرأة على أسس أنماط شرقية، وقد بحثت فكرة الحرية الرومانسية عن الإنسان الطبيعي، الذي لم تفسده الحضارة ووجدته في الشرق، في نفس الوقت الذي ربطت محبة الصوفية الرومانسية بالشرق، كما لعبت الأفكار الشهوانية دورا يربط هؤلاء بالشرق أيضًا، وفي أسلوبهم الأدبي أغرموا باستخدام الأساليب الشرقية المعتمدة على الألفاظ المزهرة، وشغفت الرومانسية بتلك النزعة الأخلاقية التعليمية، التي كانت تغلب على الآداب الشرقية، وبشغف كبير فتش دعاة الرومانسية عن النوادر والغرائب، وهكذا أدى اشتغالهم بالشرق إلى مردودات جديدة لموضوعات، وأفكار أدت إلى إثراء آدابهم الخاصة، وبشكل آخر فإن عدم معرفة الأكثرية بالشرق إلى جانب بعد المسافة، قد جعلت الكاتب يقوم بحبك خيوط روايته بمزيد من الحرية، ومن المعروف فإن " ألف ليلة وليلة "، كانت من أكبر المؤثرات على تشكل اهتمامات الرومانسية الأوربية بالشرق، وذلك عند ما نشرت في أوائل القرن الثامن عشر ترجمة جاللاند الفرنسية لألف ليلة وليلة.
ولقد سادت بالمجر -بدون شك- تلك المؤثرات الرومانسية، غير أنه ظهرت بشكل خاص بعض الملامح المعينة عليها. ولما كان المجريون قد أعلنوا انتماءهم إلى الأصول الشرقية، لذلك ساد اللجوء إلى استخدام كناية "شعب الشرق"؛ لذلك كان الاستشراق أمرًا طبيعيًّا منذ سنوات القرن الثامن عشر، وشكل هذا نوعًا من البحث عن الذات بالنسبة للأمة، إذ أنه إلى جانب الأصول الشرقية للمجريين، ربطتهم بالعالم الشرقي أيضًا بعض الحقائق مثل: الفنون الشعبية -بعض السمات الشرقية للموسيقى- بعض الأشكال، التي تعتبر شرقية، والمحببة في الآداب والتراث الشعبي مثل النوادر والأمثال، والموضوعات الشرقية المختلفة.
وإلى جانب ذلك، وخلال الفترات التاريخية المتأخرة للمجريين الذين توطنوا بالغرب، فقد بقيت علاقاتهم مباشرة مع الشعوب الشرقية المختلفة، وإن لم يكن ذلك في بعض الحالات في شكل محظوظ، فلقد تعرضوا خلال القرن الثالث عشر إلى إبادة التتار مثل ما حدث في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، كما تعرضوا للاحتلال العثماني في القرن السادس عشر، والذي استمر لمدة 150 عامًا.
ووقعت لذلك الموضوعات الشرقية في المجر داخل دائرة الاهتمامات التاريخية، وقد اكسب ذلك الوعي التاريخي الاستشراق المجري طابعه المميز المستقل، والذي يميز الاستشراق المجري وقتذاك، إن مصادره المادية لم تكن بالدرجة الأولى من المنابع الأصلية، ولكنه بالأساس اعتمد على تراجم، ومؤلفات المستشرقين الألمان والفرنسيين والإنجليز، وقد اقتبسوا منهم الكثير.
لذا لم يكن بمجرد الصدفة أن يكون أثر ألف ليلة وليلة أكثر فعالية بالمجر، فلقد ظهرت الترجمة الألمانية فقط في عام 1825، وبدأت تظهر بانتظام منذ عام 1829 ترجمتها المجرية، والتي شارك فيها فورشمارتي أحد كبار الشعراء المجريين.
ومن الموضوعات الشرقية المميزة القصة الغنائية الشعبية المسماة " العربي والقاتل"، التي تصور تقاليد الضيافة العربية، وتحكي قصة البدوي الذي قَرَى ضيفَه -وفق تقاليد الضيافة-، وظهر بأن ذلك الضيف هو قاتل لابنه، ورغم ذلك استمر في ضيافته ولم يقم بأذيته، طالما تمتع بقدسية الضيافة.
لم يكن فورشمارتي مترجمًا لألف ليلة وليلة فقط، بل أنه وقع بنفسه تحت تأثيرها بالكامل، إذ استعمل عناصرها الأساسية في أشعاره، ففي أشهر درامياته: "تشونجور وتونده"، فقد استغل في مضمونها الفكري ثلاثة متجولين: التاجر الجوال والأمير والعالم، وترجع أشكال شخصياته إلى ألف ليلة وليلة نفسها، فسفينة التاجر الجوال تغرق وتتشتت جيوش الأمير، ويدفع الشك العالم إلى الجنون، معلنا بذلك بأن كفاح الإنسان هو غير واضح الأهداف، وبدون فائدة.
وبصرف النظر عن ألف ليلة وليلة، فإن القصة يمكن أن تعتبر من أحدث الألوان الأدبية المشتهرة، وهي تنبع من الترجمات ومن الأعمال الأصيلة أيضًا، ونلتقي في الأخيرة بالدرجة الأولى ابتداء من أعوام العشرينيات، وفي سنوات الأربعينيات، حيث تصدر أكثريتها، ونذكر على سبيل المثال فقط تراجم يوجيف بايظا الناقد الأدبي المشهور، الذي ترجم رواية واشنطن أرفينج المسماة "وردة الحمراء"، التي ليست من مؤلفات كاتب شرقي، غير أن موضوعها يرتبط بعرب المغرب.
ومن بين الروايات الأدبية ذات الوشائج العربية نذكر "أثبوبيكا" لهيليودوروس، وبرغم أنها تتناول موضوعًا قديمًا إلا أنها من حيث المكان ترتبط بمصر، والمترجمة من الألمانية، وقد خلفت أثرًا كبيرًا فى الأدب المجري.
وفي حقل الشعر، نقلت إلى المجرية أشعار حافظ الفارسي، وأول أشعار عربية ترجمت إلى المجرية كانت في القرن الثامن عشر -قام بها يانوش لاكوش-، غير أنها لم تتم من الأصل العربي، بل كانت من المنتخبات اللاتينية التي جمعها الإنجليزي وليام جونز، والتي وجهت الأنظار في أوربا لأول مرة إلى الشعر الشرقي.
بينما قام يانوش ريبيتسكي الذي يتقن العربية بمهارة بترجمته إلى المجرية العديد من الأشعار العربية، ووضعها في القالب الشعري معتمدًا على أسسها الأصلية، ومما يميز معرفته اللغوية أنه بمناسبة افتتاح قاعة الصور في عام 1846، قام بالترحيب بحاكم البلاد، الأمير يوجيف في ثوب قصيدة عربية.
وقام العالم اللغوي الشهير بال هونفالفي بترجمة حكايات لقمان في عام 1840، بينما قام جابور فابيان في 1825 بترجمة لأقوال عربية، ونشر يوجيف بونوكري في عام 1834 مجموعة من الأمثال العربية، وهذا النوع من الضروب الأدبية يلقى القبول المناسب بين الحكم الشعبية، التي تُغْني الأدب المجري.
ولن تكتمل الصورة المعطاة عن التراجم الأدبية ما لم نذكر أولى التراجم للقرآن، التي نقلته في عام 1831 من اللاتينية للمجرية.
وباستعراض مواقع وأماكن الأحداث، ومواضيع المؤلفات الأدبية التي ظهرت مترجمة، أو مقتبسة يمكننا أن نقرر بأنها تتضمن بشكل طيب تلك المؤلفات، التي ترتبط بشكل من الأشكال بمصر.
وقام في أواخر القرن الثامن عشر الشاعر المجري الكبير تشوكونائي بالترجمة المجرية، لنص الأوبرا الشهيرة الناي السحري، والتي تجري أحداثها في مصر القديمة، وتقدم شعبيتها النموذج الطيب للاهتمام الأوربي بمصر.
وفي إحدى قصص يوكائي أكبر الكتاب الروائيين المجريين في ذلك القرن، والمسماة "الوردة المصرية"، تتم أحداثها في مصر وذلك قبل ألفين عامًا، وتظهر آثار الاستشراق قوية لدى بيتر فايدا في إحدى رواياته، وعنوانها "تمثال ممنون" وهي ذات موضوع مصري، وكتبها في عام 1836. وفي رواية أخرى له يتناول أحداثًا متعلقة بصلاح الدين.
ويلعب الدور المهم بين السمات الرومانسية حب الترحال والسفر، وشاركت يوميات الأسفار بشكل كبير في جعل الشرق أكثر شعبية أيضًا، وفي السابق كانت الأسفار تستدعيها الضرورة: فهي إما سفارة أو للقيام بالحج أو القيام بأعمال التبشير، وفي أسوء الأحوال الوقوع في الأسر، وبالنسبة للرومانسية، فإن الأسفار ضرورة نفسية.
وقد احتلت مصر المكانة البارزة المرموقة في كتب وصف الرحلات السابقة، ومن أقدم تلك الرحلات، تلك الرحلة التي قام بها في عام 1613 تاماش بورشوش، الذي كان سفيرًا للأمير الترانسلفاني جابور باتوري إلى الباب العالي، والذي زار مصر أيضًا، بينما كان فرنتس توت دبلوماسيًّا في القسطنطينية، والذي زار مصر في عام 1771، وخلاله بزغت لأول مرة فكرة بناء قناة السويس، وقد قام باطلاع السلطان العثماني عليها، بينما قام رحالة مجري آخر في عام 1845 بالتعرف على الحوذي السابق لمحمد علي، وذلك بالإسكندرية، وكان مجري الأصل ويتحدث سبع لغات.
وقد احتلت الإسكندرية ضمن مصر المكانة الأكثر شعبية، والمحببة بين جمهور القراء المجريين؛ لذلك قام فورشمارتي في عام 1828 بترجمة رحلة جيمس أدوارد إلى الإسكندرية، والتي كانت قد ظهرت بالأصل في مجلة ألمانية.
إن ظهور الموضوعات الأدبية الشرقية، ومن بينها العربية قد عملت على استكمالها الدراسات العلمية، التي كانت بالأساس، إما تراجم لمؤلفات غربية أو جزئيًّا أعمال مجرية أصيلة، ويجب علينا هنا أن نذكر شامويل ديتشي، الذي نشر في عام 1803 مؤلفه الشامل لتاريخ مصر، وقد اشتغل أحد المؤلفين المجريين بالإسلام، وذلك عن طريق ترجمة من الألمانية لأطروحة ظهرت في عام 1811،وكانت عن حياة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ونلتقي كذلك بالعديد من الدراسات ذات الموضوعات التاريخية، وعلى سبيل المثال التي تهتم بمصر الحديثة، وبمحمد علي وببدو الجزيرة العربية وبالوهابيين، بينما قام ريبيتسكي، السابق ذكره، بعدة دراسات ناقشت الشعر العربي.
وبتقييم نشأة الاستشراق المجري، يمكننا القول بأنه بالرغم عن جميع الحالات، التي تعمقت جذورها بشكل طيب في البيئة المحلية، إلا أن الموضوعات الشرقية كانت في كثير من الأحوال ما هي إلا ذرائع يستغلها الكاتب؛ لكي يجد الفرصة المناسبة للتعبير عن نظراته الشخصية، وفي مثل هذا المفهوم، فإن الفرق يبرز بين بعض الشخصيات في مدى تملكهم للمعارف الدقيقة المتعمقة للموضوع الشرقي. ونجد أن البعض لديه القدرة فقط على إطلاق أسماء شرقية الأصل على أبطاله، بينما الآخرون لديهم القدرة على إشعارنا بمدى تعرفهم الدقيق على المواقع الشرقية، وأقدر هؤلاء هم المماثلون لفورشمارتي، القادرون على تصوير الروح الشرقية.
وفي جميع الحالات، فإن الطابع المشترك السمة في الأعمال الأدبية ذات الموضوعات الشرقية، هو النظرة المتعاطفة المحبة للشرق.
وتميز النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأن وسائل المواصلات المتطورة بوتيرة متسارعة، قد عملت على تقريب المسافات بشكل كبير بين أوربا والشرق الأوسط، وبذلك قدمت الإمكانات التي لا يمكن مقارنتها في السابق، وذلك للتعرف الشخصي للكثير بواقع الشرق.
ونحن إذا فكرنا في كتب الرحلات المهتمة بمصر والصادرة باللغة المجرية في ذلك الوقت، فإننا بدون مبالغة يمكننا التأكيد على تواجد تلك العلاقات الوثيقة بين البلدين مثل الحال اليوم، فلقد تواجدت جميع تلك الظروف المهيئة لتشكيل صورة واقعية للشرق، وللتعرف على الشرق الحقيقي.
غير أن كارثة الحرب العالمية الأولى، قد جعلت ذلك من المحال، فلقد قسمت الحدود أوربا إلى وحدات صغيرة عملت على إعاقة المواصلات، وقد عمل ذلك الواقع على توغل المصاعب الجمة في شرق أوربا، وهذا ما انطبق على المجر أيضًا؛ ولذا يمكننا القول بأنه من وجهة النظر المجرية، فإن الشرق قد ابتعد عنها مثل ما كان عليه في بداية القرن التاسع عشر، ولقد اضطرت الدولة التي قامت على حطام الإمبراطورية النمساوية المجرية إلى الالتفاف للداخل، ولعله ليس من المبالغة تقرير أن الاهتمام الموجه للشرق قد انعدم، وأن هذه العزلة تظهر في تقبل بعض الأفكار الغربية أيضًا، والتي عملت على الحد من مفاهيم الأدب العالمي.
إن الفكرة الأساسية لهذا التفكير هو أن الأدب العالمي ليس حاصلة الآداب القومية، بل هو ذلك الأدب الذي لا يخص أحد الشعوب، بل الذي يعني شيئًا لجميع شعوب العالم، والأدب العالمي يضم محصلة تلك المؤلفات الأدبية بأكملها، التي عن طريق تأثيرها، وقيمها تلعب دورها لدى كل الشعوب المثقفة والتي تصل إليها.
وهكذا فإن آداب الشعوب الشرقية القديمة والحديثة لا تنتمي إلى محيط ذلك المفهوم، إذ رغم تواجد قيمها، فإنها لم تؤثر على الآداب الغربية، ولم تخط نحو الأدب العالمي، ولم تشكل جزءًا من التراث المشترك للإنسانية، ويستثنى من ذلك أدب العرب؛ لأن أهم مؤلفاتهم يمكن قراءتها مترجمة؛ ولأن آثارها تسهم في نشأة الآداب الغربية وتشكيلها، ومن الواضح أنه لا يمكن الحفاظ على هذا التضييق المصطنع للأدب العالمي.
إن التغيرات التي حدثت عقب الحرب العالمية الثانية، قد عملت على الانعزال داخل أوربا من جانب، ولكنها أتاحت الإمكانية للتعرف القريب على العالم الثالث، وإلى إنشاء علاقات ثقافية إلى جانب العلاقات الاقتصادية مع هذا العالم. وقد أصبح ذلك ممكنا عقب عام 1956، فيما يتعلق بالدول العربية.
أما كيف أن الاهتمام بالعالم العربي لم يخمد قبل عام 1956 ولعشرات السنين، وكيف أنه بعد عام 1956 قد تنامى بعد الانفتاح السياسي، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى عبد الكريم جرمانوس المستشرق المجري المرموق، إن ذلك العالم، الذي اعتنق الإسلام في سنوات الثلاثينيات، ثم أدى فريضة الحج بعد ذلك، قام لسنوات طويلة كمؤسسة ذات فرد واحد على خدمة نشر، وجلب الشعبية للثقافة العربية بالمجر، وقد ربطته وشائج الصداقة الوثيقة مع أبرز الكتاب والشعراء العرب، ومن بينهم نجيب محفوظ أيضًا، وقد أتاحت له سفرياته المتكررة للدول العربية المختلفة، وبصفة خاصة لمصر فرص ذلك، وقد شرفه العالم العربي بالعضوية في معظم مجامع اللغة العربية.
وتتركز أهمية جهوده المبذولة في خدمة الأدب العربي في ضربين: أولهما كتبه التي تناولت أسفاره إلى العالم العربي والتي عن طريقها عرف القارئ المجري بما يخفى عليه من معرفة بالشرق العربي، وكانت كتب رحلاته معدة وفق خبراته العلمية، وذات صفة إيجابية وموضوعية، فقد استطاعت أن تلقى الاهتمام المتزايد من الجماهير المجرية، وزرعت في نفوسهم التعاطف مع الشرق، وثانيهما هو سعيه الحثيث لجعل الأدب العربي أكثر قبولًا لدى المجريين، فكتب باللغة المجرية تاريخ الأدب العربي، وأعدَّ منتخبات للشعر العربي، وشجع حركة الترجمة الفنية لروائع الأدب العربي.
ووصفه أحد مريديه بأنه، أي جرمانوس، هو شخصية من شخصيات القرن التاسع عشر التي تأخرت عن عصرها. وحقيقة لقد كان جرمانوس مثل كبار رومانسيي القرن الماضي، الذين كان أدب الرحلات بالنسبة لهم ضرورةً روحية وبلسمًا للنفس، ونحن إذ نجري المقارنة بين القراء المجريين في الخميسنيات، وبين قراء القرن الماضي نجد من الصعوبة عليهم تخطي حدود البلاد إلى الشرق، والذين يقرأون عنه كنوع من الفرار من واقعهم اليومي المحزن؛ لذا لم يكن من الصدفة أن تطبع ترجمته الذاتية المسماة "في ضوء الهلال الساطع" عدة طبعات، وكانت من أكثر المؤلفات الأدبية شعبية في الخمسينيات.
ولقد برز فرق جوهري بين الاستشراق الحديث والاستشراق الرومانسي للقرن التاسع عشر، إذ إنه اليوم يمكن تقديم الشرق مباشرة، ومن ترجمات المؤلفات الأصلية ذاتها، مع أن الترجمات -بسبب قلة من يتقنون العربية في البداية- كانت تتم في العادة من غير العربية، بل كانت على أساس التراجم الإنجليزية والفرنسية أو الروسية، كما توقف لجوء الأدب المجري إلى اقتباس موضوعات شرقية، إذ إن الكتاب عندما لجأوا إلى ذلك في القرن الماضي كانوا يستغلون الرداء الشرقي للتعبير عما يجيش في أنفسهم من انفعالات مكبوتة، إذن فليس من المغالاة أن نقرر في هذا الصدد بأن أدب المغامرات العلمية الخرافية، بدأ يلعب الدور الذي لعبه الأدب الشرقي في القرن الماضي.
وقد وجه المترجمون بالدرجة الأولى اهتمامهم إلى كبار الكتاب المصريين أمثال: محمود تيمور وطه حسين وتوفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي، إذ قاموا بترجمة العديد من قصصهم، ومن بينها "الأيام" في عام 1962، والمثير للاهتمام أن نجيب محفوظ، الذي لم تتركز عليه الأضواء، لم ترد أي من قصصه في المجموعة القصصية التي نشرت في عام 1960، غير أن جرمانوس قام في عام 1962 بنشر مؤلفه عن تاريخ الأدب العربي من البداية، وحتى اليوم، لم يقم فقط بالتعريف في مؤلفه بنجيب محفوظ، بل ويقدم بعض تفاصيل من روايته "زقاق المدق" إلى المجرية، وبذلك نقل الصورة الملموسة لعنوان الرواية، والذي تضمن من ناحية المحتوى التعبير الأكثر صدقًا من ترجمة العنوان في الطبعة الإنجليزية.
وفي عام 1965 ظهرت ترجمة "بداية ونهاية" في 3000 نسخة، وكان هذا العدد هو المعدل المتوسطي وقتذاك، وقد جانب الناشر التقدير إذ سرعان ما نفذت الطبعة، وقد كانت الدراسة الملحقة بالرواية تناقش إنتاج نجيب محفوظ على ضوء الإيديولوجية العقائدية الماركسية الرسمية وقتذاك؛ لذا ركزت ثقلها بالدرجة الأولى على حياة الطبقة البرجوازية الصغيرة، التي نقلت الرواية صورة صادقة وحيّة لها، وعلى حياة أهم الطبقات الاجتماعية، وإلى جانب التعبير المبسط فإنها تعترف بأن محفوظ ليس فقط أكبر الكتاب المصريين، بل ومن أكبر الكتاب العرب، وكان الخطأ الوحيد المنسوب إلى المؤلف هو مغالاته في ذكر التفاصيل النقدية، التي شكلت عبئًا على الرواية وعلى القارئ.
وفي عام 1974 ظهرت مجموعة قصصية لكتاب اليوم، وقد شملت قصتين لنجيب محفوظ هما "شهر العسل" و"تحت المظلة"، وقد استكملت تلك المجموعة ترجمة حياة نجيب محفوظ وتقديره، إذ أنها قررت بأن نجيب محفوظ هو من أشهر الكتاب التجريبيين، وقد ضمت المجموعة إلى جانب نجيب محفوظ أسماء لامعة في الأدب العربي، مثل الشرقاوي ويحيى حقي ومصطفى محمود ويوسف إدريس. وكان عدد نسخ الطبعة 4500 نسخة، جانب التقدير فيها الناشر، إذ تجاوز الطلب عدد النسخ المطبوعة.
وفي عام 1976 ظهرت مجموعة قصصية أخرى، وقد ضمت إحدى قصص نجيب محفوظ وهي قصة "جوار الله".
وفي عام 1981 ظهرت قصة نجيب محفوظ المسماة "الزعبلاوي"، وذلك في مجلة "العالم الكبير"، وهي دورية تهدف إلى التعريف بالآداب الأجنبية، وقام المترجم بالتعريف في نفس المجلة برواية "ميرامار" على أساس ترجمة إنجليزية لها، وقد ذكر في هذا الصدد بأن ميرامار مثل "بنسيون فوترين" لبلزاك تنقل الصورة الواقعية للعصر، وذلك عن طريق أشخاصها، وكان أبطال الرواية الرئيسيون هم شخصيات الطبقة المثقفة الخاسرة، والمصورة لأضغاث أحلام الخمسينيات والستينيات، وحسب رأي كاتب المقال، فإن مضمون ما تضعه ميرامار هدفًا لها هو أن مثقفي البرجوازية الصغيرة قد استنفذوا دورهم، وفي أن الخادمة زهرة قد تشكل شخصية قابلة للتجدد.
وعندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في عام 1988، قامت دورية "العالم الكبير " من جديد بذكره، وقد نشرت في عام 1989 ترجمة قام بها أرنويوهاز لقصة "عابرو السبيل"، وهي التي قامت باستكمال الصورة الحية لنجيب محفوظ لدى القراء المجريين، وتبرز المقالة التحليلية المرافقة للترجمة بأن أبطال نجيب محفوظ هي لشخصيات تبدو أنها تخلفت عن شيء ما في ركب الحياة، وذلك بشكل عفوي.
ويرجع نجاح شعبية نجيب محفوظ في المجر إلى عدة أسباب، منها: أننا نجد فيها الصورة الصادقة لعالم بعيد، والذي قام نجيب محفوظ بتصويره باسمي وسائل الكتاب. وفي القصص المترجمة إلى المجرية يكتشف القارئ المجري بعض السمات، التي تندمج جيدًا -بالنسبة للكثيرين- فقط في الصورة الشرقية، التي قد حددتها حكايات ألف ليلة وليلة، وأَعتقد أن السمات المصيرية العفوية، التي تظهر في الزعبلاوي، وفي "عابرو السبيل"، تذكرنا بشكل قوي بمصير شخصيات ذات أدوار مصيرية في ألف ليلة وليلة.
وإذا بحثنا عن الإجابة عن السؤال في ماهية مؤلفات نجيب محفوظ، التي نقدمها للجمهور المجري -الذي استحفظ اسمه وأَحبَّه- نُنَوِّه بأن دورية "العالم الكبير" لم تعرف عفويًّا برواية ميرامار، التي هي في حد ذاتها رائعة أدبية والتي تكتسب بالنسبة للقارئ المجري خصائص جذابة، وهي أن أحداثها تدور بالأسكندرية، وحيث إن الأسكندرية قد أصبحت شعبية لا يمكن لأي ناشر يرغب في الاستجابة لرغبة القراء وذوقهم تجاهل ذلك؛ لذا نذكر مؤلفًا صدر في سنوات الأربعينيات، ولقي الرواج، برغم أنه لم يبلغ المستوى الأدبي الرفيع وهو "ليلة في القاهرة" لكلير كينيت، والتي وقعت حوادثها بالإسكندرية في سنوات الثلاثينيات، وقد عمّقت شعبية الإسكندرية لمدة طويلة لدى القارئ المجري، وفي سنوات السبعينيات قوى الاهتمام بالإسكندرية، وذلك بنشر ترجمة أشعار كافافيس شاعر الإسكندرية الكبير، وكذلك بنشر الترجمة المجرية لرباعية دوريل عن الإسكندرية.
ومن الأكيد أن يحظى بنفس الاهتمام مؤلف آخر لنجيب محفوظ، والذي تدور أحداثه بالإسكندرية، وهو رواية "السمان والخريف"، وإلى جانب ذلك، لا نتناسى بطبيعة الحال معظم مؤلفات نجيب محفوظ الأخرى، التي تحمل كل منها رسالة موجهة للإنسانية العالمية.
ولا يمكننا أن نتجاهل مدى شعبية نجيب محفوظ بالمجر، إذا لم نذكر أيضًا أن مؤلفات نجيب محفوظ هي جزء مهم من المادة الدراسية لطلاب قسم اللغة العربية بجامعتنا في بودابست، وعلى سبيل المثال، فإن آخر ما يقرأ على طلابنا هو "ثرثرة فوق النيل"، وهي الرواية التي لقيت استحسانهم جميعًا، هذا ولا نتناسى أيضًا أن العديد من طلابنا قد اختار لموضوع أطروحته أدب نجيب محفوظ، وذلك اعتبارًا من بداية الستينيات.


شاندور فودور.
عضو المجمع المراسل.
من المجر


* مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...