جميل حمداوي - شرف الدين ماجدولين وبلاغة الصورة السردية في ( الليالي )

[SIZE=5]المقدمة:

يعد شرف الدين ماجدولين من أهم الدارسين المغاربة المتميزين والنشيطين في مجال الصورة السردية أو بلاغة الصورة، سواء أكانت صورة روائية أم قصصية أم حكائية أم فنية. وقد ألف هذا الباحث، في مجال الصورة السردية، مجموعة من الدراسات القيمة منها: (بيان شهرزاد - التشكلات النوعية لصور الليالي)[1]، و(الصورة السردية: قراءة في التجليات النصية) [2]، و(الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما)[3]. ويعني هذا أنه من المدافعين الغيورين عن الصورة الروائية أو النقد البلاغي في دراسة الصور السردية الموسعة. وبذلك، يعد نسخة ثانية من شخصية الناقد الدكتور محمد أنقار الذي يعد المنظر الأول للصورة الروائية في الوطن العربي بدون منازع. كما يعتبر شرف الدين ماجدولين من أهم أعضاء حلقة تطوان التي مازالت تحتفي بالصورة الروائية وبلاغة السرد إلى يومنا هذا.

وعليه، فما أهم التصورات التي يتضمنها كتابه النقدي (بيان شهرزاد) على مستوى المضمون والصورة والمنهج؟ هذا ما سوف نتبينه في هذين المبحثين المتكاملين.

صور (الليالي) بين الموضوع والمنهج:

يتناول شرف الدين ماجدولين في كتابه (بيان شهرزاد) مجموعة من صور الليالي بالتحليل والدراسة في ضوء البلاغة السردية أو البلاغة النوعية، تطبيقا لتصورات أستاذه الدكتور محمد أنقار التي أثبتها في كتابه (صورة المغرب في الرواية الإسبانية)[4]. وإذا كان أستاذه محمد أنقار قد طبق معيار الصورة الروائية على جنس الرواية، فإن شرف الدين ماجدولين قد طبقه على جنس الحكاية الشعبية، وبالضبط على (ألف ليلية وليلة). وفي هذا الصدد، يقول شرف الدين ماجدولين: "إن صور الليالي، إنجاز لفظي، سابق - قبل كل شيء - على معلوله الذهني، وماهية لفظية مضبوطة بنسق الإنشاء اللغوي، تشمل مجمل أغراض الكلام العربي، وتتضمن مختلف احتمالات التأليف والتشكيل السرديين؛ فضلا عن تطويعها لتقاليد الصياغة الشعبية.ومن هذا المنطلق نفترض أن صور الليالي وجود ممتد بين الظاهر والمجرد، ينطلق من العام الذهني إلى الخاص اللفظي، ومنه إلى الأخص السردي. وبذا فهي صور ذات قواعد إنشائية ومقولات "بلاغية نوعية"، يمكن أن تضبط مناحي تشكلها، وتحدد آفاق أدائها المعنوي الجميل.[5]"

وبما أن الليالي حكاية شعبية تراثية، فهي تتضمن صورا فرعية: رمزية، وعجائبية، وخرافية، وهزلية، وأسطورية، واستعارية، وطباقية، ومجازية...كما تحوي ثنائيات مفارقة: الواقع والخيال، والتاريخ والأسطورة، والحقيقة والمثال، واليومي والكوني، والشعري والنثري...

ومن باب العلم، فقد أنجزت حول كتاب (الليالي) العديد من الرسائل والأطروحات الجامعية منذ بحث سهير القلماوي إلى يومنا هذا. بيد أن الجديد في هذه الدراسة يتمثل في تطبيق البلاغة النوعية أو بلاغة الصورة السردية أو معيار الصورة الروائية، وإعادة قراءة ألف ليلة وليلة في ضوء مبحث الصورة السردية، بالتوقف عند الطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية، وقواعد الجنس، والسياق النصي، والسياق الذهني. وفي هذا الإطار، يقول الباحث: " لقد حاولنا في نطاق هذا البحث أن ندرس صور الليالي بما هي تشكلات بلاغية نوعية، يفترض فيها أن تولد تأثيرات جمالية متمايزة. وكان سبيلنا في التناول النقدي هو نهج البلاغة النوعية المصورة، حيث تبين لنا أن نسبية العلائق التي يصطنعها الأسلوب، وتأرجحها بين تمثيل منطق الإمكان ومفارقته، وتحسينه وتقبيحه، إجراءات لا تلغي فنية الصور، ولا تطعن في صدقها، ولا تنفي - من ثم- وحدة الحقيقة الموضوعية. والصور تعكس شتى صيغ استرفاد الفن للوقائع الحسية والمجردة، أيا كانت زاوية الاسترفاد، وأيا كانت غايته. وإن أوصافا من قبيل: "الأسلوب الأعلى"، و"الأسلوب الأدنى"، و"الصورة الحلم"، و"الصورة المرآة"، تمثل نزوعا إلى التشخيص النقدي، يتخذ بعدا مجازيا، ويرمي إلى بيان قيمة التساند الصوري، في المتن الأسلوبي المفتوح لليالي."[6].

هذا، ولا يمكن الحديث عن بلاغة نوعية موحدة لصور الليالي، مادامت هذه الصور متعددة ومتطابقة فيما بينها على مستوى الأنواع والأساليب، حيث توجد دينامية نصية، وتساند جمالي، وجدل بين المكونات والسمات الأسلوبية في الأنواع الحكائية المميزة (الحكاية العجيبة، والحكاية الخرافية، والحكاية الشطارية، والحكاية الهزلية، والحكاية المرحة، والحكاية الشعبية...). لذا، يدرس الباحث مجموعة من صور الليالي بالتوقف عند الصورة الموضوع، وصورة الأحداث، والدينامية النصية، والبلاغة النوعية، وصورة الشخصية، وصورة اللغة، وصورة الإيقاع، وصورة الامتداد، وصورة الكثافة، وصورة التوتر، وصورة الفضاء، وصورة الأسلوب وغيرها من المكونات والسمات الفنية والجمالية والأسلوبية...

وهكذا، يتبين لنا بأن صور الليالي متنوعة ومختلفة من حيث بلاغتها التجنيسية والنوعية، ومن حيث أساليبها ولغتها وبلاغتها وسياقها النصي والذهني. وعلى الرغم من هذا التنوع السردي، فإن ثمة ناظما سرديا موحدا يتمثل في الحكاية الإطار التي تتفرع عنها مجموعة من الحكايات المتناسلة والمتضمنة، وتشمل بدورها صورا زاخرة ومتنوعة من حيث سماتها الفنية والجمالية والأسلوبية.

ومن جهة أخرى، تتأرجح هذه الصور بين الأسلوب السامي والأسلوب العامي. ثم، " إن صور الليالي نموذج مثالي للمزاوجة الأسلوبية بين الشعر والسرد، نتاج لتلاقي إمكانيات الصورة الشعرية والسردية بوصفها وسائل تعبيرية متمايزة، لا يعوض بعضها الآخر، ولا يجاوزه، وإنما يستكمل وظائفه الإيهامية، ومقاصده التخييلية، ومراميه التأثيرية، في تكوين صور الليالي وإنقاذ مغزاها، على نحو منسجم لايشوبه خلل أو تعارض[7]."

وهكذا، يتبنى الباحث، في كتابه (بيان شهرزاد)، معيار الصورة الروائية، مع الانفتاح - قدر الإمكان - على المقاربة الأسلوبية، ونظرية الأجناس الأدبية، واستلهام آليات الإنشائية البنيوية (البويطيقا).

تجنيس صور (الليالي):

درس شرف الدين ماجدولين، في كتابه (بيان شهرزاد)، مجموعة من الصور السردية التي تندرج ضمن السرد الشعبي من خلال كتاب (الليالي). ومن بين هذه الصور النوعية نذكر: الصورة الحكائية العجيبة التي تستند إلى الأسلوب السامي، والتأرجح بين الواقع والمحتمل، واستعمال صور تميل إلى المجرد أكثر مما تميل إلى الحسي، وتنحاز إلى المتخيل أكثر مما تنحاز إلى المرجعي، مع استعمال صور شفافة، واستخدام أفعال خارقة، وتفعيل عنصر الإدهاش، وتوظيف شخصيات تتأرجح بين المنح والعوائق، وتتراوح بين أفضية مجردة ومطلقة.

وتنبني الصورة الخرافية على الفعالية الرمزية، واستخدام الحيوانات للتعبير عن المدلولات الإنسانية والقيم الأخلاقية. وتبدو الصورة، في هذا النوع السردي، صورة مقنعة رمزيا، وخاضعة لعنصر الصراع بين الماهيات والقيم، كما تتميز بخاصيات الإيحاء، والتكثيف، والاستبدال، والتركيز...

ومن جهة أخرى، تدل الصورة البطولية، في السير الشعبية، على الإنجاز الفردي الخارق في مواجهة العوائق والمثبطات الواقعية والمجردة، وهي تعبير حقيقي عن حلم فردي لتحقيق الخلاص، وتحصيل الحرية، وتجاوز للواقع المنحط على مستوى القيم.

في حين، تتميز الصورة الشطارية بالإيهام المرآوي، ودينامية الفعل وتنوعه، وكثرة حركته. وتستند كذلك إلى الفضاء المديني، وتصوير المهمشين، واستخدام الأسلوب الدنيوي، وذلك كله من أجل رصد التناقضات الاجتماعية والقيمية والاقتصادية والثقافية في المجتمع الواحد.

بينما تتسم صورة الحكاية الشعبية باستبطان الجوهر الإنساني، والتركيز على الگروتسيك أو ما يسمى بالقبح والتشويه، والتركيز على التناقضات الكمية والكيفية.

أما الصورة المرحة، فتتميز " بإمكانيات الظاهر والمألوف، وتصاغ طبقا لمقتضيات الأسلوب الأدنى، وتتشكل حسب ما تضفيه عليها خصوصيات البناء الموجز المكثف، والوصف المحدود، والحوار الساخر، فتبدو صورا حسية بما تسبغه عليها تحديدات الزمن والفضاء من تعيين، وذات أفق مفتوح على تغاير الطبائع والسلوكات الإنسانية، لأنها كذلك فقد بات تكوينها البلاغي قرين مظاهر المفارقة القولية والحدثية، وأضحى الانحراف عن مقتضيات الضرورة السياقية صبغة نظامها القولي وماهيتها البلاغية، ولا جرم بعد ذلك أن تهيمن مستويات التنابذ الفكه- في سياق النص- على مكونات الصياغة الأسلوبية، وأن تردد باقي السمات التخييلية صداها المعنوي والجمالي، فيترتب من جراء ذلك توليد الأبعاد الهزلية."[8].

وثمة صور سردية أخرى لم يدرسها الباحث في كتابه القيم، إذ يمكن مقاربتها - لاحقا- في ضوء معيار الصورة السردية، مثل: الأخبار، والحكايات الصوفية، وحكايات الألغاز، والطرف القصيرة...

الخاتمة:

وخلاصة القول، يعد كتاب (بيان شهرزاد) لشرف الدين ماجدولين كتابا نقديا في التجنيس على غرار كتابات سعيد يقطين[9]، سواء أكان ذلك نظرية أم تطبيقا. ومن ثم، يعيد هذا الباحث قراءة (ألف ليلة وليلة) في ضوء البلاغة السردية أو البلاغة النوعية، أو في ضوء معيار الصورة الروائية، كما بلورها الدكتور محمد أنقار في كتابه عن الرواية الاستعمارية الإسبانية. لذا، تحضر مجموعة من التصورات المنهجية في هذا الكتاب المستفيض، مثل: نظرية الأدب أو ما يسمى أيضا بشعرية الأجناس الأدبية، علاوة على حضور المقاربة الإنشائية (Poétique)، والمقاربة الأسلوبية، والبلاغة السردية، ومعيار الصورة الروائية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على ثراء المعرفة الخلفية عند الدارس، وتنوع مصادره النظرية والتطبيقية.

[1] شرف الدين ماجدولين: بيان شهرزاد - التشكلات النوعية لصور الليالي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م.
[2] شرف الدين ماجدولين: الصورة السردية: قراءة في التجليات النصية، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006م.
[3] شرف الدين ماجدولين: الصورة السردية:في الرواية والقصة والسينما، الدار العربية للعلوم ببيروتومنشورات الاختلاف بالجزائر، الطبعة الثانية سنة 2010م.
[4] د. محمد أنقار: صورة المغرب في الرواية الإسبانية، مكتبة الإدرسي بتطوان، الطبعة الأولى سنة 1994م.
[5] شرف الدين ماجدولين: بيان شهرزاد - التشكلات النوعية لصور الليالي، ص:5.
[6] شرف الدين ماجدولين: بيان شهرزاد - التشكلات النوعية لصور الليالي، ص:327.
[7] شرف الدين ماجدولين: نفسه، ص:329.
[8] شرف الدين ماجدولين: نفسه، ص:331-332.
[9] سعيد يقطين: الكلام والخبر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م.



* مصدر الموضوع: alukahnet
[/SIZE]
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...