نقد عزمي عبد الوهاب - معركة «الأدب المهموس»

كتب الناقد الدكتور «محمد مندور» سلسلة من المقالات دارت حول ما سمّاه «الأدب المهموس» وهو ذلك الأدب الذي سلم من روح الخطابة التي غلبت على الشعر العربي منذ المتنبي، وكأنه يضع علامة فاصلة بين عهد مضى وآخر، يرسم له قواعده وخطوطه.

بعد عدة أشهر وفي 13 إبريل/نيسان 1943 كتب «مندور» سلسلة أخرى عن الهمس في النثر، واختار نماذجه مما كتبه شعراء المهجر، وكان مما قاله إن ثمّة شعراً صادقاً جميلاً ونثراً صادقاً جميلاً أيضاً فيه معنى الهمس، أي إنه يخلو من الروح الخطابية التي غلبت على شعرنا التقليدي، أو بمعنى آخر إنه يقوم على الإحساس أكثر مما يقوم على التقرير، ويحتفل بالموسيقى الرنّانة، ويلتصق بالحياة والنفس الإنسانية.

وقبل أن يُتِمّ «مندور» نشر مقالاته عن «الأدب المهموس» كانت المعركة قد بدأت، فقد كتب «سيد قطب» في مجلة «الرسالة» ثلاثة مقالات، وكان مما قاله: «أثبت الدكتور مندور أن أدباء المهجر هم شعراء العربية، وأن بين شعرهم وشعر الكثير من شعراء مصر قروناً، والواقع أن النماذج التي جاء بها، والدعوة التي يدعو بها إلى هذه النماذج، هو توجيه مؤذٍ في فهم الأدب وفهم الحياة، وأنا أفهم أن يحبّ مندور أو سواه لوناً من ألوان الأدب فتلك مسألة مزاج، ولكن أن يصبح هذا اللون الواحد دون سواه هو الأدب الصحيح، وما عداه سخيفاً، فذلك ضيق في الإحساس، يجوز أن يقنع به قارئ يتذوَّق، ويلذّ له لون واحد من الغذاء الروحي، ولكنه لا يصلح لمن يتصدّى للنقد والتوجيه».

ثم يمضي قائلاً: «أستطيع أن أسمّي هذا اللون باللون الحِنَيِّن ـ بكسر الحاء وتشديد الياء ـ حسب تعبير أولاد البلد من القاهريين، وهذا الأدب «الحِنَيِّن» قد يكون فيه الصادق السليم، وقد يكون فيه الكاذب المريض، فإذا نحن جعلنا همَّنا أن نهمس فقط، وأن نكون وديعين أليفين، وأن تكون الحِنِّيّة هي طابعنا فقط، فأين نذهب بالأنماط التي لا تُعَدّ من حالات الشعور وحالات النفوس وحالات الأمزجة؟ ومندور يسمى شعر المتنبي شعراً خطابياً، ويعني أن المتنبي لا يهمس، فالصدق هو الذي يجب أن تنظر إليه، والمتنبي الصادق أجمل الصدق يجلجل، ويصلصل في شعره وفي أدائه لأنه هو هكذا من الداخل».

يؤكِّد «قطب» على أن الناقد يجب ألا يحكِّم مزاجه الخاص الذي قد لا يكون أصدق الأمزجة، بل قد يكون ثمرة عقدة نفسية أو حادثة عرضية، ويعلن أنه لا يعادي الأدب المهموس، كما عادى مندور ألوان الأدب الأخرى، ولا يفاضل بينه وبينها، لكنه يخشى أن يقود المزاج الشخصي الناقد، فيفرضه على الناس، ويوجِّههم بلا دافع موضوعي.

وفي مقاله الثاني يفنِّد «قطب» حجج مندور، ويحاول أن يردّ حماسته لهذا المذهب النقدي إلى مزاجه الشخصي، الذي يردُّْه بدوره إلى عقد نفسية قائلاً: «هناك عقدتان نفسيتان لعلهما تلتقيان عند عقدة واحدة، فالأستاذ (أي مندور)- كما لمحت في أحاديثي القصيرة معه- حادّ المزاج سريع التأثر شديد الحنين والألفة، وهي صفات إنسانية تُحَبّ، لكنها لا تصلح للناقد، ولا يستقيم معها النقد».

وفي مقاله الثالث يمضى قطب في تتبُّع القضية، وبالرغم من أنه انتهى إلى قبول الهمس في الشعر والنثر، إلا أنه رفض النماذج التي ساقها مندور من شعر المهجريين ونثرهم، فهو يعتقد أن الأدب المصري لم يخلُ من صور ذلك اللون المحبَّب لمندور، وهي صور متنوِّعة، وأكثر سلامة من النماذج التي استهوته». وينتهى قطب في مقاله هذا إلى بعض النتائج، وهي أن الهمس ليس أجمل ولا أعمق ولا أصدق الحالات، لكنه حالة من حالات، بل حالة لا تلجأ إليها الطبيعة والحياة إلا في فترات الراحة من عناء الضجيج، وأن الحياة تتَّسع للجميع، وتحفل بالجميع، ولا تتطلَّب منهم إلا التعبير الجميل عن الشعور الصادق.

وفي العدد نفسه من مجلة الرسالة يكتب مندور مقالاً بعنوان «الشعر الخطابي» يحاول فيه أن يدافع عن وجهة نظره، فقد أبدى فخره بأنه سليم معافى لم يمرض يوماً، وقال إن الهمس في الشعر ليس (الحِنِّيّة) ولا هو خاص بنوع من الإحساس، وإنما هو مذهب في الفن، كما أبدى اعتراضه على تحذير سيد قطب القرّاء من آرائه، وأوضح أنه يميِّز الشعر المهموس بالشعر الخطابي، وضرب مثلاً لذلك بقصيدة «حصاد القمر» لمحمود حسن إسماعيل، التي عَدَّها من النوع الخطابي، فضلاً عما تكشف عنه من عاطفية مسرفة أو «طرطشة» على حدّ تعبيره، واضطراب في الرؤية الشعرية، ومن ثَمَّ فهو شاعر (محمود حسن إسماعيل) ليس له عالم شعري على الإطلاق، لأنه لا يرى الأشياء رؤية واضحة أو متجانسة، ويلتمس الصور من ذاكرته على الأرجح، لا مما يراه ببصره، أو يدركه بحسِّه.

في هذه المعركة التي دارت رحاها بين ناقدين كبيرين، تدخَّل أدباء آخرون، فكتب «حسين الظريفي» من العراق مقالاً عاب فيه على المتحاورين إغفال المصدر الذي انبعثت عنه الظاهرة، وأضاف أن لشعر المهجر طابعاً خاصاً، يعرف به، لا من حيث مبانيه ومعانيه فحسب، ولكن من حيث الإيقاع الذي يقرع به الأسماع، أو مدى ذبذبته، على حدّ التعبير العلمي كما قال.

وتستفزّ المعركة المترجم الكبير «دريني خشبة» فيكتب مقالاً بعنوان: «على هامش الخصومات الأدبية: أيها الأدباء.. أعصابكم» أشار فيه إلى أنه لم يفهم قضية الأدب المهموس على وجهها، لكنه أخذ على المتحاورين عنفهم، وطالب رؤساء تحرير المجلات بألا يسمحوا «بنشر الفقرات الحارة الساخنة التي ترد في سياق المناظرات والتي تهبط إلى مستوى الشتائم، وتخرج عن دائرة الأدب».

أما زكريا إبراهيم – صاحب السلسلة الفلسفية عن مشكلات الفن والوجود والحرية ...إلخ - فقد كتب معلِّقاً على مقالات سيد قطب أن القضية ليست خاسرة، لكنها خسرت على يدي قطب مع الأسف، يقول: «ليس من عجب أن يجد الدكتور مندور منفذاً للطعن في ردّ الأستاذ سيد قطب، فإن الواقع أن هذا الردّ لم يكن غرض صاحبه أن يدافع عن أدباء مصر، بقدر ما كان غرضه أن يعلن عن نفسه، والحق أنني ما إن قرأت كلام الأستاذ قطب حتى استوقفتني فيه هذه الظاهرة، إذ فاته أن يوجِّه كل همِّه لنصرة قضيته، وإنما راح يحشد أقواله وأقوال الأستاذ العقاد، كأنما ليس في مصر غيرهما، وليست هذه المرة الأولى التي يسلك فيها الأستاذ قطب هذا المسلك».

وضرب زكريا إبراهيم لذلك مثلاً بديوان «الشاطئ المجهول» الذي أصدره قطب، وكتب مقدمته، «وراح يثني على نفسه بكلمات، يعجب لها المرء عجباً، يستنفذ كل عجب».

وهكذا انتهت معركة الأدب المهموس بالقليل من الحق والموضوعية، والكثير من الباطل والذاتية، وانحرفت عن القضية الأساس، قضية معالجة داء الخطابة في معظم ما يكتب من الشعر.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...