الراغب الأصفهاني - محاضرات الأدباء

الحد الحادي عشر

في الشرب والشراب

مما جاء في الشراب

سبب تحريم الخمر:

أصل ذلك أن رجلاً من جلة المهاجرين سكر، فصلى بالناس وغلط في القراءة، فأنزل الله تعالى: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ". فشربوها بعد ذلك في غير وقت الصلاة، ثم شرب أنصاري فشج رأس صاحب له بلحيي جمل فنزل: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء، إلى قوله: فهل أنتم منتهون؟ فقالوا: انتهينا يا ربنا وتركوا شربها في كل وقت. وقيل: إنما حرمت لأن حمزة رضي الله عنه كان في شرب فسكر، فاجتب سنام شارفين لأمير المؤمنين علي، أناخهما إلى جانب حجرته، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلامه، فقام ثملاً محمر العينين وقال: هل أنتم إلا عبيدنا وأبناء عبيدنا؟ فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فكر على عقبيه.


ما يدل على تحريم الخمر:

قال الله تعالى: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " . وهذا أول ما نزل في تحريم الخمر ثم قال: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. ثم قال: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمرة بعينها والمسكر من كل شراب. وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا نبيعها؟ فقال: ألا إن الله لعن الخمر وغارسها وشاربها وعاصرها ومعتصرها، وساقيها وحاملها وبائعها وآكل ثمنها! وقد أجمع المسلمون على تحريمها.


تحريم النبيذ:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، وقال: كل مسكر خمر. وقال: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وروي أن إبليس لما لعن قال: يا رب اجعل لي شراباً. فقال: شرابك كل مسكر. وروي أنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والبر والشعير والعسل، ونهى عن الفضيخ وقال: ما خمرته فهو خمر.



تحليله:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمرة بعينها والمسكر من كل شراب. وسمعت بعض العلماء يحتج في ذلك بقوله تعالى: " تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً " . فأخبر على سبيل الامتنان علينا باتخاذ السكر منه وأخبار لا يصح فيها النسخ. ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل شرب مسكراً، فأمر به فضرب فقال:
ألا أبلغ رسول الله عني
بأني ما سرقت ولا زنيت
شربت شريبة لم تبق عرضاً
ولا أنا لذة منها قضيت
فقال صلى الله عليه وسلم: لو علمت ما ضربته.
استحضر عيسى بن موسى ابن عياش وابن إدريس فسألهما عن النبيذ فقال ابن عياش: حلال، وقال ابن إدريس: حرام. فقال ابن عياش: أدركنا أبناء الصحابة التابعين بهذه المدة يشربونها في الولائم حلالاً كانت أو حراماً، وبكاؤنا على أصل الدين أشد من بكائنا على النبيذ.
سئل بعض القدماء عن نبيذ العسل فقال: حرام! فقيل: لم؟ قال: لأنكم لا تؤدون سكرها.
وقال بعضهم: سقاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه نبيذاً شديداً وقال: إنا نأكل لحوم هذه الابل فنشرب عليها النبيذ الشديد ليقطعها في بطوننا.
وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بنبيذ فشمه وقطب وجهه ثم ضربه بالماء وقال: إن هذا الشراب سيغتلم ويشتد فما عليكم فافعلوا به هكذا.
وقال حفص بن غياث: كنت عند الأعمش وعنده نبيذ، فاستأذن قوم من أصحاب الحديث فسترته بمنديل، فكرهت أن أقول لئلا يراه الداخلون فقلت: لئلا يقع فيه الذباب، فقال: هيهات هو أمنع جانباً من ذلك!
قال النخعي: كانت الرواية كل سكر حرام فزادوا فيه الميم، وليس ما قاله بصحيح.


نوادر في تحليله:

قال ابن أبي ليلى لأبي حنيفة: أيحل النبيذ وبيعه وشراؤه؟ قال: نعم. قال: أفيسرك أن أمك نباذة؟ فقال أبو حنيفة: أيحل الغناء وسماعه. قال: نعم. قال: أفيسرك أن أمك مغنية؟ ووضع رجل بالكوفة على باب المسجد نبيذاً بين يديه وجعل ينادي: من يشتري رطلاً بدرهم بتحليل أبي حنيفة؟ فقال له أبو حنيفة: يا رجل إنك فعلت قبيحاً! فقال: ألست حللته؟ قال: صدقت ومن الحلال أنك تجامع امرأتك، ولو استحضرتها الجامع وجامعتها لاستقبح ذلك.
ولقي أبو حنيفة سكران فقال له السكران: يا أبا حنيفة، يا ابن الزانية، إني شربت النبيذ! فقال: ما أحسنت حيث أحللت النبيذ حتى شربه مثلك.
شاعر:
رأيه في السماع رأي حجازي
وفي الشرب رأي أهل العراق

وقال بعضهم: أباح أهل الحرمين الغناء وحرموا النبيذ، وأباح أهل العراق النبيذ وحرموا الغناء، فأوجدوا السبيل إلى الرخصة فيهما عند اختلافهما إلى أن يقع الاتفاق.
قال بعضهم:
من ذا يحرم ماء المزن خالطه
في جوف باطية ماء العناقيد؟
إني لأبغض تحريم الرواة لها
فيها، ويعجبني قول ابن مسعود

يعني ما رواه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور.
وقال إبراهيم بن محمد بن إسماعيل: النبيذ من المستضعفين في الأرض، يتركه من يتركه ويأتي ما هو أعظم منه.


استباحة الخمر:

مر عمرو بن معدي كرب بعيينة بن حصن فأطعمه تمراً ثم قال: أسقيك لبناً أو ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ فقال: أليس قد أمرنا بتحريمها؟ فقال عيينة: كلا إن الله تعالى قال: " فهل أنتم منتهون " ؟ فقلنا: لا. فسكت وسكتنا فقال عمرو: هاتها فأنت أفقه مني!
قال بعضهم: الخمر من الجنة لأن الله تعالى يقول في صفة أهل الجنة: إنهم يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. والخمر تذهب الحزن.
قيل لإياس بن معاوية: ما تقول في الكرم والتمر والماء، هي حلال أو حرام؟ فقال: حلال. فقيل: لم حرم الخمر، وإنما يتخذ من ذلك؟ فقال: أرأيت لو صب عليك ماء وتراب وتبن أكان يوجعك؟ قال: لا. قال فلو جمع ذلك كله وجعل لبنة وضرب به رأسك أليس يوجعك؟
وقال ابن الرومي:
أباح العراقي النبيذ وشربه
وقال: حرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد
فحل لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما
واشربها، لا فارق الوازر الوزر!


تعظيم السكر واختلاف الناس فيه:

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما ذنب أعظم من السكر! وذلك أن العبد يذنب فيتصور له ذنبه، ويعلم أن الله ربه، وإذا سكر نسي ذنبه ولم يعرف ربه، وشر الذنوب ما فرق بين العبد وبين معرفة ربه.
وروى أن إبليس قال: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا سكر أن آخذ بزمامه، فأقوده حيث أشاء وأحمله على ما أريد: شاعر:
وإن امرأ يبتاع سكراً بصحة
لفي سكرة تغنيه عن ذلك السكر


حد السكر:

قيل لبعضهم: ما حد اسكر؟ قال: هو أن تعزب عنه الهموم، ويظهر سره المكتوم.
وقيل: حده أن يحسن عندك ما كان قبيحاً؛ وأخذ ذلك أبو نواس فقال:
اسقني حتى تراني
حسناً عندي القبيح
وله:
لا تلمني على التي فتنتني
وأرتني القبيح غير القبيح


وصف سكران:

انتهى المأمون إلى يحيى بن أكثم، فرآه ثملاً نائماً في الرياحين
فقال له: قم،
فقال: رجلي لا تطاوعني.
فقال: خذ.
فقال: كفى لا تواتيني.
فقال فيه:
وصاحب ونديم ذي محافظة
سبط البنان بشرب الراح مفتون
ناديته ورواق الليل منسدل
تحت الظلام دفين في الرياحين
فقلت: قم قال: رجلي لا تطاوعني!
فقلت: خذ. قال: كفي لا تواتيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني
كما تراني سليب العقل والدين

ابن المعتز:
مشوا إلى الراح مشي الراح وانصرفوا
والراح تمشي بهم مشي الفرازين

أبو الوفاء:
حتى يروح السكر فينا وقد
قام مقام الشكل والعقل

آخر:
مزة تترك عقلي
ذاهباً في الترّهات

ابن طباطبا:
جعلت أسيراً في يد الراح موثقاً
فأقبلت أمشي مشية المتقاعس
تماكس رحلي في خطا أستزيدها
ولم أك في أتراعها بالمماكس

وقيل لسكران: نبعث معك من يحفظك؟
فقال: لا أريد فما مضى من عقلي في خفارة ما بقي:
لو يرى الناس في المدامة رأيي
لم يبيعوا ببدرة عنقودا

أبو محجن:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروّى عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

وقال عبد العزيز بن مسلم العقيلي: رأيت قبره بأرمينية تحت شجرات كرم، فذكرت قوله فتعجب من الاتفاق الواقع له.

اسحق الموصلي:
اشرب هديت علانيه
أمّ المروءة زانيه
اشرب فديتك واسقني
حتى أنام مكانيه
ودع التستّر والريا
ء فما هما من شانيه

أبو الهندي:
يا خليليّ اجعلا لي كفناً
ورق الكرم وقبري المعصره
إنني أرجو غداً من خالقي
بعد شرب الراح حسن المغفرة

وله:
أنا الشيخ الخليع فسيبوني
لكم إسلامكم وعليّ كفري


من شرب مع إقراره بتحريمها:

قيل لبعضهم: لم لا تترك النبيذ؟ قال: لا أدعه حتى يكون أسوأ عملي.

قال أبو العيناء: جمعني ورسول ملك الروم مجلس المتوكل، وقد أحضر الشراب، فقال الرسول: ما لكم حرم عليكم الخمر ولحم الخنزير فشربتم الخمر وتركتم لحم الخنزير؟ فقلت إن لحم الخنزير لما حرم وجد خير منه الحملان والجدي فاستغني به عنه. والخمر لم يوجد خير منها فكان يستغنى به عنها.

عبيد الله بن عبد الله بن سلام:
وقد يشرب الإنسان ما لا يحلّه
وتحسن أحياناً له الشبهات

أبو نواس:
فخذها إن أردت لذيذ عيش
ولا تعدل خليلي بالمدام
فإن قالوا: حرام! قل: حرام
ولكنّ اللذاذة في الحرام

وله:
لا تسقني الدهر ما كنت لي سكناً
إلا التي نصّ بالتحريم جبريل
إن كان حرّمها الفرقان بعد فقد
أحلّها قبل توراة وإنجيل



 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...