مقامات عمرو أبو الفضل - ابن فارس.. إمام العربية ورائد فن المقامات

ابن فارس من أئمة اللغة العربية وعلومها في القرن الرابع للهجرة، وهو أول من قدم في اللغة العربية مصطلح «فقه اللغة» وطرح نظرية في نشأة اللغة العربية أطلق عليها التوقيفية، ووضع المقامات وجعلها علماً.
ويقول الدكتور محمد متولي منصور- أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر- ولد أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، المعروف بأبي الحسين الرازي القزويني بقزوين. واختلفت كتب التراجم في تاريخ مولده وأرجحها أنه ولد في سنة 329هـ/941م. ونشأ بهمذان، وبدأ تلقي العلم على أبيه العالم اللغوي، وأخذ أكثر علمه عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة بن حرب القطان القزويني، كما قرأ على أبي بكر أحمد بن الحسن الخطيب، وعلى أحمد بن طاهر بن المنجم، وارتحل إلى بغداد والموصل ومكة مثلما يفعل غيره من طلاب العلم ثم عاد إلى همذان بعد أن تضلع في العلم جامعا معارف واسعة متبحرا في العلوم الشرعية ولم يقتصر على نوع واحد منها، بل أحاط بمعظمها فاتجهت إليه الأنظار، والتف حوله طلاب العلم، ولعلمه وسعة أفقه ولفضله وورعه استدعي إلى بلاط آل بويه بمدينة الري، ليقرأ عليه أبوطالب بن فخر الدولة علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي، والتقى بالصاحب إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بن بويه فكان الصاحب يكرمه ويتتلمذ له. وكان من ثمرات هذه الروابط أن وضع ابن فارس كتابه “الصاحبي” نسبة إلى الوزير “الصاحب”، ودلالة على أنه كتبه ليوضع في خزانته.

من أعيان العلم
وبعد أن استقر بالري انتقل ابن فارس من مذهب الإمام الشافعي إلى مذهب الإمام مالك في الفقه، وحين سئل عن ذلك أجاب: “أخذتني الحمية لهذا الإمام المقبول على جميع الألسنة أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه، فإن الري أجمع البلاد للمقالات والاختلاف”.

وذكر السيوطي أن ابن فارس كان نحوياً على طريقة الكوفيين، وقال عنه الثعالبي:” إنه كان من أعيان العلم بهمذان، ومن أفراد الدهر، يجمع إتقان العلماء وظرف الكتاب والشعراء، كان من أكابر أئمة اللغة، بل هو إمام في علوم شتى”.
وعرف بالكرم والجود، لدرجة أن لا يبقي معه شيئا، وربما سئل فيهب ثياب جسمه وفرش بيته، قال سعد بن علي الزنجاجي: “وكان ابن فارس من الأجواد، حتى أنه يهب ثيابه وفرش بيته”، وذكره الصاحب بن عباد فقال:”رزق ابن فارس التصنيف وأمن من التصحيف وله تصانيف جمة، ووضع المسائل الفقهية، وكان ابن فارس كريماً جواداً”، وقال عنه الذهبي: “وكان رأساً في الأدب”.
وتتلمذ على يد ابن فارس الكثيرون من النجباء ومنهم بديع الزمان الهمذاني، وأبوطالب بن فخر الدَّولة البويهي، والصاحب إسماعيل بن عباد، وأبو سهل بن زيرك، وأبو منصور بن عيسى الصوفي، وحمزة بن يوسف السهمي الجرجاني، والقاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري، وأبومنصور بن المحتسب، وأبو ذر الهروي، والقاضي أبو زرعة روح بن محمد الرازي، وأبوالعباس الغضبان، والقاضي أبو عبدالله الديباجي، وعلي بن القاسم الخياط المقرئ.

علم المقامات
وكان ابن فارس غزير الإنتاج واسع المعرفة، خلف مصنفات في أنواع العلوم وخاصة في علوم اللغة والقرآن والشعر بلغت واحداً وثلاثين مؤلفا أهمها “جامع التأويل” في تفسير القرآن، و”مقاييس اللغة”، و”النيروز” في نوادر المخطوطات، و”ذم الخطأ في الشعر”، و”الفصيح”، و”متخير الألفاظ”، و”الإتباع والمزاوجة”، و”كتاب الثلاثة”، و”فتيا فقيه العرب”، وضع فيه مسائل الفقه ونحوها بطريقة يسهل استيعابها لطلاب العلم الشرعي، و”المجمل” فقد اهتم فيه بإيراد كل صحيح وواضح من كلام العرب، مبتعداً عن الغريب والمستنكر، وله رسائل أنيقة مثل رسالته إلى أبي عمرو واقتبس علماء الأدب منها نسقه، أولهم تلميذه بديع الزمان الهمذاني، ولذا فهو أول من وضع المقامات وجعلها علماً.
ويعد كتابه “المقاييس” من أشهر مؤلفاته فقد بلغ الغاية في الحذق باللغة، ومعرفة أسرارها، وفهم أصولها، إذ يرد مفردات كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. وانفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحد ولم يخلفه أحد. كما يظهر سبقه في مصنفه “الصاحبي” الذي قدم فيه نظرية متكاملة في نشأة اللغة سماها “التوقيف” حيث ربط بينها وبين نشأة المعارف وأكد أنها جميعاً أَنزلها الله معاً، وأنها انطوت على إيمان بتدرج المعارف وأظهر أنها لم تنزل جميعاً دفعة واحدة على آدم عليه السلام. كما بين أن للكلمة وظيفة معنوية وفكرية تؤديها.

وفاته
لم يختلف المؤرخون في أن ابن فارس قضى نحبه في مدينة الري، أو المحمدية، وأنه دفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني. ولكنهم يختلفون في تاريخ وفاته على أقوال خمسة وأصحها وأولاها بالصواب أن وفاته كانت سنة 395 هـ/1004م، كما ذكر القفطي في إنباه الرواة، وكما نقل السيوطي عن الذهبي في بغية الوعاة، قال: “وهو أصح ما قيل في وفاته”. وذكره أيضاً في هذه السنة ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، وابن كثير في البداية والنهاية. وهو الذي استظهره ياقوت، إذ وجد هذا التاريخ على نسخة قديمة من كتاب المجمل.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...