عامر عبد زيد - المخيال السياسي في الآداب السلطانية

مقدمة

الخطاب الأول " الكتاب " من الأحكام السلطانية حيث نلاحظ في هذا النمط من مثقفي السلطة الذين كان لهم دور في تشكيل الوعي لدى الجماهير عبر التأثير فيها وجعلها خاضعة لإرادة الخليفة ، وهذا هو جوهر هذا الخطاب معتمدا اللغة وما تقدمه من إمكانيات في تشكيل الوعي ، وهنا ضرورة التجذير لهذا النوع من الأدباء ( الكتاب ) ، فان مدلول كلمة " كتاب " فئة متميزة من المختصين بالتدبير الكتابي لشؤون الدولة ، وقد انشأ هؤلاء لغة ذات طابع مزدوج : لغة إدارة ، مع ما تقتضيه هذه اللغة من تعبير عن أوامر الحاكم ومقاصده ولكنها في الوقت نفسه لغة فنية بالمعنى البلاغي العربي للكلمة ..لذا فقد اخترع " الكتاب " امرين معا: لغة الإدارة والنثر الفني ، فالكاتب هو الذي يصوغ أوامر مالك السلطة صياغة تقتضي معرفة حميمة بسياسة الحاكم ، وبمقاصده العميقة ، وبمستوى علاقاته بالذين يوجه أليهم رسائله وأوامره .

ولم يكن الكاتب دائما مجرد صائغ فني محترف لرغبات الحاكم وأوامره ، بل قد يصل أحيانا إلى إن يتدخل في تكييفها ( 1 ) . ومهما يكن ، فان الكتابة ظلت محكومة بأصلها ، وهو " الخدمة فالكاتب خديم للخليفة ، وقال الجاحظ إن " الكتابة لا يتقلدها إلا تابع ، ولا يتولاها .. وقد كانت الفئة الحاكمة العربية تعتبر الكتاب " موالي " (1).

والملاحظ من هذا الوصف إن الكتاب كانوا مرتبطين بالخليفة بشكل لصيق حتى يسهل عليهم صياغة أوامره ومن ناحية ثانية موقفه ليس ذو سلطة داخل دولة تعطي العنصر القبلي – العربي الريادة وخصوصا في الدولة الأموية كانت قد احتكرت الجيش العناصر العربية فلم يكن إمام الآخرين " الموالي ". وهو تصنيف قبلي اعتبر كل ماهو غير عربي ملحقا بالقبائل عن طريق كونه ( موالي )، سوى الأعمال الخدمية خصوصا الكتابة وهم يملكون إرثا فيها وفي السياسة. ولعل هذا جعلهم يعبرون عن مراميهم الخاصة .

ولعل نصائح عبد الحميد إلى الكتاب تؤكد ما سبق التعرض له حيث هناك أفكار أساسية ثلاث تدور حولها رسالة عبد الحميد إلى الكتاب:
أولا: وعي واضح بأهمية المهنة وخطر أصحابها داخل الدولة. فهو مثلا يخاطبهم قائلا: " بكم ينتظم الملك، وتستقيم للملوك أمورهم، وبتدبيركم وسياستكم يصلح الله سلطانهم، وتعمر بلادهم (....) ولا يوجد كاف إلا فيكم " (2)
ثانيا: التي تدور حولها نصائح عبد الحميد إلى الكتاب: إن يتآزروا، ويأخذ المحظوظ منهم بيد من أدبر عنه الجاه. وليست هذه مجرد نصيحة " خيرية " بل أنها تكشف عما كان يؤدي إليه الصراع والتنافس من صعود بعضهم وانتكاس آخرين. هي إذن نصيحة لتقديم " العصبية " المهنية على التناحر بين الأفراد في مواجهة تقلبات السلطة .
ثالثا – والنصيحة التي يقدمها وهي تذكيرهم بوضعيتهم الحقيقية ، فعلى الرغم من أهميتهم الحيوية للدولة، ينبغي إلا ينسوا أنهم خدام لمالك السلطة الحقيقي: " فإنكم، مع ما فضلكم الله به من شرف صناعتكم خدم " (3)

إن التأمل في هذه النصوص التي عرضناها عن فئة الكتاب تجعلنا نصل إلى التصورات آلاتية:
1-سلطة سياسية تتعرض للنقد من تيارات متضادة وإياها وتبحث هذه السلطة عن من يسبغ عليها الشرعية، وهذا واضح في صراع الدولة العباسية مع الخوارج والمرجئِة. وغيرها من الفرق الإسلامية بعد استقرارها في السلطة دون سواها
2- أدوات لهذه السلطة وهي وظيفة الكتاب فهم أداة لهيمنة الدولة ، بما يقدموه من تبريرات لسياستها تجعلها تبدو في أعين الناس الخاضعين إلى جبروت القوة والبطش من ناحية والى أدب الكتاب الذي يجعل هذه السلطة وتلك إرادة الخضوع مبررة بعين المنتفعين والخاضعين للإكراه السياسي. فالكتاب هنا صانعي أفكار ومروجيها عاملين على توظيفها عبر التأثير في وعي الناس باتجاه تغييره ليكون في صالح الحاكم وهكذا يظهرا لكاتب بوصفه معبرا عن ثقافة السلطة ومنضويا تحت سلطانها الرمزي عن طريق تكوين وعي عام عبر العبارات اللفظية من حيث هي قدرة على تحويل التأثير في الجماهير، وبالتالي التأثير بها بفضل قدرته على التعبئة ( فئة تجندت لخدمة الدولة بفنون من القول أخرى، من أدب وتاريخ وقصص ) (4) وفي تصنيف موقع هؤلاء " الكتاب " مثقفي السلطان إزاء امرين :

1-أنهم خارج السلطة من الناحية الفعلية فهم موالي – خدم خارج الخطاب المتمركز حول العروبة، في النص عبد الحميد ( أمورهم.. سلطانهم.. بلادهم ) وان كان يقصد الملوك إلى أنها تعود لصاحب السلطة الحقيقي وتصنيف النخبة الحاكمة العربية للكتاب
موالي، وقول الجاحظ " خديم " تنبين إن الكتاب هامش على السلطة الفعلية، وهذا يجعلهم يقومون بخدمة الأمير مدفوعين برغبة مراعاة مصالحهم الشخصية ومراعاة انتماءاتهم القومية والمذهبية وهذا الأمر دائما عملوا على إخفائه، لتعرضهم للبطش والقتل وغالبا ما يعمل خصومهم إلى التشكيك في ولائهم السياسي والديني .

2- أنهم أكثر دراية من رجال السلطة لهذا يخاطبهم عبد الحميد ( بكم ينتظم الملك.. بتدبيركم.. وسياستكم يصلح الله سلطانهم وتعمر بلادهم..) ماهي هذه المعرفة التي تجعل الكتاب مهمين هكذا للدولة، أنها دراية بالأدبيات السياسية الفارسية .

لقد كان لفئة الكتاب دور تحديثي في الثقافة العربية، لقد روّجوا في السياسة منافسة لنموذج " سياسة " الفقهاء، أي السياسة وفقا للشريعة وعلى الرغم من ذلك لم يصل الكتاب إلى صياغة تنظير متكامل ومتسق في السياسة يضاهي تنظير الفقهاء، بل إن هؤلاء سيدمجون أدب الكتاب السياسي في فقهم السياسي والمثال على ذلك الماوردي (5). لكن هذا لكلام يقدم لنا امرين إن للكتاب دورا تحديثنا في الثقافة العربية بإدخالهم الميراث الفارسي المعروف بالبعد الحضاري الطويل، بهذا أحدثوا إضافة ، وقدموا وسيلة لدعم السلطة السياسة، فهم بهذه ذو فائدة لم تنته بل تناسلت في نصوص الفقهاء الذين دمجوا التراث الفارسي والتراث الإسلامي أي أنهم استطاعوا إن يهضموه ويجعلوه خاضعا للبيئة العربية – الإسلامية، وهذا يعود إلى امرين الحاجة إليه لخدمة الدولة لما يقدمه من إضافة تقنية سياسية ومن ناحية ثانية إن الفرس أصبحوا جزء مهم من الثقافة الإسلامية، يعملون من داخلها وليس من خارجها ، وقد يعود هذا إلى ما قدمه النقاد من تقد لابن المقفع وما وصل إليه مصيره، لكن هذا يجعلنا نتوقف عند هذه المرحلة الأولى من ثلاث مراحل هي الكتاب ثم المتكلمون ثم الفقهاء المتأثرين بهذه الأدبيات في نصوص ابن المقفع الأدب الكبير والصغير وكليلة وذمة والمتكلمين ضمن المرحلة الثانية في شخصية الجاحظ وكتابه ( أخلاق الملوك ) ثم في المرحلة الثالثة مع الفقيه الماوردي في كتابه ( نصيحة الملوك ) هذا في أدبيات السلطة الآداب السلطانية. وهكذا ضمن الخطاب ظهرت اللحظات التالية :
اللحظة الأولى في الأدب السياسي: " ابن المقفع أنموذجا لسياسة الكتاب":
في ضوء ما سبق التوقف إزاءه نلاحظ إن ( ابن المقفع ) بوصفه كاتبا وبالعودة إلى نصوصه ومعينها تراث الكتاب الفرس فانه اتخذ المواقف التالية:
أولا – بوصفه (كاتبا ) يدافع عن الايدولوجيا الحاكمة عبر ترويض الجماهير .
ثانيا- بحكم انتمائه فانه يحاول تهديم هذه الإيديولوجية القائمة على القوة ، بأخرى قائمة على العقل، عبر الحيلة العقلية .

إما ضمن أفق الموقف الأول، فهي تدافع عن الايدولوجيا الحاكمة العباسية ، أن دور ابن المقفع هنا بناء مخيال سلطاني جديد يعيد خلاله بناء بقية الدولة
1- على مستوى البنية العميقة ( قبيلة – غنيمة – عقيدة )
2- على مستوى البنية السطحية ( الأمير – الخاصة – العامة )
طبعا هو خلال هذا يحاول إن يرد على المخيال السياسي لدى الخوارج الذين يشترطون طاعتهم للحاكم بطاعة هذا الأخير لله، أي لشريعته ومذهبه، والجبرية ومذهبهم ( الذين اقنوا بالطاعة المطلقة للحاكم حتى ولو كان مستبدا جائرا ومبررهم إن وجود سلطة مهما كانت، هو خير من لا سلطة، أي من الفوضى ) (6).

يعلل ابن المقفع هذه الاطروحات إلى حقبتين :
الأولى – آتية من ماضيهم البدوي - وكما شاع في الأدبيات السياسية – غير سياسي بطبعه ، لأنه لا يتحمل الامتثال لحاكم والطاعة لسلطات قسرية ، فهو بطبيعته ، ونمط حياته يمثل نقيض الدولة.
الثانية – يمثلها الدين الذي كان العرب أول من نصره ، لان فيه بعض المبادىء التي قد تنافي نظام الحكم المطلق الذي دعا إليه " ابن المقفع " مثل واجب ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) فان ترك هذا الواجب مفتوح للمسلمين ، فانه يترتب على ذلك نسف أساس " نظام " ابن المقفع القائم على الطاعة .) (7)

وهذا ما يناقشه في البنية العميقة في الأبعاد الثلاثة :
1- القبيلة : من الواضح إن القبيلة أصبحت مهيمنة فاعلة تفرض قيمها على النظام السياسي في ظل الحكم الأموي وذلك أمر يعود إلى الإشكال الذي واجهه المسلمين – الذين شاركوا في فتح العراق في القادسية والأمر الذي اقره الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ( رض ) ومما أدى إلى التصادم وظهور مأساة الخليفة عثمان كان ذلك التقسيم يقوم على أساس السبق في الإسلام أي على أساس عقائدي ، ثم جاء التصور الأموي الذي خاض معارك طويلة وفرض قيما قبلية تمثل مجال التفضيل ، لكن في ظل تحول الدولة الأموية المعتمدة على أصرة القبيلة وجيش عروبي جاءت الدولة العباسية في بأفقها الإمبراطوري فقد أدخلت عناصر أخرى غير عربية إضافة إلى ما تمثله حالة ولاية الخراج وما قادته من نتائج يقول ابن المقفع :
" 1- يجب إن لا يوليهم الخليفة شيئا من الولايات والإعمال خصوصا الخراج " فان ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة ) (8)
2- أيضا يجب تعهد أدبهم في تعليم الكتاب والدراية في السنة والأمانة والعصمة والمبايعة لأهل الهوى )(9)
أي إقامة إعداد مهني يجعلهم أكثر قدرة ودراية من ناحية وأصلح وأقوم سلوكا حتى لا يكون لهذا السلوك مردود سيىء على الدولة .
3- أيضا يجب تنظيم جهاز الاستخبارات في صفوفهم تنظيما دقيقا وهذا يعكس دراية بحركة الجنود وعلما مسبقا بما يدور بين صفوفهم حتى يسهل السيطرة عليها " إن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من إخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والإطراف ، وان يحتقر في ذلك ، النفقة ، ولا يستعين فيه إلا بالثقات الفصاح ) (10)
4- أيضا يجب العمل على تنظيم أرزاقهم وذلك بان ( يوقف لهم أمير المؤمنين وقفا يعرفونه في كل ثلاثة اشهر اواربعة أو ما بدا له وان يعلم عامتهم العذر في ذلك ) (11)

الملاحظ إن هذه الخدمات التي يقدمها ابن المقفع تحاول إن تجد معالجات لمشاكل واجهتها الخلافة الإسلامية الراشدية ثم الأموية حيث كانت تلك الإحداث تعود إلى تلك الذهنية القبلية وفي توزيع الأرزاق ، انه يحاول أيضا إن يدرك النفير الذي حدث بظهور جنود من قوميات جديدة حديثة الإسلام فهو هنا يعتمد نظام أرزاق مباشر بدون توزيع خراج الأراضي المفتوحة .

ب- الغنيمة : وفيه يقدم تصور جديد يدرك النغير السياسي عبر الإصلاح الجبائي والذي يسهم في ( الانتقال باقتصاد الدولة ،من الاقتصاد ألريعي ( غنائم الفتوحات وخراج الأراضي المفتوحة والجزية ) إلى الاقتصاد " ألخراجي " من النمط الآسيوي الذي قوامه ضريبة موحدة تفرض على الجميع بالتساوي " فلو إن أمير المؤمنين اعمل رأيه في التوظيف على الدساتيق والقرى والارضين وظائف معلومة وتدوين الدواوين بذلك واثبات الأصول ، حتى لا يؤخذ رجل بوظيفة قد عرفها وضمنها يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها لرجونا إن يكون في ذلك صلاح للرعية وعمار للأرض وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال ( ظلمهم ) (12)

فان هذا القول يعيد بناء الدولة ويضع اليد على العوائق التي عانت منها الخلافة حيث انه يستبدل " الغنيمة " هي احد أهم مقومات الفتح وأيضا سبب في الكثير من الثورات والمظالم داخل الدولة وأدت إلى ظهور الكثير من الفرق من مقتل عثمان مع القراء حتى الخوارج داخل الصف اليعربي ثم الكثير من الثورات التي تم وصفها بالشعوبية هي بالأساس ضد تلك السياسة المالية وانه يصفها هنا ( الخيانات ) محددا طابع القسوة الذي كان وراء أثارة تلك الشعوب من جهة وتنظيم الجيش وتحديد أرزاقه يجعل الأمر خاضع للسيطرة وألا كانت النتائج ضد الدولة أو ضد الرعية .

ج- العقيدة : في هذا المجال كانت العقيدة تشكل نقطة انطلاق الثورات ضد الظلم ، بعد إن كانت هي القاسم المشترك وهي الميزة التي تجعل المسلم يتقدم على غيره كما كان زمن الرسول والخلفاء الراشدين ، لكنها حلت في المرتبة الثانية في الزمن الأموي بعد إن أصبح للقبيلة هي الميزة في التقدم على الآخرين وهذا أدى إلى التصارم وظهور حركات سياسية تقدم تأويلا سياسيا يتخذ من العقيدة محور انطلاقه .

1- فالخوارج :

إما المرجئة فهم يحاولون تبرير السياسة القائمة تحت ظل هيمنة القبيلة باعتبارها أمر واقع وباعتبارها أفضل من الفوضى .
إما لقدرية : التي رفضت الأمرين وجاءت بأمر ثالث .
بطبيعة الحال فان ابن المقفع ينطلق من العقيدة حتى يعيد تأسيسها على أساس هيمنة مفهوم الدولة التي تتخذ من "الخليفة قطبها الأوحد ، فانه يؤكد على مستوى " العقيدة " على الجانب العملي التطبيقي لا غير . ما يهمه هو ما يضمن " طاعة " الخليفة وانتظام أمر " الطاعة " على قانون واحد وقد عرض المسألة الأولى في سياق حديثة عن إعادة هيكلة " الجند " بقصد تحويله إلى عسكر تسود فيه الطاعة والامتثال ، إما المسألة الثانية طاعة الناس جميعا لـ " الإمام " في ضوء المناقشات في ذلك العصر حول حدود الطاعة للإمام ومداها انطلاقا من المبدأ الإسلامي المعروف : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ويقدم ابن المقفع تأويلا لذلك المبدأ الإسلامي يبدو في ظاهره ، وكأنه موقف وسط ،ولكنه في حقيقبته وجوهره تكريس للطاعة للإمام بصورة تجعل منه المشرع الوحيد لأمور الدنيا الذي يجب إن يطاع المشرع لأمور الآخرة ،

وان الله جعل الناس وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين : الدين والعقل ، اقصر ابن المقفع الدين على بيان " الفرائض والحدود " إما سوى ذلك فهو من العقل ميدان " العقل " وليس من ميدان الدين والمقصود بـ :" العقل " هنا " الرأي والتدبير " وهما أمران جعلهما الله " إلى ولاة الأمر ، وليس للناس في ذلك الأمر شيء إلا شارة عن المشورة والإجابة عند الدعوة والنصيحة بظهور الغيب " (13)

انه في هذا يحدد من صلاحية ذلك المبدأ في تفيد الرأي العام للأمة وقعها في الخروج على الحاكم أو الخروج عن شرع الله ، أو في سياسته الظالمة ، انه قيد كل ذلك من خلال تقيده ذلك المبدأ ، وبناء على هاتين المقدمتين السابقتي الذكر يؤول ابن المقفع مبدأ " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " كما يلي : ( فإما إقرارنا بأنه لا يطاع الإمام في معصية الله فان ذلك في عزائم الفرائض والحدود التي يجعل الله لأحد عليها سلطانا ، ولو إن الإمام نهى عن الصلاة والصيام والحج أو منع الحدود وأباح ما حرم الله لم يكن له في ذلك أمرا أي لا يطاع . " فإما إثباتنا للإمامة الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره ، فان ذلك في الرأي والتدبير والأمر الذي جعل الله أزمته وعراه بأيدي ألائمة ليس لأحد فيه أمر ولا طاعة ، من الغزو والجمع والقسم "لاستعمال والقول والحكم بالرأي ... ويضيف ابن المقفع قائلا " وهذه الأمور كلها وأشباهها من طاعة الله عز وجل ، وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام ، ومن عصى الإمام فيها أو اخذ له فقد أوقع نفسه (14)

من الواضح بهذا التأويل عزل رأي الأمة في مواجهة السلطة وهذا على المستوى الشرعي غير جائز لان النص الشرعي يتعلق ، في حالة خروج السلطان على العبادات وهذا لا يجوز ، إما دون ذلك فهو حق له ولا يمكن الخروج عليه أيضا لأنه بخروج عن آمر الله . وهكذا يغدو الخليفة فوق كل نقد وظل اله على الأرض وهذا يقودنا إلى البنية السطحية الأمير ، الخاصة ، العامة حيث يتم وضع تصور مغاير كما هو موجود في العقيدة حيث الكل متساوون إمام الله ، والفارق هو في الريادة في الدخول إلى الإسلام ، ومخالف لأمر القبيلة التي وان كانت أكثر خصوصية ،أي هيمنة قبيلة على غيرها كما حصل مع قريش فان الأمر كانت فيه القيم تقوم على المساواة داخل القبيلة إما ما حصل مع الدولة العباسية فقد حصل تغير كبير في النسيج الاجتماعي وأنماط العلاقة فقد تحولت ( القبيلة إلى عسكر يفسح المجال لظهور " خاصة " تقوم مقام زعماء القبائل صاحبة الدولة ، وتحويل " الغنيمة " إلى وظيفة يجعل " خاصة الخاصة " أو " الصحابة " هم المتصرفون في مالية الدولة المنظمون المشرفون على مداخيلها . وتحول العقيدة إلى طاعة فعملية ترمي إلى ربط " العامة " مباشرة بالخليفة باسم الدين، انه التشريع للدولة المركزية " دولة الخليفة " التي يراد إن تحل محل دولة القبيلة " (15)

انه يشكل عملية احتواء للدين والأمة إلى الأمير وموظفيه وهذا ما يظهر في خطاب راس الدولة المنصور الذي ادعاءه ( بان أرادته من إرادة الله وان إرادة الله هي التي تتصرف فيه .. فهو يعترف بحرية إرادة الإنسان وقدرته على إتيان أفعاله ، ولكنه بماهي أرادته هو كخليفة ، مع إرادة الله ، الشيء الذي يجعله هو شخصيا معفى من كل مسؤولية فضلا عن تمثيله لإرادة الله على الأرض وهكذا إنما يحققه التفي المطلق للإرادة البشرية يحققه أيضا الإثبات المطلق لها.

إن هذا التصور يعمق الاستبداد والارتهان للإرادة الفرد الأمير وتهميش المجتمع وتحويله إلى مجموعة موظفين يعملون لديه وليس لهم خيار خاص كما كان المسلمون قي ظل الخلافة الراشدية والواقع إن ابن المقفع الذي كان مكلفا في أواخر عهد بني أمية بـ ( الكتابة السلطانية " وقد رأت الدولة العباسية إن يتواصل هذه المهمة فاشتعل كاتبا للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ، وكلف بترويض الجماهير بسلاح الكلمة ، لان السلطة السياسية تستمد نفوذها من سلطة الخطاب دائما (16). وعلى هذا فانه يضع ثلاث تصورات للسلوك جاء في ما يتعلق بكل فئة الأتي :

1- الأمير " في آداب السلطان " في الوقت الذي يؤكد على ما يجب على الوالي " لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال : رضى ربك ، ورضى سلطان، إن كان فوقك ورضى صالح من تلي عليه " لكنه هذا الرضى يجعله موجه إلى الخاصة " انك إن تلتمس رضى جميع الناس تلتمس ما لا يدرك .. فعليك بالتماس رضى الأخيار منهم وذوي العقل ." . وينصح إن يجعل هؤلاء الخاص وساطة بين الأمير والعامة فيقول : " لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا بها ، والأبواب التي لا يخافك خائف إلا من قبلها" (17)
ويؤكد على ضرورة إن يوجه الأمير ماله إلى الخاصة دون العامة في قوله (واعلم إن مالك لا يغني الناس كلهم ، خاصص به أهل الحق ، وان كرامتك لا تطيق العامة ، فتوخ بها أهل الفضل ) (18)

انه تحديد أنواع الملك يراه ( ثلاثة . ملك دين وملك حزم ، وملك هوى) فانه إميل إلى ملك الحزم الذي يصفه فانه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتسخط ولم يضر طعن الضعيف مع حزم القوي ) (19)فانه إميل إلى هذا النوع وهذا ما يؤكده " ليتفقد الوالي ،في ما يتفقد من أمور رعيته ، فاقت الأخيار والأحرار منهم ، فليعمل في سدّها ، وطغيان السفلة منهم فليقمعه ) (20) .


2- الخاصة ( صحبة السلطان ):
هنا يحاول تكريس نمط جديد من السلوك الذي يوصي به الأمير والخاصة ، فالملاحظ انناهنا إزاء منظومة قيم فارسية تختلف عن تلك القيم البدوية القائمة على المساواة بل إزاء منظومة سياسية تجعل الناس صنفين والسلوك الأخلاقي أي منظومة القيم لتلك المنظومة التي تحل مفهوم "العامة " كان مفهوم القوم و( الخاصة ) مكان العشيرة ، أنها تؤسس للفكر الأخلاقي في الثقافة العربية ، كانت من اصل فارسي (21)

انه في خلال حديثه عن الصحبة يتحدث عن سلوك الكتاب ، أي الموظفين الإداريين في تعاملهم مع الأمير فيقول ( إن ابتليت بصحبة السبطان فعليك يطول المواظبة في غير معاتبه (22) انه هنا يستخدم اللفظ ( بتليت )وكأن الكاتب زاهد في شيء حتى ابتلي به وهو لفظ ذو مدلول ديني ، إلا انه يعبر عن الوضع المهني والاجتماعي للكاتب الخديم الذي يعمل دون عشيرة تحميه أو دين يعطيه حماية انه مشاور ، هامش مقابل مركزية الأمير معين له على تحقيق رغباته وفي هذا يقول ابن المقفع : " إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعيته فاعلم انك قد خيرت بين خلتين ليس منهما خيار .
إما الميل مع الوالي على الرعية ، وهذا هلاك الدين .
وإما الميل مع الرعية على الوالي ، وهذا هلاك الدنيا ، لا حيلة لك إلا الموت أو الهرب (23)

ثم يقول : إذا غلفت حبالك بحباله ، إلا المحافظة عليه ، إلا إن تجد إلى الفراق الجميل سبيلا (24)
الواضح انه اختار ما يحافظ على دينه ودنياه عبر مغادر الامبر بالحسنى لهذا يؤكد إن تبقى هناك نمط من العلاقة بين المركز الأمير والهامش الكاتب لهذا يقول ( إياك إن يقع في قلبك تعتب على الوالي أو استزراء له . فانه إن وقع في قلبك بدا في وجهك ، وان كنت حليما وبدا على لسانك ،إن كنت سفيها " (25). إن هذا النصح للكاتب ينسحب لكل إداري إمام الأمير ومنهم الوزير الذي يحسده أقارب الأمير لهذا يوحي الوزير ( أليس لهؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة والاستقامة ولزوم المحجة فيما تسر وتعلن ) (26)

الواضح إن الخاصة هنا يظهر عبر تلك النصائح التي يقدمها ابن المقفع والتي يقوم على الطاعة للأمير دون معارضة وهذا يقوم على تدريب النفس على الطاعة ( لا تكونن صحبتكم للملوك إلا بعد رياضة ) (27)ثم انه يؤسس لأخلاق النخبة بقوله ( ألبس للناس لباسان لبس للعاقل يد منهما ولا عيش ولا مروءة إلا بهما .

لباس انقباض واحتجاز من الناس ، تلبسه للعامة ، فلا يلقونك إلا متحفظا متشددا متحرزا مستعدا .
ولباس انبساط واستئناس ، تلبسه للخاصة الثقات من أصدقائك فتلقاهم بذات صدرك وتقضي أليهم بمصون حديثك وتضع عنك مؤونة الحذر ، والتحفظ في ما بينك وبينهم ) (28)

الملاحظ إننا هنا إزاء نمط جديد من التفكير انه يمثل ولأده مفهوم الفردية هذا المفهوم الذي نلاحظ فيه ابن المقفع إزاء ثلاثة أفعال ،الأولى منها في مسالة السياسة والعلاقة " بالحاكم " فانه يقرر سياسة الإداري الذي عليه إن يدرك شروط عمله ومحاذير هذا العمل ، وهذا نمط جديد بعيد عن حالة البداوة والتعنصر إلى العشيرة أو المذهب ، وان كان ابن المقفع يعرض الأشياء كما هي نجده يحرض على وجود مراعاة الأخلاق والدين والابتعاد عما يعارضها . وهذا تطور الحياة الثقافية يوازي تطور الحياة السياسية وقتها .

إما المسألة الثانية أوجه التعامل داخل المجتمع المثقف (الأصحاب ) انه يؤسس لنمط جديد من العلاقة بين هذه الطبقة الإدارية – والمثقفة التي لا تحكمها عادات العشيرة بل نمط جديد من العادات الدين والأدب والرأي العام الذي يوافق العقل ويماثل ما اعتاد عليه الناس من سلوك قويم فهو استجابة نمط من التطور الحضاري والمدني انعكس على هذه الفئة بهذا يقدم لها أنماط منتقاة من السلوك تحافظ على الدين والدنيا والأخلاق الاجتماعية .

المسألة الثالثة اعترافه بالحياة السياسية والاجتماعية والدينية الأمير الخاصة العامة ويضع لكل مقام مقالا يتناسب طرديا مع حاجات تلك المرحلة من التقدم في الدولة الإسلامية .
لكن تقويمه للسلوك الفردية ونقده له ومطالبة اقتران القول بالفعل ( فانه كما إن كلام الحكمة يوفق الأسماع ، فكذلك عمل الحكمة يروق العيون والقلوب . ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإحلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم ) (29)

لهذا يؤكد إن يكون العمل مرتبطا ( ينبغي لك في حب ما تحب من الخبر التعامل على ما يستثيقل منه وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشر التجنب لما يحب منه ) (30) أي التحكم بالشهوات واجتناب المحارم لهذا عندما ينتقل من السلوك الفردي إلى السلوك السياسي يقول في نصح الأمير ( ولاية الناس بلاء عظيم . وعلى الوالي أربع خصال هي أعمدة السلطان وأركانه التي بها يقوم وعليها يثبت : الاجتهاد في التخير ، والمبالغة في التقدم ، والتعهد الشديد ، والجزاء العتيد .) (31)

وهذا ما يجعله أساسا في السلوك الأخلاقي الذي ينفذ إلى الأدب السياسي فيقول ( أحق الناس بالسلطان أهل المعرفة ، وأحقهم بالتدبير العلماء وأحقهم بالفضل أعودهم على الناس بفضله وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديبا ، وأحقهم بالغنى أهل الجود ، وأقربهم إلى الله أنفذهم في الحق علما والملهم به عملا ) (32)
وهكذا يربط بين اللغة والمعرفة ربطا قويا يستجيب لحاجات المرحلة وما يستوجبه الإعلان من تحفظ.
كانت هذه المرحلة تقوم على تشكيل البنية العميقة المتمثلة في ضبط أنماط السلوك الخاص بكل فئة من فئات ذلك الهيكل والبداية كانت في "الأدب الصغير " الذي خصصه لضبط سلوك العقل تجاه العامة ، إما الأدب الكبير فيقوم على ضبط سلوك العقلاء تجاه الأمير .
إما المرحلة الثانية كلية ودمنة .
تمثل مرحلة انتقالية من الأدب الظاهر إلى الأدب النقدي المستعار القائم في نصوص كلية ودمنة ( استراتيجيا انقلابية بأسلوب الحيلة العقلية ) تمثل الصراع بين رموز القوة المادية المتمثلة في السلطان ورموز القوة العقلية المتمثلة في الحكيم ، أنها جدلية الحكمة والسلطان .

معتمدا تلك النصوص القائمة على الحكاية التمثيلية التي تقوم على التعليم الذي يساعد الأذهان على تمثل المجرد من الأفكار عبر الرمز (فالمثل يشخص أدق المعاني وأشدها تجريدا في صور حسية يجعلها تناسب الأذهان البسيطة كما يجعلها بعجائبها نروق أذواق الطائشين فالمثل عند ابن المقفع حكاية ينطق فيها الحيوان بلسان الإنسان . وهو المثال الخرافي الذي تنتمي إليه نصوص " كيلية ودمنة " ، فهذا النوع من القصص على لسان الحيوان يناسب الخطب التي تقال في الاجتماعات الشعبية فهذا ما يأتي في نصوص كليلة ودمنة " فهناك وضع سياسي مستبد ومثقف يحذر الشعب من ذلك الخطر عن طريق خطاب تلميحي .

فنصوص كليلة ودمنة وبناؤه قائم على طرفين متناقضين وقد اقترن المثل بمكونية منذ العناوين العديدة كمثل الأرنب والأسد أو مثل القبرة والفيل .. وليس من الصدف تقديم الضعيف على القوي في العناوين ، وإنما هو دال على انتصار ابن المقفع للضعفاء سلاح العقل ، لان "الصدارة في الكلام كالصدارة في الجلوس دليل فضل ) (34)

وعلى هذا الأساس اخذ القصد من تلك القصص يأخذ طابعا سياسيا فظهرت ،جملة من الوظائف التي تصب في الصراع بين الأمير والحكيم .
أولا الوظيفة ( التعبوية ) تنطلق من القول ( الوجود في البقاء للأذكى وللأكثر حكمة فانا أفكر ، إذن ، أنا افرض الوجود ) تقوم هذه الوظيفة على تعبئة الناس لصالح الحكيم ضد الأمير .
ثانيا وظيفة ( الاتقائية ) إذ لابد من رصد العدو إثناء الترويح لإيديولوجية العقل وليس اشد عداوة للحكمة من السلطان ولذلك الكتاب أولا في شكل ترجمة (359 فالكاتب هنا يحاول إن يخفي أي علاقة له بالنص لكونه مجرد ترجمة .

ثالثا الوظيفة ( الانقلابية ) فالانقلاب عند ابن المقفع مدروس دراسة دقيقة لا مجال فيه للأخطاء أو الثغرات ، ولا مجال للتناقض وتلك هي ميزة التفكير المنطقي . فالحدث يخضع للتخطيط المحكم المسبق . والحركات متدرجة تصاعديا باتجاه الحركة القصوى ممن اعتبروا إن الاعتناء والاعتداد بالتراث السياسي والفلسفي الأجنبي كان على حساب ماهو مطلوب أولا من الكاتب ،أي المعرفة المتخصصة بالعربية وتراثها . وكان على راس هؤلاء المعارضين ابن قتيبة والجاحظ .

1- ابن قتيبة يقول : " منهم قوما تحلوا بحيلة الأدب ، فجالسوا الإشراف ، وقوم اتسموا بميسم الكتابة فقربوا من السلطان فأخذتهم الأنفة لآدابهم " هذا النص ذو فحوى سياسية يحاول التنكر للفكر الوافد الأجنبي والتمركز حول الأدب والفكر العربي – الإسلامي وهو بهذا يمثل استجابة لمقتضيات السياسة التي رفعت شعار العودة إلى " السنة " . ضد الفكر المعتزلي الذي هاجمه كثيرا ابن المقفع وعلى الثقافة الدخيلة التي كانت تأخذ بها طبقة الكتاب (36) وهذا ما ظهر في كتابه ( أدب الكاتب ) الذي تضمن أمثلة كثيرة لغوية واجتماعية وثقافية كلها تعلق بالعرب ومفارقهم وأحوالهم فهو كتاب كتب للسلطة واضح من الإهداء وهو أيضا يستجيب إلى التغير السياسي والفكري الذي حدث في الدولة العباسية وقتها فيقول واصفا حال المعرفة يومها ( وكسدت سوق البر ، وبارت بضائع أهله .. فابعد غايات كاتيبنا في كتابته إن يكون حسن الخط قويم الحروف ، وأعلى منازل اديبينا إن يقول من الشعر أبياتا في مدح فينة ( المغنية ) أو وصف كأس . وارفع درجات لطيفنا إن يطالع شيئا من تقويم الكواكب ، وينظر في شيء من القضاء وحد المنطق ، ثم يعترض على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه ) (37)

وهو يجد ضرورة المعرفة في لغة العرب والقرآن والحديث ( ولو إن هذا المعجب نفسه الزاري على الإسلام برايه ، نظر من جهة النظر لاحياه الله بنور الهدى وثلج اليقين ، ولكنه طال عليه إن ينظر في علم الكتاب وفي إخبار الرسول (ص) وصحابته وعلوم العرب ولغاتها وآدابها ..(28)
ولعل هذا هو ما دفعه إلى كتابة هذا الكتاب لمعالجة هذا الاغتراب عن الميراث العربي الإسلامي للغة ودين .

2- الجاحظ بوصفه ناقد لهذا النمط من الكتابة ولتلك المرجعيات التي اعتمدها الكتاب وان كان يعمل ذات الوظيفة إلا وهي تبرير السلطة وتشيد الأحكام السلطانية في مجال العقيدة وعلم الكلام على وجه الخصوص فهو يركز نقده على (إن طريق الواحد من هؤلاء الكتاب هو إن يروي " لاردشير عهده " ولعبد الحميد رسائله ( ويتخذ ) كتاب فردك(*) معدن علمه ، ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته (39) هكذا كانت الأحكام السلطانية في هذه المرحلة تقوم على الاغتراب عبر العودة إلى التراث الفارسي ، لإسباغ الشرعية على السلطة السياسية وهكذا كان حال ابن المقفع بوصفه مثقف تبريري يدور في فلك النفعي والسياسي المباشر ، حيث رجل السلطة ( القابضة على زمام حركة المجتمع عن طريق التحكم في القرار التنفيذي والقدرة على استخدام ثمرة جهد المثقف وتوظيفها لتكريس سلطته وإعطائها مشروعية ، وهذا يبرز لنا الجانب التأسيسي في علاقة المثقف بالسلطة حيث حاجة السلطة السياسية إلى تأكيد مشروعيتها بالاستناد إلى نمط من المشروعية السياسية العليا ، أي المشروعية السياسية ، التي تتجاوز ممارستها الجزئية وفعاليتها التاريخية الاجتماعية (40) .


* عن الحوار المتمدن
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...