منقول - اللواط.. من سقراط إلى فوكو ومن ذي القرنين إلى بومبيدو.. ترجمة وتقديم ناصر بن رجب

العنوان الفرنسي للبحث هو Homophilie، إذا شئنا تعريبها عرّبناها بـ "هوموفيليا" وإن شئنا ترجمتها ترجمناها بـ "حبّ المماثل" أو "المثلية"، والمصطلحان هذان غير متداولين كفاية. بقيت الكلمتان المتداولتان هما "الشذوذ" و "اللواط". استبعدت الأولى لأن الطبّ النفسي ينفيها فليس في حبّ المماثل، علميّا، أي شذوذ. وزيادة على ذلك فإنها من اختراع محاكم التفتيش في القرون الوسطى وورثائهم اليوم في الساحة الإسلامية. أما اللواط فهي المصطلح الديني الذي اختارته التوراة كتعبير عن حبّ المماثل أو المثلية كما كان يفعل قوم لوط. علما بأن سورة قوم لوط في سفر التكوين التوراتي هي ترجمة حرّة لمقاطع من ملحمة غلغامش.
مدينة لوط في سفر التكوين التوراتي هي عَبْرنة لمدينة إيريك في ملحمة غلغامش التي دمّرها الإله إيرا، وأتساءل عمّا إذا كان لفظا إيريك وإيرا البابليان هما الجذر اللغوي البابلي لكلمة "الأير" الشائعة اليوم في العراق وبلاد الشام. يقول غلغامش: «ثم ينطلق إله الطاعون والأوبئة الفتاكة والخراب (...) فيدمر أوّلا بابل ويقضي على سكانها، ثم ينطلق إلى "إيريك" مدينة البغايا المقدّسات والغلمان والمخصيّين واللوطيين، حيث معبد عشتار من مخنّثين نالت عشتار من رجولتهم، فيهدم المدينة ولكنه يبقى متعطّشا للفتك راغبا في المزيد من الخراب». ويمضي إيرا فاتكا بمدينة "لوط": «سأظهر مزيدا من الفتك والإنتقام، فأستلب روح الإبن، فيدفنه أبوه. ثم أستلب روح الأب فلا يجد من يدفنه (...) لكن الإله إيشوم يفزع من هذا الفتك الأعمى بمدينة "لوط" فيتوسل إلى الإله إيرا ليعفو عن الأكاديين وتدمير كل من عاداهم وبذلك يجد إيرا الهدوء والسكينة ويخبر الآلهة بأن مخططه في البدء كان إفناء البشر جميعا بسبب خطاياهم [وفي مقدمتها اللواط (المترجم)] لكن توسّل إيشوم غيّر رأيه فأنقذ الأكاديين وجعل لهم الغلبة على اعدائهم» (عن فراس السواح «مغامرة العقل الأولى»، دراسة في الأسطورة، ص ص 162، 163، 164)

ملاحظة:
هذا الكتاب، "معجم إعلامية الجنس" Dictionnaire d'information sexuelle، الذي ترجمت منه هذا الفصل، كتب في السنوات السبعين حيث كان عقاب المثلية قد أُلغي في فرنسا لكن ذهنية الرأي العام بقيت متأثرة بالتحريم الديني لحبّ المماثل بين الإناث وخاصة بين الذكور. ولكن ذهنيات الفرنسيين في موضوع حبّ المماثل تطورت بسرعة كبيرة منذ سوّى الرئيس ميتيران سنة 1981 بين الفتيات والغلمان بطلب من جمعيات المثليين في سنّ الرشد الجنسي (16 سنة). الآن حوالي 79% من الفرنسيين يعتبرون حبّ المماثل أمرًا طبيعيّا كحبّ المغاير خاصة بعد إقرار حكومة جوسبان الزواج بين المثليين (Pacte Civil de Solidarité «PACS») الذي يعطيهم كل حقوق الزوجين إلاّ أنه لا يعطي حقّ الإرث ولا حق الإقامة عكس إسبانيا التي تجاوزت فرنسا في المساواة التامة بين الزوجين المثليَيْن والغيريَيْن رغم أن نسبة المتديّنين فيها أعلى بكثير من نسبتهم في فرنسا. غير أن الوارث الشرعي في فرنسا لا يحق له إخراج الشريك المثلي من المنزل ما دام حيّا. وقد وعد الرئيس ساركوزي في حملته الإنتخابية الرئاسية بتحسين قانون الـ PACS وإقرار الإرث.
فالذهنية التي يتحدث عنها المؤلف والمعادية للمثلية أو المتحفظة عليها لم يعد لها وجود إلاّ لدى أقصى اليمين الذي يندّد في صحافته بالأطبّاء النفسانيين "اليهود" الذين نفوا وجود "الإنحراف" Perversion في الممارسات المثلية. والحقيقة أن نفي الإنحراف عن المثلية أكده أكثر الأطباء النفسانيين في العالم المتحضّر.

نصّ المقال:
المثلية Homosexualité)مشتقّة من الإغريقية Homosوتعني "المُماثل" وليس من Homo اللاّتينية التي تعني "رجل")، وهي الإنجذاب الشهواني لأشخاص آخرين من نفس الجنس. منذ الآن يدور الحديث عن حبّ المماثل Homophilieللإشارة – إذ أن كثيرين لا يعرفون ذلك – إلى أن هذا الإنجذاب هو ليس فقط جنسيا بل أيضا عاطفي(1).
بعض العلاقات من هذا النوع تقدم فعلا كل الخصائص، العابرة أو الدائمة، للعلاقات في حبّ المغاير Hétérosexualité التي تترافق غالبا بمداعبات وبقبلات واستمناء ومصّ الذكر واللواط Sodomie، ولكن أيضا بتعّلق حنون وبحبّ حقيقي وحتى بشغف وهيام، وإذن بغيرة وبيأس وبإخلاص قد يصل إلى حدّ التضحية. وصف كتّاب، وهم من خيرة الكتاب، المنعطف المؤثر الذي تأخذه أحيانا هذه العلاقات: من أمثال الكاثوليكيين Maxence Van der Meerch و Julien Green، من بعد جيد Gide ومونترلان Montherlant من بين كثيرين آخرين.
في نهاية هذا القرن العشرين، ظهرت كمية هائلة من الكتب والمقالات والمسرحيات والأفلام مازالت إلى الآن محتشمة تعالج حبّ المماثل. (...) وإذا كان التلفزيون الفرنسي لم يجرؤ على تعميق هذا الموضوع(2) فإن التلفزيون الأمريكي والسويدي والهولندي فعلوا ذلك منذ زمن بعيد.
أسهم كتاب لصحفي من هيئة الإذاعة البريطانية عنوانه "واحد على عشرين" في جعل المثلية بين الراشدين الراضين مشروعة في بريطانيا. بينما بقي سجن الكاتب الشهير أوسكار وايلد Oscar Wild حيّا في ذاكرة الجميع.
بعد الإستجوابات السرية لـ 5300 رجل و 5940 إمرأة من الجنس الأبيض في الولايات المتحدة، بين 1938 و 1948 نشر البايولوجي ألفريد كينسي Alfred Kinsey وفريقه، مؤكّدين، أن 35% من الرجال البيض (وهذه النسبة، حسب دراسات أخرى، قد تبلغ الضعف تقريبا لدى السود)، كانوا قد بلغوا ذروة الشهوة ولو مرّة واحدة على الأقل بالحبّ المثلي. وهذا، في حقبة كان فيها التسامح في هذا الموضوع أقلّ اتساعا ممّا هو اليوم خاصة في الولايات المتحدة حيث الأدبيات المثلية لا يحيط بها الحصر.
بما أن المثليين يخفون دائما تقريبا ميولهم بسبب الطابو (المحرم) الإجتماعي الذي كان مازال مسلّطا عليهم في غالبية أوساط حضاراتنا اليهودية – المسيحية (...) فمن الصعب أن نكون على يقين من الرقم الدقيق لنسبة المتعاطين لحبّ المماثل.
لكن بات بإمكاننا أن نؤكد أن مليونين من الجنسين يتعاطون، في فرنسا، المثلية بشكل دائم، بينما يوجد حوالي الثلث من مجموع السكان على الأقل قد مارسوا تجربة حبّ مثلي: هذه على الأقل نتيجة بحث علمي أُجري سنة 1962 في فرنسا(3).
****
دون أن ندّعي هنا حتى ملامسة جميع جوانب ظاهرة في منتهى التنوع، من الممكن بخصوص هذه الظاهرة تدمير عديد الأفكار الخاطئة والأحكام المسبقة Préjugés الشائعة لدى الجمهور العريض:
أ – يمكن التعرّف على المثليين بكلّ سهولة من خلال مظهرهم الخارجي. هذه فقط حال نسبة ضئيلة وكاريكاتورية، من المثليين كالمتخنّثين والمُتعطّرين والذين يتثنّون بأردافهم في مشيتهم ومن يرتدون لباس النساء التي تستدعي أوصافا تحقيرية (مثل مركوب، خَول، ممحون...)، وهي ليست شيئا بالنسبة لباقي المثليين. فمن المثليين من هم ذوو بأس شديد بل حتّى ممّن يمارسون رياضة كمال الأجسام وممّن لهم سلوك عادي في منتهى الفحولة خاصة بين العسكريين وجنود الأسطول والرياضيين ومدرّسي التربية البدنية، والكثير منهم هم أرباب عائلات. (...)
ب – تبعا لعدم الدقة السابق ذكره، فإن المثليين لا يوجدون فقط بين الفنّانين والمثقفين. إذا كان صحيحا أن الممثلين والسينمائيين والمغنّين والعاملين في الإذاعات والتلفزيونات (وأيضا في الحلاقة والتزيين والخياطة الراقية)، وتجارة التحف، كما الكتاب والنحاتون ومصوّرو الموضة والرسامون يتحدثون عن مثليتهم على مرآى ومسمع من الجميع، بنسبة مهمّة، فذلك أساسا لأنهم أكثر تحرّرا من الأحكام المسبقة من غيرهم، ولأنهم عموما يطيب لهم نشر حياتهم الخاصة على الجمهور على أوسع نطاق، وأخيرا لأن التسامح السائد بينهم في موضوع المثلية يدفعهم إلى التجمع وإلى عدم الإختفاء. ففي مقصورة عشيقه جون ماريه Jean Marais في المسرح، (وقبل أن يُنتخب في الأكاديمية الفرنسية) علّق جون كوكتوJean Cocteau الصيغة المتحدية هذه: "ذكري ليس عضوا في الأكاديمية". إلاّ أن هناك آخرين، لكي ينجحوا في حياتهم المهنية أمام جمهور عريض، يُخفون ميولهم المثلية، خاصّة مُغَنّو مسرع المنوعات Music-Hall. كم هم الذين يعلمون بأن النجم السينمائي العالمي رودلف فالنتينو Rudolf Valentino، معبود النساء، قد قتله غلام على فراشه؟
لكنّنا عرفنا ولازلنا نعرف مثليّين هم مجرّد عمال بناء وإسكافيين ومهندسين وقضاة وعمال سكك الحديد وأكادميّين ومدراء دروس في المدارس الدينية وولاة الشرطة. ومن أبسط الحدّادين ومصفّحي خيول الجيش إلى الماريشالات ومن مناضلين شيوعيين إلى كهنة كاثوليكيين أو، رغم أنّهم متزوّجون(4)، كهنة بروتستانط: وباختصار في جميع الطبقات الإجتماعية، وفي جميع المهن، وفي جميع الإنتماءات الإيديولوجية. في سنة 1864 تشكلت جمعية باريسية تسمّى (EMILES) لها قوانين أساسية مطبوعة تضم أعضاء من مجلس الشيوخ وضبّاط في الجيش ودبلوماسيين في السفارات وعمال يدويين. أمّا كتب Roger Peyrefitte خاصّة L'exilé de Capri «منفي جزيرة كابري»،Les Américains, Les Français فإنها تحدّثت بالإسم عن شخصيّات مثلية بارزة.
بالتأكيد المناسبات الظرفية تشجّع حبّ المماثل الظرفي الذي قد ينتهي عامة بإمكانية علاقة حبّ المغاير. وهكذا فإن الحب بين أسرى الحرب والسجناء السياسيين أو سجناء الحق العام وحبّ روبانسون Robinson مع فاندرودي Vendredi على الجزيرة القاحلة وحبّ المراهقين غلمانا وفتيات في المبيتات الداخلية المنفصلة (...) علينا بالنتيجة أن نسلّم بأن مثل هذا الإنجذاب راسخ قَبْليّا في طبيعة من يتعاطونه.
المثلية الأنثوية
إن ظاهرة بمثل هذا الإتساع ليست إذن وليدة الأمس. نتحدث عنها اليوم كثيرا لأسباب بسيطة هو أن المحرم الذي يحرّمها يميل إلى الإختفاء ولأن المعارف العلمية في موضوع المثلية غدت أكثر عمقا وأفضل انتشارا، وأخيرا لأن حرية التعبير أصبحت أكثر إتّساعا. نشهد ظاهرة الحب المثلي ملحوظة في النوع النباتي، وهذا ما أشار إليه جون كوكتو ونشاهدها أيضا في النوع الحيواني(5). وهو ما شدّد عليه أندري جيد André Gideلكي "يشرح" طبيعة ميوله بصدق نادر في تلك الحقبة، وهذا الصدق النادر جدّا، بالإضافة إلى موهبته الأدبية، غير غريب عن منحه جائزة نوبل في الأدب. واقع أن الكلاب والقرود، وخاصة الجرذان، تمارس المثلية حتى عندما تميل إلى الإناث، تقدم على ذلك برهانا قاطعا.
تشهد رسوم جدارية على أن إنسان العصر الحجري كان ينجذب إلى حبّ مماثله دون أدنى شعور بالعار(6).
أما في اليونان وروما القديمتين فنعلم أن هذه الرغبة المثلية شاعت وذاعت بل أُطلق لها العنان(7). كثير من فلاسفة الإغريق(8) والرومان الذين يُعتبرون (مؤسسي الفكر والأخلاق الحديثين) لم يُخفوا ميولهم المثلية. واليوم أيضا، ليست فقط قبائل مثل ماليكولاس Malekulas في جزر الهبريد الجديدة Nouvelles- Hébrides (48 على 76 مجموعة بشرية بدائية درسها Beach و Ford تمارس حبّ المماثل) شجّعت أعضاءها قبل أن يتزوجوا ويبنوا أسرة مستقرة أن يقيموا علاقات جنسية وعاطفية معًا مع شباب من جنسهم. ونجد أن الحضارتين الإسلامية والبوذية، من بين حضارات أخرى، على سعتهما، حيث العائلة بقيت قوية جدّا، تغضّان الطرف عن هذه الممارسات المثلية.
من المتفق عليه أن الكتاب المقدس قد استعاد التقليد العِبري الشاجب للمثلية. كان الكلدانيون يمتلكون في معابدهم بغايا من الجنسين. لكن أعداءهم العبرانيين نظرا لحاجتهم الحيوية لزيادة عدد سكانهم، فقد أدانوا "هذه الفاحشة في عين الرّب" لأسباب ديموغرافية(9). منذ هذه الحقبة بقيت المسيحية في هذا الخط(10)، إلا أننا منذ بعض الوقت رأينا عديدا من علماء اللاهوت وحتى أكثر سلطات اللاهوت سموّا (خاصة الكنيسة الإنجليكانية في بريطانيا) تعمل على تنقيح القانون لصالح المثليين. مُعبّرين في هذا الموضوع على تفهّم كامل للمثلية: إذ أنّهم يبرزون غياب الإختيار عند المعنيين، إذن عدم مسئوليتهم، وكذلك عدم قدرتهم التامة على تبديل ميولهم.
***
هذه المسألة تثير قضية أسباب حبّ المماثل: تتصارع نظريتان أساسيتان في هذا الخصوص. الباحثون المتأثرون بشدّة بالتحليل النفسي يؤكّدون كالعادة على البحث عن تفسير لهذه الظاهرة في الإضطرابات العاطفية في مرحلة الطفولة الأولى: الإرتباط (أنظر "عقدة أوديب") الضعيف جدّا أو القوي جدّا بالأب أو خاصة بالأم؛ هذه الأخيرة تُلبس وتعامل إبنها كأنّه بنت، أو العكس، بعد إعطائه إسما "مشتركا" (Claude و (Dominique، (رجاء أوإقبال مثلا [المترجم]) لأنّها كانت تتمنّى طفلا من الجنس الآخر، إلخ. إذن قد يُصبح محبّو المماثل بصفة أو بأخرى عُصابيين: مكثوا في المرحلة الطفولية من تطوّرهم النفساني أو، لبعض الأسباب، انتكسوا إلى هذه المرحلة [منذ حوالي ثلاثة عقود غيّر معظم المحللين النفسيين هذه الفرضية (المترجم)]. دون إنكار التأثير الممكن لمثل هذه العوامل، بعض الباحثين، ومن بينهم علماء بيولوجيا، يؤكدون على أن حبّ المماثل لا يمكن له أن يظهر أو على أي حال أن يستقر إلا على "أرضيات" في أساسها مهيأة لهذا التوجّه. قد تمتلك السحاقية هرمونات ذكورية اكثر من أنثوية واللوطي العكس. تمّت أبحاث تدعم أطروحتهم. بينما نجد أخرى تحمل على الإعتقاد بأن الحمولة الزائدة من هرمونات نفس الجنس قد تدفع حاملها إلى الإنتقال إلى الإتجاه الآخر... على أية حال هؤلاء العلماء يؤكّدون على أن المثليين "المندمجين" جيّدا في وضعيتهم ليسوا البتّة متأخّرين عاطفيّا أو مصابين بمرض عقلي – أو حتى وإن كانوا مصابين بعض الشيء فذلك بسبب العداء الذي يستهدفهم.
أخيرا، هناك من يسلط الضوء على عوامل المحيط الإجتماعية (مبيتات غير مختلطة، سجون، إلخ...) وعوامل إقتصادية (الحاجة للمال في بغاء الذكور)، دون أن ننسى أن بغاء الذكور هو الذي يتطوّر أكثر في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة والبلدان السكندينافية.
في الوضع الحالي للمعارف، لا يمكن حسم مثل هذا النقاش، أي القول أنّنا نولد أو أنّنا نصير عضوا في "الجنس الثالث". تبدو النظريّتان تمتلكان كلتاهما نصيبا من الصّحة. بالتأكيد ليس من المسموح القيام بتعميم. من غير أن نستعرض هنا عديد الأصناف التي ذكرها علماء النكاح، يمكننا التأكيد على أن كل مثلي هو فريد من نوعه.
على الأقل يمكننا أن نستنتج، حول هذه النقطة، أن المثلي قد لا يُظهر "رذيلة شاذة" أو "رقّة"، كما يتجرأ على قول ذلك الكثيرون، كما لا يمكن أن يكون مسئولا عن جيناته أو هرموناته وعن انفعالاته التي كابدها خلال سنوات طفولته، إذا كانت هذه الإنفعلات هي التي سبّبت مثليته. سيكون إذن عرضة ليس للعقاب بل يستوجب المساعدة بقدر ما يتألم من حالته، عندما يسبّب حوله خسائر ليس لها عواقب خطيرة.
****
(...)
المثلية بين الحيوانات
بفضل البرامج الإذاعية والتلفزية ظهرت في غالب البلدان الأوروبية جمعيات تضامن مع المثليين لها جمعياتها العامة ونواديها حتى في أصغر مدن فرنسا. يوجد في أمريكا دليل هاتف عالميGuide intercontinental (وهو موجود الآن في جميع البلدان الصناعية بما فيها اليابان والهند. [المترجم]) لهذه النوادي وأيضا الفنادق والحمامات ودور العرض السينمائي التي يرتادها المثليون. (...). سواء تحت إسم مستعار أم لا، هناك محرّرون وكتّاب، أحيانا مشاهير، يصرّون على إقناع المثلي بأنه ينتمي إلى فريق بالغ الأهمية. ويروون له، طبعا بكلّ اعتزاز، تفاصيل حياة العديد من أسلافه أو معاصريه المشاهير، منذ سقراط وأفلاطون وفرجيل Virgile إلى مارسيل بروستMarcel Proust ولورنس العرب وجون كوكتو أو موريس روستون Maurice Rostandوبيار لوتي Pierre Loti مرورا بقيصر ومارك أنطوان Marc-Antoine والإسكندر ذي القرنين (11) وهنري الثالث Henri III ولويس الثالث عشر Louis XIII وليوناردو دي فانشي [أنظرS. Freud, Un souvenir d'enfance de Léonard de Vinci, idées/ Gallimard, Paris 2003) (المترجم)] وشكسبير وتشايكوفسكي (موسيقي روسي) وكامباسيريسCambacérès وفيرلين Verlaine ورامبو Rimbaud، إلخ. [وكذلك ميشيل فوكو، جيل دولوز، دريدا، رولان بارت، رايمن أرونRaymond Aron، فرنسوا مورياك، جورج بومبيدو والكاتبة الشهيرة مارغريت دوراس التي تزوجت في آخر حياتها شابّا مثليا يصغرها بخمسين سنة (المترجم)].
(...)
إن أشدّ خصوم المثليين ضراوة يُحاربون لاشعوريّا المثلي الكامن داخلهم (...) وغالبية الأطباء المختصين في هذه المادّة يقولون اليوم أن استنكارا قروسطيّا لا يمكنه إلا أن يفاقم ظاهرة يَوَدّ أعداؤها احتواءَها.
هل هم على صواب؟ هل هم على خطأ؟ المسقبل سيجيب على ذلك، بما أن الإنجذاب المطالَب به هو ذاك الإنجذاب الذي يتبنّاه عفويّا وتدريجيّا عدد واسع من معاصرينا، في حقبة ملتبسة حيث كثير من الأزواج يتركون الدور الفحولي لزوجاتهم، وحيث كثير من الفتيان يحبون التشبه بالفتيات (شعر طويل، عطورات، حُلي)، كما الفتيات بالفتيان (شعر قصير، سراويل، رياضة ذكورية). هذا كلّ ما يمكننا استنتاجه في حوصلةِ مسألةٍ مهّمة بقدر ما هي معقّدة، ومن أجلها قمنا بفحص وثائق ومراجع أصبحت اليوم متوفّرة بكمّ هائل لكي نبرز الأهم.
(إنتهى مقال الأطبّاء الثلاث)
المصدر: معجم المعلومة الجنسية
Paul Bertrand, Victor Lapie, Dr. J.C. Pelle, Dictionnaire d'information sexuelle. Edition Edouart Privat, Paris, 1970, 319 p.
nacer.benrajeb@orange.fr

هوامش:
1- الصداقة مثلا في التحليل النفسي هي حبّ شهواني تمّ التسامي به. وقد عُرف على فرويد - بخصوص علاقته بصديقه فليس - أنه: «... قال بصراحة لبعض أقاربه أن ارتباطه بفليس Fliess كان يحتوي على عنصر حبّ المِثليّ. وقد تطلّب من فرويد أكثر من خمس سنوات لكي يتحرّر من هذا الخضوع العاطفي المشبوب»Peter Gay, Freud, Une vie, Hachette, Paris 2002, pp. 102-103. (المترجم)
2- ذلك كان في السنوات 1970، أما الآن فهو لا يقل جرأة عن تلفزيونات البلدان الديمقراطية الأخرى (المترجم)
3- المثلية الدائمة نسبتها 10% من السكان. أما المثلية العابرة، بين مرّة و 10 مرّات، فقد بلغت 70% في الولايات المتحدة الأمريكية. (المترجم)
4- ومن المعروف علميّا أن الرغبة المثلية تقوى عند المتزوّجين خاصة عندما يملّون ممارسة حبّ المغاير. وفي هذا المعنى يؤكد فرويد: "كلّ كائن إنساني يتراوح عموما، طوال حياته، بين مشاعر حبّ المغاير ومشاعر حبّ المماثل، وكلّ حرمان أو ملل من جهة نتيجتها الطبيعية دفعه إلى الجهة الأخرى". S. Freud, Cinq psychanalyses, Paris, PUF, 1954 [المترجم]
5- لاحظ دارسو السلوك الحيواني أن القرد السعدان Sagouin يمارس اللواط بالمفهوم الذكوري الإنتقامي، فالقرد المغلوب يترك القرد الغالب ينكحه كما كان ذلك شائعا بين بعض البدائيين بل وحتى الآن في المجتمعات العربية والإسلامية. [المترجم]
6- جاء الشعور بالعار في الممارسات الجنسية (غير الشرعية وحتى الشرعية أحيانا) مع اليهودية التي حرّمت وحقّرت الممارسات الجنسية نقلا عن الأساطير السومرية والبابلية التي لم تكن تعترف خارج العلاقات الزوجية إلا بالعلاقة مع بغايا المعابد المقدسة ذكورًا وإناثًا. [المترجم]
7- حتى كان الحب الحقيقي في اليونان هو حب الغلمان والعائلة اليونانية التي لا تجد عشيقا لإبنها قبل الزواج تعتبر نفسها منكوبة إذ كان من العار على اليوناني الحرّ أن يتزوج قبل ممارسة حبّ الغلمان (المترجم)
8- كلمة Socratisme (نسبة إلى سقراط) تعني في المعاجم الفرنسية الممارسة المثلية. وقد كانت زوجة سقراط ترميه بالماء الساخن احتجاجا على ممارسته للحب مع تلامذته فيقول سقراط مازحا لهم: زوجتي كالطبيعة تُبرق وترعد وتُمطر. ومع ذلك فإن الشهرستاني في كتابه الملل والنحل عَدَّ سقراط من الأنبياء الذين أشار إليهم القرآن. «ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك...» (غافر، 78). وقد كتب تلميذ سقراط وعشيقه الوفي أفلاطون، الذي أصيب بالإكتآب بعد إعدام سقراط بتهمة إفساد الشباب أي ممارسة الحب معهم، كتب في «المأدبة»: «يُعتبر حبّ الغلمان أمرا مُشينا في البلدان الهمجية (L'amour des garçons passe pour être honteux dans les pays barbares)» ويعني بالبلدان الهمجية سبرتا Sparte ذات التقاليد العسكرية الصارمة التي هزمت أثينا. هذه الهزيمة التي دفعت أفلاطون إلى كتابة كتابه «الجمهورية» كنقد للديمقراطية الأثينية التي اعتبرها مسئولة عن الهزيمة. [المترجم]
9- وللسّبب ذاته أدان يهوه الإستمناء الذي كما تقتضي التقاليد العبرية ورث زوجة أخيه التي لم يجد نحوها أي إنجذاب فراح يستمني، فحكم عليه يهوه بالموت لأنه يُريق منيّه في الأرض بدلا من إنجاب أطفال تحتاجهم إسرائيل. والغريب أن الهاجس الديموغرافي ما زال يلاحق اليهود منذ 27 قرنا؟ [المترجم]
10- يقول أحد كتاب سيرة القديس أغسطين Saint Augustin: «إعتبر الىباء المؤسسون للكنيسة العملية الجنسية خطيئة في حدّ ذاتها. فمجامعة المرأة من أجل اللذة والإنجاب لا يمكن إلا أن تضرّ بعملية تسامي الروح إلى الله. لكن سانت أغسطين خفّف من هذا الغلو في إدانة العملية الجنسية.» [المترجم]
11- ذو القرنين «ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا، إنّا مكّنا له في الأرض وءاتيناه من كل شيء سببا» (الكهف، 83، 84). يقول الطبري نقلا عن الإمام علي وابن عباس السبب هو العلم. ولا عجب فأستاذه هو المعلّم الأول، أرسطو. لقّب المصريون الإسكندر الاكبر بـ «ذي القرنين». إذ أنه بعد فتح مصر تظاهر باعتناق دين المصريين المتديّنين جدّا والذين لا يرضون عن فاتح ليس على دينهم، كما يقول «ابو التاريخ» هيرودوتس. وبما أنه لم يكن يعرف اللغة المصرية ليقول للمصريين أنه دخل في دينهم فقد خرج من معبد العجل أبيس Apis، معبود مصر واضعا قرنين على رأسه. وهكذا عرف الشعب أن الإسكندر دخل في ديبهم فسمّوه ذا القرنين. يقول الطبري في تفسيره "جامع البيان" أن الإمام علي لما سؤل عمّا إذا كان ذو القرنين نبيّا؟ أجاب: «كان عبدا صالحا، أحبّ الله فأحبّه». ويقول الزمخشري في تفسيره "الكشاف": «ذو القرنين هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. (...) واختُلف فيه، فقيل: كان عبدا صالحا ملّكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخّر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل نبيّا، وقيل من الملائكة. وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا ما رضيتم أن تتسمّوا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. وعن علي رضي الله عنه. سخّر له السحاب ومدّت له الأسباب وبسط له النور. وسئل عنه فقال. أحبّ الله فأحبه. وسأله ابن الكوّاء: ما ذو القرنين أملك أم نبي؟ فقال: ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبدا صالحا (...) وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا: يعني جانبيها شرقها وغربها». وهكذا فلواط ذي القرنين لم يمنعه من أن يكون نبيّا أو ملاكا في الإسلام أوأقلّه عبدا صالحا. فما هو رأي الفقيهة التونسية الكبيرة ألفة يوسف التي قالت أن القرآن لا يمنع زواج الرجال. أما الفقهاء الذين منعوه فليسوا حجة على القرآن بل القرآن حجّة على جميعهم؟
أرسطو: كتب مؤلّفو «معجم المعلومة الجنسية» متحدّثين عن المازوشية: «الفرق بين المازوشي والسادي، أن الأول يجد متعته الجنسية في إيلام شريكه، والثاني في التألم من شريكه جسديّا ونفسيّا بالضرب والشتائم... أما بعض الأشخاص فيلقون متعتهم بالطريقتين معا. وهم الساديون-المازوشيون Sado-mazochistes (...) لكن منذ أرسطو وقبله، الذي كان يحبّ أن يركبه عبده ويجلده بالسياط، ليس النساء فقط، بل الرجال أيضا مازوشيون» (ص ص 206 – 207). ومعروف أن أرسطو، أستاذ ذي القرنين، أحبَّ عبده، وقد أوصى بعتقه بعد موته. وربما غرامه بعبده هو الذي دفعه إلى التنبؤ بظهور السيارات المتحركة ذاتيّا قبل أكثر من 23 قرنا من ظهورها عندما كتب متمنّيا: «متى ستتحرّك العربات من تلقاء نفسها بدلا من دفع العبيد لها ليستريحوا من مشقة دفعها؟». [المترجم]


 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...