الجنس في الثقافة العربية : الوليد ادم مادبو - الجنس عند السودانيين: (نزوة ام غزوة)..

لم يتعرف السودانيون على الجنس يوم أن تعرفوا عليه إلا كمشروع "للنياكة." هذا اللفظ لفظ شرعي اكتسى بدلالة معنوية شائهه ادرجته تحت طائلة البذاءة اللغوية التي تصف فعلا يتخطي بشرية الانسان وادميته الي البُضع ويستخدم غالباً في حالات التحلل الظرفي والمكاني (راجع كتاب بن القيم، نواضر الايك في معرفة النيك)؛ واللاوعيالذي يجعل السودانيون يصفون اي موضوع فارغ أو يسمون اي تصرف هايف بانه "منيكة ساكت!" هذه المشروعية اقتضاها واقع العبودية، فروضات المنظومة الدينية، وتحريفات الارث الفرعوني.
إن الجنس له صلة بالكائن الثقافي وليس فقط بالكائن الجسدي. إذا كان الفضاء المعنوي مفعم بالإيحاءات الجنسية وفيه من الهامش ما يسمح بأنسنة العلاقات بين الجنسين، فإن استعداد الطرفان يكون أقرب إلى الامتاع والمؤانسة، أما إذا كانت الايحاءات منعدمة (بمعني التهيئة الثقافية والاجتماعية والبيئية) فإن جل ما يتمتع به الطرفان هو الايلاج والتفريغ.
حتى الان يقع الفعل في دائرة الموجب الذي لم تدني درجته، أما إذا ما تكثفت الايحاءات الجنسية بدرجة مركزة مزعجة وانحسر الفضاء العمومي بالكلية، مثلما هو الحال الأن بالنسبة لمجتمعاتنا، فإن الطاقة تصبح طاقة سلبية، قد يندرج توظيفها عبر الوقت في خانة الجريمة والانحراف الفطري أو العقلي (مستحبة ولكنها منبوذة).
إن الايحاءات الظاهرة تحدث انجذابا وقتيا يتم تأطيره حضارياً (مثلما هو الحال بالنسبة للمجتمعات الأوربية)، أما الايحاءات المستترة فتحشد طاقة هائلة تجعل عملية الوطء عملية ذات تفجر حسي ومعنوي، خاصة إذا سلمت المرأة من الخفاض (حالة المرأة الآسيوية)، ولم تتعرض لقهر تاريخي (الذي هو بمثابة الخفاض العقلي) مثل المرأة الاثيوبية.
إن الحب (البعد الميتافزيقي في المعادلة الجنسية) هو العنصر القادر على ملائمة كافة المقومات وتفعيلها حتى الأن (وإن كانت عاطلة أو عطلّت لدواعي سياسية أو دينية).
يجب أن نفرق بين الحب الذي هو بمثابة استثمار حقيقي في المعنى، والانجذاب الجنسي الذي يتجاوز المعنى إلى الحس دون هوادة. قد تعجب بشخص ولكن ذلك الاعجاب يتبخر متما سنحت الفرصة للكلام واستكشاف المعاني. إذ ان النظر هو نافذة الروح لكنه ليس بمقوم لها. إن قوام الروح هو القيم والمعاني. إذا كانت القيم والمعاني شائهه، فالروح تتأثر بذلك حتما، أما إذا كانت المنظومة القيمية متوازنة -- حضرها التوازن نتيجة التدافع وليس القمع -- فإن ذلك ينعكس على السلوك.
إن مما يدفع الجنسين حتف انفسهم للقفز فوق حاجز الروح لتمجيد هضبة الحس، هو الخناق الذي تفرضه الدولة الدينية وتعمدها الاحتلال الكامل للفضاء العمومي. لا شك، أن في ذلك إجهاد للروح (حيث استنفرت في غير ذي جدوى) واهدار لقدرات الجسد الذي يصيبه رهق من جراء الاستحواذ على لذة لا تحدث معها إلفه ولا يجدر بها تحقق متاع أو مؤانسة، وتستعبد الأنثي وينتاب الرجل شعور بالتفوق المصحوب باللامبالاة.
إن الجنس بمعناه الذي فرضته الحداثة وما صحب ذلك من فضح لميثولوجيا الجسد هو وهم
(Sex As An Illusion)، وذلك الذي مارسته الشعوب قبل الحداثة كان في ذاته رهق حرم الإنسان حقه في المتاع وجعل الجنس مجرد وسيلة للإنجاب (The Burden of Guilt).
وقد آن الأوان لأحداث توازن يجعل الجسد وسيلة لتحقيق المعنى، أو المعنى (في حالة الحب) نبراسا لاستكشاف الجسد، سيما التنقل بين هضباته ومنعرجاته. إن التعليمات الدينية الشائهة والحمولات التاريخية المؤدلجة تحمّل الإنسان كمًا من الوزر غير المبرر، كما إن ظلالها تحرم الإنسان فرصة التصالح مع جسده. إن القهر التاريخي قد يؤدي إلى كمون الايحاء (الايحاء المستتر)، كما ان الخفاض قد يشعر المرأة بالنقص ويجعلها تمعن في إبراز ايحاءاتها الجنسية وتبالغ في إظهارها سيما ان ذلك قد أصبح وسيلتها المتعجلة والشبقة لحدوث المراد الذي ربما يصعب الحصول عليه ثانية فتضيع فرصة لإرضاء الطرف الآخر الذي قد لا يأبه لتقاليد الحب أو الاحترام إنما يمعن في تقنين الإذلال أو الجهل. هنا يلزم ان نسأل سؤالا محدداً، ما هي العلاقة بين الجاذبية والفاعلية الجنسية؟
هناك علاقة لا يحكمها تناسب سلبي أو إيجابي، إنما تفاعل روحي وكيمائي. كتلك النشوة التي تبديها الانثى وهي عرمة (شبقة) أو كتلك الصرخة التي تنطلق من صعداء الروح (التي ارهقتها مشقة البعد عن الاخر) وهي بمثابة استدعاء لكل الجيوش والجند التي احتشدت منذ الازل لتخلص الجسد من معاناة الروح أو تسرِح الروح من سجن الجسد. هل يمكن ان يكون الجنس خدعة إلهية بارعة؟ بلا شك، هو طاقة يمكن ان ترشد لكنها لا تقهر.
سأفئ إليك. تراني اصبحت عذراء
من نعمة الحب فيك؟ أفئ إليك‘ واهبط فيك الي قرار.
لا احس بنفسي، لا احس بجسمي،
لا أحس بأني أحيا إذا لم اعانق
جسدا آخرا.
ولماذا إذن لا أجاهرٌ: كلا.
لا اريد الحياة إذا لم تكن بدعة
ولماذا، إذن لا أعيش كمثل الطبيعة، في لا مكان
واقول لمنفاي: انت الوطن
أهذا الصديق عدو الزمن؟
(تاريخ يتمزق في جسد امرأة، ادونيس، ص:37)
إن حسى الانطباعي يدفعني لكي ازعم بأن المرأة الآسيوية لا تتمتع بتناسق جسدي هائل بل يكاد يكون منعدما، لكنها مارد جنسي نسبة لما لديها من حشود عمقت موقف الكائن الثقافي (هي تردد صمتا ما قالته انثي ادونيس الممزقة: سأصلي لجسمي، لثنياته، لتقاطيعه، ولنهدي مسترسلين. صعودا وهبوطا، الي كل ما جهلته النبؤات فينا)؛ اما النساء الباهرات جسديا اللائي يعيش بعضهن في مناطق محافظة مظهريا ومنعمة ماديا، فإنهن رتيبات جنسيا نسبة لما يعانين من ضمور اصاب الكائن الثقافي منذ تمكن المنظومة الفقهية. إن المرأة الاثيوبية (أو نساء الهضبة عموما) يتمتعن بإمكانية هائلة للإشباع لأنهن نلن حظهن من الازدهار الثقافي والتناسق الجسدي. الاهم، إنهن لم يتعرضن لقهر تاريخي يحرمهن من فرصة التباهي بكليهما والخضوع المحبب للرجل وإطلاق العنان للعاطفة من غير كبت ومن دون التنازل عن الكرامة، كما إن الفضاء منفسح امامهن لتجلية الروح من الكدر. لم يعي الرجل السوداني هذا الامر وهو يهرع الي صحبتهن بل عزاه الي مهارة الجسد وقد كانت الروح وبراعتها اولي بالاحتفاء.
إن تفاعل العناصر كآفة (من قهر تاريخي كان سببا في تعميق الايحاءات واستثارتها وخفاضا فرعونياً كان تكثيف الايحاءات إحدى تجلياته الظاهرة) قد فاقم من الأزمة، خاصة إذا علمنا بأن كل ذلك خرج عن إطاره الفكري والروحي في إطار العولمة التي لم تؤٌمِن لأي شعب خصوصية ناهيك عن ان تكون هناك قدسية لأي مرجعية، تاريخية كانت ام دينية.
لن نستطيع بعد هذا العرض أن نستكشف كنه "الانفجار الجنسي" الذي يحلو لأصحابه ان يسمونه "ثورة جنسية" (الثورة تخضع لمعايير فلسفية فكرية تحدث اقل ما تحدث تبديل وليس فقط تغيير للطبيعة التداولية للمعروض بين الفرقاء)، إلا إذا استعلمنا عن طبائع الرجل السوداني والذي اتسمت جيناته وجينيولوجيته الفكرية والثقافية بتشوهات هائلة اثرت عبر الازمان على طبيعة التفاعل بينه وبين قرينته الفاضلة (غير المٌفضّلة).
بالتحديد هناك خمسة مراحل :
1. مرحلة الإغارة التي عرفتها القبائل النوبية مع مجيء العرب وذلك قبل الإسلام.
2. مرحلة العبودية وتداعيتها الاقتصادية، الثقافية والاجتماعية والدينية.
3. الاباحية والتي أخذت شكلها المدني والقانوني في شكل "البيوت" (بيوت الدعارة) وشكلها العرفي القبلي في شكل الخلوة المٌطرِفة التي تمنح فيها "العزبة" حريتها النسبية أو بعض القبائل التي تبيح للمرأة كل محظور بعد الزواج.
4. ظاهرة "الخطف" والتي كانت إحدى تداعيات التضييق الذي لم يمهد له بفرشة تربوية أو فكرية فكانت النتيجة أن خرج الجميع (الراغب منهم ومنهن) إلى الشارع.
5. مرحلة "الإفاقة" غير الراشدة أو الانعتاق غير السلس من التابوهات، الاكليشهات والمحرمات التي اعقبت النظم الاستبدادية والتي لا يبرأ منها العفيف أو العفيفة، خاصة من شكل التشوهات التي أصابت السيكولوجية والنفسية السودانية. إذا إن العفة لم ترتبط في ذهنيتنا بتطور دفوعات داخلية، إنما في كثير من الاحيان مجرد مراقبة لحدود الانضباط الخارجي باللوم أو الاعراض. المرأة الغربية، مثلا، لا تقل للراغب المشاغب "انا حرة او انا مرة"، إنما فقط "انا متزوجة" لأنها ببساطة طورت دفوعاتها الداخلية ولم تكتف بمنظومة القيم المفروضة الخارجية.
التقيت إحدى زميلاتي فور مجيئها من مؤتمر في إحدى البلدان المغاربية وكانت غاضبة يومها. سألتها عن سبب غضبها فأخبرتني بأن احد زملائها استفزه المناخ الشاعري واغرته الحرية (بمعنى عدم الرقابة)، فأبدى لها عن رغبته في الاتصال بها جنسيا. هكذا وبدون اي مقدمات. هو لم يتفضل بدعوتها للسينما، المسرح، العشاء، زيارة إحدى المتاحف او التمشي علي الشاطئ، كيما يؤنسن هذه العلاقة او يحبس مجري المياه فيجنب نفسه الحرج علي أسوأ الفروض. هو ببساطة اراد ان يجامعها، يكجها، ينجرمتتها، يسوجها، يحشها، يضوقها، يشقها، يبلها، الي اخره، من الالفاظ التي يختارها الرجل ليضخم شأنه الطفولي ويغطي به عجزه العقلي. لا تعجب إن علمت بأن هذا الرجل يعمل في السلك الاداري وله وظيفة رفيعة، فإن الزقاق قد ترك بصمته في ذهنية الرجل السوداني. وقبل ان يعمد علي استخراج هذا ال (Chip)، جاءت الدولة (المازوشية) لتعيد برمجته فلا تقتصر فاعليته علي الازقة إنما لتشمل الحواري وجميع الثكنات. علي نهج: افعل كل شيء لكن بوقار، ودع لصاحبة الشأن القرار.
أتوهم؟ كلا
حجر اسود
عشيق لصدري.
أتخيل؟ كلا قمر فك سرواله
وتمدد قربي.
جسدي فتنة – لغة صورت
من بهاء الغريزة،
من غبطة الجنس، متروكة
لعذاباتها
جسدي فتنة مٌرة.
(تاريخ يتمزق في جسد امرأة، ادونيس، ص:97)
قلت لزميلتي "لعله أومأ" قالت لي بل اباح وأبان (بمعني مد القرعة)! هدأت من روعها وقلت لها اعذرينا، فنحن معشر الرجال، إلى كوننا كائنات الفت المعاشرة القطيعية (اي مع القطيع) لقرون --وقد يصبح من الصعب إذا لم نقل من المستحيل التأقلم مع واقع القرينة الواحدة-- فقد تعرضنا أو تعرضت سيكولوجيتنا لتشوهات يصعب معالجتها دون توفر بنية ثقافية واجتماعية وفكرية تتلاءم مع روح عصرنا. كثير من إشكاليتنا لها صلة بالجنس وحتي الاخيرة هذه لها صلة بعدم تعاملنا المنهجي مع الحداثة. إذا تصرفنا إراديا فنحن كائنات محترمة، ووقورة، بل ومتدينة وإذا تصرفنا لا اراديا قفز من تحت مقلتنا أو قل قريحتنا ذاك المارد القبيح ذو الرؤوس المتعددة. بمعني إن واقعنا يستدعى العطف وليس الحنق. قبلت رأي على مضض، لكنني اطرقت وتفكرت مليئاً في هذه الحادثة بعد ذهابها وقلت في نفسي: ألم يجد هذا الفرد ما يجنيه من هذه السيدة الجميلة، الانيقة، المثقفة بل المتصوفة غير البغض؟ لكنني رجعت وانبت وقلت "الله يلعن إبليس" الذي كثيرا ما يعمي البصيرة فيصاب البصر بغبش!
• هو لم ير إنسانا هو رأي فرداً يجوز الاغارة عليه،
• هو رأى فريسة يجوز الانقضاض عليها،
• أو رأى بضاعة يمكن مقايضتها،
• أو رأي متاعاً يمكن الاستحواذ عليه،
• وإذا شئت بضعا يمكن وطئه في كل وقت وحين.
وقد تنعكس الآية فيصبح الأمر واقعيا (حتى لا تستمرئ النسوة وضع الضحية)، لأنهن بطبيعتهن النفسية والفيزيولوجية كائنات عميقة يعتمدن المواربة وسيلة لتحقيق مأربهن. في حين ان الرجل مخلوق بدائي يعتمد اللغة الفاضحة وسيلة لتحقيق غايته من دخول الكهوف المظلمة. إن اشد ما يقهر المرأة هو التلصص إلى كهفها والاستغناء عن اقتحامه، لان المكايدة هذه تحرمها من افتك اسلحتها وتجعلها عرضة للفناء حال البدا. ومع ذلك فهي لن تغلب حيلة وستحشد كآفة الجند الذين تكاسلوا في زمن القحط الروحي والانحطاط الفكري وستصل إلى نشوتها، بمجرد السماع احيانا، مغالبة وقائع القهر التاريخي ومسترجعة همة البظر المعنوي. وفي ذلك تكون قد غلبت الرجل، ذاك الكائن البئيس، الذي استعاض عما هو مستثنى بما هو ظاهر، الة يباهي به ربعه والقرود.
ليس المشكلة في فظاظة اللغة التي يستخدمها الرجل السوداني أو فجاجتها إنما في إيحاءاتها الدلالية المراوغة والمفاهيمية الخاطئة التي تضخم من شأن الايلاج وتجعله غاية في ذاته. إن الرجل في مسار ترقيه من مرحلة البهيمية الي مرحلة الادمية (إذا كنت من الذين يؤمنون بنظرية دارون) عاني كثيرا لآنه ظل يعاني بين ضغط الجينات وضوابط المجتمعات. كلما كان الواقع مزريا كلما ازداد الخيال تشعبا واتساعا. وفي ذلك يجد النسوة مرتعا خصبا للتباهي والدلال. فليس غريبا ان تقع المرأة ضحية لهذه التصورات كأن تتباهى احداهن بكبر دبر عشيقها وتتمدد في خيالها فتوصف للمتحلقات من صوحيباتها كيف أن عشيقها بالرغم عن ممانعتها وتأبيها، راوغها، وداعبها، فلما استكانت والانت باغتها فلم تجد بدا من مجاراته فأزاحت واناخت بل جالت وامالت حتي توسد مفرق رجليها "وقطعو فيها حامي رووووووط." ولهن ان يكملن بقية القصة مفٌسحاتالمجال لكل انين، شجو، وحنين.
لم يفت اخري متمرسة ان تصف لمراهقين مبتدئين بان "كبر الدبر لا يقضى وطر"، إنما المهم "التبحت في الجغاب." لكأنها اتت بجديد عجز العلماء عن ادراكه، الذين اقروا في دراستهم ان 95% من النساء اللائي اجريت لهن عمليات لم يشعرون بألم من جراء جراحة اجريت لهن داخل الفرج. إذن عن ماذا ظل الكل يتباهى ولا يتناهى؟
ختاما، إنني اسرد هذه الحيثيات وأختار هذه الوقائع من رزنامة النكات والقصص الشعبية، لأدلل على بينتي الأولى، إلا وهي إن فهم "النياكة" على أنها جنس والجنسعلى أنه ممارسة سريرية، من شأنه ان يحرم الإنسان من فرصة الاستثمار في المعنى ومن ثم شحذ طاقة كان يمكن ان تبدد حيويا وتدريجيا واختزانها لخوض معترك قد ينحرف عن مصاغه فيصبح عنفا لمجرد تغير بسيط في الظرف. ولذا فأنا أقول ان كل جريمة جنسية هي انعكاس لما اختزنته الذاكرة الجمعية من ممارسة شائهة، فلا يمكن النظر الي سجل الجنايات اليومية علي أنه نشاز عن الحالة السيسيولوجية والاجتماعية العامة. هذا اذا اردنا ان ننتهج نهجا جريئا ومفيدا اما اذا اردنا ان نستمر في الطرح البليد والكسول فيكفينا الادانة الشرطية والتغليظ في الوعيد.

دكتور الوليد ادم مادبو

 
2/3

استهلال المقال السابق بأكثر أجزائه صدمة كان مغامرة جريئة اردت ان اجري من خلالها مساومة بارعة مع القارئ "المتحفظ"، الذي لربما أشعرته في نهايتها (هذا إذا كان قد أكمل المقال، ولم يكتف بتمريره كإحدى الشمارات التي اعتاد السودانيون تناولها في ساحة التواصل الاجتماعي) بأنه خرج ظافرا حين اكرمته بعدم التوغل في اللغة الصادمة كما توقع لكنني نبهته إلى حجم البذاءة، التي يتم تداولها في الفضاء العمومي، خاصة في المركبات العامة، التي لا يراعي فيها حرمة لطفل أو امرأة او رجل مسن. بيد أن الانتقال من المشافهة إلى المكاتبة يتطلب شجاعة، عمق ونضوج أكاديمي، والأهم المقدرة علي الاستمساك بآليات البحث اللازمة لأعمال الحفر العميق في جذور المعضلة المطروحة وقد تستخدم اللغة الجميلة والأسلوب السلس، لا بل حتى روح الفكاهة، في تخير المصطلحات والتعابير والمفردات لترميم أي شروخ قد تتسرب منها الحاسة النقدية للقارئ الحصيف (أود ان اقترح علي الشباب عقد جلسات للتفاكر حول المقال، فجل الكبار لا يحسنون غير المكابرة).
اعود فأقول أن كل جريمة جنسية هي انعكاس لما اختزنته الذاكرة الجمعية من ممارسة شائهه، فلا يمكن النظر الي سجل الجنايات اليومية علي أنه نشاز عن الحالة السيسيولوجية والاجتماعية العامة. هذا اذا اردنا ان ننتهج نهجا جريئا ومفيدا اما اذا اردنا ان نستمر في الطرح البليد والكسول فيكفينا الادانة الشرطية والتغليظ فيالوعد الوعيد. قد يحلو لكل واحد منا ان يرجع طاهرا مطهرا، بيد ان صراخ الضحايا حتما سيؤرق مضاجعنا. الفقيه يعوي لأنه يعاني، هو لا يملك ان ينقذ نفسه كيف ينقذ الاخرين؟ ورجل الشرطة اسندت له مهمة الحراسة لمنظومة اخلاقية متداعية فوجد نفسه مجهدا في مطاردة افراد هم ضحايا طغيان ابوي ونفاق اجتماعي/سياسي. فهو محتار بين مطاردة المراهقين وحراسة نساء المسؤولين!
إيراد بعض الحيثيات من شأنه ان يذكرنا ليس فقط بفداحة الواقع ولكن ايضا بإشكالية الافصاح/الانكشاف في مجتمعات يحتل "الشرف" (انتبه انه شرف الاخر ورجولته المتخيلة) محورا في وضعيتها. عوض عن استحداث مجلس اعلي للأسرة وتصميم استراتيجية تتضمن سياسات ومعاهد تأهيل تربوي ومشرفين واطباء نفسانيين، بل وفتح خطوط ساخنة للإبلاغ عن الضررحيث يتم التعتيم في شكل التعاطف مع الجاني.فقد حكمت محكمة جنايات بإحدى مدن السودان العام الماضي على (ن.ه) بالسجن (10) سنوات والجلد (100) جلدة وذلك لاغتصابه الطالبة (ر.ح) وتعود حيثيات القضية إلى أن المجني عليها حضرت اليه باعتباره (شيخا) لمساعدتها في النجاح بالامتحانات ، وذلك بـ (العزيمة) على قلمها فقام بتخديرها ومن ثم اغتصابها. بيد أنه لم يمض وقتا حتي تم إعفاء المجرم عن العقوبة بموجب القرار الجمهورى رقم 206/2013 (الراكوبة 29/8/2013)؛ فالرجل امام مسجد (أدين) ولا يجوز إتهام مروءته إنما التماس العذر له علي أسواء الفروض واستحسان الفعل علي احسنها إذ أن ذلك يدل علي فحولته وعظيم مرجلته التي يثبتها اقتحام الاماكن المجهولة ووطء الغياهب المأهولة علي سنة "بنات حواء عناقريب الليل مطامير الفلك!"
اذا تجاوزنا هذه الحالة البدائية وعزمنا علي اتخاذ تدابير مؤسسية، فلا بد من تضافر العمل الإحصائي مع العمل الجنائي، التحليل الاجتماعي مع النقد الثقافي (راجع مقالتي "الحوكمة وقضايا المرأة")، الاهم من ذلك اتخاذ سبل الوقاية اللازمة لتدارك الانفجار الجنسي الحالي واستحداث نظما للتعامل المنهجي مع انعكاساته وتداعيته السالبة.يزعم احد اميز الخبراء في مجال تنظيم الأسرة ان السودان يكاد يكون الأول في مجال الإصابة بالإيدز. إذا تركنا الانكار جانبا فهنالك موروثثقافي ومؤسسي هائل يمكن ان يفعل لوضع الأمور في نصابها.
إن الجاذبية الجنسية كانت عبر التاريخ قوة مقلقة للتراثية وخارقة للطبقة الاجتماعية: المهندس مع ست الشاي، رب البيت مع الخادمة، الموظفة مع المدير، الطالبة مع سائقالركشة، الي اخره مع المفارقات التي لا تحصر، بيد انني اتكلم عن العشوائية التي اتسع بها شكل التداول للبضاعة (وإذا شئت البضع). مثلا، كنا ونحن طلبة في جامعة الخرطوم لا نحلم بأكثر من تقديم زميلاتنا إلى الداخلية، اما اليوم فالطالب يكاد يكون له أكثر من عشيقة في الفصل الواحد. بل إن بعضهم يقع ببنت خالته أو عمته، وقد كنا نصون المحارم، حتى من بنات افكارنا. هذا مع بنات حلتنا، ما بال باديتنا؟
لم يكن احد يجرؤ في التعدي علي رويعيات الغنم أو المحتطباتليلا او نهارا حتي انهارت المنظومة الاخلاقية فأصبح الامر مستهجنا لكنه مثل غيره من المنكرات التي يتم التعايش معها وبعد فترة يغٌض الطرف عنها. خرجنا يوما للقنيص انا ورفاقي بالقرب من دحل عيش (إحدى دحول دار الرزيقات) فاستغربت لوجود بنت في سن الثامنة وأخيها تقريبا في سن العاشرة يرعون ابلهم ليلاً،حوالي الثالثة صباحا. فقلت لرفيقي ما بال هؤلاء؟ قال لي: دع ما يريبك فلا احد يجرء للاعتداء عليهم ولا الجن نفسه!ليته عاشحتي يرى حرمة للجار تستباح وحرما للفريق يجتاح.
سٌئل احد قادة المليشيات الحكومية عن سبب تعديهم علي نساء الفور والمساليت، فأجاب معرضا بأنه لا يشتهيهم أصلاً. لقد وقع في الورطة دون ان يحس لان الاغتصاب هو من صنف الاعتداء (Act of Intimidation) وليس فعل انجذاب واستحباب (Act of Intimacy). هو اثبت التهمة من حيث اراد ان يدرأهافجمع بين البلادة والعنصرية. ان تجاوز الاشتهاء إلى الوطء هو بمثابة الاجتياح لساحة المجني عليه والامعان في إهانته. بما إنك لا تشتهيه فقد عمدت على اغتصابه، لأنك لا ترغبه علنا فقد اهنته سراً. هو يريد ان يقول أنه يعافهم، لكن ذلك يقلل من فحولته لان "الفحل ما عواف" في ثقافتنا الشعبية. فالاعتداء لا يكون بدوافع غريزية محصنة، إنما استضعافيه قحة.إنه انهيار لمنظومة قيمية؛ يجب الا يخلط بينه وبين الاباحية التي هي بمثابة انتظام لقيم غير سوية.
إن مجرد النظرة غير المحتشمة هي بمثابة اعتداء عند الغربيين، أما في عالمنا فننتظر الجاني حتى يتعدى لفظا وفعلاً، وما ذلك إلا لأننا ابتسرنا مفهوم الجنس في الجماع، والاخير في (الحياكة)، (والحياكة) في العنف، والعنف في شكل الانتقام من الاخر. سئل احد الوجهاء الخرطوميين عن سر صحبته لامرأة قبيحة، ذميمة، بائسة، لئيمة، فقال إنه "يجد لذة بالتأمل في اسمها وليس التملي في ...ها." هذه لغة دارجيه ذميمة لكنها عبرت عن نفسية صاحبها بصدق:الغزوة ثم النزوة. لعلك تذكر تعطش جند الريف لبنات ام درامين (يشمل ذلك ام درمان والخرطوم)فور اتفاقيتي نيفاشا وابوجا، والذين لم تألوبعض الجهات جهدا في توفير كربات (فتيات معشكبات) لهم، معظمهن كن مصابات بالايدز،وذلك للانتقام منهم بعد ان افرغت كآفة الاتفاقيات من مضمونها السياسي والاخلاقي.
أود أن اعود في هذه السانحة إلى المراحل الخمسة (الاغارة، العبودية، الاباحية، الخطف والافاقة) التي شكلت بصمة الثقافة الجنسية في السودان وأخذها بالتفصيل مع بعض التدليل والتمثيل.
1. مرحلة الاغارة :
عرف السودان الاغارة منذ القدم، فهناك إغارة القبائل العربية على القبائل النوبية، إغارة القبائل العربية على القبائل الافريقية، إغارة القبائل الافريقية على بعضها البعض (هذه كانت في إطار الغنيمة والشكيمة)، منها الاغتصابات التي حدثت بسبب تعقب السلطان تيراب للسلطان هاشم سلطان المسبعات الذي انتهي به الامر في ام درمان حيث هزم العبدلاب وكسب نحاسهم المشهور. وككل الجيوش مورس الاغتصاب وكسب النساء، إغارة الاتراك على القبائل النيلية (انتقم الدفتردار لصهره اسماعيل باشا فقتل الجند كل من وجدوا واغتصبوا الرجال والنساء)، إغارة جيوش المهدية على الملل الامدرمانية (اذ لم يتورع الجهادية عن قتل ونهب واغتصاب نساء الاخرين مستندين علي منشورات المهدي والتي اباح فيها مال ودماء وعرض كل من لم يؤمن بانه المهدي المنتظر)، إغارة جنود عبدالله التعايشي علي الجعليين (راجع مقالتي "المدينة الاثمة")، إغارة الانقاذيين علي الدارفوريين (راجع تقرير القضاة الخمس)، الي اخره. هذه الإغارات عمقت مفهوم العنف الجنسي وتركت بصمتها الأولى على ذهنية الإنسان السوداني ونفسيته لأنه في تلك الظروف كان يتعامل مع الأنثى على أساس أنها فريسة يجب الانقضاض عليها.
2. مرحلة العبودية :
لو كانت هنالك كاميرا سينمائية يومها لصورت لنا مشهد النساء الافريقيات وهن يعرضن في سوق ام درمان. ما إن يأتي السمسار حتى تعتلى إحداهن الدكة، تدُق الدلوقة، وترقص على انغامها الأنثى المجهدة وهي مكبلة بالقيود. كل ذلك لا يعفيها من التمايل (والتتني) الذي يثير غرائز المناقصين، الذين يرون كل شيء إلا ما حجبه الرهط، فيهرعون لبذل المال الذي يناسب فخامة ما عرض عليهم من بضاعة.
يصحب التاجر المرأة (الخادم) إلى المنزل، فالمحظوظة من تصادف في تلك الليلة عرمة تكاد تطيح برأس تومة صاحبها، فيجامعها عله يلد منها تاجراً يصبح من بعد "سرا للتجار". والتعيسة من لم تستطع التحايل علي سيدها فتبقي علي نزوته الاولي او تزيدها استعارا في الطريق من ساحة المشتري الي باحة المنزل. حتي اذا ما بلغ الحوش زهد فيها بل اغفل عنها عمدا كي يجد الصبيان فيها مجالا للاستكشاف.
قبل قرن من الزمان اشتكي رجال الدين الي الحاكم العام تواجد النساء (الخدم) وتعرضهن للمارة تارة ايحاءا وتارة باللفظ:
سموني حركة ام حريكة ابوي اداني ليك ...
طلبتك ب الله يا ود امي تديني . . كة
تري هل اختلف الامر اليوم؟ لم يختلف البتة، بل ازداد الامر سوءا اذ لم يعد التحرش في الشوارع مختصرا علي "الخديم" او كما يحلو للسادة ان يسموهم (تقول الاحصائيات ان 60% من سكان العاصمة كانوا يوما من العبيد!).
عندما اسمع عن قصة تاجر هذه الأيام له قوادة تأتي له كل ستة شهور بشابة في سن الـ 18 عاما ليعقد عليها عقدا يناسب شرعة المسيار، فأنا اربط هذا الأمر مباشرة بالخلفية التاريخية أعلاه، وأقول لربما تركت تلك الحادثة بصمتها في جينات هذه الشقي. هل يختلف هذا عن حال السبعيني الذي يستغل حوجة المراهقات فيذهب بهن الي وكر اعد لقضاء الوطر؟
تعيسة تلكم "الخادم" التي لم تصادف هوى في نفس سيدها ولم يمن عليها الخالق بجمال يخلب خلد بنيه، إذ أنها لا محالة ستكون من نصيب احد العبيد المقربين. يحدث تماهيا لا محالة بين العبودية الاجتماعية وتلكم الاقتصادية في حال انجب منها السيد وطلقها ام سيَبها، لأن ابن التاجر يتداخل مع أخواله فيحس بالتفوق الاجتماعي نهاراً وبالخسة ليلا. وقد يكون هذا سببا لعقدة كآمنة لا يداويها تعليم أو تدين.
هذه امرأة
تعشق الحر، لكن
هل تفئ الي العبد في نومها؟
(تاريخ يتمزق في جسد امرأة، ادونيس، ص: 76)
هناك نوعا أخر من أنواع العبودية قل ما يتحدث عنه الناس، الا وهو العبودية الدينية. يهمس الناس في نسب احد الوزراء النابهين فيقولون ان زعيما دينيا كان في زيارة تفقدية لإحدى المناطق فكان من كرم احد الرعية ان تنازل له عن زوجته لتحل عليها وعلى ذريتها البركة. وعندما تنظر اليوم إلى احفاد ذاك الزعيم وتراقب تصرفاتهم، تعلم يقينا بأن الإنسان مهما اجتهد لا يمكنه ان يفلت تأثيرات الموروث الجيني. إذ أنهم علي سنة جدهم (الافَاك) الكبير ما زالوا رغم التطور الانساني لا يرون حرمة لبشر إنما ينظرون الي الكل كساحة يجوز اجتياحها.
حمَل ابن احدهم إحدى التابعات الجميلات، فجيء بإحدى الاتباع لتزويجه المسكينة ليدرأ عنهم الفضيحة (وليس عنها فهي مجرد رقيق في نظرهم)، وذلك بإشراف إحدى السيدات اللائي يشار اليهن بالإسهام في الحركة النسوية. "يا حليل ام درمان زمن بابكر الخناق" (الرواية الامدرمانية تقول انه واحدا من الرقيق الذين كان اشراف ام درمان يكلفونه بخنق من لم ينستر حالها فحملت بالحرام)، فات الزمن الذي كان يتولي فيه الرقيق مثل هذه المهام. ابعد ذلك يتعجب السودانيون عن محنتهم واسباب غضب ربهم عليهم، بل ويزعمون ان الانقاذيين هم سبب محنتهم؟ هم جزء اصيل منها، بيد انهم لم يفعلوا اكثر من كسرهم لبيضة النعام التي كان بداخلها مخلوق مشوه. لو انهم صبروا لخرج اليهم ذلك الطفل الخلاقة، لكن بأوانه.
3. الاباحية أو بيوت الدعارة :
تعارف الناس على أن العاهرة هي امرأة، لكنها قد تكون رجلاً وسيما ينتمي إلى شريحة اجتماعية راقية، نذر لنفسه لتقديم خدمات إنسانية جليلة لنساء من علية القوم. أوت إحداهن إلى احد هذه الاوكار فوجدت فيها عاهر اخلص اليها واجاد، لكنها سرعان ما شكت من كثرة طلباته المتزايدة التي لم يفي بها حتى بيعها لبعض عقودها الذهبية فقالت لصاحباتها "بيعني دهبي يا بنات امي!" الأمر الذي لم تدركه هذه الجدة (الحبوبة) حتى لحظة فراقها لهذا المتعطل أنه يمتهن هذه المهنة حينا من الدهر ليعول بها عياله، لا ليمتع بها جوارحه. أنه يمارس الجنس احترافيا وليس شبقيا.
إن هذه المترفة تتمتع بحرية مدنية لا تختلف عن حرية العزبة في الريف، إلا من حيث التنوع المكاني في الخلوة، بل هي تمارس دعارة مقننة لا تختلف عن تلك التي مارستها المومسات في "سبع بيوت" إلا من حيث التقنين المهني أي الرخصة والفحص الدوري.
يتبادل الرجال اراء هي بمثابة مذكرة أو مدونة تتضمن الهوايات الجنسية لهذه المرأة او تلك، وكل يمني نفسه بمغامرة قد تجعله الأول في فتح احدى مغاراتها العديدة. هذا الاعداد لا يختلف عن اصطفاف الرجال في "الزقاق" لدخول إحدى "البيوت"، إلا من حيث الفارق الزماني. إذ قد ينالها احدهم اليوم وينالها الاخر بعد سبع اعوام، كل قد اعد عدته للاقتحام. هل هذه نزوة ام غزوة ام الاثنان معا؟
واقع الامر ان الخرطوم (وكافة المدن الرئيسية في السودان) انتقلت من المشاعية الي الطهرانية ومن الطهرانية الي المشاعية وبالعكس وتقلبت وغلبت في شأنها حتي استقرت علي مرحلة بين المرحلتين: لا هي بالطاهرة ولا بالعاهرة.
كل لي عم هو بمثابة الصديق الملامتي الذي لم يؤثر فجورة على نبله، بل هو الانبل في كل صحبتي، خاصة من عشيرتي. قال لي أنهم دخلوا ذات يوم الزقاق وازمعوا على قفله ليلة خم الرماد. فلما افاقوا من سكرتهم خرجوا إلى الشارع وقد اصابهم الملل فلم ينتبهوا إلا لزجرة احدهم إذ قال لهم المارة "يا ناس اتقوا الله، مولعين سجايركم في نهار رمضان!"
قالوا له : رمضان دخل !؟
قالت المارة : الكترااااابة، الليلة 17 رمضان !!
وإن هي عجزت عن تحقيق استنارة تكون بمثابة الوسيلة لإحداث بعث روحي واخلاقي وفكري حقيقي، فليت الانظمة الايدولوجية تركت السودانيين في خمهم للرماد فلم نكن نسمع حينها بإمام جامع خدَّر حماته التي جاءت لنفاس اختها فوقع بها، لم نكن نسمع بشيخ لاط تلميذه او جار تحيل فرصة ذهاب جاره الي الزرع لعيوث فسادا في حرمه. لم نكن برآء يوما لكن تعدينا لم يكن يخرج عن دائرة الفطرة. يتكدر المرء متما نازع الفطرة لكن استمراء النزوة من شأنه ان يحدث اختلالا في توازن خليته الصغرى (الاسرة) كما لا يحدث شرخا في سيمفونية الخلية الكبرى (المجتمع).
لم يكن السودانيون في حوجة إلى التجريم (Shame) قدر حوجتهم إلى المعافاة (Blame). المجرم لا تصبه معاناة من جرمه، أما المنيب فلا يكاد يفيق إلا وقد غفر له (كتب علي نفسه الرحمة، انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فأنه غفور رحيم. وكذلك نفصل الآيات ولستبين سبيل المجرمين)((الانعام، 54،55)). قال احد المتصوفة رادا علي احد الوشاة الذين شكوا له تسكع ابنه في الآنادي (حانات الخمر)، "الم ينبأ بأنا قد برئنا من ذلك في الازل؟" مفاد قوله (رضي) أن الروح لا يعلق بها ما اصاب الجسد من خطل، شريطة ان يكون صاحبها موحدا قدم الي ربه لا يشرك به شيئا.
ختاما، ليس الأشكال في اكتظاظ مجتمع من المجتمعات بهذه النماذج البشرية او تلك مع اختلاف ميولاتها الفطرية، إنما في مكابرة هذا المجتمع وادعائه طهرانية تجعل من الصعب علي المتنكبين الطريق الرجوع الي جادته. ومن رجع فلا يرجع متسقا مع ذاته إنما ممتثلا لأوامر الجماعة أو مزايدا عليها في الاستقامة (والجماعة هنا جماعة تنتمي الي رقعة محددة تريد أن تفرض مشروعا وهميا بسبل جزافية علي سائر أنحاء البلاد التي لم تسلك مسلكا إباحيا إنما ارادت أن تعيش حياة طبيعية)، قد تأخذ هذه المزايدة شكلا اجتماعيا فينتمي الي جماعة تكفيرية أو تتخذ شكلا سياسيا فينتمي الي مجموعة أيديولوجية تدعي تطبيق الشريعة الإسلامية. وهنا تكمن العلة ويحصل التشوه ليس لأن المتشدق ينطلق من رؤية غير واقعية تنافي الطبيعة البشرية او سيرورة التاريخ بل لأنه اتخذ شعارا كبيرا ليداري به جرحا صغيرا كان يمكن التداوي منه بالإنعتاق من التدين بمعناه الفقهي الطهراني الي التدين بمعناه الأخلاقي الإنسانوي. الأول يجعلك فظا غليظ القلب ومعياريا في حكمك علي الاخرين والثاني يجعلك متعاطفا بل ملتمسا العذر للناس ومتفهما لنزاواتهم وسقطاتهم.
ليس كل من تصلف او تشنج في المناداة بمبدأ كان له عاهة اخلاقية جبرت ماضيه اوعلة اجتماعية طالت ذاته او ذويه، فاولئك فعلوا ما فعلوا متصالحين مع انفسهم مستنظرين رحمة ربهم، بيد ان ابنائهم او ذويهم قد اتخذوا قرارات اضرت بشان المواطن والمواطنين؛ قرارات مصيرية اتخذوها لتجاوز محن شخصية (وذلك بعد تخطيهم للمؤسسية). فلا يمكن أن يذهب مسؤول في أي من بلاد الدنيا لضمان قواد محترف وهو لابس الزي الرسمي، وهو ذات الضابط الذي أعدم مواطنين في الحزام الأخضر ودفنهم وهم إحياء لمجرد اشتباهه في انتمائهم الي غرب السودان (استشهد اولئك بل دفنوا احياء فيما ظل هو يعاني لاسكات اصوات ظلت تصرخ برحة من الدهر بداخله)؛ لا يمكن أن يجترئ ضابط أن يعدم ضباط من عيون القبائل السودانية ويرمهم في حفرة كالكلاب ثم يرجع لينام في بيته غير مؤنبا علي فعلته كالعقاب (الصقر)؛ لا يمكن أن يترك المجال لصحفي غير محترف أن يبث الفتنة في بلد حتي يفصل ثلثه دون أن يتسأل الناس عن علته؛ وأساس نقمته من المجتمع. اما آن لنا ان نستكشف علاقة السلطة بالجنس او ملحقاته، هل تختلف بيوت الظار في ذلك عن بيوت غير الاحرار؟ لا أسعي لتفسير التاريخ جنسيا لكنني أود أن أقول أن المكون الثقافي يعتبر مدخلا أساسيا لحل الاشكالات السياسية، والا فالمزيد من التستر، التخبط والدمار.
 
(3/3)
يعتبر جاك ديريدا أن من العسير الفصل بين الكتابة والاستمناء، فهذان حسب ما يورد فرح جبر في صفحته الاسفيرية "يخترقان المحظور وتتم معايشتهما في إطار الشعور بالذنب." بيد أنه نوع من الذنب ليس منشأه الفطرة، إنما العبرة بمن تسول له نفسه الخروج على البنية الاجتماعية والدينية العربية التي تهاب الإفصاح وتجعل الجنس (حسا ومعنى) مطروداً من العمل الفكري. ومن سلك مسلكا أدبيا فحيلته الاختباء خلف ضمائر الجماعة أو خلف الضمير المجهول من مثل ما كتب محمد حسين هيكل في روايته "زينب" واقتدى به طه حسين في "الأيام" وإبراهيم المازني في "إبراهيم الكاتب" وتوفيق الحكيم في "زهر العمر" والعقاد في "سارة" والطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال" وعبدالعزيز بركه ساكن في "الجنقو مسامير الأرض" وناهد محمد الحسن في"محاربات".
إن اخوف ما تخافه الأنظمة الاستبدادية هو افتضاح أمرها إذ أنها لا تعتمد الطهرانية رغبة في الطهر، إنما وسيلة لوأد الإنسان وفرديته. ومن ثم فإن موضوعي ليس حصريا الجنس، إنما فضح السلطة التي تواطأت عبر التاريخ (من سنار مرورا بالتركية فالمهدية ثم الإنقاذ) لسلب الإنسان حريته، والتي من دونها يستحيل إلي كائن عبثي لن تستطيع أحرص الأنظمة علي تطويعه. يقول الدكتور وجدي كامل "إن النماذج والأطر للغزوات والنزوات الجنسية في المجتمع السوداني لا تنحصر في حدود علاقات العنف الجنسي والانتهاك المتعدد الأنماط في سلوكيات الدولة والمواطن، بل ما يجمع بينهما من تحالف رمزي ثقافي ينتج ممارسات الانتهاك بحيث يصبح الأخير ثقافة مشتركة توطد دعائمها المؤسسات الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية." (أغسطس 2015).
بالرغم عن هذا التواطؤ فهنالك قضايا (أخلاقية) لا تكاد تطفو إلى السطح حتى تزلزل كيان أنظمة استبدادية استعاضة عن المشروعية الأخلاقية بشرعية بطشية. مثال في ذلك قضية أم درمان المشهورة والتي أشرف عليها مولانا على محمود حسنين الذي كان القاضي حينها (1962): لوحظ تردد فتيات قصر على منزل "عزابه" ، أصدرت على ضوء هذه الحيثية أوامر بمداهمة المنزل الذي وجدت فيه شخصيات كبيرة لم يتردد القاضي في استدعائها (من غيره يجرؤ علي تحدي الكبار؟). أصر محامي الدفاع على أن الأمر برئ لم يتجاوز "براءة" الشغب في حفلات السمر، بل إنه طالب بفحص الفتيات طبياً. كادت هذه الحيلة تنجح لولا نجاعة الطبيب الشرعي الذي لم يكتف بفحص الفتيات في طُهْرِهن، إنما أيضاً امر بكشف ادْبَارِهن. هنا كانت الفاجعة إذ أن الجنرالات لجأوا للقصر لتفادي مخاطر التبليغ، وللدُبر خشية الفضيحة الاجتماعية.
ولعل ذلك ما يزال هو الدافع حتى اليوم، بيد أن اغتصاب طفل بمعدل ساعة في كل يوم (راجع مقال الاستاذ عثمان العاقب في الفضاء الاسفيري)، أي الاعتداء على أكثر أفراد المجتمع هشاشة، وأوجبهم بالحماية، لا يعني فقط أن الانتهاك أصبح ثقافة مشتركة ومتقبلة، بل الأدهى أن دعاة الطهرانية في سبيل الحفاظ على سلطتهم سيوفرون الحماية الكافية والمطلوبة للمعتديين. فالتعامل المنهجي لا يكتفي فقط باعدام المجرمين إنما بفض التحالف الرمزي والثقافي الذي ينتج مثل هذه الممارسات (راجع مقالي "الدولة المازوشية" في أرشيف سودانيل)، أو كما أسماه احد الظرفاء "كشف الداء في اجتماع الفرقاء." هل سأل السودانيون أنفسهم عن مآل الطبيب الذي اتهم بإجراء عمليات إجهاض لفتيات منذ زمن غير بعيد؟ حتي لا تجهد(ين) ذهنك: لم يجرؤ جهاز الامن علي اعتقاله يوما بل طُلب منه الهجرة في اقرب وقت ممكن وذلك بعد ان استبان شأنه في إنقاذ أبناء وبنات "الكبار". ليس الاشكال في وجود سفلة في مجتمع ما، إنما في احتلال السفلة قمة الهرم الأدبي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني. أليس من الغريب أن يصبح الدين قرين كل فعل مشين (وذلك ليس من اليوم بل مذ أن توسد أبا الحسنين يمينه)؟
إذا كان ود تورشين قد عرض على الملكة فيكتوريا تزويجها بالأمير يونس ود الدكيم وذلك بعد تطهيرها، فإن ود كارا قد جعل الطهارة في فعل الركوب نفسه. هنا تفضح اللغة الباتراركية الجنسية كما توضح المقاربة الحيوانية التي تلغى التبادلية وتؤسس للعنف الجنسي الذي تعددت أنماطه في سلوكيات الدولة والمواطن. إذ أن الدلالات اللغوية كما تقول الباحثة والمتخصصة في علم النفس نجدة منصور "عنصر لا يستهان به في تحليل وتركيب السرديات وتفكيكها وإحداث حفريات فيها وجانب لا يجب إهماله في محاولات التأثير علي بنية الوعي الجمعي" (أغسطس 2015). إن المواطن يعيش حالة من حالات عدم الاتساق التي اتسم بها سلوكه العام والخاص، فهو يقبل أن يكون فاعلا ولا يقر أنه مفعول به (لعل هذه احدي الحالات النشاز التي تميز بها الشعب السوداني عن سائر الشعوب). لا سيما أن هنالك علاقة بين الهوية الجنسية والهوية الوطنية كما توضح الدكتورة اشراقة مصطفي في كتاباتها. وإذ استبطنت الدول احادية الإرسال في لغتها السياسية فهي لا تحترف بأنها مطيه لنزوات وغزوات إقليمية ودولية.
لا يجد مجتمعنا سبة أسوأ من العهر بينما النخبة غارقة في العهر حتى شحمه أذنيها. ذكرني الحوار الوطني بحادثة طريفة حدثت في الزمن الغابر. عندما مات آدم سفير (رحمه الله) وضعت جثته في المشرحة ثلاثة أيام حتى يصل زملائه في "المهنة الشريفة" وأصدقائه من كافة مدن السودان. أربك تقاطر هؤلاء الحركة في الخرطوم بدرجة أثارت حفيظة المواطنين، إذا لم نقل حب استطلاعهم. وضع الجثمان فأصر نائبه حسن (كحلي) على إمامة المصلين الذين اصطفوا غير منتبهين لتميز هذه الصلاة عن أخواتها.
كبّر حسن (كحلي) فهمّوا بالركوع، كبّر ثانية فكادوا يسجدون. أغضب هذا الأمر الاستاذ حسن (كحلي) الذي ما كان ليفوت هذه المناسبة ليثبت سطوته ولو في حضرة رئيسه، فلم يكن منه إلا أن التفت إليهم (وفي أثناء الصلاة) منبهما وزاجراً "يا ………يطه هوي الصلاة دي وقافي."
اقترح على المتحدث الرسمي باسم الحكومة أن ينبه النخب التي همت بالانحناءة إجلالا لجنازة الإنقاذ أن يقول لهم : يا "محترمين" الحوار (الوطني) المرة دي خفافي!
يحلو للسودانيين أن يستمروا في خداعهم للذات، فيلجأوا إلي تفسير كافة عللهم بالمثلية. كلما ورد اسم أحد من الذين اسهموا عبثا وشططا في الشأن العام من دفعتنا قال زملاؤنا (من دفعة 88 جامعة الخرطوم) بأنه "كلجه" ( بمعني كديانة أو لبوة أو بركشة). وأنا لا أعترض شرعا فقط إنما أيضا منطقا علي هذا التصنيف. فعدم كفاءة هذا الشخص أو ذاك الإدارية سببها فشله الأكاديمي وعدم خبرته المهنية، واعتماده الانتهازية والوصولية لتحقيق مآربه الشخصية. "وكل شوكة بطلعوها بدربها" زي ما بقولوا مشايخنا في كردفان. فمن هؤلاء من هم نوابغ عرفت براعتهم الساحات الفنية والثقافية والمهنية الرياضية والعسكرية والسياسية، بل والدينية، وذلك منذ الاستقلال، ومنهم من هم عاطلون مارسوا أحقادهم علي المواطنين، وأزمعوا علي الانتقام من جمهور قطع عليهم السبيل – سبيل الإنابة لرب العالمين – بإلحاق صبغة أبدية لا تكاد تنفك عنهم حتي يلجوا إلي قبورهم. يجب أن ننحي منحيا إصلاحيا غير الفضائحي الذي تنتهجه المطربة في غنية "الحلوات" (ماذا عن الجنرالات وأبّان شنبات؟)، او ذاك الإنكاري الذي تعتمده الأنظمة الطهرانية (هل استفهم أحد عن دور الغلمان في نظام طالبان؟).
يقول الأستاذ يوسف الطيب: كنا في مدرسة الضعين الثانوية وكانت هنالك جائزة تسمي "جائزة الموضوع الأسخن" تفوز بها في آخر السنة أحدي الداخليات. ولما كان الدور علي داخليتنا داخلية سبدو، وقع الخيار عليَّ للتفكير في الموضوع الساخن. وقد كان. فقد أخترت "العلاقة الجنسية بين المرأة والرجل." ما إن قلبنا السبورة ليقرأها الزملاء وضيوفهم حتي انهال علي سيلٌ من الكراسي منهمر كاد ان يجرف حياتي وحياة سكان الداخلية. ليس هذا فحسب بل تم فصلي من المدرسة في اليوم التالي لولا ان جميع الطلاب بالمدرسة، بإستثناء طلاب الإتجاه الأسلامي ومشايعوهم من المعلمين، أجبروا المدير علي التراجع عن فصلي، بحجة أن هذا نشاط اقرته ادارة المدرسة. حدث لي ما حدث بدعوي ان المجتمع الذي رفض الموضوع هو مجتمع فضيلة وطهر، دون الأخذ في الإعتبار انني اتيت من نفس المجتمع وأعرف بدقة من هو "الندار ابو دقل القادي الشوك والتُكل."
كانت مجتمعات الريف متزمتة بدرجة تجعل مرتكبي الفواحش أو ما دونها من اللمم يلجأون إلى المدن تستراً وتحفظا، بيد أنهم اليوم يشيدون الصيوان ويرفعون الأذان دون خجل، ولا وجل أو حياء. بلغ حاج مكين أن أبنه الذي عيرته الحكامة بفعلة فعلها قد لجأ إلى المدينة وقطن ببيت أحد كبار القوادين. دارت الدنيا برأسه لكنه اعتزم أن يلحق بابنه فيودي بحياته قبل أن يلطخ سمعة أهله وذويه. اهتدى بعد جهد جهيد إلى البيت المعني. لقيه أحدهم بترحاب، ذبحت له الذبائح وأقيمت له الولائم لكنه ظل متحفزا لرؤية ابنه الذي تعمد عدم الظهور.
في المساء اقيمت حفلة صاخبة تدرج منظموها في المجون ، لم يلبث حاج مكين حتي اخفي المسبحة تحت المنضدة، بدأ بالتبشير الذي استحال إلى رقص مع إحدى "الظريفات" التي اصطحبته من بعد إلى إحدى الغرف فتبعها على استحياء – استحال إلى دهاء – بعد ان أغلقت الأبواب. صحيح "البرقص ما بغطي دقنو." قام متثاقلا في صبح اليوم الثاني، فاته الصبح في اليوم الثالث ، كادت أن تداهمه لحظة إفاقة لولا أن صاحبة المنزل بعثت له بواحدة أشرفت على تدليكه عند الظهيرة. أرادت هذه "الظريفة" أن تحتال عليه (وقد بدا مجهدا) فقالت له: يا عم مكين باقي الزيت أكبو وين؟ قال لها : صُبي لي يا بنيتي في فرقة جعبتي!
ظهر له إبنه في اليوم الرابع، فما كان منه إلا أن لقيه بعشراته ، عبر له عن شوقه وشوق إخوانه وأنبه على غيابه. اعتذر الابن بلطف، أعد له إفطارا فخيما، صحبه بعدها إلى السوق. لم يكتف بكسوته وكسوة إخوته ، بل شملت مروءته جماعة الدرا (أصحاب والده الذين يلتقيهم في المجلس) الذين لم يكتف بكسوتهم إنما أرسل لهم المصاريف ووعد بإكرامهم إن هم قدموا إليه في المدينة. تحاشى بعضهم إحراج الحاج، إلا أن أحدهم أراد أن يتخذ خطوة استباقية علها تقطع دابر الحديث وترجع الدرا (المجلس) إلى حيويته المعهودة، فقال للحاج : ياحاج مكين، الجلاليب الساكوبيس والعمم والشالات دي كلها جابها الليد (الولد)………
حاج مكين اتهوش وانتفخت اوداجه وقال لهم: مش دا بس حتى الأدبخانة بناها، والكارو اشتراها.
حامد (سمح الليل): كان دا كله سوّاه الليد، العيب وين يا اخوانا؟ علي بالحرام الما ولد ليهو ولد …طي ما ولد!!
ضحك الجميع وانفض سامرهم. بهكذا اسلوب أخرج حامد (سمح الليل) صاحبه من ورطه اجتماعية ومن عقدة نفسية كادت تلازمه ابد الدهر.
هذا حال البقاري فما بال الجلابي؟ لا يحتاج الجلابي إلى تبرير أعماله اقتصاديا، فالمال والمصلحة مطلوبان في ذاتهما وليس لغاية تنشد من ورائهما. ما إن ينتدب موظف لإحدى مجالس الإدارة (الأسمنت، السكر، ….. إلخ)، حتى يهرع إليه أصحاب المصلحة مهنئين ومباركين. لن تعدي أسابيع حتى يكونوا قد اصطحبوه إلى إحدى العواصم البهية التي تقام فيها ليالي برتقالية. ما إن يرجع الكل إلى الخرطوم حتى تكون الطلبات والعقود بقيمة المليارات على رأس الطاولة. (كان الفَلُّوس هو مطمح كبار الموظفين حينها إذ لم يتعرفوا بعد على الفُلوس). بهكذا طريقة بنت بعض البيوتات الخرطومية امبراطورياتها المالية، فيما ينشغل الأبناء ويتنافسوا في بناء المساجد او إنشاء جمعيات خيرية، يتفرغ الأحفاد لغسيل الأموال عبر الموانئ التي يتكفل بحمايتها الجنرالات المفسدين.
إن "مؤسسة الجلابة" مؤسسة منحطة لا يستطيع كائن من كان ان يقتلعها معتمدا فقط علي الآلة الحربية، فقد أثبتت التجارب منذ التركية أن هذه المؤسسة قادرة على تطويع أشرس الجند. فالمهدية مثلا هزمت التركية عسكريا لكن الأخيرة انتصرت عليها ثقافيا. ما فتئ القادة يروجون للطهرانية حتي انحطت أم درمان أخلاقيا وفكريا وروحيا (ليس أدل من وجود صرح لعبد القيوم في قلب أم درمان). إن جند الريف هزموا الدولة الإنقاذية عسكريا لكنها انتصرت عليهم سياسيا، إذ عمدت إلى تفريقهم وتشتيتهم مستحدثة كافة الوسائل. بل إنها تكرمت وتنازلت فأعطت بعض قادتهم عضوية غير مكتملة (كاد الأنوفيليس أن يمن بها عليهم)، فاسكنت المندسين منهم في قصور بحي كافوري على شارع النيل. إن الاصطفاف الذي ترونه بين "الغرابة" و"الجلابة" هذه الأيام لهو اصطفاف غير حقيقي. هل تظن أنهم مختلفين؟ هل تظن أن هنالك تنافسا شريفا يمكن أن يتم "لنيل عطاءات لتنفيذ المشروعات"؟ متي كان الشرف سمتا لأولئك وهؤلاء؟ هل تعتقد أن هؤلاء المرتزقة يمكن أن يكونوا ممثلين للزغاوة والفور؟ إن هم إلا "غرغاجة لمتم بوطة" علي قول المثل البلدي الذي يميز بين الرجال سياد الشرك الذين يخرجون للصيد الشرس السمين مثل الجاموس والفيل واولئك البوساء الذين يخرجون بغرض الحصول علي قوت يومهم من الحلوف، وأبون شوك وأبون ضلاف – صيد كاد أن ينقرض هو وصائده من كثرة السلاح في جنوب دارفور (واحد من كل خمس أشخاص يحمل بندقية أوتومتيك في دارفور).
يقول الدكتور محمد جلال هاشم "المركز ليس إلا مجموعة من الصفوة المعاد إنتاجها ثقافيا – ومن ثم أيديولوجيا – داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية عبر عملية من الأدلجة والتشكيل، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى شيئ لا علاقة له بإنسانية هذه الثقافة نفسها وبذلك ينسفها. بهذا لا يكون المركز مرتبطا بعرق ما، أو جهة ما، وما تصويره على أنه كذلك إلا مجرد خدعة. فالمركز مركز سلطوي، صفوي يحتكر السلطة والثورة، وفي سبيل تأمين مصالحه يسخر الثقافة والعرق والدين والجغرافيا. بهذا تصبح هناك طريق واضحه للطامحين للسلطة إذا ركبوها وصلوا إليها: الأسلمة والاستعراب، أي تبني الايديولوجيا الإسلاموعروبية. وهكذا تكون المركز المتمثلة في الثورة والسلطة. هنا لا يهم من أي مجموعة ثقافية أو عرقية ترجع أصول المرء. طالما كان مستعدا للتضحية بأهلة تحت شعار الإسلام أو العروبة، وكلاهما برئ من ذلك" (منهج التحليل الثقافي: صراع الهامش والمركز 2014).
صدق من قال إن "ابناء دارفور أقل تكلفة من الجنوبيين،" لكنه نسي أن يشهد بأن "مثقفا" جعل نفسه مطية للعسكر لهو أتفه أنواع المثقفين. يصح أن يطلق عليه لقب "الأنوفيليس" أنثي البعوض التي أعجزت العلماء، إذ نجحوا في إخصاء الذكر لكنهم أخفقوا في إبطال البويضة للأنثي، إذ لن تعجز هي عن إيجاد من يقضي لها وطرها وينفي عنها خبثها الذي ظلت تمارسه في شكل الاستبداد علي الآخرين، عضهم ونقل السم ليهم. قال "الأنوفينيس" أنه صنع الحركات (قد صدق وهو كذوب)، فمن صنعه هو؟
إن "الجلابي" لا يجاريه أحد في الانحطاط وإن تمثل الكبرياء والأنفة وتقلد الثقافة والاستنارة وشاح. أجريت مقارنة مع أحدهم فأنبرى لي هذا "المثقف" شتما في الطائفية والرجعية، شتما لم اعبأ له لأنني تحصلت علي معلومات قبلها عن خلفيته اغنتني عن الانتباه لجعجعته وعنجهيته. فقد تقلد هذا الشخص وزارات سيادية في حقب سياسية مختلفة إذ لم يجد حرجاً في التكيف مع أنظمة من ذات اليمين وذات اليسار، فهو دوما يعرف كيف يراعي مصلحته ولا تهمه مصلحة الوطن. عندما أحس تململ الرئاسة منه ذات مرة جعل للرأس الكبيرة نسبة في كل شوال تنتجه إحدى المصانع الوطنية. وعندما كان وزيرا في الحقبة العسكرية السالفة أعطى واحداً من اليونانيين الذين يصنعون آليات الكترونية وماكينات تبريد إعفاء من الجمرك صالح لمدى الحياة. لا تخاله فعلها حبا في اليونانيات فقد أعطى بالمقابل شقة في فيكتوريا قيمتها اليوم 6 مليون استرليني. بهكذا طريقة أمَّنت النخب المركزية (لا سيما النيلية منها)، مستقبل بنيها وأضاعت مستقبل الوطن. هذه كانت حالة فريدة في عهد لم يعرف فيه عن الرجال ضياع الذمم، أما اليوم فهي سمة كل السياسيين والمدراء التنفيذين الا من رحم ربك. فيما يمضي الجمهور متلهيا بالرأس الصغير نتيجة الحرمان، يتفرغ الحكام للتفكير بالرأس الكبير. والعكس صحيح. بينما يتفكر الكل في كيفية المخرج من المحنة، ينصرف "ممثلو الشعب" لتقنين الجهل والإفلاس. نقل تلفزيون السودان إحدي الجلسات البرلمانية فكان فيما قاله أحد البرلمانيين المحسوبين علي الكتل اليمينية مدافعا عن الخفاض: "المرة الغلفا عفنة" ! إن ما يحدث في هذا البلد معيب ومؤسف. فالمرأة من حيث انها أنثي ومن حيث أنها بشر لا تستطيع في موسم الخريف عبور الوديان في كافة أنحاء الريف السوداني إلي عنبر الولادة، الذي قد لا يوجد فيه أصلا طبيب متخصص، فتتوجع أحيانا علي ظهر "الكارو" حتي تموت، وهذا المحترم منشغل بالشنتور (هو البظر بلغة اهل الريف) وسفاسف الأمور.
هذا إن دل فإنما يدل علي زعمي من أن الجنس يحتل محورا في تفكير الإنسان الشرقي، الطهرانيون منهم خاصة (وذلك دون أن اكون أوديبيا)، بل قد يكون المحفز الاساسي في كثير من التصرفات. لك ان تتصور شبق الحاكمين ومباراة بعضهم البعض في تعدد الزوجات في وقت يتضور فيه الشعب جوعا، بل يقنن العهد ارتفاع عمر الزواج للذكور والإناث عشر سنوات. هكذا ومن دون مبرر تضيع حقبة بهية من عمر الإنسان الذي استعاض حاكموه عن التخطيط بخرافات هم أخر المؤمنين بها.
أود أن أعود في هذه السانحة إلى المرحلتين الأخيرتين من المراحل الخمس (الإغارة، العبودية، الإباحية، الخطف والإفاقة) التي شكلت بصمة الثقافة الجنسية في السودان وأخذها من دون تفصيل مع بعض التدليل والتمثيل. إن الزقاق أغلق عنوة دون أن يكون هناك توطئة لمعالجة آثاره، فكان الخطف (اصطحاب الجنس المشتهي من الطريق، سمي "خطفا" علما بأنه لا يتم عنوة لكنه يحدث دون سابق معرفة بين الطرفين، فهو بمثابة اجتياح لخصوصية المرء) الذي أعاد إلى الذاكرة ظاهرة الإغارة. لا أشك في أن النميري (رحمة الله) أراد ان "يطهر" المدينة من الدنس عندما أصدر قراراً بقفل البيوت، لكن الطريق التي تم بها الإقفال احدث إرباكا اجتماعيا جعل المدن كافة بمثابة "بيت الكبير". يقال إن عون الشريف (رحمه الله) قال لمهدي مصطفي الهادي "لو انك أغلقت البيوت (بهذه الطريقة) فسيدخل العيب إلي بيوتنا." فيما كان عون يفكر في المصلحة العامة كان مهدي يسعي لمداراة عقدة خاصة!
إن العنف اللفظي والحسي الذي تتعرض له السيدات في القاعات والشابات في المواصلات والحافلات والأماكن العامة يدل على أن السودانيين (المنحرفين منهم) قد فقدوا حاستهم على التمييز. يكفي ان تذهب إلي السوق كي تسمع ما يقوله بعض الصائمين للسيدات اللاتي يقدم لقضاء حوائجهن في نهار رمضان. لا غرو، فقد أغلق الزقاق الحسي وبقي الرمزي:
زعموا أنني خلقت لكي لا أكون سوي الإناء
لاحتضان المنِي كأني مجرد حقل وحرث
جسدي من غثاء وحيض
وحياتي تجري
مرة، صرخة، مرة مومأة.
ولماذا إذن يكتب الكون أسراره
بيدي عاشق؟
ولماذا إذن يولد الانبياء
في فراش إمرأة؟
(تاريخ يتمزق في جسد امرأة، ادونيس، ص: 93)
إن المدينة طورت ذائقة السودانيين، لكنهم سرعان ما ارتدوا إلى خانة الإغارة (الخطف) لأن التطور لم يتم نتيجة تراكم معرفي وحضاري إنما زخم حضري. فالسوق لا ينظر إليه كمكان ذي خصوصية، إنما ساحة تحتوي على متاع يمكن الاستحواذ عليه. هل يختلف السودانيون عن سواهم في هذا الأمر؟ لا يختلفون على الشرقيين إلا في درجة العنف اللفظي، لكنهم حتما يختلفون نوعا عن الغربيين الذين يعتبرون مجرد الحدة في النظر تحرشا هو بمثابة اختراق لفضاء الشخص وتعدي علي خصوصية يكفلها العرف والقانون. بالمقابل فإن النظر هو الأسلوب الأوحد في مجتمعات تدعي المحافظة، ولذا فالمعول عليه في اختراق الحجاب وتجاوز الحاجب.
لقد تشوهت جينات الإنسان السوداني منذ نزوله من الهضبة وتعرضه لحملات الإغارة المتعددة: هي إغارات متعددة، منها ما هو معنوي سلب الإنسان حضارته ومنها ما هو حسي مادي سلبه مقدرته على المقاومة وأضعف إرادته (راجع مقالات الأخوين النابهين والدكتورين الفاضلين مضوي الترابي والنور حمد)، بل وأنساه أنشودة الطبيعة التي خلدها أدونيس في شعره عمن ارتقوا "سلم الغواية في مدي هذه اللانهاية" (تاريخ يتمزق في جسد امرأة، أدونيس، ص: 40).
ختاما، إن العنف في السودان كان عنفا تلقائيا ، أما الآن فقد أصبح عنفا مقننا تحرسه مسودة فقهية، قانونية، سياسية، سيادية، إلى آخره . ما لم يستحدث إصلاحا بنيويا (يتعرض بالنقد للبنية البطريقية)، مؤسسيا (يرصد إمكانيات لضمان تطور المرأة)، تعليميا (يتناول القضايا بالنقد الفكري والفلسفي اللازمين)، روحيا/تربويا (يتعمد التوسط بين نص متعالي ورؤية ما ورائية)، واجتماعي (توفر دعم نفسي واستشارة طبية)، فإن المرأة ستظل القاهر المقهور. هي ترصد العنف لترده مستخدمة آلاتها الخفية. ماذا عن الأم التي تضع بنيها علي حافة الانتحار؟ هل هي قاهرة أم مقهورة؟ ماذا عن الزوجة أو العشيقة التي تدفع زوجها للازورار عن الحقائق فيضطر لتبرير الشيكات الطائرة بأنها اخفاقات تجارية جائزة؟ هل هي قاهرة أم مقهورة؟ ماذا عن "العانس" التي تتسبب في طلاق إخواتها وإخوانها ولا تستكين حتى يفوق عدد الطلاقات عدد الزيجات؟ هل هي قاهرة أم مقهورة؟
لا يمكن للإنصاف ان يحدث لمجرد الشجب، استصدار بيانات أو كتابة أوراق مفاهيمية مسطحة هي اشبه بالوعظ الفارغ. إذن، فلا بد من تضافر جهات بحثية مع جهات سياسية وهيئات ثقافية، نيابات شرطية، ولجان دستورية، إلى آخره، كي يوضع الأمر في نصابه من حيث الوجهة الحضارية، كما العمل جديا وجماعيا لتحقيق الغاية العدلية والإنسانوية. لا يمكن لبشرية أن تزدهر ونصفها الحيوي مٌغَيِّب. بل لا يمكن لمجتمع أن ينهض ورأس نخبه مندس في الرمال. إلى حين حدوث التوازن المطلوب سيكون من المنطقي والضروري بث ثقافة الجنوسة واتخاذ سبل الوقاية اللازمة. إذ لا يمكن أن نستمر في الإنكار الذي تكذبه بيانات النيابة ووقائع المشرحة اليومية. لقد أعلنت أوغندا قبل عشرة سنوات بأنها تعيش وضعا كارثيا نسبة لإصابة مجتمعها بالأيدز، فطلبت الدعم من المجتمع الدولي الذي لم يتوان، فوفر لها احتياجاتها اللازمة في هذا الصدد. واليوم يشهد المراقبون على نسبة تدنى الأيدز بنسبة معتبرة في أوغندا.
إن انفجاراً مدويا أحدثته الميديا الاجتماعية، هيئ للإنسان فرصة الانعتاق من الحدود المكانية، سيما الزمانية التي لطالما الزمته بمشروع أخلاقي محدد ولم تعطه فرصة مناقشة هذا المشروع، ولم تفسح له مجالا للاستمتاع بذاتيته. بما أن الجنس هو أكثر الاشياء خصوصية فهو أكثر الأشياء ذاتية ، ولذا فقد أخذ الانفجار منحى حسيا، الي جانب نواح أخري، فكان الإمعان في الفجور أو الإسراف على النفس وسيلة الانتقام من الذوات المستبدة عبر التاريخ.
إن تنكب الخطى في كل شأن قد أوصل المجتمع السوداني إلى حافة الانهيار.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...