يوسف فاخوري - الإيروتيكا عبر التاريخ. دراسة

مساحة حرة 1

دائرة رءوف مسعد المحرمة

يضرب رءوف مسعد فى أعماله السردية بقوة وجرأة نادرة فى المثلث الممنوع (الدين، الجنس، السياسة). هو المثلث الذى طالما خنق الإبداع الفنى والأدبى، وتم التحايل عليه إما باللجوء إلى الرمز أو التاريخ، أو بالتلميح دون التصريح.

محيرة هى شخصية رءوف مسعد لمن يملك أفكاراً جاهزة ومعلبة لا تقبل إلا نفسها ولا سبيل للحوار، بسيطة بساطة البصيرة إذا شفتّ. هو متمرد على نفسه بأكثر مما يحتمله واقع وهب نفسه لتخلف أصبح مقيماً. واقع يبدو متحركاً فى الظاهر، بينما الوقائع تشده إلى أزمنة عتيقة. بالوهم يتصور الماضى والأسلاف حاضرون فى اللحظة الآنية، وبالأسطورة يتعايش مع واقع ليس له. مكبل بالحلال والحرام، وفى نفس الوقت يتعايش مع ازدواجيته باستمتاع ومبررات لا حصر لها. فنفس الشخصية التى تأكل مال النبى تدعى أنه من عرقها. تسرق و(أحلى من الشرف مفيش). تصلى وتصوم وترتكب المعاصى التى حرمتها الكتب التى يقدسونها سواء كانت إنجيلاً أو قرآناً. تاريخ طويل من القهر توالى عبر الأزمنة جعل الشخصية تهرب من مواجهة نفسها، فى مواجهة واقع شديد القسوة، والحبل على الغارب.

كتاباته هى روحه القلقة والصادمة بلا فصام. ومن يتمرد على نفسه هو بالضرورة متمرد على الواقع، فإذا كان الواقع مشوهاً فلا حل وسط. إما أن تصدق مع نفسك و(تقول كلمتك وتتعشى من بيتكم) على ما يقول المثل الشعبى. أو تكون منافقاً تدعى ما يوافق اللحظة دون خسائر وتقنع نفسك أنك تفعل الصواب وعين العقل، أو تصمت وتحت الصمت بركان غامض يغلى بالمتناقضات.

أول التمرد كان على نشأته فى بيت بروتستانتى. الأب قس بروتستانتى وهو مذهب من المذاهب المسيحية الثلاثة (الأرثوذكسية، الكاثوليكية، البروتستانتية) هذا المذهب نشأ من تمرد انشق عن الكاثوليكية عبر عشرات السنين من الصدام والصراع بين الكنيسة بكل ما مثلته من تاريخ دام أذل البشر وناقض حتى الإنجيل الدى يتكلمون باسمه، وبين الدولة والشعب فى العصور الوسطى. رغم أن موقف المسيح لم يكن معادياً أو مؤثماً للمرأة التى صنعت منها المؤسسة الكنسية شيطانة وهى طرف فى المعادلة الجنسية. ولعل مشهد المجدلية الشهير وجملته القاطعة “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”. يكشف بما لا يدع مجالا للشك بساطة نظرته الحانية على المرأة حتى لتبدو المومس الفاضلة. بل ويؤسس لحق الخطأ حتى بالمفهوم الأخلاقى، حيث لا يدينها بل أدان من يدينها. بينما تركز المؤسسة الكنسية على رسائل بولس الذى لم يعاصر المسيح ولا رآه وسنأتى على تفصيل ذلك.

كان من أبرز شخصياته (مارتن لوثر)، وكان قساً كاثوليكياً حين ذهب إلى روما وجد البابا يملك جيشاً ويعيش كملك فى القصور، بينما كبار رجال الدين يبيعون صكوك الغفران للبسطاء الذين لا يملكون إلا أقل القليل. توقف الرجل أمام سؤال أرقه. المسيح كان فقيراً فلماذا يحرص وكلاؤه على امتلاك الجيوش والذهب والفضة؟. والسؤال بداية التمرد.

ورغم تحرر البروتستانت من الكثير من الطقوس والأفكار لدى المؤسسة الدينية الكاثوليكية، التى تنازلت مرغمة عن الكثير من سطوتها التى كانت لها فى العصور الوسطى خاصة بعد الثورة الفرنسية حين توج نابليون نفسه إمبراطوراً، فيما كان البابا حاضراً لتتويجه. وحين وضع نابليون التاج على رأسه بنفسه، كان البابا ينظر بدهشة غير مصدق. وكأن نابليون يقول له تلك لعبتى وليست لعبتك. صور الفنان دافيد المشهد فى لوحة تموج بالصراع على الوجوه. ورغم أن البروتستانت لم يعرفوا الطقوس والأفكار السلفية الأرثوذكسية، إلا أن الفتى الذى امتلك السؤال يتمرد على المذهب الأكثر تحرراً فى المؤسسة الدينية.

لا شك أن السؤال يوّلد أسئلة لا تنتهى تتزاحم بلا رحمة وليس هناك إجابات. والأسئلة تبدأ من الطفولة، لتتبلور فى المراهقة وتنفجر مع بدايات الشباب، ولا تنتهى إلا بنهاية العمر. فى المراهقة يبدأ سؤال الجسد عن ذبذباته وتحرقاته وفوراته باحثاً عن مخرج من محرمات مفروضة عليه اجتماعياً ودينياً. قاهرة وغامضة تبحث عن لحظة الكشف عن ذلك الأفعوان الكامن يؤرق الجسد ويقلق الفكر. يرغب فى امتلاك طيش بلا حكمة فهى لن تجيب ولن تكشف المستور. والجسد أحمق يبحث عن ترجمة تحولات جسدية ومشاعرية تضغط كينبوع يتدفق ولا يكف عن النضح.

لكن السؤال فى حد ذاته جريمة فى مجتمع مغلق، والإجابة أكثر حرجاً، ثم أن لا أحد يجيب أصلاً. وعادة وكما يحدث للبشر جميعاً فى المجتمعات المغلقة فلا سبيل إلا الفعل الذاتى أو التلصص بحثاً عن مساحات ترضى ذلك الشعور الضاغط ولو قليلاً إلى أن تتجلى الرؤية.

لكن الصلاة الرئيسية “أبانا الذى فى السماوات” تقول “ولا تدخلنا فى تجربة ولكن نجنا من الشرير”. هى التجربة ولا براء منها. وحدها هى الكفيلة بترجمة فيض المشاعر والانقباضات الغامضة من الافتراضى إلى ساحات الجسد بكل ما يكتشفه من متعة لذة لا حدود لها.

فى قصيدة للشاعر الإسبانى خوان رامون خيمنيث معارضة شعرية لصلاة “أبانا الذى فى السماوات” يقول العكس. “أدخلنا ف التجربة لنرى ما الشر فيها”. هى التجربة الحية والملموسة التى ستترجم زخم الأسئلة وتكتشف ذالك المجهول ـــــــــ الجسد.

أول ما تفعله المؤسسة الدينية بتحالف مع المؤسسة السياسية هو تغريب الفرد عن جسده وحصار الشخص داخل ذاته. تغريب الفرد يعنى أن يدور فى متاهته ويجد حلاً غير شرعى اجتماعياً، ولا سبيل سواه ليخرج من متاهته. ثم يأتى دور المؤسسة الدينية بسلاحها البتار الجنة والنار كعقاب أزلى بقانون التأثيم. والمجتمع يصنع قوانينه طبقاً للتحالف السابق بأن يكمل الدائرة بقانون وضعى يحكم الطوق حول أى ممارسة لا ترضى ذلك التحالف. التأثيم وتأثيم الجسد الآخر مما يجعل الفرد يكره نفسه، له دور أشد قسوة فى خلق الإحساس بالذنب قد يتخلص منه البعض بالوعى إلى حد الاطاحة به، وهذا يحدث فى حالات نادرة. أو يظل فى قاع الشخصية لا يفارقها إلى نهاياتها.

تطرح المؤسستان الحل بالزواج كعقد شرعى مرضى عنه. وهو موجود منذ الحضارات القديمة بشروط مختلفة لم تكن مؤسساتها الدينية أو السياسية طرفاً فيه. لكن مؤسسات الأديان الإبراهيمية فرضت أن يكون تحت سطوتها. فالزواج حتى القرن الثانى عشر لم يكن يتم فى الكنيسة وكان القسيس يلوح بيده لموكب العرس دون أن يتدخل. وحين اشتدت شوكة المؤسسة الكنسية جعلته من أسرار الكنيسة السبع، وسنأتى على تفصيل أكثر.

لكن الزواج له شروط صعبة وقد ينجح وقد يفشل، وفى كل الأحوال فهو مرتبط بسن معين تكون المراهقة سابقة عليه بسنوات. يدرك المجتمع بشكل حقيقى أهمية ارضاء تلك الطاقة الهائلة التى تنفجر ولا سبيل لإرضاء جوعها. فى المجتمعات الإقطاعية القديمة كان علاج الموضوع يتم بالزواج المبكر. فقراء الفلاحين يزوجون الأبناء سريعاً بمجرد بلوغ الفتى أو الفتاة وبيت العيلة يلم الكل فى غرف متجاورة، وسيصبح ماكينة لإنتاج معاونين من الأطفال كيد عاملة ونوع من العزوة. فليس من المستغرب حين يموت شاب أو فتاة أن يتحسر الأهل أنه (لم يدخل دنيا) أو (لم تدخل دنيا). نوع من التواطؤ الصامت يتجلى فى لحظة الرحيل أن تلك البوابة (الجسد) لم تعرف طريقها إلى الدنيا الحقة.

فى الأسر الإقطاعية والمتوسطة العليا يتأخر الزواج بعض الوقت ففى ما عدا التحالفات الأسرية هناك مساحة من الإختيار. ويتم معالجة الأمر بتقديم امراة فقيرة أو مومس محترفة ممن يتعاملون معهم سراً، وفى بعض الحالات قد تكون امرأة من نفس الطبقة لمزاجها الشخصى. وهناك حكايات تُروى عن باشوات تقدم بهم العمر وخانتهم قدراتهم كانت أسرهم يقدمون لهم نساء يرضون الحد الأدنى من قدراتهم المتبقية وهو أمر طبيعى لرجل يملك المال وعرف متعاً أصبح عاجزاً فليعتصر من الدنيا آخر ماتبقى له. المهم فى الأمر أن يدخل الفتى دنيا ويستحلب الشيخ ما تبقى منها. أما الفتيات فيجدن طريقهن بطرق مختلفة وبتواطؤ صامت.

لست بصدد كتابة رؤية نقدية لروايات رءوف مسعد، فهذا مجال على النقاد القيام به. ما شغلنى ربما كان سؤالاً يظل دائما معلقاً، ما الذى يدفع كاتباً لهذا النوع من الروايات، رغم ما تحمله من مخاطر وسوء فهم فى مجتمع مهيأ بل ومتحفز للإدانة الأخلاقية لأى فعل صغير فى الحياة العادية، رغم أنه يرتكب نفس الفعل وأكثر منه؟. هل هو نوع من كسر تابو السؤال الحرج؟. هل يكون نوعاً من الاختناق من واقع مزيف يجيد البشر فيه الكذب على أنفسهم بدعوى الأخلاق؟. هل هو بحث حقيقى وسؤال عن معنى الأخلاق حتى لا تصير علكة مطاطية يلوكها البشر دون إدراك حقيقى؟. هل هو بحث عن مملكة الحواس المفتقدة فى ضباب واقع شائه؟. هل هو نوع من المغامرة لاستكشاف ذلك المجهول داخلنا، ومحاولة بحث عن الجوهرة الدفينة لندخل دنيا؟. كثيراً ما يردد الحكماء ومن يدعون الحكمة جملة “ابدأ بنفسك”. فإذا كانت الجملة لم تدرك حكمتها فهى مضللة، كيف للإنسان أن يبدأ بنفسه وهو لا يعرفها أصلاً، ما لم يعرف جسده وحواسه المجهولة وهى بداخله، تحركه كأعمى حيث لا يدركها. ولماذا لا يكون السؤال، ابدأ من نفسك؟. ولتبدأ من نفسك لابد أن تدرك حواسك بلا قيود، فالقيد يشوهها ليدور الفرد فى متاهتها وبالتالى المجموع. الإدراك وليس الفوضى هو المطلوب، فما أسهل التلاعب بالألفاظ لدى من يريدون قلب الحقائق واستخدام الأخلاق فى غير موضعها.

شائهة هى المفاهيم بضباب واقع لا ينبئ ولا يفصح. متناقضات كثيرة نعلقها فى فضاء واسع لا نملك طرف خيط له. انهيار الأخلاق، سوء الأخلاق، فساد الأخلاق، ازمة أخلاق، كلمات نرددها دون وعى وبلا تفكير منذ مئات السنين حفظناها فصارت صكاً كصكوك العصور الوسطى. لم يفكر أحد أن يقلب السؤال، وماذا لو كانت أخلاق الأزمة؟. الأخلاق ليست نبتاً شيطانياً ينبت فجأة، ماذا لو حدث اختفاء لسلعة ما، ألن يتقاتل الناس عليه. وماذا لو كانت السلعة متاحة فى أى وقت وأى مكان؟. فالأزمة ستخلق أزمات تتولد من بعضها إلى أن تتوارى خلفها الأزمة الأم، وفى النهاية تحمل شماعة الأخلاق منظومة الأزمات وكأنها جاءت من فراغ.

الجهل والتجهيل متعمد وأوله يبدأ من المؤسسة الدينية فى تحالفها مع المؤسسة السياسة. هذا درس التاريخ الذى اكتوت به أوربا ألف عام ودفعت دماً غالياً لتخرج من متاهة ابتلعت منها الزمن الذى تراجع إلى الخلف، تلاعبت المؤسستان خلاله بالبشر، وباعت لهم إلهاً غير الله بدعوى القداسة. وهو نفس التحالف بين مؤسسة دولة دعمت جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وحين طلبت منهم نفس الدولة الصمت قبعوا فى بيوتهم دون كلمة. وما كان منكراً بالأمس صار عادياً اليوم فماذا عن بعد الغد.

استقرت الرواية الإيروتيكية فى العالم المعاصر، وتم الاعتراف بها كأدب روائى ضمن أنواع الرواية العالمية منذ أوائل ستينيات القرن الماضى عندما تم السماح بروايات هنرى ميلر بعد مصادرتها، وكانت روايات مثل عشيق الليدى تشاترلى لديفيد هربرت لورنس التى تتناول علاقة بين سيدة أرستقراطية ورجل من الطبقة العاملة تعتبر رواية خارجة عن الأخلاق العامة. والمدهش أن المحكمة التى صادرتها عادت وسمحت بها، ووصفتها أنها رواية تعلمنا الأخلاق الإنسانية الحقيقية التى تنقذنا من الإنهيار والدمار. ويرى عبد الكريم عبد المقصود مترجم الرواية الكاملة بعد أن ترجمت ترجمات عديدة مختصرة “أن لورنس كان يرى ضرورة ربط النشاط الجنسى بالمشاعر، وكان خياله دائماً يتجاوز المسموح به، وكان يخضع للرقابة بالتفصيل. وفى عشيق الليدى تشاترلى يصف الأفعال الجنسية بشكل كامل باعتبارها تعبيراً عن الحب وأمزجته. ويستخدم الكلمة العامية التى تدل على الفرج، مما اعتبر صادماً”.

مازالت هذه الرواية من الروايات القليلة التى تعالج الرغبة الجنسية لامرأة هى الشخصية الرئيسية فى الرواية، وتصور تجربة المرأة ومتعتها فى علاقة مرضية وخيبة أمها فى علاقة جنسية غير مرضية. وقد وصفها الروائى الإنجليزى إدوارد مورجان فورستر بأنها من أعظم الروايات الإنجليزية.

وفى الحوار المطول الذى اجراه كريستيان دى بارتا مع هنرى ميلر الذى انطلقت بعده الرواية الإيروتيكية يقول “كنت أعى فى نهاية المطاف أن سيجموند فرويد قد توصل بمعنى من المعانى إلى اطلاق شكل جديد للأدب: أدب يسمح بالضغط على زر خطير داخل النفس البشرية؛ لا فقط أولئك الذين لا يقدرون على الكتابة وإنما؛ وبشكل أفضل أن يلزم أولئك المتمكنون من حذق الكتابة على مسائلة أنفسهم أكثر وأكثر”.

ويبقى السؤال ما الفارق بين الإيروس فى الفن والرواية وبين الإباحية؟. وببساطة الإيروتك نبش فى عمق النفس الإنسانية التى يبدو مظهرها مخالفا لباطنها. العمل الفنى والروائى تتشابك فيه شخصيات وأحداث وعوالم تتخلق وتتجسد، ليس فيها النظرة الأحادية. بينما تعزز المؤسستان الدينية والسياسية النظرة الأحادية ولا ترغب، وأحياناً لا تريد أن ترى القوس القزحى على تعدد ألوانه. فالسيد أحمد عبد الجواد الرجل الوقور المهاب فى بيته ولمن حوله، فى الوجه الآخر منه عكس مظهره. تلك هى دراما الحياة التى يلتقطها الكاتب وينسج خيوطها ليصنع عالماً من بذرة الواقع الضئيلة إلى شجرة ريانة.

ولتقريب وجهة النظر هذه. يمتلئ الإنترنت بقصص إباحية لا يخرج منها القارئ سوى بإثارة جنسية مؤقتة وكذلك مواقع البورنو، بينما العمل الفنى على تنوع وسائطه، حين يصور مشهداً إيروتكياً يكشف أبعاداً فى الشخصية كانت خبيئة. يقول الناقد الروسى خوداسيفيتش “إن الفن حر فى اختيار أى مادة للتصوير والرسم، ولهذا فاختلاف الفن عن الإباحية لا يرتبط بالمادة أو الموضوع الذى يصوره، بل يرتبط بطريقة تفسيره ومعالجته. إن الفن عندما يقوم باستخدام صور الواقع، فهو فى الحقيقة يبعدنا عن هذا الواقع، أما هدف الإباحية (البورنو) فهو، معاكس تماماً، وهو تقريب ما هو غير حى وما هو مكتوب، إلى أقصى درجة من الواقع. إن الفن يظهر لنا توهم الواقع، أما الإباحية فهى خلاف لذلك، ومثلها مثل أى فن مزيف، تسعى إلى تقريب كل ما هو وهمى ومزيف إلى الحقيقة والواقع. وهذا ضرورى بالنسبة للإباحية، لأنها تسعى ليس إلى إعطائنا معاناة تجريدية، بل إلى إثارة استجابة، وهى استجابة فيزيولوجية على الاغلب”.

ويشير صادق جلال العظم فى كتابه (ما بعد ذهنية التحريم) إلى أن باحثاً سورياً قام بجمع الأمثال الشعبية فى منطقة دير الزور لتدوينها وتبويبها ودراسة دلالاتها، وبعد سماح السلطات بطبع الكتاب وتداوله، عادت وحظرته بحجة أنه يحتوى على كلمات بذيئة. كما يذكر كتاب للباحث السورى بو على ياسين عند جمعه مادة كتابه (بيان الحد بين الهزل والجد: دراسة فى أدب النكتة) يذكر المؤلف أنه اضطر إلى التقطير الشديد فى إيراد الشواهد والأمثلة النكتية، لاسيما النكت الجنسية، بسبب المفارقة التى تجابه باحثاً مثله (فى حياة عامة الناس الذين يروون لك النكات المحرمة والبذيئة، ثم يغضبون ويحتجون إذا نشرتها؟!). بالإضافة إلى ذلك أنه كاد يلغى فصلاً كاملاً يتناول النكتة الدينية بسبب المحرمات المعروفة مما اضطره إلى معالجة الموضوع بصورة مختصرة لا تفى بالمطلوب. ويخلص إلى النتائج كالتالى:

“موضوع البذاءة ذو شجون فى الوطن العربى. لطالما تحدث الكتاب والمفكرون عن المحرمات التى تقيد الإبداع، وتبعدهم عن الواقع من خلال إبعادهم عن جوانب أساسية من هذا الواقع وهى: الدين والجنس والسياسة، وقد وجدت أن أدب النكتة باعتباره من أكثر الأجناس الأدبية شعبية والتصاقاً بالواقع، ينوء تحت عبء رابع، لا يقل ثقلاً عن المحرمات الثلاثة الأخرى. إنه محرم البذاءة. أقصد بذلك، كما سبق التعريف ـــــــــــ تلك الكلمات التى تسئ إلى الآداب العامة والحشمة. فإذا كان الواحد منا يسمع يومياً الشتائم والتعابير البذيئة فى كل مكان إن لم يكن هو نفسه يتفوه بها، فى حين أنه يقدم للناس ثقافة ((مؤدبة))، فكم يكون إبداعه عندئذ غريباً عن الواقع. أدبنا العربى الحديث مؤدب جداً، وهو كذلك لأنه عموماً أدب مثقفين متعالين، وأدب وسائل إعلام وثقافة مراقبة. أما أدبنا القديم فما هكذا كان. وأما أدبنا الشعبى فهو غير مؤدب، وخاصة غير المسجل منه، أى الأصلى الذى لم يتم تهذيبه”.

لم تؤد الثورة الجنسية التى حدثت فى الولايات المتحدة وأوربا إلى انهيار مجتمعاتها. وكما تشير أبحاث علماء الاجتماع، التى أجريت بعد تشكيل لجنة (كينسى) التى شكلت لدراسة موضوع النزعة الجنسية عند النساء والرجال فى أمريكا، لا تزال الأسرة ومؤسسة الزواج قوية، بما فيه الكفاية. رغم اتساع الساحة لروايات الإيروتك، وحتى المواد الإباحية على إختلافها. بينما تظهر دراسات قائمة على بيانات وليس استنتاجات أن دول الشرق الأوسط هى الأكثر مشاهدة لأفلام البورنو.

قبل أن تستقر الرواية الإيروتيكية ويُعترف بها، كانت المشاهد الإيروتيكية ترد فى عالم الرواية على استحياء إما كوصف لحالة أو مشهد عابر فيما بين شخصيتين يتحاوران، فيكون توصيفاً للحالة. أو بإحالة الموضوع على أفعال حيوان. على كل الأحوال لنتأمل بعض المشاهد الروائية.

فى رواية “زوربا اليونانى” لكازنتزاكس مشهد لحوار ما بين زوربا الصعلوك الذى عاش بكامل مشاعره، وأحل نفسه من قيود الأخلاق المتداولة، ولم يبال بما يراه الناس من ادعاء الاحترام والوقار فكان سعيداً بحياته ونفسه. والراوى وهو شخصية محافظة، تقليدية لا يعرف من مغامرت الحياة أى شئ.

يبدأ المشهد كالتالى:

“ومد ذراعه وأرانى درفيلين كانا يقفزان، وينافسان المركب على سرعته. وأضاف بمرح

ـــــــــــ درافيل!

ولاحظت للمرة الأولى أن إبهام يده اليسرى كانت مقطوعة إلى المنتصف تقريباً. وارتعدت، وقد تملكنى نوع من الإستياء.

وصرخت:

ما الذى حدث لأصبعك، يازوربا؟.

فأجاب، وقد استاء من أننى لم أتمتع كثيراً برؤية الدرفيلين:

ــــــــــــ لا شئ !

فألححت قائلاً:

ـــــــــــ أهى آلة قد سحقتها؟.

ــــــــــــ ما دخل آلتك فى الموضوع؟ لقد قطعتها بنفسى.

ــــــــــــ بنفسك؟ لماذا؟.

فقال وهو يهز كتفيه: أنت لا تستطيع أن تفهم، أيها الرئيس! لقد قلت لك إننى عملت فى جميع المهن. وذات مرة، اشتغلت فخاراً. ولقد أحببت هذه المهنة، كالمجنون. أتعرف ماذا يعنى أن تأخذ كمية من الطين وتفعل منها ما تريد؟ فررر! تُسيرّ الدولاب ويدور كالممسوس بينما تقف أنت فوقه وتقول: سأصنع جرة، سأصنع صحفة، سأصنع قنديلاً، وكل ما أريد، مهما كان! هذا ما يجعل منك إنساناً: الحرية!.

لقد نسى البحر، ولم يعد يعض على الليمونة، وعادت عيناه صافيتين فسألته

ــــــــــــ حسناً؟ وأصبعك؟

ـــــــــــــ كانت تزعجنى على الدولاب. وتأتى لتقف وسط كل شئ، وتفسد علىّ خططى. لذلك أمسكت ذات يوم بالفأس …

ـــــــــــــ ألم تتوجع؟

ـــــــــــــ كيف، لم أتوجع ؟ إننى لست أرومة شجرة، إننى إنسان، لقد اوجعتنى. لكنها كانت تزعجنى، قلت لك فقطعتها.

غربت الشمس، وهدأ البحر قليلاً، وانقشعت الغيوم. ولمعت نجمة السماء. ونظرت إلى البحر، ونظرت إلى السمار، ورحت أفكر… أن نحب هكذا، ونأخذ الفأس، ونقطع، ونتألم … لكننى أخفيت انفعالى، وقلت وأنا أبتسم:

ــــــــــــ إنها لطريقة سيئة، يازوربا! إنها تذكرنى بقصة ترويها (الأسطورة الذهبية). ذات يوم رأى ناسك امرأة فأوقعت فى نفسه الاضطراب. فتناول عندئذ فأساً …

فقاطعنى زوربا وقد حزر ما سأقول:

ــــــــــــ ياللأحمق! يقطع ذلك! يللأبله ! لكن ذلك المسكين، ليس عقبة مطلقاً.

فقلت ملحاً.

ـــــــــــــ كيف! بل إنه عقبة كبيرة.

ــــــــــــــ أمام ماذا؟.

ــــــــــــ أمام دخولك إلى ملكوت السماوات

فنظر إلىّ زوربا مواربة ساخراً وقال:

ـــــــــــــ لكن ذلك بالضبط مفتاح الفردوس!

الراوى فى المشهد قابل زوربا صدفة على سطح المركب، وجد نفسه منجذباً إليه رغم أنه شخص متحفظ مهذب على الطريقة التقليدية، لكنه يمثل له الوجه الآخر الذى تمنى أن يكونه ولم يستطعه. لم يحب كازنتزاكس الكاتب المسيحى الماركسى والمتصوف شخصية كتبها كما أحب شخصية زوربا. ربما هذا المشهد الذى يمثل بحد ذاته رواية كاملة، يكشف بوضوح عن معنى وأهمية الأدب فى فهم الأغوار البعيدة فى النفس الإنسانية بدون ادعاء.

دهاء نجيب محفوظ الروائى الأكبر فى تاريخ الرواية المصرية، لم يمنعه من وصف مشهد إيروتيكى بامتياز. فى الثلاثية يصف مشهد رؤية ياسين لزنوبة وهى تركب العربة فيما كانت مؤخرتها تبدو أمامه “يالها من عجيزة سلطانية جمعت بين العجرفة واللطف. أليست هذه قبة؟ … بلى وتحت القبة شيخ … وإنى لمجذوب من مجاذيب هذا الشيخ … ياهوه … ياعدوى”. هذا المشهد الوصفى يناسب شخصية ياسين الشهوانية، لكن الرواية لا تتخذ من الإيروتك خطا أساسياُ وإن كان يتخللها فى مشاهد متعددة.

ليوسف إدريس قصة بعنوان “العتب على النظر” يتكئ على حكاية الحيوان. فحسن حماره ضعف نظره وأصبح (يضبش) فيدخل على زوجة حسن يفتكرها الزكيبة (هى تخينة زى الزكيبة، إن جيت للحق، بس مش زكيبة). ويطلب من الدكتور بلدياته أن ينجده لأن حاله وقف والحمار مصدر رزقه. يقترح حسن أن يعمل الدكتور نظارة لحماره. ورغم غرابة الفكرة وكوميديتها التى أعجبت الدكتور، فقد قرر أن يعمل المستحيل لصنع نضارة لحمار حسن، وعقد اجتماعاً مع عم ناجى بتاع النظارات وانضم لهم حسن. لكن المشكلة (أزاى ح يعرف الحمار العلامات) وجاء الحل من حسن وقال:(الحل حمارة الصاوى جارى، كان كل ما بيشوفها، ينهق عليها، ولما نظره ضعف ما بقاش ينهق، إلا لما يقرب عليها قوى) وبعد محاولات فاشلة لوضع عدسات مختلفة جاء الفرج و(تنهيقة مفاجئة خدتنا على خوانة، وكأن قنبلة انفجرت، تنهيقة وأتبعها بالثانية، ورفع للسماء رأسه، وتشعبطنا نمسك العدسة والشنبر، وغارة نهيق هاجت، ومعاها ضحكنا هاص، ينهق ونضحك، وحسن من الفرحة طاير، وحمارة الصاوى للنهيق، نخت ووسعت فتحة البرجل، وابتد يفلفص، وحسن يصرخ: أهو شاف، ايش عرفك، شاور، شئ خرافى غريب يجعلك، تؤمن أن الجسد حيوان ساعة اللزوم يظهر، لا عقل له ولا فيه ولا أدب يعرف، حيوان حمارى أسود غليظ بشفاتير، زى مارد كان فى الجسم متخبى، ثانية ادلدل من القمقم، مارد طويل تخين يجعلك تتمنى تبقى حمار مثله، خرجته من جحره زى الكمين الحى يستنفر، شئ لابد معه تتأمل، وتنكسف له، كأنك الغلطان، وارتبكنا احنا الكل خايفين نبص، ليكون عيب، ومش قادرين نشيل عنينا، لأن البصر من مكمنه بينشد، ومن غير أمر ولا خطة، الظاهرة، عمالة وشغالة والحمار ينهق) لكن الحمار نط فى لحظة وطار الشنبر والعدسات، فأحضروا عدسات أضبط ( والنهيق عاد، وفى السما لعلع، وما عرفناش اللى حصل ايه، وفى نطة جامدة كان عند الحمارة، ودماغه زقت عمك الصاوى، وقدام عينينا ظاهرة كونية، وعفاريت الجسد فى عز الضهر اتجننت، ولا عاد حمارة من حمار و لا ذكر من أنثى، الحياة الحمارة بغشوميتها وغبائها أصبحت أرقى، والقانون اللى عمل أنثى وذكر أصبح مرعباً، وهو يطلق عقال طاقة الالتحام، ولا الرعب النووى له الجميع انشل، الطبيعة بصراحة وبلا خجل وعينى عينك، تتكلم بأعلى صوت، تصرخ، تجأر، وتضع فى أجسادنا الزلازل، وداخلنا تفجر البراكين، لحظة اختلال كون، ولاً انتظامه، منتهى عقله ولاً منتهى جنانه، لحظة لا قيمة فيها إلا قيمتك كذكر الطبيعة أو كأنثاها، ولتذهب العقول والضوابط للأطفال والعاجزين، يلعبون ويعزون الأنفس، لحظة الفيض، الأجساد فائرة تدفق رحيقها، بكل بدائية تفجرات الشمس، ومد القمر، ووحشية الإعصار). وأصبح الحمار حديث القرية والقرى المجاورة، ولم يعد حسن يؤجره للحمل، ولم يعد مهماً أن يرى حماره الطريق. صار الحمار جاهزاً للوثب فقط، والوثبة بجنيه و(عاث الحمار فى أرض القرية فساداً، فلم يترك أنثى على حالها، بل أحياناً يناوش حتى ذكور الحمير). لتنتهى القصة بسؤال من حسن للدكتور (مادام نضارات البنى آدمين تنفع للحمير، ياترى نضارات الحمير تنفع للبنى آدمين).

تعمدت نقل بعض الفقرات من القصة لأنها توضح رؤية يوسف إدريس، فهو يكشف بجلاء لحظة الفيض بكل ما تحويه من أعاصير جسدية. ولعل مفرداته تشير إلى الحالة الكونية التى تتجلى لكائن مقهور دوماً مثل الحمار. وتظل جملته التى تكثف رؤيته “لحظة اختلال كون ولاّ انتظامه، منتهى عقله ولاّ منتهى جنانه” تمثل لحظة التأمل للظاهرة الكونية. ودون مزيد من الكلام فالقصة تفصح عن نفسها، وتفضح كل المتناقضات البشرية قبل الحيوانية دون حاجة لتأكيد.

وبعد، فلم يخترع رءوف مسعد العجلة وإنما قرأ حركتها. فالعجلة فى التاريخ الإنسانى للبشر تعد من أهم المنجزات على مر الزمن، فقد مكنت الإنسان من الترحال ليكتشف مساحة لم يعرفها من قبل، وحملت كل الأثقال و…. وكما مكنت العجلة الإنسان من استكشاف مزيدا من الأرض وحملته إلى آفاق بعيدة بحثاً عن الغامض من الطبيعة المحيطة به، حملت حيرة الإنسان أيضاً فى رحلة الترحال عمن هو ومن يكون أمام العالم؟. وكما حملته العجلة سواء كانت عربة أم قطاراً أم طائرة فيما بعد، فقد حملت معه حيرته كإنسان يبحث عن موضعه فى عالم متنقل.

فمن السودان حيث المولد والنشأة، ثم الانتقال إلى مدرسة فى أسيوط، ثم الانتقال إلى القاهرة، ثم الإسكندرية، فإلى السجن، وإلى عالم مفتوح فى أوربا الشرقية وتجوال لايتوقف من بغداد إلى بيروت إلى القاهرة. إلا قليلاً بعد أن تزوج فى هولندا واستقر لكتابة رواياته. وخلال تنقلاته تصور العين والحواس مشاهد لا تنتهى، لبشر مختلفين فى لغاتهم، حركاتهم وسكناتهم، عاداتهم وتقاليدهم، معمارهم…

فيما يغادر عالم الطفولة الأول يبدأ العالم ينفتح تدرجياً من محاولات الطلبة الصغار للتعبير عن أنفسهم بذكورة مبكرة، ومحاولات الأقوى للسيطرة على الأضعف والأقل جرأة، أمور تحدث فى كل المدارس يزحف السؤال الأول عن ماهية الجسد وعن الشئ الغامض والضاغط، والعيون تترصد والسؤال بالخجل يتوارى، وتجلى الغامض الذى ينمو ولا يكف عن نضح مزيد من الأسئلة ولا من إجابة. وبدايات المراهقة قد تجد متنفساً فى عالم الجامعة المتنوع لكن قلة الإمكانات تورث المخاوف. محاولات بسيطة عبر التلصص على أجساد نساء فائرات قد يسمحن بالتواصل، أو يتفهمن حسية التواصل. وفى البيت (بيت قسيس بروتستانتى) الموعظة حاضرة بأكثر مما يحتمل، والتهديد بالجحيم المنتظر لأى فعل خارج السيطرة قد يغضب الرب إن لم يكن من الأب فالأم حاضرة.

جسد السجن الهرم يضغط على جسد المسجون بقسوة، محولاً تعرية جسد المسجون المادى كنوع من الفضح، والمسجون سياسى فجسده مباح للتعذيب البدنى، لقهر جسد آخر ماورائى يختبئ خلف غلاف الجسد الظاهر، ومن قهر فى عالم مفتوح على التعاليم والأوامر الربانية إلى قهر محاصر بأسوار وسلاح. فى كل الأحوال هو منتهك معنوياً أو مادياً.

حين يخرج إلى العالم المفتوح ينجلى السؤال أكثر، يترك عالم السجن ندبة سجن داخلى لا تزول وتحتاج إلى زمن طويل للخلاص منها لكنها لا تنتهى. وبرغبة الحياة يندفع السؤال المراوغ لانتزاع إجابته بنفسه، فهل يعثر عليه؟. فى كتاب بديع عنوانه (إيروس) لممثل إيطالى اسمه البرتو بيفيلاكوا لم يكتب سوى هذا الكتاب ونشرته دار الانتشار العربى. سألتقط جمله عابرة من الكتاب تقول: “الأجساد التى هى كالبلدان”. يحكى المؤلف عن روح إيروس التى تسكن الأجساد عبر تجارب متعددة مر بها من مرحلة المراهقة إلى النضج. وعن حالة الانبعاث التى تولدها الطاقات الجسدية عبر العلاقة. شف الروح التى تتخلق من وهج الاتصال، مملكة الحواس الخبيئة وهى تتجلى، التناغم والتؤاطو فى همسه أو صخبه، الحوار الصامت لارتواء الجسد بعد عطش كاد يجففه، الخيالات تتولد والروح تسوخ إلى زمن غير الزمن، روعة تجلى الجسد فى جسد آخر، والضوء الخارج من حواس مقموعة إلى رحابة أفق العالم، الشهوة كإنتهاك لمفهوم الدنس فرضه البشر فى ارتدادهم عن الطبيعة إلى نصوص خلقوها من ذاكرة مريضة، فلتنتهك هى أيضاً كى تنكسر الدائرة الجهنمية.

وحين يخرج من العالم المحلى إلى العالم على اتساعه تتسع الخرائط، وتتسع مساحات الأجساد التى هى كالبلدان. ليس لأنها متاحة أو مباحة، فلم تخلو بلده من المتاح والمباح، لكن المباح والمتاح تسكنه هواجسه ومخاوفه المتراكمة عبر الزمن، بل لأنها تحررت من فكرة الدنس المفروضة. ولأن الحريات لا تتجزأ من حرية الرأى إلى حرية الاختيار إلى حرية الجسد. وحين ذهب إلى بلد آخر فى العالم المتسع لم يكن ليعرفه إلا عن طريق امرأة حاول أن يحس ويدرك خارطتها النفسية والجسدية. هو أصدق تعبير وتفسير عن حالة هذا البلد، فالجسد تاريخ عالق فى الخلايا، ولن تكون مومساً يلتقطها من الشارع بل امرأة حرة تتناغم مع مساحات خبيئة لم يلمسها فى نفسه. وعبر ترحال لا يكف اتسعت الخرائط وأضاءت الأجساد عن كوامن تصل العالم بأطرافه.

وكما سرق برومثيوس النار من كبير الآلهة، حاول رءوف مسعد أن يختطف إيروس من سجنه ليعلن تجليه. وهو يرى ويرغب فى تعرية واقع أدمن التخفى تحت أفكار تبدو براقة وبليغة، لمجتمع يحتفى باللغة ستاراً لأفعال مضادة. وكما أسلفنا، فى حضارة مصر القديمة لم تكن فكرة العذرية، مطروحة، وكان عقد الزواج ينص على حق الطلاق للزوجة حتى لو أحبت رجلاً آخر وكان عليها تعويضه، ولكن لم يتسامح فى الخيانة الزوجية من أى طرف. رغم أننا مازلنا نراها وثنية، فقد كانت حضارة أنارت العالم بفكرها وفنونها وعلومها وعمارتها… آه لو نبلغ أطرافها.

سؤال أثارنى منذ بدأت كتابة هذا الموضوع كمقدمة تطور إلى ما يشبه البحث، ما الذى جعلنى أبحث فى التاريخ الطويل والممتد لمفهوم الإيروس عبر الزمن ولدى شعوب الأرض؟. كان من السهل الكتابة الإنشائية، لكنها لا تخلف أثراً، ولا تضيف للقارئ. ولأن الرابط بين الأديان والحضارات التى هى فى النهاية سياسة وبين الإيروس الذى هو إبداع، رابط لا يمكن فصله سلباً أو إيجاباً. فلا سبيل إلا ايضاح المفهوم عبر التاريخ، بما حمله من تحولات عبر الزمن. ربما ندرك ما لم نتداركه. ربما يفصح عن المسكوت عنه، وعشرات الربمات تطرحها الأسئلة,

ربما يعبر بوست على الفيس بوك نشر بتاريخ 12/5/2018 عن واقع مفتعل نعيشه اورده كما نشر:

عريس جديد بيقول لعروسته

أوعى تكونى بتقولى احييه

وحمرا والكلام البيئه دا

قالتله: لا ياحبيبى دا أنا

مؤدبة فشخ

ليس هناك أروع ولا أجمل من دوستويفكى الذى أدار الصراع بين الرغبات فى جموحها إلى الحد الأقصى فى روايته الأخوة كارامازوف وأظهر التناقضات الإنسانية بكل إيروسيتها، وأختتم بفقرة منها.

” الجمال شيء رهيب ومروع! إنه رهيب لأنه لم يحدث أبداً، ولا يمكن أن يحدث، أن يُسبَر غوره، لأن الرب لم يعطنا إلا الألغاز؟ وفى الجمال تلتقى الضفتان معاً، وتتجاور كل التناقضات. لست أنا بالرجل المثقف يا أخى، لكنى فكرت فى هذا كثيراً. والحقيقة أن هناك ألغازاً لا حد لها، ألغاز بالغة الكثرة، تهوى بالإنسان إلى الأرض، ونحن نخمن فيها قدر استطاعتنا، ونخرج من الماء دون بلل. الجمال! لا استطيع احتمال فكرة أن رجلاً نبيلاً وسامى العقل يبدأ بمثال العذراء، وينتهى بمثال سدوم. والأكثر فظاعة أن الرجل الذى يحمل فى روحه مثال سدوم لا ينكر مثال العذراء، كما كان فى أيام براءته الشابة، أجل، فقلب الإنسان واسع، بالغ الاتساع حقاً، كنت أتمنى لو كان أضيق. فالشيطان وحده يعلم ما يمكن أن نفعل به! ولكن ما يعتبره العقل مخجلاً، يبدو فى الغالب رائع الجمال للقلب. هل هناك جمال فى سدوم. صدقنى، إن معظم الرجال يجدون جمالهم فى سدوم هل كنت تعرف هذا السر؟ الشئ المخيف هو أن الجمال ليس رهيباً فحسب بل وغامض أيضاً. فالرب والشيطان يتقاتلان هناك، وميدان معركتهم هو قلب الإنسان، ولكن قلب الإنسان يريد فقط أن يتحدث عن لواعجه. أنصت، سأروى لك الآن ما يقول…

مساحة حرة 2

بلاد بين النهرين

ولأن رءوف مسعد لا يملك صكوك الغفران وينفر منها، يذكرنى بقصة لا أذكر فى أى كتاب قرأتها من زمن. عن رجل ذهب إلى المؤسسة الكنسية فى العصور الوسطى وطلب منهم شراء صك غفران للآخرة. رحبوا به، لكنه طلب منهم صكاً لدخول النار وليس الجنة. ارتبكوا قليلاً واندهشوا. وحين أبرز نقوده زاغت الأعين وزالت دهشتهم فكتبوا له الصك بدخول النار. خرج الرجل للناس يعلن أنه اشترى النار وسيقف على بابها ولن يُدخل أحد.

ربما كانت هذه القصة صدى لأسطورة برومثيوس الإغريقية، الذى سرق النار من كبير الآلهة زيوس وأعطاها للبشر كى يتعلموا الحضارة. وحين رثى نزار قبانى الذى طالما- تغزل فى المرأة- المفكر الأهم فى الثقافة المصرية طه حسين بدأ قصيدته بـ”ياسارق النار”.

هل كان على رءوف مسعد أن يمتلك جمرة ناره كى يحكيها سرداً وهو الحكاء البواح بما يمور داخله وحوله، كاشفاً بؤرته الجرثومية التى يخشى الناس من البوح بها تحت دعاوى العيب والحرام وهم يتحرقون شوقاً للتعبير عنها فتتبدى فى حوارات الجلسات الخاصة، وفى أغانى الأفراح تفضح بمفردات صريحة أو مواربة عن مكنونات حبيسة، وحتى فى الجنائز بعديد المسخرة. وهو عديد جنسى بحت وصريح بمفردات لا تتوارى فى جلسة آخر الليل فى صوان الرجال، حيث يتجمع بعض أقارب المتوفى ومع دورة الحشيش والخمرة يعددون فى أبيات شعرية قدرات المتوفى الجنسية. هم لا يفعلون ذلك سخرية من المتوفى بل كنوع من كسر جهامة الموت وتعبيراً عن أن الحياة أقوى من الموت. رأيت هذا فى مدينة الأقصر وسجلته على كاسيت.

عالم الأدب يتجاوز الواقع الخام إلى رؤى الشفيف المسكوت عنه. والمسكوت عنه أكثر بكثير من الخام الظاهر ــــــــ يطلق صناع الأحجار الكريمة تعبير الحجر الغشيم على الحجر قبل نحته وصقله ــــــــــ كما كان ميكيل أنجلو يرى تفاصيل وثنايا تمثاله داخل الكتلة الصماء فى غشمها. تأخذ الكاتب شهوة شف الصورة عن غشيم الواقع إلى تجلى المشهد بتفاصيله العابرة دون التفات لها.

ولأن المسكوت عنه فى المثلث حالة شائكة وحرجة، فهناك من الكتاب من يملكون حماقة كشف المستور بعبله، رغم إدراكهم أن التهمة جاهزة. وهم حين يتلاقون مع الشعبى / الشفاهى الذى لا يأبه بالمحرمات وله أدبياته الخاصة والجريئة المتحررة من كل قيد، ويسمى الأشياء بمسمياتها دون مواربة أو مكياج. فالمطبوع سيقرأه أبناء الطبقة الوسطى الذين يدعون الأدب بمفهومه الأخلاقى، وسيدهشون من تلك الجرأة فى التعبير عن ليس مجرد المسكوت عنه، بل والمسحوق فيهم.

إن ناقداً بحجم لويس عوض بكل ما كان يمتلكه من وقار وصرامة لم يستنكر روايات هنرى ميلر الذى صودرت روايته عام 1961 فى أمريكا لكنها نشرت فى باريس إلى أن صدر حكم بنشرها فى أمريكا فيما بعد. وكتب عنه قائلاً : “إن هنرى ميلر هو الذى حرر اللغة الإنجليزية من تقاليد الاحترام فى التعبير، فليس فى لغته ألفاظ محرمة وألفاظ محللة، ولعله النموذج الأول فى القرن العشرين الذى طمس الفوارق بين الأدب ولغة الحياة، كتابة وكلاما”.

كانت رواية “تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم كاشفة لعفن يملأ الشوارع والنفوس، ضاربة فى المثلث الممنوع دون مواربة، مراوحة بين السجن والمجتمع المفتوح. كاشفة عن كوابيس ومخاوف دفينة لم يستطع المجتمع مواجهتها. صودرت الرواية عام 1966 وحدثت هزيمة يونيو 1967 بعدها. وفى تلك الحرب أسرت مجندة إسرائيلية ابن عمتى الضائع فى صحراء سيناء جائعاً مقهوراً يبحث عن شربة ماء، فيما كان سادتنا يرتعون فى احضان النساء ويتكلم عن ستر العورات. لم يلتفت أحد أن الهزيمة المدوية لم تكن إلا هزيمة التفاصيل الإنسانية الحسية الصغيرة، تفرغ وتفقر الإنسان حواسه حتى وإن بدا هيكلاً متماسكاً فى مواجهة ابتذال المصادرة . ولأننا نعشق الشعارات الكبرى لم نتنبه حتى بعد الهزيمة، لانفجار البالون الطائر يخفى داخله مئات التفاصيل لهزائم صغيرة، منها هزيمته أمام جسده المقهور.

رحلة طويلة هى رحلة الجسد عبر التاريخ ما بين تقديسه وتأثيمه، منحه ومنعه، بوحه وقمعه. كان الرجل البدائى فى مرحلة الصيد يربط بين العملية الجنسية والصيد، فكانوا يمارسون الجنس قبل خروجهم للصيد بوصفه فعلاً سحرياً يعود عليه بالربح الوفير. ومن الحضارات القديمة حين كان الجسد امتداداً للطبيعة ولخصب الأرض وإرضاء للآلهة انتهاء بقمعه وجعله مصدراً للخطيئة.

شيدت المعابد فوق المرتفعات وأقام فيها الملوك- الكهنة، فكانوا على اتصال مباشر بالآلهة. وشيدت المدينة حول المعبد مقر الآلهة الراعية الفاخر وأقيمت البيوت والأكواخ داخل أسوار المدينة المرتفعة. وكما هيمن الملوك على المدن والأصقاع المجاورة، هيمنت الآلهة على المؤمنين الذين كان عليهم تقديم أضحيات وهبات إذ تقضى عبادة الملوك وكهنتهم أن يقبلوا العطايا المنذورة للآلهة يأكلها هؤلاء الملوك والكهنة بدلاً عنهم. ومع انتقال الأسر والقبائل والعشائر من حياة البداوة والترحال إلى الحياة الحضرية، طرأ تحسن على أنماط المعيشة بفضل اكتشافاتهم وابتكاراتهم الناجعة الدؤوبة المضنية، وغدا رؤساء القبائل أنبياء (بمعنى أنهم لسان الآلهة) وكهنة وملوكاً يستمدون سلطانهم بينهم وبين القوى الدنيوية واللادنيوية. لم تخل كل الحضارات من إله للجنس أو الهة للحب.

ففى اسطورة جلجامش فى بلاد ما بين النهرين.احبت إنانا (عشتار) إلهة الأرض المرحة، اخاها تموز حباً جارفاً، لم يشعر أهل سومر بتلك المتعة الكاملة ولذائذها، إذ كانت انعكاساً لمخيلتهم وصورة لذاكرتهم. لم يكن تموز وإنانا وجهين مثاليين ونموذجين سماويين لنساء سومر ورجالها فحسب، بل كانا أيضاً رمزين إلهيين للعملية الجسدية التى تهب السعادة والمتعة.

كان سكان سومر يتوجهون بالدعاء إلى إنانا بوصفها الإلهة التى تفتح أرحام النساء؛ إذ كان على جميع النساء، امتثالاً بإنانا واقتداء بها، أن يتهيأن لعرض فروجهن، عن رضاء لأنظار الرجال لإيقاظ غريزتهم وحثهم على التمتع بأجسادهن الراضية والمنذورة لهم، وكان على الرجال أن يحتذو حذو تموز، إله نمو النبات وتكاثر الحيوان، الذى يخضع لإغواء إنانا، وسحرها ويقدم لها منيه فى كل مرة ترجوه فيها ذلك.

منحت إنانا قبل اقترانها بتموز جسدها الشهوانى العطش أبدًا، جميع الذكور الأحياء فوق الأرض. أما الآن فإنها لم تعد راغبة إلا فى الرجل الوحيد الذى عرفت الحب فى احضانه ـــــــــــ هذا الإحساس الجديد عليها، بالامتلاء وبالكمال السعيد لأناها الخاص، لا يمنح للرجل والمرأة اللذين لم يخلق أحدهما إلا للآخر. وتقول الأسطورة أن تموز أصيب بجرح مميت من خنزير برى. فنزلت إنانا إلى العالم السفلى لتبعث الحياة فيه. لكن إلهة العالم السفلى ــــــــــ وهى أختهاـــــــــ شعرت بالغيرة منها، وقررت سجنها فى غرفة من غرف قصرها ليذبل جمالها.

أذعنت إنانا بدافع حبها لتموز راضية بجميع هذه الأوجاع والآلام. بيد أن هذه المصائب لم تنزل بها وحدها، إذ توقفت كل مظاهر الحياة فوق الأرض، فامتنع الإنسان والحيوان عن التزاوج (( ما من رجل يطارد الفتيات.. والنساء يضطجعن وحيدات.. وكل الأفراح الجنسية انطفأت)).

علم الآلهة بما يجرى فأصابهم الروع والهلع من احتمال زوال البشرية. تُرى من سيتقدم إليهم بالدعاء والعبادة إن وقع ذلك؟ ومن ذا الذى سيقدم لهم الأضحيات؟ فسارعوا إلى إصدار أوامرهم لإلهة العالم السفلى باخلاء سبيل اختها. لكن إلهة الأرض “إنانا/ عشتار” أبت أن تغادر العالم السفلى إلى عالم الأحياء إن لم يُبعث تموز من بيت الأموات ويعود حياً. وكان لها ما شاءت. وما أن اتحد الزوجان الإلهيان حتى شرعت الأرض بالتفتح والازدهار واستعاد الإنسان والحيوان لذة التزاوج والجماع.

لم تكن وظيفة العاهرة مكللة بالعار فى الأزمنة السومرية أو البابلية. فى أيام حمورابى (نحو عام 1750 ق.م) كانت المعابد مملوءة بالكهنة والخدم والحرفيين. وبعدد من الكاهنات والراهبات اللاتى حظين باحترام واسع وكن عادة من أفضل العائلات. وكذلك العاهرات المقدسات اللاتى عملن كوسيطات مريحات بين المعبود والعبد. يظل السبب الحقيقى لظهور الدعارة المقدسة غامضاً. ربما كانت له جذور فى طقوس الخصوبة. لكن بحلول عصور التاريخ المدون كانت أرباح العاهرات المقدسات مسؤولة عن جزء رئيسى من دخل المعبد.

مساحة حرة 3

مصر القديمة

فى مصر القديمة ارتبطت كل طقوس الحياة بنهر النيل. اطلق المصريون على إله النيل اسم (حابى) ومثلوه على شكل كائن ثنائى الجنس شبيه بعشتار بلاد الرافدين بخصائص ذكورية هائلة ولحية مهيبة، إلا أن له فى نفس الوقت، أثداء امرأة وبطن مترهلة دلالة على الرخاء الذى يمنحه فيضان النيل، وترمز لقدرة الكفاءة المزدوجة. ففى كل عام كان النهر يخصب نفسه بنفسه ويلد ذاته، وفيما بين مساقطه المزبدة من الجنوب حيث ينبع حتى البحر، كان الأم المرضعة لبلاد الكيمت.

وقد حل محل الثنائية الجنسية فى وقت لاحق، الاعتقاد بقدرته الذكرية المنجبة، إذ كانت نطفه مصدر خصب ونماء، فبدا إله النهر رمزاً للسلطة الذكرية، وثمة نصوص تشهد على ذلك إذ تصف حابى بالقدرة الجنسية الفائقة “ما أن تلهب الرغبة فؤاده حتى يسارع إلى اختطاف الزوجات من أحضان أزواجهن ليقودهن حيث يشاء”. وقد نجح المصريون أن يصرفوا غريزته الجارفة النهمة بتوزيع مياه الفيضان فى قنوات وتنظيم الرى.

لا سبيل لفهم الحياة الجنسية فى مصر القديمة إلا بفهم أسطورة إيزيس وأوزوريس. وكانت عبادة إيزيس منتشرة فى روما ومقدرة فى الحضارات القديمة. تقول الأسطورة إن إيزيس اقترنت بأخيها أوزوريس كما تزوج سيت بأخته نفتيس ومع تعاقب العصور اتخذ أوزوريس فى مخيلة المؤمنين أشكالاً عدة. فى البدء كان إلهاً للقمر وحجب (ضوء اسمه المقدس) بهاء إله النيل المعطاء ورمز بموته إلى انخفاض مياهه وارتفاعها. وقد ارتبط هذا التماثل بأسطورة جعلت من أوزوريس إله (الحياة عند الموت) كما ارتبط بالعبادة التى كرست له بوصفه (إله استمرار كل ما هو أبدى) و(إله تحول الأشياء الأبدى).

ففى المعابد التى تمثل (جلال أوزوريس بتمامه) يدل قضيبه الضخم المنتصب على أن الإله يحافظ على خلود القدرة الذكرية حتى فى العالم الآخر، إذ كانت تتوافر فيه كفاءات الثور والتيس الجنسية, فقد كان باعثاً للذكورة بشتى صورها وموزعاً لنشوة الحواس برمتها. كما أنه لم يقتصر على منح المتع الجسدية للرجال فحسب، بل كان يمنحها للنساء أيضاً على أن يحملن تحت مآزرهن تمائم تستنسخ عضوه الإلهى. وقد حظى أوزوريس بوصفه (سيد هذه الحياة التى لا تنتهى فى اللحد) بشعبية واسعة جعلت منه موضوع العبادة الرئيس، فى حين تقلبت شعبية غيره من الآلهة.

كان التخيل المبتكر لموت أوزوريس وخلوده تخيلاً إلهياً وإنسانياً فى آن واحد، فقد أنسن أعمال الآلهة وأدخلها فى دائرة الحياة اليومية، فجاءت شديدة القرب من الأذهان وبدت مقنعة بصدقها وصحتها على الرغم من تكذيب الخبرة الحياتية لها. كان أوزوريس الضحية البريئة لخيانة غادرة وخسيسة. فقد اختلست منه حياته غيلة وغدراً ولكنها أعيدت إليه من أجل الخلود بفضل زوجه إيزيس ووفائها له، أضف إلى ذلك أن أوزوريس أصبح إله المصريين الأثير.

حقد سيت إله الظلمات والجفاف، على أخيه أوزوريس لتهديد الأخير له بالغرق فى فيض أمواج النيل المتعاظم. ثم أن سيت كان يحسد أخاه على ما ينعم به من اعتبار وتقدير فى السماء كما فى الأرض، وعلى ما يتمتع من فحولة لا تضاهى، وعلى ما كانت تكنه له إيزيس الرقيقة بخاصة من حب مقيم. ولإغواء أوزوريس، الطاهر والجامح الرغبة حمل سيت أخته وزوجه نفتيس على سرقة رداء إيزيس المضمخ بالعطور وطلب منها أن تستلقى على مضجع أوزوريس الذى خالها إيزيس لحسن تنكرها وعظيم شبهها بزوجه. فغشيها إذ أعمت بصيرته غريزة طاغية. وحدث ما كان سيت قد تخيله. فما أن ضاجع أوزوريس نفتيس الشبقة، لاختلاط الأمر عليه بفعل عطرها، حتى أثملته لذة عارمة وأخذه نوم عميق، فاستطاع سيت قتل هذا الجسد المسترخى والفاقد الوعى. وقطع جثمانه أشلاء.

جمعت إيزيس أشلاء زوجها وأخيها المبعثرة التى وجدتها جميعاً ما عدا القضيب الذى ألقى به فى مياه النيل فابتلعته احدى أسماك الحنكليس (ومنه جاء تحريم أكل السمك على الكهنة المصريين). هذا النوع من السمك يسمى سمك القرقار، ومازال النوبيون لا يأكلون هذا النوع من الأسماك بدعوى أنه أكل جدهم ، وبالطبع هم لا يعرفون السبب لكنه تقليد شعبى قديم ككثير من التقاليد القديمة يمارسها الناس دون إدراك الجذر التاريخى. وصار بمقدور إيزيس، منذ ذلك الحين أن تقوم بمراسيم الموتى. كان ينقص جثمان أوزوريس عضو الذكورة، وهو العضو الذى لابد منه للإنسان، وهمزة الوصل بين الأزمان. ثم أن القوانين والأحكام التى أصدرها أوزوريس نفسه تقضى بأن يكون جثمان الميت كاملاً ليحق له الاستمرار بالحياة بعد الموت. وفقدت إيزيس كل رجاء، لكن أنوبيس ثمرة جماع أوزوريس بنفتيس والمولود بعد موت أبيه، هب إلى نجدتها وجمع أشلاء جثة أوزوريس بدقة متناهية فبدا حياً، واستبدل القضيب المفقود بقضيب اصطناعى.

وأمام هذا الجسد المكتمل الأعضاء والملفوف بالكتان والمشدود بالأربطة، جلست إيزيس القرفصاء وشرعت باحياء القضيب المستعار، فأدخلته بفيها ونفخت فيه من أنفاسها الإلهية لإنعاش وإحياء عضو الذكورة. إن هذه الحركة المخصصة لإنعاش وإحياء عضو الذكورة الخامل تدخل فى عداد المداعبات الطبيعية التى تتضمنها ألوان الضم والعناق والتقبيل الغرامية. فجعلت منها إيزيس شعيرة مقدسة إذ أستطاعت بفضلها أن تبعث فى أوزوريس المتوفى القوة مرة أخرى. ومن اتحادهما الجديد ولد حورس إله الشمس الذى يشرق كل يوم فى السماء منتصراً على سيت ومبدداً ظلماته بسلطان أشعته منتقماً لأبيه.

جسدت إيزيس أرض وادى النيل الخصبة، المحتفية بالبذور وغدت بفضل إخصابها السنوى بلقاح أوزوريس موزعة للغلال والمحاصيل. كانت تعلم النساء الأعمال المنزلية وفن المداعبات الغرامية، وتبارك الحمل كما كانت ممثلة للحب الأمومى. وكان المصريون أثناء الانقلاب الشتوى يعرضون تمثالها على شكل أم شابة ترضع وليدها الحديث العهد حورس. وكان المصريون فى معابد إيزيس يخصصون لأخت أوزوريس وزوجه قضيباً يقوم بصنعه الكهنة ويحملونه فى مقدمة تطوافهم وهم يغدقون عليه المديح.

وقد شجعت أسطورة القضيب الاصطناعى المستخدم لتخليد اتحاد الزوجين الجنسى بعد موت العشير الغالى، المهرة من الكهنة على صنع هذه المسلات الصغيرة اللطيفة لتحفظ فيها أعضاء ذكورة الأزواج المصنوعة من القماش والشمع، كما ضم (جرن القضيب) أيضاً كتابة منقوشة تشهد على رغبة الأرملة فى استعادة زوجها من العالم الآخر لتقترن به جسدياً. وقد جاء فى أحد النصوص ( فهل لى، أيها الغالى أن أقوم بعمل الحب فى العالم الآخر مرة أخرى؟). وبفضل هذه فقد الموت طابعه المخيف حيث تستقر الروح التى ستعود إلى الحياة.

وفقاً للقانون المصرى القديم كان الرجال والنساء متساويين فعلياً. كان للنساء حرية التجول وهو ما كان يشكل فضيحة لدى الإغريق، ولها حرية العمل والتجارة وتعاون زوجها فى الحقل، وكل ما يختص بالحريات الفردية.

كانت التعاليم الأخلاقية للحكماء تحمى الزواج وترعاه. وكان على الخطيب أثناء عقد الزواج أن يؤدى اليمين بإعادة البائنة إلى امرأته وتخصيص جزء من أملاكه الخاصة إذا ما تركها فى المستقبل سواء لأنه أحب امرأة أخرى أو لأنه فقد كل عاطفة نحوها. ويتضمن العقد بنداً بالطلاق فى حالتى العقم والزنى . وفى حالة التلبس بالزنى كان من حق الرجل أن يطردها من المنزل دون أن يعوضها بشئ.، أما فى حالة الشك فى سلوك الزوجة فيكفى أن تقسم. وبالمقابل فقد كان بإمكان الزوجة أن تعلم زوجها، طبقاً للأصول أنها تريد أن تكون لرجل آخر، وتبين له طريقة تعويضها له دون أن يشكل تصرفها هذا حالة زنى. وإذا ما وقع ذلك كانت تكتب له (ما دمت كرهتك وأحببت رجلاً آخر غيرك فإنى أتركك بوصفك زوجاً، ولسوف أعطيك مكيالاً ونصف المكيال من الفضة، وسأرد له علاوة على ذلك المكيالين ونصف المكيال التى كنت قد قدمتها لى هدية خطبتنا). وإذا ما عزم الرجل على هجر زوجته غير المذنبة فمن حقها البقاء فى البيت. وكانت بعض النسوة يعقدن زواجاً مؤقتاً يحدوهن إلى ذلك هدف محدد وهو أن ينجبن أطفالاً شرعيين، فإذا ما بلغ هذا الهدف غايته فإن سند فسخ الزواج يضع نهاية لهذه العلاقة: ( وما أن أنجب أطفالى تكون قد قمت بإشباع رغبتى وأصبحت حلاً من التزاماتك الزوجيه).

كانت عابدات حتحور (ربة الجمال) يستسلمن لرغباتهن إلى أقصى الحدود. فليس ثمة تعاليم تلزم الفتيات بصون عذريتهن حتى الزواج. بل كن يتعلمن فنون الحب ويمارسنها على هواهن دون أن ينتظرن، بنفاذ صبر زوج المستقبل.

مساحة حرة 4

الإغريق

غريق هو بحر التاريخ الإغريقى، يموج بالأساطير التى لا تنتهى. وهو تاريخ يختلف عن حضارة بلاد الرافدين ومصر كمجتمعات زراعية استقرت بعد مرحلة من الرعى. مجموعة من الجزر تصارع البحر والطبيعة، خلف البحر عالم مجهول من المخاطر لا تُعرف إلا بخوض غمار التجربة ومصارعة أمواج عاتية. ومن حولها لم تكن جماعات من البدو والبيئة الصحراوية، بل مساحات من الجبال والسهول تنتشر فيها قبائل جرمانية شرسة. مثلّ البحر تحدياً لا يمكن العيش إلا بمواجهته. ولعب ما اسبغه العقل على حركات الرجال والنساء وسكناتهم دوراً حاسماً فى أساطيرهم ووسم بقوة عادات هذا الشعب المتعدد الألوان وتقاليده، إذ وصفه أفلاطون بقوله: ( لقد نزلنا فى شواطئ البحر كما تنزل الضفادع حول بركة ماء) وكما يقول المؤرخ الشهير (أرنولد توينبى) إن الحضارة تنشأ من التحدى والاستجابة. التحدى من الطبيعة واستجابة الإنسان لذلك التحدى للانتصار عليها.

هذا التحدى فرض نفسه على المخيلة الإغريقية المتوثبة كموج البحر وعواصفه. ومنه انبثقت الكثرة الهائلة من آلهة الأولمب. إذ لم يكن التحدى مجرد مواجهة حيوانات مفترسة أو ترويض أخرى، بل مواجهة بحر عات. مما جعل مخيلة الإغريق تنزع إلى خيال البطولة بشكل مختلف عن حضارات الأنهار المستقرة على الأرض. لذلك رسموا صورة آلهتهم ونسبوا إليهم فضائل ومثالب صورتهم الذاتية، عزوا إلى الإنسان صفات الألهة وملامحها ليتردد من صداها فى شخصياتهم، فجاءت حياتهم وحبهم وكراهيتهم صورة طبق الأصل. فقد أعلن اكسينوفان أن هوميروس وهزيود وصفا الآلهة بكافة الأوصاف التى هى فى رأى بنى البشر مخجلة بل ومرذولة مثل: السرقة، والزنا، والخيانة المتبادلة. ابتدعوا عالماً حيوياً مفعماً بالمغامرة، ومتميزا باللا أخلاقية. يقضى فيه الآلهة والأبطال وقتاً ممتعاً فى الفراش أو الأعمال البطولية. كما كان الأبطال شهوانيين مثل الآلهة.

ومن عماء فراغ كان يغشى العالم ومن خواء لا حدود له خرجت الأرض ذات الأثداء الواسعة العريضة حسب الأسطورة الإغريقية، وخرج معها إيروس (الأجمل بين الخالدين قاطبة) سيد فكر الآلهة وبنى البشر وسلطان قلوبهم جميعاً.

شكل إيروس حالة خاصة فيما بين آلهة الإغريق، ففلسفة الحب وثيقة الصلة بجانب فلسفى مهم هو الأخلاق ــــــــ ليس بالمفهوم المعاصر فقد كانت المفاهيم الإغريقية أقرب للطبيعةـــــــ. كانت فكرة الحب بما فيها الجانب الحسى الجنسى تظهر دائما عند تطرق الحديث إلى معنى الحياة وطبيعة الإنسان بفضل الحب، لأن الإنسان بفضل الحب، يتابع حياته فى الآخرين، وفى الأجيال الأخرى، مبتعداً بذلك عن مأساوية موته الشخصى. وتجلت فى إيروس أولى التصورات الميثولوجية القديمة والذى يعد من البدايات الأربعة الأولى لنشأة الكون.

كانت الثقافة الإغريقية كلها، تضم الحب (الجنس) باعتباره عنصراً جوهرياً. غير أنها لم تعرف الجنس بصفته المجردة البحتة، فالنزعة الجنسية كانت دائماً مندمجة فى المنظومة العامة للثقافة. فقد تميزت بلاد الإغريق بفكرة أن قوة الرغبة الجنسية هذه تعد فيضاً كامناً من الطبيعة، أما مشكلة الأخلاق فتكمن فى كيفية مجابهة هذه القوة، ومراقبتها وتنظيمها كما يقول ميشيل فوكو.

وقد تجاوز الإيروس الإغريقى بعيداً حدود نظرية اللذة. فقد أرتبط عضوياً لدى أفلاطون بنظرية الجمال والمعرفة وبفكرة ارتقاء الشخصية إلى قيم الوجود الشمولية. وكان أفلاطون يعتقد أن جبروت القوى الجنسية العفوية يمكن تحويلها وتعديلها إلى مبدأ إبداعى، وبعبارة أخرى إلى ظاهرة ثقافية ومعرفية. وقد دخل هذا الفهم بالذات فى التقاليد الأوربية وترك بصماته على جميع مراحل تطورها التاريخى.

كانت أفروديت معبودة ، ليس بوصفها إلهة الحب فقط ، بل بوصفها ربة الجمال الأنثوى أيضاً. لقد كان جسمها بالغ الروعة إلى حد تشييد معبد خاص قدمّ هدية للإلهة (ذات العجيزة الرائعة) وبنى هذا المعبد لأفروديت (حسنة الكفل) أختان لأنهما تدينان بسعادتهما الزوجية لجمال استدارة مؤخرتيهما عطية الإلهة وهبة منها. كانت أفروديت توزع مسراتها على الرجال والنساء بعدل وإنصاف. ولدت أفروديت لعشيقها هرمس مولوداً ذكرأ وأنثى فى آن معاً: هيرمافروديت، وكان له أعضاء جنسية مذكرة ولكنه فى نفس الوقت يتمتع بنهدين رائعين، وقد بلغت شعبيته حد إقامة التماثيل له فى كل مكان.

أثمرت علاقات أفروديت الغرامية اللاهية فولدت من آريس ـــــــــ إله الحرب ــــــــ إيروس، الصبى المجنح (الذى يخترق بسهامه قلوب البشر والآلهة معاً) والذى لم يرض بتشجيع الرجال والنساء على انجاب الأطفال فحسب، بل راح يحملهم على طلب المتعة وعلى الاهتمام باللذة الشخصية، وزيادة حدتها. وراح إيروس يغدق على كلا الجنسين بهداياه بفضل سهامه، وظهر مصطلح إيروتيك erotic الذى أصبح فيما بعد اسم جنس أدبى (الغزل). وصار يسهل علاقات الحب المثلية كذلك. وكان يوزع ملذات الجسد، حتى أنه هو نفسه كان مولعاً ببسيشه (psyche) الروح الإنسانية أياً كان جنسها.

ومن إله الخمر ديونيسوس، الذى تذوقت أفروديت معه نشوة الخمر ومتعة الجسد، كان لأفروديت ابن جلف وفاحش، هو برياب التجسيد المقدس لعضو الذكورة فى انتصابه ويمثل الوجه الآخر لإيروس والمكمل له.. وكان على برياب الأسهام فى كل علاقة حميمة، لأنها بدونه ستبقى علاقة ناقصة. وكان العشاق يمتدحون (موزع اللذة) هذا، أما المتظاهرون بالحشمة فإنهم لم يستطيعوا نكران دوره بل اعترفوا به واحداً من آلهة الخصب الكثيرة العدد. إضافة إلى ذلك فإن عضو الذكورة (phallus) الهائل الذى يمثل برياب ويُستخدم فى شعيرته كان العشاق فى أعياد الخصب يحملونه بمظاهر الانتصار والجلال. حتى خصوم يرياب أنفسهم كانوا يعرضونه فى حدائقهم لإفزاع الطيور وطرد اللصوص. أما سكان الريف فكانوا يقدمون له العسل أو شحم الخنزير.

وفى أعياد جنى العنب (عيد الإله ديونيسوس) يخمرون العنب ويشربون إلى حد الثمالة فى مهرجان صاخب، ويطوفون بنموذج هائل لعضو التذكير فى حالة من نشوة التهريج ومن هذا الطقس نشأت الكوميديا فى المسرح الإغريقى. كان الفاللوس يشكل جزءاً من لوازم المسرح. وقد وصف أريستوفان الكاتب المسرحى الإغريقى هذا بدقة (شئ من جلد ضخم وثقيل ورجراج، معلق فى مقدمة المسرح، ونهايته حمراء بلون الدم ليكون مثار ضحك من يراه من الأولاد الصغار). يذكرنى وصف أريستوفان بمثل شعبى مصرى يقول (الواحد ما يطول من الدنيا غير قوته وبلّ قرموطه). رغم أن المثل يتوارى فى تعبيره ويستخدم المجاز، فما يلفت النظر فى استخدام اسم سمك القرموط الذى التهم عضو أزوريس دون سواه، كأنما شئ سحيق يكمن فى الشخصية يطل من بعيد.

وللاحتفاء بالربيع كانت أمهات ونساء وفتيات قاطفو العنب يصعدن إلى فراديس الكرمة ويحتسين الخمر إلى أن ينخطفن فى نشوة وحشية. وتكريماً للإله كن يمزقن تيساً ويبتلعن دمه ويلتهمن لحمه نيئاً تعبيراُ عن الرغبة الحماسية فى الاندماج الكلى فى الإله ديونيسوس وفى تمثل شخصيته. وهؤلاء النسوة التى استخفت بأرواحهم النشوة كان يطلق عليهن كاهنات باخوس نسبة إلى الاسم الذى يحمله ديونيسوس فى تراقيا وكانوا يسموهن أيضاً المينادات (الممسوسات) وكن لا يسمحن لأى كان من الرجال بمشاركتهن رقصاتهن المجنونة، بل كان قاطفوا العنب يرضون لنسائهن، دونما شعور بالغيرة، أن ينغمسن فى شعيرة الإله المتهتكة هذه.

لم يكن وضع المرأة عند الإغريق مساوياً للرجل كما فى مصر القديمة. فلم يكن للنساء حقوق سياسية أو قانونية تزيد عن تلك الممنوحة للعبيد. وعلى مدار حياتهن كن يخضعن خضوعاً مطلقاً لأقرب أقاربهم من الرجال. لم يتلقين أى تعليم رسمى. وعلى المرأة أن تلزم بيتها أغلب الوقت. ونادرأ ما تتناول عشاءها مع زوجها ــــــــــ وذلك لا يحدث أبداً فى وجود ضيوف. وفى المناسبات القليلة التى تخرج كانت تصحبها وصيفة. وإذا خرجت بعد حلول الظلام عليها أن تخرج فى عربة بفانوس مضاء. وكان للزوج أن يطلق زوجته دونما سبب، بل كان عليه قانوناً أن يفعل ذلك إذا نجحت ــــــــ بمعجزة عبقرية ـــــــــ أن ترتكب الزنا. أما الزوجة فلا يحق لها طلب الطلاق إلا فى حالة تعرضها لمعاملة شديدة القسوة، ولا يشمل ذلك أن يمارس زوجها الغلمانية أو الزنا.

والرجل إذا ما طلب الزواج عليه أن يناقش موضوع قرانه مع أهله، أما الزوجة فتكاد لا تعرف طالب الزواج. فإن كان الرجل المناسب حصل على بائنة الفتاة. وآلت عقود الزواج إلى صفقات بحتة. مما اضطر صولون رجل الدولة الأثينية الأعظم إلى استصدار قانون ليحول دون تحول الزواج المكرس لإنجاب الأولاد إلى قضية مالية. وندد أفلاطون بعد قرنين من الزمان بالتعسف الجائر الذى يكره الخطيبين على ألا يعرف أحدهما الآخر إلا لماماً. ودعا إلى اختلاط حر يتم بين أزواج المستقبل لتجنب إخفاقات ما بعد الزواج. وهو ما عالجه الشاعر يوريبيدس فى مسرحية ( مأساة ميديا). ربما لذلك تبدو كثير من المآسى الإغريقية من النساء. كليتمنسترا التى قتلت زوجها. وميديا التى قطعت أخيها إلى أجزاء ثم قتلت أطفاله. وفيدرا التى انتحرت بعد أن حنثت باليمين. واليكترا التى شاركت فى قتل أمها. كان هذا فى طبقة النبلاء لكن الحياة بالتأكيد كانت تختلف بالنسبة للعامة.

وأقام صولون الذى ــــــــ عد من الحكماء السبعة ـــــــ بأموال الدولة المواخير العامة لتعود أرباحها على الدولة. وكرس معبداً خاصاً لأفروديت تطهيراً للدعارة المهنية وتقديساً لها وأطلق على أفروديت بهذه المناسبة (أفروديت بانديموس)، أى إلهة الشعب كله. وكان الأثينيون يمتدحون أفضال ولى نعمتهم صولون الذى كان حكيماً فى تحسبه لمتطلبات أجسادهم واحتياجاتها (طوبى لك ياصولون ! لقد ابتعت المومسات لخير المدينة، ولوقاية أخلاق المدينة الغاصة بالشبان الأشداء، ولولا تشريعك الحكيم، لضايق هؤلاء الفتيان فضليات النساء ونشروا فى المدينة الفساد والاضطراب). يذكرنى تشريع صولون بسؤال وجهته لامراة عجوز. كيف كنتم تسمحون لأزواجكم أن يرتادوا الكراخانات؟ فردت قائلة: يابنى دا حماية للحرائر. استفسرت أكثر، فقالت: يعنى الرجل مراته بيضا عاوز واحدة سمرا والعكس، تخينه عاوز واحده رفيعه والعكس، بدل ما يبص على نسوان العيلة يشوف حاله بره. تُرى هل كانت تعرف وجهة نظر صولون.

على أن العاهرات كن مستويات مختلفة (هيتايراى ــــــــ مومس رفيعة المستوى). ومنهم كانت أسباسيا التى وفدت إلى أثينا من ميلت فى عصر بيركليس المسمى بالعصر الذهبى. كانت امرأة شابة سرعان ما أصبحت ملكة المدينة دون تاج. أسست مدرسة نسائية للخطابة والفلسفة. وكان معاصروها وحتى أعداؤها يمتدحون شجاعتها التى انتصرت للأثينيات المهملات والمرذولات وشرعت فى تربيتهن. وكان عليها أن تعلم الفتيات الصغيرات اللائى يترددن على مدرستها للعيش فى مواخير أثينا وغيرها.

كانت دروس أسباسيا ذات وقع وتأثير، وكان يتردد على مدرستها نساء الأسر المرموقة وفتياتها، فلم يكن من اللائق أن تشارك المرأة الرجال فى تعلم الفلسفة . وكان يتردد عليها أيضاً فلاسفة بدافع الفضول للوقوف على ما تقوله امرأة مثل أسباسيا حول مشاكل الفلسفة العالقة والقابلة للجدال. ويقال إن انكساغوراس نفسه كان فى عداد المستمعين لها، وهو الذى شكك فى كتابه الطبيعة بألوهية الشمس واصفاً إياها بأنها شبيهة بكتلة من نار قوامها (نطاف) ملتهبة. بل كان يقال بأنه كان أستاذاً لأسباسيا مثله فى ذلك مثل بروتاغرراس الذى أعلن فى بحثه الفلسفى عن الآلهة (الآلهة لا يمكننا بأى حال أن نعرف ما إذا كانوا آلهة حقاً أو لم يكونوا، لأن أشياء كثيرة تمنعنا من معرفة ذلك، أضف إلى ذلك غموض الشئ فى ذاته مثل قصر حياة الإنسان). كما كان يتردد عليها سقراط، وفيدياس (نحات الكمال).

اضطر بيركليس رجل الدولة القوى أن يطلق زوجته ليقترن ب(فتاة اللذة) أسباسيا، فتعرض زواجهما لهجوم عنيف شنه أعداء رجل الدولة. إذ رأوا أن مقام الزوجة يتعارض مع نبالة الزوج، وقيل أن تأثيرها عليه يعود إلى ما كانت تتحفه به من مومسات أشرفت بنفسها على تدريبهن. مما اضطره أن ينسحب من المشهد السياسى وينزوى فى بيته لا يزوره إلا أصدق الأصدقاء، وهو الذى كان يستخدم كل ما فى حوزته من سلطات لكى يوفر الأثينين حياة سعيدة. فبنى (مسرح ديونيسوس) وراح يعوض من يحضر من المواطنين عما ينفقوه من وقت فى مشاهدة العروض المسرحية. وكان رأيه إن الرجل المثقف هو المواطن الوحيد الذى يستحق كامل حقوقه.

حتى سقراط كان يتردد على مومسات الهيتايراى، وفى حديث له مع المومس تيودوتا التى كان لها نهدان يفوقان كل وصف، أعلن (أن الجمال وحده لا يكفى للفوز بأصدقاء أوفياء، فلا بد أن نجمع الجمال مع التسامح والرقة فى عطية من النعم والمحاسن المنتقاة جيداً). أما أرسطو تلميذ أفلاطون وأستاذ الاسكندر الأكبر، فرغم أنه كان يرى المرأة أدنى من الرجل ولا تتساوى به. فلم يحتقرها أو يزدريها، وكان له من إحدى المومسات ابن يدعى نيكوماك، وقيل أن الهيتايراى الجميلة فيلليس كانت تتلهى به بأن تجعل منه دابة تضع على ظهره البرذعة وتشد عليه السرج كما يشد على البهيمة، ليمشى على أربع قوائم. وقد راق لكثير من الفنانين أن يصوروا هذه الطرفة المسلية ، فرسموا الجمال ينهال على الحكمة ضرباً بالسوط.

ولعل أشهر امراة من الهيتايراى كانت (فرينه) التى كانت فى أعياد الإله أبوللو، تنزع ثيابها على رؤوس الأشهاد وتسدل شعرها على جسمها وتنزل البحر لتستحم، ووقفت عارية أمام النحات براكستيل العظيم لينحت على صورتها أفروديت. وقد أثرت فرينه من عشاقها إثراء أمكنها من أن تبدى استعدادها لإعادة بناء أسوار طيبة إذا وافق الطيبيون على نقش اسمها على هذه الأسوار. وقد غالت فى طلب أجر ضخم من شخص ذو مكانة، فثأر لنفسه منها واتهمها بالإلحاد، ولكن أحد أعضاء المحكمة كان من زبائنها، كما كان هيبريدز الخطيب من عشاقها المفتونين بها. ودافع عنها ولم يستخدم فى هذا الدفاع بلاغته فحسب بل شق أمام المحكمة جلبابها وكشف عن صدرها. ونظر القضاة إلى جمالها وبرؤوها من تهمة الإلحاد.

كانت الديانة الإغريقية ديانة حب وعشق للحياة وكان كهنتها ييسرون العبادة على المؤمنين، ويكفى أن يتقدم المؤمن بأضحية إلى هذا الإله أو ذاك حتى يفوز بما يريد. جعل الإغريق من الحياة والتمتع بها فناً، فأشادوا بالصالح الجميل، غاية وجودهم الرئيسة، وراحوا يعلمون فن العيش، والإحساس بالخير والجمال للشعوب التى كانوا يتعايشون معها، والشعوب التى تغلبت عليهم، وهكذا قدم الإغريق للخلاص كامل معناه وليتبادلوه فيما بينهم ومعهم الأغراب الأجانب. وحكمتهم تتلخص فى مقولة واحدة (عش وتمتع).

مساحة حرة 5

روما

لم تعرف روما إلا السيادة والقوة لبناء الأمبراطوية، سواء على الشعوب التى غزتها أو البناء الاجتماعى للدولة الرومانية. ورثت حضارة الإغريق بالغزو واستبدلت الآلهة الإغريقية بآلهتها. أفروديت أصبحت (فينوس) وأرس إله الحرب أصبح (مارس)، والقائمة طويلة. كذلك المسرح والإلياذة لهوميروس شاعر الإغريق الأكبر أصبحت الإنياذة لفرجيل الشاعر الرومانى. لكن الرومان لم يفهموا الفكر والفلسفة التى قامت عليها الحضارة الإغريقية ولا قدروا مدى اتساع رؤية الفكر الذى اتسم به الإغريق. على أن الحضارات لا تموت فعبر الزمن تسرب الاشعاع الباقى من الحضارة الهلينستية إلى شعب روما. وامتدت الطقوس الإغريقية لتمتزج بالطقوس الرومانية، حتى لو اتخذت مظهر الجلافة والقوة الإمبراطورية.

ولو ألقينا نظرة على تاريخ الإسكندر الأكبر حين غزا بلاد الفرس التى كانت قد غزتهم من قبل، وروح السلام التى حاول أن ينشرها بزواج عشرة آلاف من ضباطه وجنوده من فارسيات، وحين غزا مصر ذهب إلى معبد أمون بواحة سيوه وأعلن نفسه ابن الإله آمون احتراماً للديانة المصرية القديمة. وبعد موته اقتسم قواده العشر امبراطوريته، وكانت مصر من نصيب بطليموس فأسس دولة البطالمة وبنى الإسكندرية مدينة من الرخام بمكتبتها الشهيرة وكانت أعجوبة العالم، وابتكر البطالمة ديانة هجين بين الديانة المصرية القديمة والديانة الإغريقية مركزها فى السيرابيوم بالإسكندرية. وحينما كانت روما توسع من امبراطوريتها غزا أوكتافيانوس مصر واستولى عليها. لم يكن أكتافيانوس يملك رواتب جنده، لكن الأموال والذهب والفضة التى استولى عليها من مصر أنقذته وأنقذت الإمبراطورية من الإفلاس، لتصبح مصر سلة غلال الإمبراطورية الرومانية. وكانت الضرائب التى تحصّل تمثل ثلث الضرائب التى تحصل عليها روما، ولم تبن روما مدناً ولا انجزت حضارة فى مصر.

يلعب الجنس دوره فى السياسة أحياناً بشكل خفى وأحياناً بشكل معلن ومشاهد التاريخ تنضح بما لا ينتهى من ملوك وأباطرة لهم صولات. لعل مشهد لقاء كليوباترا مع مارك أنطونى يمثل أحد التجليات الأيروسية المحسوبة سياسياً. فقد أغوت من قبله قائده يوليوس قيصر وانجبت منه قيصرون، كانت تدرك أن عين روما مفتوحة على مصر لالتهامها وضمها إلى الإمبراطورية وكان طموحها أن تبتلع روما قبل أن تبتلعها. بينما كان طموح قيصر قابعاً فى روما التى عرف فيها بكثرة علاقاته غير المشروعة، لكن هذه العلاقات بلغت من الكثرة والتنوع حداً جعل كوريا (والد قائده الأخير) يصفه بقوله “إنه زوج كل امرأة وزوجة كل الرجال”. حتى جنوده كانوا يلقبونه فى مزاحهم بلقب (الزانى الأصلع)، كما يقول ول ديورانت.

يصف المؤرخون مشهد لقاء كليوباترا بمارك أنطونى “أرسل مارك أنطونى الرسل لكليوبترا يدعوها للمثول بين يديه فى طرسوس لتجيب عما اتهمت به من مساعدة كاسيوس على جمع الأموال والجنود. جاءت كليوباترا، ولكنها جاءت فى الوقت الذى اختارته وعلى الطريقة التى اختارتها. فبينما كان أنطونيوس جالساً على عرش فى السوق العامة، ينتظر منها أن تحضر وتدفع عن نفسها ما اتهمت به، ثم يقضى لها أو عليها ــــــــــ ركبت هى نهر سندس فى قارب ذى أشرعة أرجوانية، وسكان مذهب، ومجاديف من فضة، تضرب الماء على أنغام الناى والمزمار والقيثار. وكانت وصيفاتها هن بحارة القارب، ولكن فى زى حور البحار وربات الجمال. أما هى فقد تزينت بزى الزُهرة (فينوس)، ورقدت تحت سرادق من قماش موشى بالذهب. ولما انتشر بين أهل طرسوس نبأ هذا المنظر الفتان أقبلوا على شاطئ النهر، وتركوا أنطونيوس وحده جالساً على عرشه، ودعته كليوباترا إلى العشاء معها فى قاربها، فأقبل عليها ومعه حاشيته الرهيبة، فأولمت وليمة فاخرة، وقدمت أشهى الطعام والشراب، وأفسدت القواد بالهدايا والابتسامات. كان أنطونيوس قد أوشك أن يقع فى حبها وهى لا تزال فتاة صغيرة، فلما أبصرها فى تلك اللحظة وهى فى التاسعة والعشرين من عمرها وقد اكتملت مفاتنها، وبدأ حديثه معها بلومها على ما فعلت؛ واختتمه بأن أهدى اليها فينيقية وسوريا الوسطى و… كافأته هى بما يشتهى، ودعته إلى الإسكندرية”.

لا تنتهى إيروسية الأباطرة الرومان ويكفى أن نذكر منهم تيبيريوس الذى بنى لنفسه مكاناً منعزلاً فى جزيرة كابرى فى آخر حياته، مجهز بقاعة يحقق فيها رغباته السرية.. ومجهزة بمقاعد يستقدم إليها مجموعات من شابات وشبان ماجنين، للقيام بمضاجعات فظيعة أسماها (فتحات الجسد) أخرجها وفق سلاسل مثلثة، يسلم فيها بعضهم جسده لرغبات الآخرين، بهدف إحياء رغباته الخائرة بهذه الرؤية. كما زين غرفاً بصور وتماثيل صغيرة لأكثر المشاهد خلاعة، وأرفق بها كتب إليفانتيس؛ امرأة يونانية لها مؤلف مفقود فى فنون التجميل، وعرفت بكتاباتها الداعرة شعراً ونثراً، لكى يجد كل مشارك نموذجاً للوضعية التى يأمره باتخاذها.

الحضارات تبقى فى قاع الشعوب وإن زالت مظاهرها. فرغم الحريات التى امتلكتها أثينا حتى عرفتّ الديمقراطية بالديمقراطية الأثينية، ورغم اللهو المرح والإيروسية فى أقصى تجلياتها ظلت الحضارة الإغريقية هى القاعدة الأساسية للفكر والفن والفلسفة والعلوم لأوربا الحديثة. وحين زار الروائى الأمريكى هنرى ميلر اليونان ألهمته أن يكتب كتاب (عملاق ماروسى). يقول فى فقرة منه “العبقرية لا السوقية هى الأمر الشائع فى اليونان، فلم يحظ شعب بعبقرية بمثل ما حظى به الشعب اليونانى برغم ضآلة عدده، وحسبه أنه كان له من العباقرة نحو خمسمائة فى قرن واحد. عاش سكان هذا العالم الصغير فى وئام مع بيئتهم بعد أن عمروها بآلهتهم الذين عاشوا معهم على ألفة مكينة. إن الكون اليونانى هو أبلغ صورة لوحدة الفكر والعقل معاً”.

لم يكدر علاقات الإغريق القدماء الجنسية أياً كان طبيعتها، أو يشبها أى أثر لخطيئة أو حتى إحساس بالذنب، بينما حكمها فى روما الذعر الذى تفرضه قواعد المراتب الاجتماعية. لم يكن التزمت الطهرانى شيئاً يتعلق بالجنس قط بل بالفحولة. فالقيام بفعل الحب مفضل دوماً على الامتناع عنه، لكن قيمته مرتبطة كلياً بمرتبة الموضوع الذى يشبعه: ماترونة (زوجة من رتبة النبلاء) أو مومس أو مواطن أو عبد معتق. أدى تشريع الطلاق وتعدد الزوجات الناجم عنه، وتحرر الماترونات واتساع نطاق الممالاة والطاعة المفرطة إلى خلخلة الأخلاق التقليدية.

بدا الزواج القائم على الحب انتصاراً للمجون وأثار سخط أغسطس قيصر . وقف الشاعر فرجيل إلى جانب ردة الفعل الساخطة، وحاربها الشاعر أوفيد. بنى عليها أغسطس لاهوتاً جديداً، وتشريعاً جديداً. نفى ممثلاً ببساطة لأن ماترونة قصت شعرها من أجله. لأنها عندما جزت شعرها مثل العبيد وضعت نفسها خارج قواعد مرتبتها. أصبحت عبدة، جعلت نفسها فى خدمة الرجل الذى تحبه.. نفى أغسطس قيصر أيضاً ابنته جوليا إلى جزيرة بانداتاريا الصغيرة مقابل شواطئ كامبانى، لأنها أحبت زوجها أيد تيبيريوس، وتوفيت بسبب الحزن حيث لم تعد تمس الطعام واستسلمت للموت.

المدينة الرومانية هى تفانى الأبناء الذكور، وعفة الماترونات، وطاعة العبيد. والمثير للفضول أن فينوس( التى هى أفروديت فى الأسطورة الإغريقية وهى والدة إيروس وبرياب، هى سيدة روما وأم العالم الجسدى قبل أن تصبح السلف الذى تحدر منه قياصرة روما) ليست هى المحتفى بها فى الأسطورة الرومانية بل علاقة الابن بأبيه.

علاقة الأسطورة الإغريقية الموروثة عن الثقافة القديمة تأخذ مساراً مغايرا تبعاً لحضارة القوة والسيادة. صور هوميروس أفروديت (فينوس) مقتربة من أنشيز حارس الثيران فوق جبل إيدا. حل أنشيز حزام أفروديت وأخصبها فحبلت بإنياس. خسر أنشيز فينوس عندما خرق الصمت الذى وعدها بالتزامه. هجر إنياس زوجته لكى ينقذ والده (أنشيز). بين الأب والابن فقط حب إلهى يعد واجباً. أما الزوجة والزوج فتوجد علاقة إنسانية (يُصنع الزواج الرومانى كله بمصافحة) لا يعول فيها على الرغبة، بل على الإنجاب.

نشأت الجمهورية من التناقض بين رغبة جنسية وخصوبة، فأعطت مثال التمزق بين فينوس وواجب التفانى البنيوى. الأم أكيدة دوماً، والأب غير أكيد أبداً. الاغتصاب يلوث الخصوبة. والإخلاص ليس عاطفة زوجية بل نتيجة موثوقية الذرية. نقاء السلالة هو الغاية الوحيدة من خصوبة الزواج. ليس فقط أن السيدة غير الحبلى لا تستطيع أن تخلص للسيد، بل لا يحق لها أن تُغتصب. وفى حال اغتصابها، يمكن معاقبة المغتصب إذا تمت مباغتته، لكن السيدة المغتصبة تتعرض لعقوبة الموت. إنها وصمة الفجور المشينة التى تعطى العفة تعريفها السلبى. كل شئ مسموح للنساء قبل أن يصبحن أمهات، أو شريطة ألا يصبحن أمهات قط. لا تصيب وصمة الفجور المشينة سوى الأمهات والأرامل. إنها حالة تلوث للدم تنجم عن العلاقات الجسدية غير الشرعية. تلك هى الحشمة وسلامة السلالة الإيجابية.

هناك طرفة ذكرها ماكروبيوس تشرح هذه العفة (نقاء السلالة). “دهش البعض أمام جوليا الابنة البكر لأغسطس قيصر، من الشبه الذى لايصدق لأبنائها من أبيهم (أغريبا)، فأجابت جوليا (لا أتلقى عابراً إلا عندما يكون الخزان ممتلئاً)”، المرأة الحبلى بارزة البطن عفيفة لأن الذرية سليمة. المتعة لا تشترط الوفاء طالما أنها عفيفة لأن الذرية سليمة.

(الفاسينوس) هو الربوبية العارية للأرباب. تستمتع الطبيعة باستمرار، والآباء يلدون باستمرار. وبالنسبة للآلهة يعد تكاثر النبات أو الحيوان أو تناسل البشر الشئ نفسه. إنه مشهد البدء الذى لا يتوقف. ألوهية كبار الآلهة عملية جماع مستمر، حدث يومى أبدى، كل ساعة فيه زهرة يجب قطفها حالاً لأن الإله يكون فى اللحظة الأبدية دوماً. إنه الإله الذى فرضه الإمبراطور أغسطس قيصر على الإمبراطورية.

كانت كاهنات فستا (الفستاليات)، حارسات أرباب البيت وتمائمه عند الشعب الرومانى، يتعبدن تمثالاً يمثل عضو رجل منتصباً. وفوق هضبة فيليا كان الإله موتونوس توتونوس حجراً على شكل قضيب، تأتى العروس لتجلس فوقه حين تزف. وفى يوم 17 من شهر مارس يجر الأولاد الذين ارتدوا للتو ثوب الآباء، يجرون عربة الفاسنيوس. كان الفحش اللغوى طقساً متمثلاً بالأشعار الفاسينية (المتعلقة بالقضيب). يمكن تعريف الفجور الرومانى بأنه لغة الزفاف الفعالة التى يُمنع فيها الاحتشام لأنه مصدر عقم. فحش طقسى لغوى وفجور طقسى عائلى: وجها القوة الإيجابية، المخصبة للبطون، المنتصرة على الأمم، الشفيعة فى تماثيلها الصغيرة الفاحشة الموجودة داخل كل بيت، وفوق كل سطح، وعند كل مفترق طريق، وعلى حد كل حقل، وأعلى المنارات فى البحر. وفى عام 186 حددت طقوس العربدة بخمسة أشخاص بعد أن كانت بأعداد كبيرة، ومنع طقس الأضحية البشرية الذى كان يرافقها.

مساحة حرة 6

العصور الوسطى في أوروبا

ما بين وحدة الفكر والعقل ونداء الطبيعة فى الإيروسية الإغريقية، ووراثة الإمبراطورية الرومانية لتراث لم تستطع هضمه اتسعت الإمبراطورية بغشم القوة والسطوة. ومنذ زمن يوليوس قيصر لم تعد روما حاضرة بسيطة، بل أصبحت امبراطورية تشيد مدنها وفق أنموذج العاصمة، وتتمثل الأخلاق بمختلف ضروبها العاصمة الأم. ففى البوتقة الرومانية تنصهر عادات الشعوب وتقاليدها.

بطيئاً كان التفكك يزحف على الإمبراطورية الرومانية. وهو ما أدركه الإمبراطور قسطنطين قبل قرن من سقوط روما العاصمة القديمة للإمبراطورية على يد (آلارك القوطى)، فبنى القسطنطينية كعاصمة شرقية للإمبراطورية واستقر فيها. وبدا له أن المسيحية وحدهاــــــ كديانة أجنبية تغّير مظهرها عبر نحو ثلاثة قرون من التبشير داخل الإمبراطورية ــــــــــ تحمل بعض الأمل فى توحيد الخليط العظيم من الشعوب غير المتجانسة داخل الحدود الرومانية الشاسعة والممتدة من أراضى أسكتلندا فى أقصى الشمال الغربى إلى السواحل الآسيوية على البحر الأسود.

لم يكن اضطهاد السلطة الرومانية للمسيحية بسبب عقائدى، فقد كانت الإمبراطورية تحوى عقائد مختلفة تمارس جميعها داخل الإمبراطورية بحرية كاملة دون تدخل من السلطة. ويوضح المؤرخ إدوارد جيبون فى كتابه المهم “اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها”، أسباب انتشار المسيحية إلى أنه كان بفضل الحمية المطلقة، وانتظار عالم آخر أكثر عدلاً، وادعاء المعجزات، وممارسة فضيلة صارمة، وأخيراً تكوين المؤسسة الكنسية الأولى. وهو على عكس التفسير اللاهوتى للكنيسة يُرجع انتصار المسيحية وغلبة قيمها إلى مسائل نفسية وفلسفية أهمها وجود الفكرة والتعصب لها، والاستعلاء بها، وقيام هذه الفكرة على الإيمان بالخلود، الأمر الذى ساعد المسيحيين على تجاوز الاضطهادات والصمود المعنوى. كانت الأخلاق المسيحية بمثابة إعلان العصيان المدنى والتى أدت إلى تقويض الدولة. فقد امتنعوا عن التجنيد. وشكلوا مجموعات منفصلة عن المجتمع لا تخالط من اعتبروهم عبدة أوثان، وهاجموا معابدهم وأحرقوها فى انحاء مختلفة. ففى مصر على سبيل المثال تم احراق السيرابيوم وهوجم الفلاسفة والمفكرون الرومان، بينما لم يهاجمهم أحد من أصحاب العقائد المختلفة.

رغم أن قسطنطين لم يكن على قناعة بالمسحية إلا أنه فى النهاية رجل سياسة. فقد تم تعميده على فراش الموت، كما ظلت تماثيل الآلهة القديمة فى قصره حتى وفاته. لكنه أدرك بحنكته أن هذا الدين يمكن أن يوحد الإمبراطورية المفككة، رغم أن عددهم لم يكن يتجاوز العشرة بالمائة من سكان الإمبراطورية إلا أنهم ظلوا متماسكين ولديهم قوة عقيدة صلبة احتملت الاضطهاد واستمرت. فاعترف بالمسيحية كإحدى الديانات المسموح لها بممارسة العقيدة وليس كما ادعت الكنيسة الديانة الرسمية، فقد تم الاعتراف بها كديانة رسمية فى عهد الإمبراطور تيودورذ عام 380م.

قدم قسطنطين مقابل ذلك للكنيسة الأراضى والعقارات مقابل دعم الكهنة له، وقام بانقلاب هائل فقد أدرج بنوداً جديدة فى القانون الرومانى ترضى المسيحيين، وتجعل من الزهد المتقشف مذهباً رسمياً. ولكى يحارب ما سمته الكنيسة الانحلال الأخلاقى بين قاعدة الإمبراطورية، والحياة الجنسية الحرة واتساع الألعاب على المدرج الرومانى، والممارسات التهتكية فى بعض الطقوس الوثنية. قام هذا الإمبراطور بسن قوانين صارمة وبتعقيد مسألة الطلاق ومنع الارتباط الزوجى الحر، كما جعل من الدعارة جنحة وأنكر التحرر الجنسى. وقام بنسخ القانون الذى يمنع العزاب من الإرث، بشكل يسمح للكنيسة أن يعود الميراث عليها. ولم يقم بمنع الاستعباد بعكس ما يؤكده رجال اللاهوت، بل تم فقط تهذيبه بطريقة غامضة. بينما تم بالمقابل تحريم السحر وممارسة قتال المصارعين. وأصدر أوامره ببناء كنيسة سان بيير وبعض الكنائس الثانوية.

الكنيسة التى سارت على خطى الإدارة الإمبراطورية فى تنظيم نفسها بالأبرشيات والمقاطعات المقابلة للتقسيم الرومانى كان لديها مقومات السلطة العاملة. وقد ثبتت صحة قرار قسطنطين على المدى البعيد. فمع تفتت الإمبراطورية الأوربية إلى ممالك مستقلةــــــــ وسريعة الزوال ومع انكماش الأراضى التى حكمها أسلافه من (روما الجديدة) القسطنطينية (البيزنطية) إلى هالة تحيط بالبوسفور، نجحت الكنيسة فى الوقوف راسخة كما نجحت فى توحيد الشعوب غير المتجانسة للإمبراطورية، لكنها لم تفعل ذلك لمصلحة روماً.

وتقدم رهبان الأبراشيات ليملأوا الفجوة العلمانية بتعاليم مسيحية. كان القانون الأخلاقى الذى يطرحونه فى مواعظهم مدعوماً بتهديدات الجحيم (وهى وسيلة أكثر ردعاً مما تستطيع إنجازه أى وسيلة لتنفيذ القانون). كما كان قانوناً كونياً. يسرى فى القرية كما فى المدينة، وفى المقاطعة التالية وفى البلد التالى. بهذه الطريقة وعلى مدار عدة قرون لم تنتشر الأخلاقية المسيحية فحسب، بل توغلت أيضاً داخل السلطة الاجتماعية والدينية. وأسست الكنيسة أولى مبادئ الحكم الشمولى القائم على الحق المقدس الذى ارتكن على مقولة الحكم بسم الله. لكن التعليم والعلم كانا أكبر ضحايا انهيار العالم الكلاسيكى.

كيف حدث هذا الانقلاب من الإيروتك الإغريقى والرومانى إلى النقيض؟.

حسب النصوص الأربعة للإنجيل لاتوجد أى إشارة لكراهية المسيح للمرأة أو تحقيرها، وغير موقفه الداعم لمريم المجدلية بجملته الشهيرة كما أوردنا سابقاً. فقد كانت النساء هن من زار قبره يحملن العطور للجسد المسجى، وكان ابرزهن أمه والمجدلية .. بينما هرب تلاميذه.. إلى آخر القصة.

صمتت المؤسسة الدينية الكنسية عن موقف المسيح وتبنت وجهة نظر بولس فى رسائله. وهو يمثل شخصية إشكالية فى التاريخ، فهو ضابط رومانى كان من مهامه تعذيب المسيحين فى عصر الاضطهاد باعتبارهم فئة يهودية ضالة، أصبح داعياً برسالة المسيح عبر حكاية يشكك كثير من المؤرخين فى صحتها، ويحللها بعض علماء النفس باعتبارها إذا حدثت فلهم تحليل علمى لها. ومن زاوية علم النفس فالشخصية التى تتلذذ بتعذيب الآخرين تمثل الشخصية (السادية) بينما يمثل المقابل لها الشخصية التى تتلذذ بعذاب نفسها شخصية (مازوخية). والقصة تقول أن بولس كان فى طريقه إلى دمشق وفجأة ظهر له ضوء حاد فأصيب بالعمى، سقط ليسمع صوت المسيح وظل لثلاثة أيام دون قدرة على الأكل أو الشراب إلى أن يرسل الله شخصاً يعيده إلى حالته الطبيعية، فيبدأ بالتبشير بالإنجيل.

اللافت للنظر أن بولس لم ير المسيح ولا قرأ الإنجيل، وليس هناك ما يشير فى كتب التاريخ إلى أى علاقة تربطه بالمسيحية سوى تعذيب اتباعها. يحلل علماء النفس هذه الحالة بأنها نوع من العصاب الهستيرى يحدث للشخص. فالعمى جزئى عابر والصمم وفقدان الشم والتذوق لمدة ثلاثة أيام طبيعى فى هذه الحالة.

التحول الذى أصابه من شخصية (سادية) تستمتع بتعذيب الآخرين، إلى شخصية (مازوخية) تتلذذ بتعذيب الذات مدهش وربما تكون رد فعل عكسى كما عبر عنها الكاتب الإسبانى (بويرو باييخو) فى مسرحية (القصة المزدوجة للدكتور بالمى). عن ضابط كان يقوم بتعذيب المعتقلين السياسيين فيصاب بالعجز الجنسى. يحلل علماء النفس هذا النوع من الهستيريا أنه يضعف الطاقة الجنسية أو يعدمها تماماً. اضطرابات بالحياة الجنسية؛ الميل على سبيل المثال إلى رؤية الجنس بكل مكان، تمتلئ رسائل بولس بالاحتقار للجسد. إن كرهه للحياة الجنسية وتمجيده للعفاف، وتقديسه للامتناع عن خطايا الجسد، ومدحه للعزلة، وشغفه بالعزوبية، ودعوته لسلوك مسلكه بالحياة التى عبر عنها بوضوح فى (رسالته للكورنثين) (7و8 )، ثم تنازله للقبول بشرعية الزواج ــــــــ باعتباره أسوأ الحالات، أما أحسنها فهو التخلى عن كل شهوة. كل ذلك علامات على هذه الهستيريا.

ثلاث شخصيات كرست لمفهوم بولس وعمقته طوال العصور الوسطى. أعتبرت الكنيسة تورتوليان وجيروم وأوغسطين من أهم مفكريها. كانت لهم حياة جنسية كاملة قبل أن يتحولوا إلى العزوبية. لخص أوغسطين شعوراً عاماً بين آباء الكنيسة أن فعل الجماع أمر مقزز فى جوهره، وجيروم بغير الطاهر، وتورتوليان بالمخزى. وفسر أوغسطين أن الجنس فى جنة عدن ـــــــ إذا وجد من الأساس ـــــــ كشئ رائع ونقى. دون شهوانية، ودون انفعالات خارجة عن السيطرة، وبالتأكيد دون نشوة.

نظرت الكنيسة إلى الزواج باعتباره سلسلة من الامتيازات الممنوحة للضعف الإنسانى ــــــــ الحاجة للرفقة والجنس والأطفال ـــــــــ بداية من القرن السابع وحتى القرن الثانى عشر ظل الجدل مستمراً حول ماهية الزواج. هل كان عقداً أخلاقياً يصبح سارياً بمجرد إتمام الاحتفال الطقسى، أم يجب أن يؤكد بالجماع الجنسى؟. كان الحكم النهائى هو “أن القبول وليس الجماع ما يصنع الزواج”. إن الزواج يمنح حق (وليس واجب) ممارسة الجنس، وهو حق لا يتوافر إلا داخل إطار الزواج. أما جيروم فشدد على “أن كل امرأة مسيحية طيبة يجب أن تخفى جمالها، وأن تستتر فى الكنيسة، وتتوقف نهائياً عن استخدام مساحيق التجميل التى يسميها جيروم كمادات الرغبة، مضيفاً (ماذا تتوقع امرأة من السماء عندما ترفع أثناء الدعاء وجهاُ لن يتعرف عليه خالقها”. لكن كل هذا لم يمنع اسقف لييج الذى خلع من منصبه عام 1274 أن يكون أباً لخمسة وستين طفلاً غير شرعى. ولا تعليق.

بلغت سطوة الكنيسة ذروتها بحادثة كانوسا الشهيرة. فقد بلغ الصراع أقصى مدى له بين الإمبراطور هنرى الرابع والبابا جريجورى السابع. وأصر كل منهما على الحق فى سيامة الأساقفة. الإمبراطور هنرى الرابع وجد فى تمسكه برأيه محافظة على حقه الذى ورثه عن أسلافه وتتوقف عليه هيبته فى بلاد الإمبراطورية. بينما كان البابا جريجورى السابع يرى فى منصبه نوع من السمو البابوى بحكم أنه خليفة السيد المسيح على الأرض ووريث القديس بطرس فى الغرب، وكان نجاحه فى فرض رأيه على الإمبراطور أمراً يتوقف عليه هيبة ومستقبل البابوية. انذر البابا الإمبراطور بالعزل. ثار الإمبراطور فقرر عقد تجمع فى ورمز وتقرر فيه بطلان انتخاب البابا جريجورى السابع وعزله من منصبه. دعا البابا مجمع فى الفاتيكان وقرر فيه عزل الإمبراطور، وتوقيع الحرمان عليه وتحرير جميع رعاياه واتباعه من إيمان الطاعة والتبعية التى اقسموها له. وجد الإمبراطور نفسه وحيداً فى النهاية، ولم يكن أمامه حل سوى أن يرحل سراً إلى البابا الذى كان فى ضيافة ملكة توسكانيا. وفى البرد القارص راح يصعد الطريق الجبلى الوعر إلى قلعة كانوسا. حيث بقى ثلاثة أيام واقفاً على الجليد أمام أبواب القلعة، حتى تعطف عليه البابا وسمح له بالمثول بين يديه على شرط أن يسلم للبابوية بكل ما تطلبه دون قيد أو شرط. ويقال أن الإمبراطور دخل على البابا حافى القدمين مرتدياً ثياب الرهبان المصنوعة من الصوف الخشن، حتى إذا ما وجد نفسه أمام خصمه ارتمى عند قدميه وانفجر باكياً وهو يصيح “اغفر لى ياأبتاه المقدس”.

وفيما أحكمت الكنيسة قبضتها على الحكم تماماً، كانت قد دخلت تحت جلود البشر واستقرت فى كل ما يتصل بحواسهم، من طرق منع الحمل إلى القذف أثناء النوم، والعلاقة بين الرجل وزوجته. لتفتح الطريق إلى العصور الوسطى المعروفة فى التاريخ الأوربى بالعصور المظلمة.

مساحة حرة 7

الصين

التوحد مع الطبيعة شكل مفهوم الحضارة الصينية القديمة. وعلى عكس كل الحضارات القديمة التى صنعت آلهتها، رفض الصينيون أن يحلوا أنفسهم من علاقة أنا ـــــــــ الطبيعة. بدءوا فى تطوير نظرة للعالم لا تدين بشئ للآلهة التى خلقتها المخيلة البشرية. بالنسبة لهم بدا الوجود كحركة ديناميكية من التغيير السرمدى، اتصال زمانى ومكانى لطاقات سائلة يمتزج فيها وبشكل أبدى كل من الإنسان والحيوان والعشب والأشجار والصخور والجبال والسحب والأمطار والرياح والنهر والبحر. إن شيئاً لم يكن لأن كل شئ، مازال فى مرحلة الكينونة.

رهافة الإحساس بالطبيعة جعلت المفهوم الصينى للخلق يصوره على أنه نوع من خرائط الطقس متعددة الأبعاد، تحتوى على قنوات دائمة التغير من ضغط جوى، وتيارات هوائية تتدفق وتتصادم وترتد، سحب تتفكك إلى ندف من البخار، تتحلل إلى زغب من غيمات خفيفة بطيئة الحركة، أو تعلو متحولة إلى سحب رعدية. وعبر طريق غير مرئى منحنى تشق طريقها خلال كل ذلك ـــــــــ كما لو كانت مدعومة بسلسلة من تروس شفافة لنقل الحركة ـــــــــ القوة المعروفة بال “تشى” ــــــــــ الرحيق الحيوى أو نَفَس الحياة ــــــــــ والذى دربه هو “الدرب الأسمى”، “الصراط”، “الطاو”.

أوضح دليل الكهنة (كتاب التغيرات) الذى بينّ القوة السلبية وأطلق عليها اسم “ين” والإيجابية “يانج” ووصف كيفية تشبيكهما معاً لدفع ال”تشى” عبر الدرب الأسمى، وتفاعل “ين” واحدة مع “يانج” واحدة يسمى الطاو. والعملية الناجمة والمستمرة تسمى “التغيير”.

الانسجام مع الطبيعة هو يقين الحضارة الصينية القديمة، فالقمر والشتاء كلاهما “ين”، والشمس والصيف “يانج”. وفى الجنس تصنف المرأة ليس ك”ين” خالص وإنما ك”ين” أصغر، والرجل بالطريقة نفسها يصبح “يانج” أصغر. كان ذلك اعترافاً بالحقيقة النفسية أن هناك عنصراً من “اليانج” الإيجابى حتى فى أكثر النساء سلبية؟ ومن “الين” السلبى حتى فى أكثر الرجال إيجابية. فالعنصر الثانوى يغذى العنصر الأساسى ويعزز منه فى كلا الجنسين، وهو الإيمان الذى لعب دوراً محورياً فى تطوير النظرة الطاوية.

وقد ساعد معلمو الطاوية فى تشكيل الموقف من الجنس باعتباره واجباً مقدساً يجب أن يؤدى بكثير من الأمانة. لأن المعاشرة الجنسية كانت واحدة من الطرق السريعة المؤدية للسماء. ونظروا إليها بمنتهى الجدية وأبدعوا أول الكتيبات الجنسية فى العالم وأكثرها شمولاً وتفصيلاً لتعليم القراء طريقة الوصول إلى انسجام “الين” و”اليانج” ـــــــ الرجل والمرأة ـــــــــ لأنهم طاويين فى إدراكهم، ولأن الطاوية كانت عقيدة هادئة ومرنة، كانت تلك الأدلة موجهة للمرأة بقدر الرجل، بل وتمنح للعروس قبل زفافها، ولتكون مرجعاً يوضع بجوار الفراش.

كان انسجام ال”ين ــــــــ يانج” هو بؤرة الاهتمام الأولى لكافة الكتيبات، والمعاشرة هى المرحلة الأولى فى تحقيقه. المعاشرة التى كانت انعكاساً بشرياً للتزاوج بين الأرض والسماء. وكان الاعتقاد إن “ين” المرأة معين لا ينضب، فإن “يانج” الرجل أى المنى محدود فى كميته وعليه أن يغذيه ويقويه بالجماع. يشرح الكتاب كل الأوضاع وطرق العلاج لكل تفصيلة خاصة بالموضوع وأنواع الأعشاب والأكلات المقوية … الخ.

بينما كانت لهم تسميات للأعضاء التناسلية تتناسب مع توحدهم مع الطبيعة، فالعضو الذكرى مثل (ساق اليشم) وهو حجر من الأحجار نصف الكريمة من نوعين الأخضر والأبيض وكانت إشارتهم إلى الساق البيضاء الأنفس بلون القشدة، ومن بين المترادفات الأخرى الطائر الأحمر، والساق المرجانية، وعمود التنين، وعيش الغراب المنتفخ. أما الأعضاء التناسلية للمرأة فهى زهرة الفاونيا المتفتحة ــــــــــ وهى من الزهور التى كانت توضع بالبلاط الملكى فى أحواض ضخمة وزرعها الصينيون منذ أربعة آلاف عام ـــــــــــ أو اللوتس الذهبى، أو المزهرية المتفتحة، أو بوابة الزنجفر (كبريتيد الزئبق).

ويصف الكتاب طرق اطالة زمن الجماع ليستمتع كلا الطرفين، ليس لمجرد العلاقة كحالة آلية، بل بوجد يسمو بهما. فالوضع النموذجى كلما ظل الرجل بداخل المرأة كلما امتص من رحيق “الين” كما يجب عليه أن يرفعها إلى الأورجازم دون كلل، حيث يصل رحيقها إلى ذروته. بالنسبة للصينيين ــــــــــ دون غيرهم ـــــــــــ كان أورجازم المرأة مهما بقدر ما هو مهم للرجل. ويصف الكتاب كيفية مساعدة الرجل لهذا الوضع بنوع من ضبط النفس القوى لبعض لحظات.

كانت الفلسفة الطاوية أساساً مهتمة بالخواص الكونية أكثر من الخواص التناسلية لمنى الرجل، ولكنها نظرت للرغبة فى إنجاب الأطفال على أنها حقيقة من حقائق الطبيعة. ولذلك كان لابد من اتباع قواعد “ين ــــــــ يانج” لكى يولد الطفل سليماً معافى. كان من الضرورى على رحيق “يانج” الأب أن يكون فى ذروة فحولته، ما يعنى أن بناءه يجب أن يتم على مدار عدد من اللقاءات الجنسية دون قذف حتى اللحظة النهائية الحاسمة.

وقد شددت كافة الكتيبات على أن تغذية “الين” الأولية يجب أن تأتى من عدد من النساء المختلفات “إذا بدل الرجل باستمرار النساء اللاتى يعاشرهن ستكون الفائدة عظيمة وإذا استطاع معاشرة أكثر من عشر نساء فى ليلة واحدة لكان ذلك أفضل شئ. وأكثر ما يثير قلق الرجل هو القذف أثناء النوم، إذ اعتقد الصينيون أن ذلك يحدث عادة عندما تتخذ الشيطانة هيئة امرأة جميلة لتسرق “يانج” الرجل عن طريق مضاجعته فى أحلامه.

لكن الغريب انتقاد الصينين بشدة لبعض أباطرتهم الأقل احتراماً لأنهم يزينون جدران غرف معيشتهم برسومات إيروتيكية. كما لم ترق لهم الصور المماثلة التى تحوط الفراش فى أكثر من “حجرة يشم” امبراطورية فى القرن السابع. ــــــــ كان الامبراطور الرومانى تيبيريوس أول من ادخل لوحات البورنوجراف فى القصور الررومانية ـــــــ كما ـــــــــ كانت الأسر المتوسطة المصرية تضع لوحة امرأة عارية فى غرفة النوم فى الخمسينيات والستينيات كجزء من جهاز العروس، واختفى ذلك التقليد. ومع ذلك لم يكن لديهم أى تحفظات تجاه حفلات الجنس الجماعى العامة التى ظهرت للمرة الأولى أواخر القرن الثانى عشر وأصبحت شائعة نسبياً ــــــــــــ فما يبدو ــــــــــــ بحلول القرن القرن الرابع.

وكما فى كل المجتمعات، كانت هناك عدة طبقات من البغايا. أرفعهن البارعات فى الموسيقى والرقص والأدب، ويخصص لهن حجرة نوم بصالون، ومن حقهن اختيار الخُطاب أو رفضهم. أولئك الفتيات إما اشتروهن من أسر فقيرة، أو خطفن أو كن محظيات هجرهن رجالهن. وكان هناك ما يشبه العقد بين أصحاب دور البغاء وبين الفتيات. وكان الملاك ينتمون لنقابات تجارية، ويدفعون الضرائب للحكومة. ويحق للفتيات إذا تم تسجيلهن كمحترفات الشكوى من الملاك القساة، ولا يسمح أى طرف لأى عامل غير نقابى بالتدخل.

كاما سوترا

كتاب الكاماسوترا الذى ينسب إلى الحكيم (فاتسيايانا) يعتبر أقدم أدلة الجنس الهندية واشهرها. ويؤرخ فيما بين القرن الثالث والخامس الميلاديين، إذ يصنف التقنيات الجنسية بهدوء ورصانة أى معلم طاوى، ويعامل فن الغزل مثلما فعل (أوفيد) الرومانى فى كتاب فن الهوى.

عززت تعاليم “الكارما” ــــــــ وهى مصطلح يرجع إلى الديانتين الهندوسية والبوذية ويقصد بها القوة التى تنتج من تصرفات الشخص، سواء كانت خيراً أو شراً وتؤثر مستقبلاً فى حياته ـــــــــ النظام الطبقى الاجتماعى ـــــــــ الدينى للفيدا وهو الكتاب المقدس للديانة الهندوسية. والكارما تعنى التقمص، وتقول: إنه عندما يموت كائن حى ـــــــــ إنسان أو بهيمة أو حشرة ـــــــــ فإذا كان قد عاش حياته بشكل صحيح ستعود روحه للتجسد فى مستوى أعلى، وإن عاش بشكل خاطئ ستتجسد فى مستوى أدنى.

كان الجنس بالنسبة للهنود الهندوسيين كما بالنسبة للصينيين الطاويين واجباً مقدساً ــــــــ ليس من ذلك النوع الذى يضع المرء مباشرة فى انسجام مع الأبدية، لكنه بالتأكيد واحد من طرق تحسين “الكارما” كلفة وأكثرها إمتاعاً. يعتبر كتاب الكاماــــــــ سوترا (هى كلمة مركبة من كلمتين، فكلمة كاما تعنى الرغبة، وكلمة سوترا تدل على سلسلة من الحكم، وتعنى أصول المتعة. وتعتبر الكاما ــــــــ سوترا أول عمل أدبى تشكيلى إيروتكى تفصيلى متكامل فى تاريخ الإنسانية. وتزين رسوم الكاما ـــــــــ سوترا المعابد والأماكن العامة، فمعبد خاجوراهو يضم عشرات المنحوتات بالحجم الطبيعى لمختلف العمليات الجنسية الفردية والجماعية.

والفكرة الأولية تنطلق من صلب الفلسفة الهندية القديمة، التى طرحت الأهداف الإنسانية التى يتسامى بها الإنسان ويعيش من خلالها بعز وكرامة واستمتاع بالحياة، وحددتها بأربعة أهداف. وهى الفضيلة والرخاء والرغبة/اللذة والحرية. والجزء الخاص بموضوع الحب والرغبة والملذات العاطفية والجنسية يمثل ثلث الكتاب. والمدهش أن الكتاب تمت ترجمته إلى الإنجليزية من قبل مستشكف إنجليزى، وترجمه السير ريتشارد فرانسيس، والذى أضاف إليه بعض الملاحظات التى تشرح بعض الوضعيات الغريبة على المجتمع الغربى ولماذا هى غريبة عنه. وظل الكتاب محظوراً وكان على من يرغب فى اقتناء الكتاب الدفع سراً. ولم يصرح بطباعته ونشره حتى عام 1963 بعد ما تمت تبرئة دار بنجوين من تهمة نشرها لرواية “عشيق الليدى تشاترلى”.

ويمثل بعض ما جاء فى الكتاب من تفاصيل كثيرة رؤية الحضارة الهندية القديمة لحس المتعة واللذة كما يراها المؤلف الذى لم يعرف عنه شئ. فهناك أربعة أنواع من المعانقات الخفيفة، وأربعة أكثر شهوانية، وثمانية أنواع من عضات الحب، وثمانية مراحل من الجماع الفموى، وتسعة طرق لتحريك العضو الذكرى داخل المهبل، وأربعة أجزاء من الجسد يمكن معانقة كل منها على حدة، وثلاث طرق لتقبيل عذراء بريئة، وأربعة زوايا يمكن من خلالها القيام بذلك. هناك القبلات المتوسطة، والقبلات الموجزة، والقبلات القوية، والقبلات الناعمة… الخ. ودون استطراد كل ما يمكن تصوره من أكروبات جسدية.

كسر فاتسيايانا الطوق فاخترق الأحكام السابقة التى حظرت على النساء، معرفة (الفيدات) وهى نصوص مقدسة موحاة من الآلهة فحالت بينهن وبين معرفة ال(كاما) وقد بلغت هذه الأحكام المغلوطة مبلغاً دفع الرجال إلى منح النساء فرصة تجميع الخبرات الغرامية. ولما كانت هذه الممارسات والخبرات الجنسية منقوصة فلابد من تربية نظرية وعملية، ولابد من التحرر والانعتاق من التحفظات ليصعّد الإنسان من حساسيته ويحرر اتحاد الأجساد الطبيعى، بكافة الأشكال التى تلبسها هذا الاتحاد، ومن فقدان الثقة من عثاره، ومما علق به من فساد أخلاق وإخلال بالآداب.

إذ أن الفحش نقيصة الفكر وحده لا الجسد. وليست أعضاء المرأة والرجل الجنسية أشياء قذرة، بل هى وسائل (الكاما) الخيرة التى ينبغى للجنسين للنجاح فى الحب، معرفة طاقاتها وتعلم استخداماتها. وقد حبا الله الإنسان بالعيون للرؤية والشفاه للتقبيل، وال(لينغام ــــــــ العضو المذكر) ما وجد إلا للتلذذ بالمتع والإنجاب فى مهبل الأنثى ـــــــ (اليونى). فإذا ما تعلموا مبادئ الكاما وامتثلوا للسوترا ، لن يقعوا تحت رحمة مصادفة طارئة. ولما كانت كثير من النساء خبيرات ومجربات مثل بنات الأمراء والمحاربين، إضافة إلى الخليلات، فقد اقترح أن تعلم رفيقات الثقة، من هؤلاء النساء الراغبات فى تعلم الحب، الذى يحتوى على الأربعة والستين فناً.

وقد الفت الكاماسوتر لتخص أفراد الطبقات الميسورة والنسوة المقيمات فى دور السكن الفاخرة اللاتى لهن، فى محيط من الأبهة والعيش الرغيد والتلذذ يمتع الحب والإلمام بشتى الوسائل واستخدامها لاستثارة الرجال. وكان على المرأة معرفة كيفية تركيب العطور والعناية بجسدها وتتعلم الغناء والرقص، والعزف على مختلف الآلات الموسيقية، وعليها أن تجمع الأزهار وتصنع أكليل الزهور للآلهة، وعليها أن تعمل على تطوير رشاقة أصابعها فى صنع الأقراط وباقات الريش وزينات الرأس إضافة إلى أشغال الصوف والحرير. وكان عليها أن تتقن لغات غامضة تستطيع بواسطتها التحدث مع من تحب دون أن يفقه من حولها شيئاً، وتعلم القراءة والكتابة ونظم القصائد، ومزج عصير الفواكه …الخ. لكى تكون محط اهتمام زوجها رجل المجتمع الملم بالأربعة والستين فناً، ولكى لا تكون عرضة للإهمال والإبعاد فتحل محلها إحدى الخليلات، لأن للمحظية الخبيرة فى فنون الأنثى، الحق فى احتلال مكان الشرف فى مجتمعات الرجال.

وفى الفترة نفسها، التى شهدت ظهور الكاما ــــــــ سوترا، نمت فى الهند، فوق الموروثات والذخائر الفيدية القديمة المقدسة، وتقنياتها فى التجلى والإثارة، جذور حديثة ونظريات جديدة فى التطبيقات العملية التى أثمرت يوجا جنسية حقيقية ألا وهى: التانترية. وهناك نصوص توضح فلسفتها تقول “على الإنسان أن يسمو باستخدام علة سقوطه” ومن الممكن أن تكون، مظاهر الطبيعة الإنسانية نفسها، تلك المظاهر التى تكبلنا وتمنع انطلاقاتنا، مثل الحجارة فى أركان تحررنا وذلك لأن الدوافع الجنسية، فى اقتراب بلغ هذا الحد تصير درباً سالكاً أمام الحقائق الكونية، نهتدى به إلى وحدة النهائى واللانهائى. وقد أدت شعيرة الأسانا (الأوضاع الجسدية) التانترية فى تطورها إلى ولادة سلسلة مثيرة من الاختبارات النفسية الجسدية التى ارتقت بنموذج الانضباط فانتهى بدوره إلى التأمل. ففى فعل الأسانا يتحد الرجل والمرأة. وفى تجربة اللذة واختبارها يكمن تحقيق الأسانا. ويذهب المريدون أثناء الاتحاد الجنسى بوعيهم بعيداً عن المحيط. إذ تتوقف الروح إلى أن تكون حرة، ويزيد الكبح والاحتجاز فى شدة الطاقة الجنسية وحدتها، ويحملها على التوهج إلى حد يتحرر فيه الفيض النفسى من قمقمه.

يهتدى الإنسان بواسطة التانترا أساساً إلى طريق التحكم بالطاقة الجنسية لبلوغ غاية روحية، وتعلمه تقصى أحاسيسه وسبر غورها أفضل مما تعلمه كبتها وقهرها. وتفصح التانترية موضحة باستمرار: أن أولئك الذين استسلموا للحب لأسباب شبقية محضة قد أفسدوا طاقاتهم الحيوية، بل قد يتعرضون، بفعل ذلك لفقدانها. فى حين أنهم لو استسلموا إلى المتع الجنسية بوعى حاد والفة روحية تؤلف بين قلوبهم، وإن هم نبذوا لعبة الأنا لأخذ فعل الحب، عندئذ بعده الحقيقى التحررى المبرأ ، ولأمكن لوعى الوحدة الوجودى أن يسفر عن نفسه وأن يحقق ذاته بواسطة هذا الإثبات المعلن من خلال كافة أشكال التصوف.

مساحة حرة 8

العرب

تمتلئ المكتبة العربية بالكتب الإيروسية التى تصف كل ما يتعلق بالجنس بالتفصيل، ولم تترك مجالاً يخص الموضوع إلا تناولته. منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب (تحفة العروس ومتعة النفوس) للتيجانى، و(نزهة الألباب فيما لا يوجد فى كتاب) للتيفاشى، و(المحاضرات) للراغب الأصبهانى، و(حماسة أبى تمام) و(الأغانى) للأصفهانى وغيرها عشرات الكتب، وكانوا يسمون الأشياء بأسمائها بلا خجل، لتمثل زاداً للثقافة الجنسية. للإمام جلال الدين السيوطى عشر كتب تتناول الجنس بلا تحفظ وهى كالتالى:

1 ـــــــــــ الافصاح فى أسماء النكاح

2 ـــــــــــ الوشاح فى فوائد النكاح

3 ــــــــــــ شقائق الأترج فى دقائق الغنج

4 ــــــــــــ نواضر الأيك فى معرفة النيك

5 ــــــــــــ ضوء الصباح فى لغات النكاح

6 ــــــــــــ اليواقيت الثمينة فى صفات السمينة

7 ــــــــــــ مباسم الملاح ومباسم الصباح فى مواسم النكاح

8 ـــــــــــــ نزهة العمر فى التفضيل بين البيض والسمر

9 ــــــــــــــ نزهة المتأمل ومرشد المتأهل

10 ـــــــــــــ رشف الزلال من السحر الحلال

القواميس العربية من القاموس المحيط إلى لسان العرب تفيض بكم المفردات الخاصة بالأعضاء التناسلية، والأسماء التى تطلق على النكاح. ويذكر شاكر النابلسى فى كتابه (المال والهلال) أن صلاح المنجد وهو باحث مشهور فى المخطوطات، ومحقق ضليع فيها، أنه عثر على مخطوطة (النكاح فى اللغة) لابن القطَّاع الصقلى يورد فيه 1083 اسماً للنكاح، ويعلق المؤلف أن “وفرة الاسم تدل على شرف المسمى”. حتى أنهم أطلقوا على النكاح أسماء أكثر من اسماء السيف.

رغم هذا فلم يكن عند العرب قبل الإسلام إله للجنس كما كان عند الإغريق أو الرومان أو مصر القديمة وبلاد الرافدين، رغم وجود 360 تمثال لديانات مختلفة كما يؤكد الأزرقى فى كتاب أهل مكة. ويبدو أن ولع العرب نتيجة لظروف الصحراء التى أثارت خيال البدو ساهمت بشكل كبير فى إعطاء الممارسة الجنسية، دوراً ملحاً فى دورة يومهم وعلى امتداد الزمن فى رحابته. حتى الحيوانات أعطوا للمارستها الجنسية أسماء تختلف من حيوان لآخر. فقالوا: كام الفرس، وباك الحمار، وقاع الجمل، وعاظل الكلب، وقمط الديك. ويزخر لسان العرب باسماء نكاح كل أنواع الحيوان. ومن شدة غرامهم بالنكاح وصفوا نزول المطر على الأرض به، فقالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينيه وغيرها من الأوصاف يرد ذكرها فى (فقه اللغة للثعالبى) ومعجم لسان العرب.

ويمتلئ الشعر العربى بالأبيات الصريحة فى الفاظها ومعانيها. ربما اقلها وطأة تشبيه المرأة بالظباء ونصل السيوف، ومن لا يذكر البيت المأخوذ من معلقة عنترة بن شداد وقد غنته فيروز (ولقد ذكرتك والرماح نواهل منى/ وبيض الهند تقطر من دمى/ فوددت تقبيل السيوف لأنها/ لمعت كبارق ثغرك المتبسم).

ويصف كتاب (الروض العاطر فى نزهة الخاطر) للشيخ أبى عبدلله محمد النفزاوى الأوصاف المثالية للمرأة، يقول:” كاملة القد، عريضة خصيبة، كحيلة الشعر، واسعة الجبين، زجة الحواجب، واسعة العينين فى كحولة حالكة وبياض ناصع، مفخمة الوجه، أسيلة ظريفة الأنف، ضيفة الفم، محمرة الشفائف واللسان، طيبة رائحة الفم والأنف، طويلة الرقبة، غليظة العنق، عريضة الصدر، واقفة النهود ممتلئ صدرها، معقدة البطن وسرتها واسعة، عريضة العانة، ممتلئة لحما من العانة إلى الأليتين، ضيقة الفرج ليس فيه ندوة، رطب سخون تكاد النار تخرج منه، غليظة الأفخاذ والأوراك ذات أرداف ثقال، وأعكان(عُكنَةُ ما انطوى وتثنى من لحم البطن سِمَناً) ، وخصر جيد، ظريفة اليدين والرجلين، عريضة الزندين، بعيدة المنكبين، عريضة الأكتاف، واسعة المخرم، كبيرة الردف”.

كان البغاء شائعاً كما شاع فى كل المجتمعات قديماً وحديثاً. وكانت البغايا يرفعن راية حمراء على البيت أو الخيمة ليدل الراغب على حاجته. وحفظت كتب التاريخ أسماء بعضهن، مثل النابغة سلمى بنت حرملة أم عمرو بن العاص، والزرقاء بنت وهب زوجة أبى العاص بن أمية، وغيرهم كثيرات. وكان بعض نساء العرب قبل الإسلام يملكن حق الطلاق. وكان إعلان الطلاق من البساطة بحيث تغيّر موضع باب خيمتها فيعرف زوجها أنه طالق، ويعرف الرجال الآخرون أنها قابلة للنكاح فيتوافدون عليها لتختار منهم من تشاء. وعرفت امرأة فى مكة تدعى أم خارجة، كانت تطّلق من تزوجت من الرجال بعد أيام أو أشهر، فيأتى إلى باب خيمتها الراغبون من الرجال ويقول “خطبّ” فترد هى “نكح” فيتزوجها. وصار نكاح أم خارجة مضرب المثل، فقالوا: (أسرع من نكاح أم خارجة).

عادية الجنس كانت تجعله أحد مفردات الحياة اليومية لبدو صحراوات شاسعة، الفطرة فيها أقرب للإنسان فى عالم مفتوح الأفق، وليس فيها مشاغل يومية كثيرة، أو معالم حضرية تحد الحركة. وربما ذلك ما جعل العرب يتفننون فى اللغة، فلم تكن نظرتهم للجنس معقدة كما فى الواقع المعاصر. ولهوس العرب بالجنس استعملوه فى الهجاء، كما قال جرير يهجو أم الفرزدق: عجوز قد زنت ستين عاماً/ وعاشت بعد ذلك أربعينا/ فراحت واشترت تيساً وعنزاً/ لتنظر لذة المتناكحينا.

ربما هذا ما جعل لديهم نهماً للجنس والطعام كمتعة للحياة. هذا النهم جعل لهم عادات مثل (الاستبضاع) فإذا اشتهر رجل بالشجاعة أو الشعر، كان الرجل يعتزل امرأته ويطلب منها أن تستبضع من الرجل المشهور إلى أن تحبل منه كنوع من تحسين السلالة. كما عرفت المخادنة وهى نوع من المصاحبة بين رجل وامرأة، واختلف المفسرون حولها، فمنهم من قال إنه يقتصر على القبلة والضم بين الطرفين، ومنهم من قال إنه النكاح، وأغلب الظن أنه كان علاقة سرية. أما البدل فهو أن يبدل رجلان زوجتيهما دون طلاق للاستمتاع والتغيير. والمضامدة وهى أن تتخذ المرأة زوجاً إضافياً أو اثنين لتأكل عند هذا وذاك فى زمن القحط، وكان غير مستحب، لكنه كان معمولاً به زمن ما قبل الإسلام. كذلك كان الرهط وهو أن يجتمع عشرة من الرجال وينكحون امرأة واحدة، وعندما تحبل ترسل إليهم جميعاً وتختار من بينهم من يكون والد الجنين، ولا يستطيع أحد منهم الامتناع عن الاعتراف به.

ويبدو أن هذا الولع كان سلوكاً يصعب السيطرة عليه. ويروى الأزرقى فى كتاب (أهل مكة) “أن [جرهماً] (قبيلة يمنية من حمير) لما طغت فى الحرم، دخل رجل منهم بامرأة منهم الكعبة فَفَجر بها، ويقال إنما قبّلها فيها، فمُسخا حَجَرين، اسم الرجل إساف بن بغاء، واسم المرأة نائلة بنت ذئب، فاُخرِجا من الكعبة، فنصب أحدهما على الصفا والآخر على المروة، وإنما نصبا هناك ليعتبر بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا، لما يرون من الحال التى صارا إليها. فلم يزل الأمر يُدرس ويتقادم حتى صار يمسحان، يتمسح بهما من يقف على الصفا والمروة، ثم صار يُعبدان. فلما كان عمرو بن لحى أمر الناس بعبادتهما والتمسح بهما، وقال للناس [إن] من كان قبلكم يعبدهما، [فكان] كذلك، حتى كان قُصَىّ بن كلاب فصارت اليه الحجابة وأمر مكة، فحولهما من الصفا والمروة، فجعل أحدهما بلصق الكعبة، وجعل الآخر فى موضع زمزم. ويقال جعلهما جميعاً فى موضع زمزم، فكان ينحر عندهما، فكان أهل الجاهلية يمرون بإساف ونائلة ويتمسحون بهما”.

وتتعدد الروايات التى تشير إلى الحُمس الذين كانوا يطوفون بالكعبة عراة، ونأخذ منها ما يشير كتاب (أهل مكة) أن اسناده صحيح حتى لا يختلط الأمر. يقول الأزرقى ” قال: حدثنا أبوالوليد قال: حدثنى جدى، قال: حدثنا عبدلله بن معاذ الصنعانى، عن معمر، عن الزهرى: أن العرب كانت تطوف بالبيت إلا الحمس ــــــــ قريش وأحلافها ـــــــــ والأحمسى المتشدد فى دينه فى بعض كلام العرب، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف فى ثوب أحمسى، وإن لم يجد من الحمس من يعيره ثوباً، فإنه يلقى ثيابه ويطوف عرياناً، وإن طاف فى ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه، يحرمها [فيجعلها عندها] (أى يخلعهاعنه)”. ويمكن الرجوع إلى الطبرى فى هذا الشأن.

كل هذه الكتب موجودة ولا يمكن تجاهلها سواء مخطوطة أو منشورة فى طبعات حديثة بالأسواق، وكلها موجودة فى عشرات المواقع الخاصة بتحميل الكتب على الإنترنت، فهل يملك أحد أن يلغى لسان العرب الذى يحوى ألفاظاً صريحة. وهى ليست كتب لإثارة الرغبات بقدر ما تؤرخ وتؤصل لنظرة علمية وتاريخية لا يمكن إنكارها للثقافة الجنسية والبحث العلمى التاريخى والتقنى.

مساحة حرة 9

من عصر النهضة إلى القرن العشرين

مفهوم العفة المحصور فى دائرة الجسد المقهور كشئ مستهدف افراغه من إنسانيته ومشاعره، لتحويله إلى صنم. بدا كحالة تبادلية معكوسة. فبعد أن كان الإنسان يتعبد للآلهة فى تماثيلها الصماء، رغم أنها تنبض بالحياة عبر روح الفنانين الذين أبدعوا فى الثنايا وتفاصيل الوجوه والجسد تجسيداً للآلهة القديمة ومنحوها روحاً كونية، بالإضافة إلى أن هذه الآلهة تشبههم، صار على الإنسان أن يتلقى روح الإله فى المطلق بلا صورة مجسدة تقربه له وأصبح هو الصنم المتلقى.

ويحلل الفيلسوف كيركجارد التباين بين المفهوم الإغريقى الذى يقوم على مبدأ جمالى، حسى يؤدى إلى نوع من الاتحاد الصوفى بينما يقوم المفهوم المسيحى على مبدأ أخلاقى. فلآلهة الإغريقية كانت تتخذ أشكال البشر، والإيروس هو رغبة من الإنسان أن يبلغ السمو الإلهى. بينما فى المسيحية على الإنسان أن يحب الله فى المطلق ويحب الآخرين كنفسه دون رغبات شهوانية، أى ينفى ذاته. و مفهوم المحبة هنا يعنى ( شفقة، مشاركة، فى المعاناة، رحمة) كمعيار أخلاقى.

اختفت ربات الجمال فى الحضارات القديمة وتم تحطيم الفكرة والتمثال. صارت المرأة هدفاً للكهنة وأصبحت شيطانة وعادت صورة الأفعى من التوراة لتحتل روح المرأة. رغم أن الأفعى فى الحضارات القديمة كانت رمزاً قضيباً. تفنن الكهنة فى الحط من شأنها بأوصاف لا آدمية هكذا يقول القديس بونافنتيرا (1221ـــــــــ 1273) “إذا رأيتم المرأة فلا تحسبوا أنكم تشاهدون موجوداً بشرياً، بل ولا موجوداً متوحشاً، لأن ما ترونه هو الشيطان نفسه، وإذا ما تكلمت فما تسمعونه هو فحيح الأفعى”. وكان هذا بدوره ينعكس على الرجل، صحيح أنهم لا يصورونه شيطاناً ولكنه فى النهاية سينام مع الشيطان. وعليه كفارات لأى فكرة جنسية من أى نوع.

عصر النهضة كان انقلاباً على كل المفاهيم التى سادت ألف عام تراجعت فيها أوروبا للخلف وفقدت العقل والضمير، وكان الثمن بحور من الدماء وحرق العلماء والمفكرين المخالفين. ثمن كان دامياً وصل إلى حد حروب حقيقية، منها على سبيل المثال حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت، التى دمرت مناطق بأكملها، وانخفض عدد السكان فى ألمانيا بمقدار 30%، وفى بعض المناطق مات ما يقدر بثلثى السكان.

بدأ عصر النهضة بالعودة إلى تراث الحضارة الإغريقية وتم استحضار أفروديت/فينوس عبر التصوير. وعاد مفهوم عفة العقل والمنطق الذى سجن لزمن طويل، وبدأ مفهوم تحرر الجسد من أغلال طالما كبلته. والمدرسة الأفلاطونية التى تم إغلاقها فى أثينا عام 529م عادت للظهور من خلال الأفلاطونية الجديدة.

لعبت الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، التى تطورت فى إيطاليا فى أواسط القرن الخامس عشر دوراً كبيراً فى تطور نظرية الحب. وأصبح مركزها أكاديمية أفلاطون التى أسسها الفيلسوف الإيطالى مارسيليو فيتشينو (1433ـــــــــ 1499). كان فيتشينو ابن الطبيب الخاص ل (كوزيمو ميديتشى) أهم وأغنى الأسر الإيطالية وأكثرها نفوذاً. وكان أفراد هذه الأسرة رعاة وحفظة للمؤلفات والأعمال الفنية. كلف ميديتشى الفيلسوف فيتشينو بترجمة مؤلفات أفلاطون من الإغريقية إلى اللاتينية. وفى عام1462 أهدى (كوزيمو ميديتشى) فيتشينو (فيلا كاريدجى) التى أصبحت مركز الدراسات الأفلاطونية الجديدة، وعرفت باسم أكاديمية أفلاطون وكانت تتكون من شخصيات من مختلف المهن ذات المستوى الرفيع.

الجديد أن فيتشينو طور نظرية الحب، من حيث هو قوة كونية شمولية تحقق وحدة الجسد والنفس، المادة والروح، الإنسان والطبيعة، فالحب يكسب الفوضى الشكل، وينظم العالم فى وحدة كلية. يبعث فيتشينو إيروس الأفلاطونى من موت استمر ألف سنة. يقول فى رسالته عن الإيروس، وعن فائدته ونفعه وعن خاصيات المعرفة الإيروسية. “ففى الحب تتجلى قوى الإنسان السامية، القادرة على تحويله إلى إله. وكثيراً ما يحدث أن يرغب المحب بالاندماج بالكائن الذى يحبه. وذلك لأنه يسعى ويحاول أن يتحول من إنسان إلى إله. ومن لا يرغب أن يستبدل الكينونة الإنسانية بالكينونة الإلهية؟.” ويضيف إلى رسالته عنصراً جمالياً مهماً، فهو يحدد الحب ـــــــــ الإيروس من حيث هو الرغبة فى التمتع بالجمال، ولهذا يعتقد أن أى حب هو عبارة عن البحث عن الجميل والرائع فى الجسد والروح. وبذلك يعود إلى البهجة الإغريقية بعد أن حولها كهنة الكنيسة إلى دنس.

التطور الجديد حدث فى الفن، فبعد اختفاء صورة إيروس من فن العصور الوسطى، واعتباراً من الفنان جوتو giotto يعود الإله المجنح إلى الظهور فى النحت والرسم. لتتحول الصورة القديمة لإله الحب المجنح فى عصر النهضة، إلى صورة بوتو الذى لا يرتبط دوماً بالمواضيع الإيروتية (تعنى كلمة بوتو putto، بالإيطالية الطفل أو الملاك). وأصبحت صورة بوتو واسعة الانتشار لدى العديد من فنانى النهضة. وفى خبث فنى يصورون ملاكاً صغيراً يلعب بين قدمى العذراء. وهل إيروس إلا ملاك يحمى لذة البشر ومتعتهم حتى لو كان فى صورة ملاك داخل كنيسة؟.

فى لوحة (سيدة سكستين) يقدم رافائيل نموذجا رائعاً لهذا التحول فى صورة إيروس، حيث صور ملاكين يظهران فى الجزء السفلى من اللوحة كعالمين عقليين، متلاعبين على الحدود الفاصلة بين الزمان والخلود. وفى عصر الباروك انتشرت ملائكة البوتو وأصبحت جزءاً من اللوحات وبأعداد لا تحصى. أوجدت العصور الوسطى نظرية ترتكز على اللاهوت المسيحى من حيث هو حب أخوى ومحبة عامة. غير أن الأدب والشعر فى العصور الوسطى المتأخرة يرجعان من جديد إلى الجانب الإيروتى (الشهوانى) من الحب ممهدين بذلك لانبعاث نظرية الحب الإغريقية، التى تميز عصر النهضة.

ولما كان تصوير الجنس والجسد أمراً محرماً فى العصور الوسطى، فكان لابد من اعادة تأسيس جديد للصورة الخاصة بموضوع الإيروس. وكما قال نيتشه:”لقد أجبرت المسيحية الإيروس على تجرع السم، ولنفرض أنه لم يمت نتيجة جرعة السم هذه، لكنه ولد مشوهاً”. كانت هناك مشاهد جنسية كثيرة حتى فى الصور المرفقة بالتوراة. ومن بينها مشاهد خلق الله لآدم وحواء، ومشاهد المطهر وصور الجنة. وحيث كان الفنان يعرض رجالاً ونساء عراة. ولكنها كانت مشاهد ساذجة وخالية من التأثير الجنسى. إن العرى فى الفن يثير مفعولا جنسياً، عندما يكون النموذج العارى المرسوم موضع ملاحظة واهتمام، ويعرف أن المشاهد سيلاحظ عريه. ويتأمله. وعلى هذا النحو صور فنانو عصر النهضة نماذجهم، فلوحاتهم كانت لا تقتصر على النموذج العارى، بل وتشمل المشاهد الموجودة داخل اللوحة.

فى النصف الثانى من القرن السادس عشر لم تعد الأفلاطونية الجديدة تلعب الدور الرائد. ورغم بقاء بعض الأفكار الأفلاطونية الجديدة بدأت تكتسب تفسيراً جديداً بالكامل، أخذت تسيطر فى مؤلفات الحب، سيكولوجيا الحب. كان من تقاليد العصور الوسطى أن ترمز إلى الحب السماوى بالمرأة الأنيقة، بينما ترمز بالمرأة العارية إلى الحب الأرضى، أو المبتذل، أو الآثم. المنظومة الجديدة التى جاء بها عصر النهضة، أعطى الدور الرئيسى لجسد المرأة العارى.

رسم الفنان تيتيان فى القرن السادس عشر مجموعة من اللوحات الحسية (المرأة العارية) وهى صور تقع على الحافة بين صورة المرأة والميثولوجيا، بين الرسم الإيروتى الجنسى والفن الرفيع. فهو ينشد الملذات الحسية، ولا يختفى العنصر الروحى من لوحاته، غير أنه يأتى فى المرتبة الثانية. مجموعة لوحات فينوس التى رسمها شكلت انقلاباً على المفاهيم السابقة وتبعها من بعده الكثير من الفنانين. كما صور فى لوحة “آمور الأعمى” فينوس وهى جالسة بين صورتين لإله الحب آمور، أحدهما أعمى تغطى العصابة عينيه، والثانى مبصر بدون عصابة. وهذان الإلهان (آمور وكيوبيد) يمثلان طبيعة الحب الثنائية: الملذات الحسية من ناحية، والتركيز الروحى من ناحية أخرى. فإيروس الأعمى هنا ليس لأنه فاقد القدرة على الرؤية الصحيحة للأشياء، بل لأنه لا يحتاج أصلاً لحاسة البصر. فهو يرى ببصيرته الخاصة الخارقة للطبيعة، وهو ما أكده الفلاسفة الأفلاطونيون الجدد. وهو ما يذكرنا بالمثل الشعبى لدينا “مراية الحب عميا”. فالحضارات ليست محصورة بجغرافيا محددة بل تتناقل عبر الزمن والبلاد.

شكل القرن الثامن فى أوروبا مرحلة التطور العاصف للعلوم الطبيعية، وبدأت الفلسفة الأفلاطونية الجديدة تفقد دورها مفسحة الطريق للفلسفة العقلانية التى صاغها رينيه ديكارت. اختلفت وتباينت آراء الفلاسفة على آراء متنوعة لكنها خرجت من شرنقة التفكير اللاهوتى واقتربت من الحس الإنسانى الطبيعى. وعبر الفيلسوف الإنجليزى توماس هوبز (1588ــــــــ1679) عن ثلاث أنواع من الحب: الحب ــــــــ ـالشهوانى، والحب ــــــــ الإيروس، وحب الخير، وفضل من بينها الحب ـــــــ الإيروس، من حيث هو عاطفة تعبر عن الحاجة إلى إنسان آخر.

الرواية الغرامية التى ظهرت فى المرحلة الإغريقية المتأخرة كان لها أثر كبير فى نشوء الرواية الأوربية فى القرن الثامن عشر. وظهرت فى الأدب شخصية دون جوان، مغرى النساء، الرجل الذى تحدى الأخلاق الاجتماعية. وقد انعكست هذه الشخصية لاحقاً على إبداع بايرن وبوشكين والكساندر ديماس وغيرهم. لكن شخصيات حقيقية عاشت فى الواقع مثل شخصية جاكومو كازانوفا (1725ـــــــ 1798). وكان رجلاً متعدد المعارف والاهتمامات فقد كان شاعراً وكاتباً واهتم بالطب والرياضيات والكيمياء والسيمياء، وذاعت شهرته باعتباره غازى قلوب النساء. وقد ساعد على اكتسابه هذه الشهرة مذكراته “تاريخ حياتى” التى احتوت، إضافة إلى وصف مغامرات البطل العديدة ــــــــ كالهرب من السجن، والروايات الغرامية، والمغامرات المالية، والرحلات والمبارزات التى لا تحصى، آراء وتأملات عميقة وجدية حول طبيعة الحب.

شخصية دو ساد الذى صيغ مصطلح (السادية) من اسمه، واكتسبت روايته “جوستينا” (1797) شهرة واسعة فى حياته، وفى عام (1775). صدر مؤلفه (فلسفة فى المخدع). اختلفت الآراء حوله فقد نشرت أعماله الأخرى فى القرن العشرين لأنه أمضى حوالى 30 عاماً فى السجون، حتى أن البعض يصنفه على أنه شخصية مازوخية على عكس المصطلح الذى صيغ من اسمه. وأشار فرويد إلى أن جميع الساديين والمازوخييين قد نشأوا من مخيلة دو ساد الغرامية الإيروتية.

أصبحت نظرية الانفعالات فى القرنين السابع عشر والثامن عشر أساساً شمولياً لنظرية الفن. وهذا ما يظهر بصورة ساطعة، فى مثال فن الباروك، الذى يقوم على تصوير الإنسان فى حالات الانفعالات المختلفة: الحب، الكراهية، المسرة، والنشوة الدينية. وقد أولى فنانو الباروك اهتماماً خاصاً لنمط جديد من الأحاسيس، قائم على التناقض بين الجسد والروح، كان فن الباروك يعبر عن عاطفة الرغبة الجنسية erotizm . فمجموعة التماثيل الشهيرة “نشوة القديسة تيريزا” (1642 ـــــــــ 1648) للفنان الإيطالى جوفانى لورنتسو بيرنينى، التى تمثل النشوة الدينية كانت فى الوقت نفسه، كتعبير عن ذروة النشوة الجنسية. وكما يشير الباحثون، تتشابك الصوفية والرغبة الجنسية بشكل وثيق فى فن الباروك، وامتدت لفنانين آخرين.

هنا أتوقف قليلاً لتأمل شغلنى لوقت طويل. فمنذ طفولتى كنت أسمع التفسير اللاهوتى فى الكنيسة لسفر نشيد الإنشاد على أنه نوع من الغزل فى الكنيسة. لم أقتنع أبداً بهذا التفسير فهو سفر من العهد القديم لم تكن الكنيسة قد وجدت بعد، ثم أنه غزل صريح يناشد فيه المحبوب جسد حبيبته بشكل سافر، فهو يتغزل فى ثدييها وفخذيها … وخلال البحث التاريخى المحايد وجدت تفسيرات مختلفة. فهناك من يقول إنها قصائد أنشدت فى أحد أعراس سليمان، وهناك من يقول أنها كانت تغنى فى الأفراح القديمة لليهود. لكن رجال اللاهوت لم يفسروها بأكثر من أنها غزل وفقط. واللافت للنظر أن كل الفلسفات الصوفية عبر العالم تزاوج بين النشوة الجنسية والنشوة الروحية.

ورث أدب وفلسفة القرن التاسع عشر النظرة إلى الحب على أنه انفعال اجتماعى جبار. ويعد ستندال نموذجاً. فالحب بالنسبة لأبطال رواياته هو نداء حقيقى يكرسون له حياتهم كلها، وأحياناً يضحون بأنفسهم باسم الحب. فالحب عند ستندال هو نداء حقيقى ومبدأ ديمقراطى يساوى فى الحقوق بين جميع الطبقات والفئات، وبين الرجال والنساء. وامتدت مفاهيم العاطفة ونظرية الانفعالات لدى فلاسفة أوربا على اختلاف جنسياتهم، وتوالت تأثيراتها فى الموسيقى وفن التصوير. وأصبحت نظرية الانفعالات منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر تشكل محور الإبداع الإساسى.

كما شكل الشعر الرومانسى بمفهوم العشق الدائم، والركوع الصوفى أمام المبدأ الأنثوى مفهوم الشعر الرومانسى. يتضح هذا فى الشعر الإنجليزى الذى أوجد قدسية الحب المثالى وبخاصة فى أشعار شيللى وبايرن اللذان ترجما إلى لغة الشعر، أفكار الإيروس الأفلاطونى. كما كان له تأثيره على الفلسفة والشعر الألمانى. ويحلل الناقد الفرنسى دينيس دى روجمون فى دراساته للحب “إن العقل الأوربى يرجع من جديد فى الرومانسية الألمانية، إلى المحاولات الجريئة التى قام بها الصوفيون الأوائل: إنه يأخذ بالفكرة المهرطقة القديمة القائلة بأن الشهوة والفكر، عن طريق الرغبة الاستثنائية، قادران على تجاوز جميع القيود والحواجز، حتى أنهما قادران على نفى العالم كله”.

مثل مفهوم الحب عن نيتشه الذى قصره على الغريزة، وعلى نداء الجسد تجل مغاير لفلاسفة عصره، فهو من مظاهر كمال الحياة وثراء الفرد السليم المعافى، وبعبارة أخرى هو تعبير عن إرادة العظمة، التى تبرز عنده من حيث هى إيروس إبداعى وكتعبير عن حب الجمال. فهو يقول:”إننى أحد أتباع ديونيسوس، وإننى أفضل أن أكون رجلاً شهوانياً جداً على أن أكون قديساً.

تتميز مدارس الفن والفكر والفلسفة الأوربية بالتجدد والتمرد على نفسها وما قبلها. فهى فى حالة من الجدل والصراع المواكب لتطورات النظريات العلمية والسياسات المتغيرة والانقلابات الاجتماعية. بدأت الواقعية تظهر بمنظومة جديدة من القيم، وإلى مواضيع وشخصيات جديدة كانت تعتبر لفترة طويلة غير لائقة وغير جمالية. فتح الفنانان الفرنسيان إدجار ديغا (1834 ــــــــــ 1917 ) وأنرى دو تولوز ـــــــــ لوتريك (1864 ـــــــــــ 1901) للجمهور عالماً من القاعات الراقصة والمطاعم، والمبالغات الساخرة وبيوت الدعارة. وصورا ما يرياه دون قصد أو توجه نحو إضفاء الصبغة المثالية. وأبدعا صور النساء العاهرات والراقصات، وهى لوحات مفعمة بالتعاطف وعلى درجة من اللياقة والأناقة.

وفى انجلترا فى العصر الفيكتورى الذى عرف بعصر التزمت. كان لدى أوسكار وايلد (1854 ــــــــ 1900ـ) ـــــــ الذى كان بالإضافة لكتاباته المسرحية والروائية ناقداً فنياًـــــــ من الجرأة أن يقول: “الجمال فوق الأخلاق، فهو يتعلق بمجال روحى أكبر، ففى المجال الروحى يمثل الجمال بالمقارنة مع الأخلاق، ما يمثله فى مجال العالم المادى، الانتقاء الجنسى بالمقارنة مع الانتقاء الطبيعى. فالأخلاق مثل الانتقاء الطبيعى، تجعل من الوجود نفسه ممكناً. أما الجمال فهو مثل الانتقاء الجنسى، يجعل من الحياة جميلة ورائعة، ويكسبها أشكالاً جديدة، ويكسب تطورها تنوعاً وتبدلاً”.

طبعت روايتة (صورة دوريان جراى) وهاجمه النقاد هجوماً عنيفاً باعتبارها رواية منافية للأخلاق، لكنها اليوم تعتبر من أهم الأعمال فى الأدب الإنجليزى. ثم صودرت روايته (سالومى) فيما بعد. ظلت المصادرة تطارد الأعمال الأدبية حتى بعد انتهاء العصر الفيكتورى، ففى عام 1928 طبعت رواية (عشيق الليدى تشاترلى) فى فلورنسا للكاتب الإنجليزى د. ه. لورنس ولم يصرح بنشرها فى إنجلترا إلا عام 1960، الرواية كانت تتناول علاقة جسدية بين امرأة أرستقراطية ورجل من الطبقة العاملة بينما أصبحت عام 1960 موضوعا عاديا.

طرح الأدب الروسى مشكلة الحب الإيروسى والحب الأخوى على النمط المسيحى، وكان الشاعر بوشكين الأكثر جرأة فى تناول الشعر الإيروتيك، تحفظ تولستوى متبنياً المفهوم المسيحى بينما كان دوستويفسكى أكثر من أدار الصراع بينهما. ففى رواية الاخوة كارامازوف يدور الصراع ما بين طرفين. فيدور كارامازوف حب شهوانى، جسدى قسرى. والطرف الآخر العجوز زوسيما، حب روحى، ملائكى ينفى الجسد، ولكن بلا بطولة أو تعبير جسدى.

مع القرن العشرين انهارت كثير من الأفكار التقليدية أمام التقدم العلمى، وانسحبت الفلسفات السابقة من المثالية والرومانسية التى سادت القرن التاسع عشر، وأصبح موضوع الحب هو الجنس بشكل مباشر دون لف أو دوران حول المعنى. ساهم علم النفس بدور كبير فى كشف خفايا النفس التى ظل الهرب منها زمناً طويلاً يناوش الفكر والفن والأدب.

كانت نظريات سيجموند فرويد صادمة للفكر البطريركى السائد. كشف فرويد (1856 ــــــــ 1939) مفهوماً جديداً يتمثل فى أن الجنس أساس النشاط الإنسانى الواعى واللاواعى، وجميع أنواع الحب، بما فيها الحب الرومانسى تعد مجرد مظهر للنزعة الجنسية الغريزية، فالحب يبرز كصيغة ناتجة عن النزعة الجنسية منذ الطفولة. ولكن بتأثير المحظورات والخجل والأخلاق، تتعرض للقمع وتنتقل إلى ما تحت الشعور، وعملية تحول الطاقة الجنسية (اللبيدو) هذه، إلى أشكال أخرى من الخبرة الإنسانية، يطلق عليها فرويد مصطلح التصعيد أو الإعلاء.

ورغم نقض نظرية فرويد من قبل علماء نفس آخرين إلا أن (نظرية اللاشعور) ظلت الأساس فى فهم الشخصية الإنسانية ومازالت تشكل فى علم النفس الحديث مرتكزاً. ولم يعد بالامكان وقف فهم التدفق الذى لا ينتهى لعالم اللاشعور بشبكته المعقدة والكامنة تحت السطح. والجدير بالذكر أن فرويد اعترف بأن الأدباء وبخاصة الكتاب الروائيون هم أستاذته، فقد كشفوا له النوازع الإنسانية فى صراعها الداخلى المكبوت تحت دواعى الأخلاق. ومن شخصية (إيفان) فى رواية (الإخوة كارامازوف) لدوستويفسكى التقط جملة “من منا لا يريد أن يقتل أباه”. وكانت أحد الخيوط التى استجمع منها نظرية (عقدة أوديب)، هذا بالإضافة إلى اسطورة أوديب الإغريقية، وملاحظاته على المرضى الذين يعالجهم.

ربط فلاسفة وعلماء نفس وكتاب بين الجنس والعنف، وبين الجنس والسادية والمازوخية بتحليلات علمية مختلفة. وأدركت الفاشية والنازية أهمية الموضوع فحصرت دور المرأة فى إطعام الأطفال. يقول وزير دعاية النازية جوبلز (إن رسالة المرأة هى تقديم الأطفال للعالم، وهذا الوضع ليس فظاً ولا جلفاً، كما قد يبدو. ففى عالم الطيور، الأنثى تحتمى بالذكر وتضع له البيض، وفى المقابل، يجلب الذكر الطعام ويحمى العش من الأعداء”. وطبقاً لمتطلبات تنشأة الجيل الآرى لحاجات الدولة، أنشئت فى المانيا النازية “بيوت المسرة” حيث على الفتيات الشابات استقبال الجنود ومجامعتهم، وتوليد النسل منهم. وهذا كله لم يكن ليختلف عملياً، عن بيوت الدعارة الموضوعة فى خدمة الدولة.

يعد ويلهلم رايش وهو طبيب نفسى من المدرسة التى تلت سيجموند فرويد ومن أوائل المبشرين بالثورة الجنسية، ومؤسس ما يعرف باسم الماركسية الفرويدية. وقد نشر كتابيه “الرعشة الجنسية” و “السيكولوجيا الجماهيرية للنازية”. ومع وصول الحزب النازى إلى السلطة فى ألمانيا هاجر إلى الدانمرك، ثم إلى النرويج، واستقر أخيراً فى الولايات المتحدة. سعى رايش إلى استخلاص نتائج اجتماعية من نظرية فرويد. فإذا ما كانت غريزة الموت عند فرويد تؤدى إلى تدمير الذات، فإن كبت الطاقة الجنسية ينقلب عند رايش إلى سادية وقمع وعنف. ويقول رايش: “إن الليبدو يتحول إلى سادية، كما أن فقدان الهدف الذى يسعى إليه الحب الحقيقى، يؤدى إلى الكراهية، وعلى هذا النحو يظهر العدوان ذو الأهداف الجنسية، كالقتل الجنسى على سبيل المثال”.

هربرت ماركوزه، الذى كانت كتاباته ذات تأثير كبير على الحركة الطلابية فى الولايات المتحدة، وامتد تأثيره إلى أوروبا وفرنسا، وكانت أفكاره مؤثرة فى نقاش الطلبة خلال أحداث انتفاضة 1968. يرى ماركوزه نظرية فرويد تشاؤمية. فالجنس والحب عند فرويد يؤديان وظائف تدميرية ذاتية. وعلى النقيض من نتائج فرويد، أكد ماركوزه إمكانية وجود الثقافة المتحررة من الكبت، وأن الإيروس تحديداً، هو الوسيلة لتحقق الشخصية وتأكيدها فى ظروف المدنية القمعية المعاصرة. ويرى ماركوزه أن الإيروس وحده يمكن أن يكون الوسيلة الأكثر فعالية للتغلب على جميع العواقب السلبية للمدنية المعاصرة، ولكن من أجل هذا لابد من أن يحدث تحول النزعة الجنسية “النزعة الإيروتية الكلية” التى سوف تغير، ليس إحساس الإنسان فحسب بل وعقله وإرادته.

ومن نفس المدرسة الاجتماعية للتحليل النفسى ظهر نورمان براون مؤلف كتاب (جسد الحب). طور براون من الناحية النظرية، شعار “الثقافة الشبابية المضادة” بمطالبها الداعية إلى “الثورة الجنسية”. وقد أكمل شعار السياسة كمسرح ب(مسرحة الجنس). وكان (تاليران) السياسى الفرنسى من القرن التاسع عشر قد قال: إن الجنس هو مسرح الفقراء. كانت شعارات براون تعد شعارات الشباب فى أثناء انتفاضة 1968 التى رفضت حرب فيتنام بينما كانت المقاومة الفيتنامية تتصاعد. كما كانت الثورة الثقافية فى الصين ذات تأثير، وكانت شخصية ماو تسى تونج ذات ثقل وخاصة فى فرنسا، ولم يكن مضى وقت على اغتيال تشى جيفارا.

ومن المفارقات أن انتفاضة 68 بدأت حين طلب طالب من وزير الشباب الذى كان يزور جامعة تانتير فى زيارة رسمية قداحة كانت فى يد الوزير لاشعال لفافة تبغ، ولم يكن التمرد وارداً فى ذهن الطالب الذى تصرف بشكل عفوى. مما أربك الوزير والوفد المصاحب له فحاولوا ابعاد الطالب، مما أدى لتطور النقاش أكثر. حيث سأل الطالب الوزير عن مشاكل الشباب الجنسية، فرد عليه الوزير بأن يقذف نفسه فى الماء البارد، وأن مشاكل الشباب الجنسية لا تعنى وزير الشباب فى شئ. ليتحول هذا الحادث إلى أوسع حراك تشهده فرنسا وأوربا والولايات المتحدة، وأكبر إضراب عمالى شهدته فرنسا فى تاريخها.

كانت مطالبهم احتجاجاً على أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية لم ينتبه لها أحد وظلت كامنة دون أن يدركها أحد. طالبوا بدمج الفن بالحياة اليومية واتحدت الشعارات التى كتبوها على الجدران والتى حملت كثيراً روح السريالية. وفى الوقت الذى وقفت فيه بيروقراطية الأحزاب والثورة المؤجلة إلى جانب بشاعة الحياة اليومية كان الطلاب والعمال ينادون ب(الجمال فى الشارع) أحد الشعارات التى أرادوها واقعاً ينهى الاستلاب. ومن الملفت للنظر الانفجار الثقافى الذى واكب انتفاضة 68، فقد القى المتظاهرون بنسخ من كتاب ويلهلم رايش “علم النفس الجماهيرى للفاشية” على الشرطة.

شارك ميشال فوكو الذى يعد من أهم الفلاسفة فى النصف الثانى للقرن العشرين فى انتفاضة 68 وحلل مفهومه للجنس من الناحية الفلسفية ومن زاوية علاقة الجنس بالسلطة. “يرى فوكو أن الجنس كان دوماً أداة فى يد السلطة، التى كانت تراقب بواسطتها الحياة الشخصية، والمجتمع كله فى نهاية الأمر. ويقول فوكو: إن فكرة الجنس تسمح بالكشف عما تفعله السلطة بسلطتها. ومن المستحيل تماماً، فهم السلطة على أنها مجرد قانون وتابو. إن الجنس هو تلك القوة التى تظهر من أجل إخضاعنا، ويكمن سرها فى أن هذه القوة تكمن فى أساس جميع تصرفاتنا وسلوكياتنا. إن من الخطأ الاعتقاد بأن الجنس هو قوة مستقلة ذاتياً، لا تنتج سوى أثراً ثانوياً وخارجياً حيث يلتقى الجنس مع السلطة. فالعكس هو الصحيح، لأن الجنس هو العنصر الأكثر استغلالاً والأكثر مثالية وعمقاً فى نشر النزعة الجنسية، والذى ينظم بصورة مسيطرة على الجسد ونضجه، وقوته وطاقته وشعوره ورضاه”.

أدرك الغرب بعد حربين عالميتين أن الحريات لا تتجزأ وأن عليه أن يعيد النظر فى رؤيته لنفسه، وكان عام 68 فاصلاً فى تحديد أمور كثيرة وكانت صدمة انتفاضة الشباب لابد منها لترتيب معنى الحريات الجمعية والفردية. تحولت القوانين الوضعية لصالح الحريات الفردية فى الجنس والرأى والحقوق المدنية. وأعاد المجتمع الاعتبار للحرية الفردية بقوانين تناسب الواقع المعاصر. أعاد المجتمع لإيروس اعتباره وجعل الإنسان يصلى لجسده ليُلقى بفكرة الدنس التى أهانت كرامته أزمنة طويلة.

يوسف فاخورى

المراجع الأساسية

ميشال فوكو- هم الحقيقة- مختارات- منشورات الاختلاف
ول ديورنت- قصة الحضارة- المجلد الخامس 9/10 مكتبة الأسرة
باسكال كينيار- الجنس والفزع- ترجمة روز مخلوف- دار ورد للطباعة سورية
رايموت رايش- النشاط الجنسى وصراع الطبقات- ترجمة محمد عيتانى
ميشيل أونفرى- نفى اللاهوت- ترجمة مبارك العروسى – منشورات الجمل
بول فريشاور- الجنس فى العالم القديم- ترجمة فائق الدحدوح- دار نينوى
فياتشيسلاف شستاكونى- الإيروس والثقافة- ترجمة د. نزار عيون السود- دار المدى
الكاماسوترا فن الحب عند الهنود- ترجمة رحاب عكاوى – الانتشار العربى
تاريخ الجنسانية 111 الإنشغال بالذات- ترجمة محمد هشام- افريقيا الشرق
إرنست ماسون- الامبراطور الرهيب- تعريب جمال السيد- الهيئة العامة للكتاب
الإمام أبى الوليد عبدالله بن أحمد الأزرقى- أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار- دراسة وتحقيق ا. د عبد الملك بن عبدلله بن دهيش- يطلب من مكتبة الأسدى
الساسى محمد الضيفاوى- ميثولوجيا آلهة العرب قبل الإسلام- المركز الثقافى العربى
13- تطور المتع البشرية- ترجمة محمد حمود – المنظمة العربية للترجمة
14- قصة الجنس عبر التاريخ- الجزء الأول- ترجمة إيهاب عبد الحميد- دار ميريت
البرتو بيفيلاكوا- إيروس- ترجمة شارل شهوان- الانتشار العربى


 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...