أماني أبو رحمة - الادب الايروتيكي النسوي في سياقه الغربي (1)

ارتبطت الكتابة الايروتيكية النسائية في الغرب بالنسوية (Feminism) التي تبلورت في ستينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من ان تعريف النسوية بوصفها نظرية بدلا من حقيقة كونها حركة تاريخية فاعلة منذ قرون بعيدة يعد اختزالا، إلا إنني سأتناول الجانب النظري من هذه الحركة وارتباطه بالكتابة الايروتيكية النسائية. وفي هذا السياق يمكن تصنيف النظرية النسوية الى ثلاث مجموعات عامة:
1. النظريات التي تركز على رؤية جوهرانية تضم التحليل النفسي والنسوية الفرنسية.
2. النظريات التي تهدف الى تحديد او تأسيس تشريعات او نظريات أدبية نسوية بغرض إعادة تفسير او مراجعة الأدب والثقافة والتاريخ من وجهة نظر اقل بطريركية وتضم هذه المجموعة النسوية الليبرالية و النقد النسوي.
3. النظريات التي تركز على الاختلاف الجنسي والسياسات الجنسية وتضم الدراسات الجندرية والنسوية الثقافية والنسوية الراديكالية والنسوية الاشتراكية /المادية.
ساهمت النسوية في تفعيل النقاش الجاد حول ما الذي يعني أن يكون الكائن البشري امرأة ، والبحث في البنى الثقافية والاجتماعية التي حددت السمات الأنثوية وكان من أوائل المشاريع المدرجة في النظرية النسوية إحياء أدب المرأة الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي في حينه.
كان الجدال بشأن حق المرأة في تقرير مصيرها الجنسي او الايروتيكي في قلب النظرية النسوية. وتركزت المناقشات حول نقطتين متناقضتين: فمن ناحية عرفت الجنسية البطريركية بوصفها المساحة الأهم لتأكيد دونية المرأة وشيئيتها، ومن ناحية أخرى فإن ممارسة المتعة الايروتيكية وتأكيد حق الإنسان في تقرير مصيره الجنسي أصبح عنصرا أساسيا للموضوعية والقوة وبالتالي دعامة أساسي في النضال من اجل تحرير المرأة.
رأت النسوية في الإيروتيكية مصدرا لقوة المرأة وليس لدونيتها، وثُمنت الإيروتيكية من حيث كونها مشاركة جسدية، واعتبرتها سلطة فاعلة لتقويض الهيمنة بكافة أشكالها. واعتقدت ان تبخيس الإيروتيكية ومحاربتها يعود الى طاقة التغير الذي تمنحه للمرأة. وبهذا المعنى أضحت الإيروتيكية ذات بعد سياسي حين امتلكت قوة كامنة ليس فقط من أجل تحقيق الخصوصية الفردية والمتعة وإنما كونها تمنح القوة الاجتماعية بغية إحداث تحويل في مجتمع "عنصري، بطريركي، ومعاد للايروتيكية". شهدت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي طوفان كتابات أطلق عليها "الإيروتيكية النسوية"- لتميزها عن الكتابة الإيروتيكية التي يكتبها الذكور، التي كانت موجودة دائما في الآداب العالمية، بينما جاءت الإيروتيكية النسائية نتاج وعى جديد بدأ مع الحداثة ومر بعدة مراحل وارتبط بما يعرف الآن بكتابة الجسد- ودشنت بالتالي ظاهرة عرفت لاحقا باسم الثورة الجنسية من منظور نسوي /نسائي. لقد لعبت الكتابات الإيروتيكية النسائية دورا ثلاثي الأبعاد، فمن ناحية استولت الكتابات النسائية على الخطاب الرسمي الذكوري الذي احتكره الذكر لفترة طويلة، وبمعنى آخر أصبحت المرأة فاعلة وليست شيئا في الخطاب الايروتيكي، ومن ناحية أخرى امتلكت المرأة جزءا من السيطرة والسلطة التي كانت متضمنة في خطاب ذكوري التوجه، وعلى هذا الأساس استعادت ممارسة النساء للسلطة ضمن المجتمع البطريركي شرعيتها مرة أخرى.
وعلى الرغم من ذلك نظرت ناشطات نسويات الى الإيروتيكية نظرة عدائية بوصفها تتوسط نوعين أدبيين مهينين للمرأة: الرومانسية والأدب الإباحي، اللذين يميلان الى تصوير النشاط الجنسي للمرأة بوصفه سلبيا وخاضعا.
ان الخط الذي يفصل الرومانسية عن الإيروتيكية، والإيروتيكية عن الأدب الإباحي خط رفيع قد يصعب الحفاظ عليه. فضلا عن أن وضع تعريف مطلق لأي من هذه المصطلحات قد لا يكون أمرا سهلا، لأن الحدود والتخوم بين هذه المناطق الثلاث غالبا ما تتداخل.
ان تصنيفنا لأي فن أو أدب بوصفه ايروتيكي او اباحي يعتمد على عوامل عديدة، ويتضمن التوجهات الثقافية السائدة. ففي مقالتها الشهيرة بعنوان (اختلاف واضح حاضر) وضعت غلوريا شتاينيم ما عدّه الكثيرون فروقا جوهرية بين الأدب الإباحي والايروتيكي. إذ عادة ما يكون الأدب الإباحي نمطا خاصا من السرد او إنتاج الصور التي تشيّء وتسلّع جسد المرأة. إنه طريقة خاصة لأسلبة الجنس. كما يلعب الاحتفاء بجسد المرأة دورا في تميز الأدب الإباحي عن الكتابات والصور المرئية التي تعرض الجنس صراحة. ان حالة النص الإباحية لا تعتمد على النشاطات الجنسية التي يتم تناولها بقدر اعتمادها على طريقة تناول ووصف وقراءة هذه النشاطات ، إذ كلما ازدادت صراحة وبذاءة وبلادة اللغة الموظفة كلما مال النص الى الإباحية وابتعد عن الإيروتيكية. وكلما كان وصف الفعل الجنسي بلغة رومانسية ، تلطيفية وشعرية كان اقرب الى الإيروتيكية . وقد لاحظت الكاتبة في مقالتها ان كلمة الأدب الإباحي pornography وكلمة البغاء prostitution تشتركان في الجذر الاشتقاقي نفسه وبالتالي فان هذا المفهوم يعزز ثيمة المرأة بوصفها شيئا مستغلا قابلا للتصرف خاضعا للعبودية فيما تعني الإيروتيكية اللذة المشتركة .
ينطلق الأدب الإباحي من منطلق ان الجنس إثم ، و قذارة و مرض ، وممارسة سرية ومعيبة ويهدف الى الإثارة ويشق طريقة مترنحا وسط الريبة القديمة التي تحيط بالنشاط الجنسي، لذا فان الإشباع الذي يمنحه عادة ما يكون مشبوبا بالشعور بالخطيئة وتحطيم القواعد. وفي حين تحتفي الإيروتيكية بالمتعة الحسية والمشاركة والمساواة فان الإباحية على النقيض منها تصور علاقة الهيمنة الذكورية والخضوع الأنثوي حين تكون الأنثى ضحية عاجزة والرجل مضطهدا معذبا مستمتعا بمشاهدة عريها وخضوعها. تصون الكتابة الإيروتيكية الحياة الداخلية والفردانية للرجال والنساء فيما يميل الأدب الإباحي الى طمسها. وتطوق الإيروتيكية الرغبة من بداياتها حتى إشباعها.إنها تتّبع انفصال الفرد المضطرب البطيء عن حياته الاجتماعية عبر انحلال الفوارق الدقيقة الاجتماعية والنفسية التي تشكل الفردانية. فيما تختزل الكتابات الإباحية الهوية في الآثار المترتبة على الرغبة ، إذ أنها تطبّع الجنس اجتماعيا بالطريقة التي تطبّع بها الأنظمة الاستبدادية المجتمع في طقوس رتيبة، تتكشف على طول خطوط قاسية. وظفت الناشطات النسويات الغربيات الكتابة الإيروتيكية في صراعهن من اجل نيل حقوقهن ونقد المجتمع. لقد كان الإطار المرجعي الثقافي سياسيا إذ أصبحت ثيمة الجنس المسيّس سائدة منذ ستينيات القرن الماضي، ومن ثم فان الأدب الايروتيكي النسائي لم ينحصر في كلمات او توصيف جنسي ضمن عمل إبداعي، بل انه الأدب المجترح مباشرة من أجل الجنس بوصفه المحور والأساس، والذي يسعى إلى تحقيق غايات مرتبطة بالحق في امتلاك المرأة لجسدها وحقها في الحصول على متعة حسية تشاركية.



يتبع الكتابة الايروتيكية عند كاتبات عربيات ..

.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...