أحمد علي صدقي

الميلاد
Jan 1, 1952 (العمر: 74)
نموذج من كتاباتك
?هل فعلا تقدم الإنسان
سؤال محرج ومجحف.
قال الله تبارك وتعالى: ‫﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً. سورة المعارج. ‬
هذا الانسان الذي اراده الله أن يكون خليفته في الارض قد عجز عن القيام بهذا الدور. واستسلم لشهواته ورغباته وراغ عن دوره.. قالوا عنه إنه قد تحضر وإن العالم اصبح قرية صغيرة فإذا كان الأمر كذلك والكل متحضر ويعيش في عالم أصبح مجرد قرية فبماذا يفسر ما يقع بين الناس من تجاوزات وتغافل وتجاهل ومساوف طويلة وبعد مادي ونفسي بالأهل وغيرهم؟ كذب وخاب وخسر من اعتقد أننا تقدمنا انسانيا.. الانسان مازال هو ذلك الانسان القديم المنغلق المنكمش على نفسه والذي ما راغ عن جهله رغم تعلمه. فهو لا زال يحتفظ بداخله على حيوانيته و همجيته و سوء معاملاته. ما تطور فيه سوى المكر باختراعه أدوات من مختلف الانواع. والافتراس باختراعه أسلحة فتاك من مختلف الطرازات. والاستعباد للآخر باستعمال مختلف السلطات المتسلطة. كان هذا الانسان في القديم، عندما يجوع يصطاد ما يسد به رمق جوعه وانتهى الامر. لكن اليوم وقد "تحضر" و"تقدم"، وأضعها بين مزدوجتين،اصبحت رغبته ليست في سد رمق جوعه بل اصبح اصطياد اخيه الانسان هو هوايته المفضلة في كل وقت وحين. اصبح إن انفق على الضعيف نفقة يتربص به الدوائر بما انفقه عليه ليفترسه. اعتداءات، و خرقات، ونهب، ونصب من الجميع للجميع..
فأين هو إذن التقدم وأين هو التحضر اذا اصبحنا نخاف الاعتداءات بالنهار قبل الليل؟ أين هي الانسانية إذا أصبح باب ارهاب الطرقات مفتوح على مصراعيه؟ أين هي المحبة و العطف اذا أمست سرقة اموال وممتلكات من يطلب الاغاتة في الحوادث معتادة؟
أمن التحضر أن يصبح من تولى مسؤولية أمور الناس يفرض عليهم ان يطيعوه حتى في خرقه للقانون وان لا يتفوق أحد عليه ولا على احد من عائلته. أمن التحضر أن يخون من انتخبه الناس ليمثلهم عند السلطة ويمسي عليهم هو السلطة و يصبح من واجبهم ان يتظاهروا، حتى المثقفون منهم، أمامه بالجهل لكي ينالوا رضاه؟. أمن التحضر ان تعرض على الناس في الصحف والاذاعات مهزلات من فسوق ومجون وتفرض عليهم فرضا والكل يشتكي سخافاتها ولا من يسمع. أمن التحضر ان تحاك وتنسج مؤامرات في الكواليس وتفرض على الناس لكي يؤيدوها ويبتلعونها ويتجرعون مرارتها بصمت. أمن التحضر أن يجد الغني مكانه في كل حفل وفي كل زحمة وتقضى حوائجه ويطرد المحتاج وتنهك حقوقه؟ أمن التحضر ان تحقن الناس بفيروسات السفاهة ولا ردة فعل.
مسرحيات هزلية عديدة تلعب على خشبة حياتنا جميعا وكلنا نصفق لمن يثقن لعبة الدور فيها. لا زالت امراض التأخر الانساني والاخلاقي تنخر جسد العالم والناس بمشاهدتها تتمتع. سيل جارف من التساؤلات يكشف الاسرار عن كذبة التقدم ويعري ويرفع الستار عن كذبة التحضر ويظهر اللعب والتلاعب الممنهج لتدجين البشر.. بعد كل هذا فلا داعي للقول أننا تقدمنا وأننا ابتعدنا عن الانسان القديم بمسافة 22 قرنا! رغم وصولك ايها الانسان للقمر فأنت لا زلت ممرغ في وحل الجهل بفقدان مبادئ الانسانية وفقدان اعطاء كل ذي حق حقه.. الحضارة هي الانسانية وهي الشفقة على الضعيف وهي الاخذ بيد المنكسر والتعاطف معه. الى اليوم لسنا سوى اناس لم تستعمل عقلها كما يجب وكلنا نقلد غيرنا لنصل ما وصل اليه من شهوات و بكل الوسائل.. نحن اناس تضع العصا في عجلة التقدم. نحن أناس نبدد الطاقات ونعرقل سير الكفاءات وننهب الخيرات ونساهم في كل هذا ونساعد عليه وندعي التحضر و التقدم.
احمد علي صدقي من المغرب
البلد
المغرب
أعلى