ادريس الزياتي

الميلاد
Feb 13, 1972 (العمر: 54)
نموذج من كتاباتك
الأحلام الهاربة من جحيم الوطن.

نبتت على تربته منذ نعومة أظفارها، مذ كانت جديلتها ظفيرة سوداء ، تتلاعب بها الخالات في حبور ، تلعب الصبيات حولها ، يتغامزن من شعرها الكث، ترمقنها من طرف خفي ، لعل في مظهرها شيء يدعو لتلك النظرات ، نحيفة في قفطانها الموشى ككوز درة ، بيضاء مشربة بحمرة ، عيناها الواسعتين توحي بألق ، حياء يضفي على وجهها بهاء ليس له نظير .

لا تعرف من الدنيا إلا هذا الفضاء العائلي، الذي تسوده الألفة، لا مكان للألاعيب، طابعها تلك الثقة المشتركة، فلا غل ولا حقد ، ولا ضغينة ولا مشاحنات إلا من بعض مشاغبات الأطفال .

تتابع دراستها في الحي كباقي أترابها في توازن وانضباط ، ابتساتها الصغيرة ، تجعل منها وردة تتأهب لندى الصباح ، فلا غرابة في البدايات ولا شيء يدعو للعجب،، سهلة لينة ، تصبغها رقة . قليلة الكلام .

على حين غفلة من الزمن طارت إليها الأنظار كأميرة تختار موضع أقدامها بدقة تداعب خصلات شعرها التي انسابت على عينيها كامواج هاربة ، لم تتوان سنواتها الإثنى عشر في منحها تلك القامة ، لكنها الأنثى كالخيزران دوما تعلو كل الأشجار ، إلا أن رشاقتها وحركاتها ، وطفولتها التي لم تفارق ذاك الجسد في تناغم كبير مع الزمن ، كأنها تحاول إغراء الحياة بكل أضوائها لتتربع سيدة على عرشها ، تدفع بها الى جحيم اللهفة ، كأن خيولا عربية أصلية تصهل في داخلها ، بدت لها الحياة لعبة غريبة ، أو لغة لا سحر خاص .، فكيف بعقل طفلة أن يواجه هذا الشعور ، وهي التي لم تعرف من الحياة الا اللعب والفرح ، لم تر من شرفتها إلا البساتين الغناء ، و االعصافير التي تمرح في كل الأنحاء . إلا الأبوة الحانية والأمومة الزاهية .

هذ،ا السيل الهادر ،والموج العاتي ، والشعور الكاسر الذي يدفع بها الى مرفإ الأحلام، يفتنها ، يرمي بها بعيدا فلا تنام ..

أحلام صارت حلم كل الشباب ، لا حديث في البلاد إلا عن جمالها الأخاذ ، يتهافت أنباء العائلة المقربون على نظرة منها ، ويحلم الآخرون بأن تتقاطع طرقاتهم معها ، لكن هناك دوما ذلك السياسي الذي يحسن قطف الثمار فهو المتربص دوما في تلك الزوايا الخفية ، بنتظر الفرصة المواتية يمتلك الرغبة الجامحة في الامتلاك ، الوجاهة أعتى ادواته التي تستخدم في الوقت المناسب ، فلا أحد يستطيع ان ينال منه وهو بتلك الملامح التي قضى وقتا كبيرا في التمرن على ارتدأئها.

على حين غفلة من الجميع يمتطي جواده ، و في خيلائه المعهود، يغوي البراءة في أحلام ، يرسم لها طريقا على الأوهام، لقد استبد بها الطمع ، فكانت ضحية عن جشع .

في عرس بهيج تساق الى حتفها تمتطي صهوة الأحلام ، تعلو الزغاريد من كل مكان إيذانا بفجر جديد، تتربص فيه الذئاب مخفية انيابها ، لا تبتسم خوفا من انكشاف أنيابها، تستمر في الاختفاء ، تنفرد بفريستها تحت سطوة الجاه ، تبدأ الاوجاع تنموا في صمت رهيب ، تتماهى مع واقعها الجديد، في كثير من البهجة الموجعة ، تتذكر طفولتها ، تسعى لاسترداد براءتها لكن قبضة قوية على معصمها تقودها الى كهوف الألم ، ما توقعت ان يرمى بها من هذا العلو الشاهق للأوهام ،من أحلامها تهرب ، من جحيم حضن الوطن الى غربة الجسد ، من براء ة الطفولة الى مستنقع السياسة ، تتاتبع الوجوه ، مهما اختلفت سحناتها ،فهي ذات تعبير واحد، في كلمات منمقة وأساليب مطوقة بالحيل ، ترمي بها وحيدة في أتون الذاكرة .

يكتبه ادريس الزياتي
البلد
المغرب
أعلى