أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح. يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام أحد المتصفحات البديلة.
ادريس عزابي
الميلاد
Jan 1, 1978
(العمر: 48)
نموذج من كتاباتك
البئر. / ادريس عزابي .
انتهى فصلُ الصيف بخيره وشره وأقبل فصل الخريف يلهث، الجو حار يلفح نسيما منعشا، الأملُ والرجاءُ، أعرف أن عطلة الصيف في البادية ليس معناها الراحة والاستجمام، وإنّما معناها العمل الشّاق، فأنا مطالب مثل زملائي بمساعدة والدي في أعماله، لا يشفع لي المعدل الجيد الذي حصلتُ عليه آخر السنة، ولو أن والدي كان يربط بين المردودية والمكافأة، لطالما انتظرتُ منه أن يكافئني بدراجة هوائية، نظير ما حصلتُ عليه من معدلات جيدة، أدركتُ في ما بعد أن الدّراسة لا تدخل في نطاق المردودية، ما دامتْ لا تظهر نتائجها في الواقع، فالدّراسةُ فرضٌ والعملُ واجبٌ، ولذلك كان العملُ يستمر بالنسبة لنا طيلة العطلة، فكلُّ واحد منا تُسندُ إليه مهمة؛ الأخ الأكبر يُساعد والدي في الحصاد وجمع المحصول والأخ الأصغر مهمته الرعي والأخت تساعد الأم في إعداد الطعام وتنظيف البيت. يتكرر هذا العمل طوال عطلة الصيف... متى تنتهي هذه العطلة!!؟
كان الاستيقاظُ باكرا، قبل طلوع الشّمس، يستمر العمل الدؤوب طيلة بياض النهار، كانت مهمتي بالأساس، جلب الماء، إلى جانب مهام أخرى فرعية، تُعينُ كلُّ أسرةٍ فردًا منها تُسند إليه مهمة السقاية، كنتُ ذلك الفرد، طفلٌ في العاشرة من عمري، من واجبي سقي الدار مرتين على الأقل في اليوم، واحدة للدواب وأخرى للدار، ترتوي المواشي، وتجد أمي ما تقضي به حاجات المنزل...
كانت المهمةُ شاقةً ومضنيةً، تتطلب صبرا وحنكة، أضع القربتين على ظهر الحمار وأحمل سطلا وحبلا، وأتوجه إلى بئرنا بين جبلين على أرض مشاعة بين سكان القرية إلى جانب آبار أخرى، كانت بئرا معطاءً، مبلطةً بالإسمنت، مُوصدةً بإحكام، يطلب مني أحدهم سطلا أو سطلين يكملُ به ملء قِرْبته، أحيانا أستحي وأحيانا أعتذر، لم يعد ماؤها يكفينا، فكيف أعطي منه للسائلين، خصوصا في فصل الصيف. يضطرُ والدي لأنْ ينزل إلى قعر البئر يحمل فأسا باحثا عن منابع الماء.. وفي اليوم المشؤوم من شهر يونيو هوت صخرة من أعلى البئر على والدي، كُسر فكُّه وألزمه الفراش أياما بمستشفى ابن سينا، لا يتناول الطعام إلا سائلا من الأنبوب عبر أنفه.
(...)
كان الطلبُ الأساسي للساكنة هو فكّ العزلة عنهم، ماءً وكهرباءً ومسالكَ... استحدث المرشح بئرا عميقة مقابل أصوات الناخبين، كانت له الأصواتُ وكان لهم البئر، بئرٌ عميقة قريبة من بئرنا، شربت ماء كل الآبار المجاورة، بما فيها بئر والدي، كانت البئر الجديدة مشاعةً بين أنصار الرئيس، يسقون بالتتابع الجار ثم الجار بالجنب، يسجل الحارس كل ذلك على ذاكرته. أحرصُ على دوري، أسقي في كل يوم مرة، بعد الظهر، ثم تحول إلى ما بعد العصر، أنتظر حتى يحين دوري، حكايات تجري على جنبات البئر، كان قطب الرحى يجتمع عنده الأفراد والحمير والبغال يختلط النهيق بالكلام، كان موسما يوميا، يجتمع فيه أغلب ساكنة الدوار خاصة من صوتوا للرئيس.
في شهر يوليوز اشتدّ الحرُّ، لم تعد البئر تكفي لسقي أهل القرية، غدا دوري بعد المغرب، يريد الجميعُ أن يسقي، اشتدَّ الصراع أكثر، إن الأرضَ مشاعةٌ بين الجميع، وعدنا الرئيس، أن يحفر لنا بئرا أخرى في الانتخابات المقبلة.
(...)
لم تنتهِ العطلة بعد، لم ينتهِ العذاب، ويستمر البحثُ عن الماء في مكان آخر، أشدُّ الرحيلَ ممتطيًا بغلا، رحلةُ الخريف والصيف، أقصدُ الدوار الذي توجد به مدرستي، كنتُ أقصده مترجلا من أجل الدراسة، ها أنا أقصده في العطلة راكبا. أستغل معارفي هناك، يسقون لي، مرة ومرات وتتوالى الأيام. أجدُ نشوة الانتصار حين أرجع بالقِرْبَتين ممتلئتين، أي نشوة تعادل هذه !؟، يهون أمامها التعب وتتجدد الطاقة، ترتوي الأغنام وتجدُ أمي ما تقضي به حاجتها، في اليوم التالي أشمر لرحلة أخرى أعرف وجهتها، ولأن المحاكاةَ أسهل من الإبداع، أمسيتُ أجد منافسةً، سبقني إلى هناك آخرون، أطرقُ أبواب معارفي، أنتظرُ طويلا، سبقني إليهم آخرون، الانكسارُ سيصيب قلب، لا يمكن أن أرجع خاوي القِربتين.
كانت المسافةُ تقدر بخمسة كيلومترات، كيف أرجعُ خاوي الوفاض، حرارةُ الصيف تلفح وجهي، الأملُ والرجاء، أقصد الدوار المجاور، لعل وعسى، أطرق باب أحدهم، تنبح كلابهم على بغلي. ــ "ماذا تريد؟"
ـــ "أريد ماءً.".
ـــ " اِسأل من يمتلكون الآبار"
أطرق باب المنازل الكبيرة وأنتظر، الشّمسُ تميل نحو الغروب، لا يمكن أن أرجع خاوي الوفاض. حرارة الصيف تشوي الوجوه، أشم رائحة العرق، عرقي يمتزج بعرق البغل، يغشى الحزنُ الإحساسَ ويلبسه، أكتم العَبرة، أرى في عيني بغلي التعب، وعلى لسانه يسيل لعاب جاف.
ينصحوني أحدهم، بأن أتوجه إلى واد سبو، "هل تمزح؟"
ــ " بلى، إخواننا يترجلون إلى هناك من أجل جلب الماء،"
ــ "هل يكفي الوقتُ، للذهاب والإياب؟ "
ــ " تكفيك أربع ساعات ذهابا وإيابا"
الزمنُ على وجه التقدير الرابعة عصرا، الحاجةُ تدعو إلى المغامرة، لا خيار ثالث، إني لن أتحمل تقريع أبي ولا سخرية إخوتي، أكره الرجوع خاوي الوفاض، نظرتُ إلى وجه بغلي، التعب بادٍ على محياه، لكن نظرته تشعُ بالتحدي.
أُمَني نفسي بالانتصار، وراء كل انتصار حافز، وراء هذه الربوة أجد واد سبو، بل وراء ذاك الجبل، بل عند تلك الأشجار الخضراء. الوقتُ يميل نحو الغروب، تُسول لي نفسي التقدم ويدعوني عقلي إلى الرجوع، أسألُ أحد المارة. أين الطريقُ إلى سبو؟ أعرفُ أنّه على هذا الاتجاه. لكن، أيُّ المسالك مختصرة؟
تميلُ الشّمس إلى المغيب، شفق أحمر يغرق أمامي في الأفق، لم أحس بالعزلة والضياع مثلما أحسستُ بها في تلك اللحظة، ألكز بغلي أحثُه على التقدم، أدعوه إلى ربط جأشه «أرا سير»... ها هو الماء يجري في الواد زلالًا أزرقَ، يجري هديرا، أو هكذا تهيأ لي، أرى الانتصار والفوز معا، أيُّ عزيمة هذه، أودُّ أن أحضنه، أن أنقله إلى الدوار، تمنيتُ أن أحمل أغنامي لتشرب حتى ترتوي.
اقتربتُ منه كما يقترب الطفل إلى حضن أمه بعد اشتياق، ترجلتُ على حاشية منبسطة عليها آثار أقدام البغال والحمير، وأنا أشدُّ بلجام بغلي بحبل متين، شَرِبَ البغل حتى ارتوى غمستُ قدماي وغسلتُ وجهي، اختلط ماء سبو بعرقي، أين يسير هذا الماء؟ لماذا لا يمر على قريتنا؟!
أغرفُ ما يحمله السطلُ وأفرغه بالقِربتين المتعادلتين على ظهر البغل، أفرغ أكثره خارج القربتين، قامتي القصيرة لا تصل، أربط السطل بالحبل، يداي ترتجفان، أستعينُ بصخرةٍ أقفُ عليها، سطلٌ تلو آخر، مرة بالقِرْبة اليمنى ومرة باليسرى، وعند كل سطل أقتربُ من الانتصار... نقيقٌ أسمعه ولا أرى الضفادع، رطوبة الواد تلفحني نسيما منعشا، نباح الكلاب أمسيتُ أسمعها بعيدة... وفي لحظة، لا أعرف كيف جُرفتْ الصخرةُ التي كنتُ أقف عليها، فقدتُ توازني، قدماي يجرها الماء ويداي تقبض على الحبل، يمتصني الواد، أتمسك بالحبل، أطلق السطل، أراه يغرق بالقرب مني، يجرني الواد جرًّا، لا أعرفُ السّباحة، أشربُ الماء مرغما، لا أستطيعُ أن أبلع المزيد. النجدةُ!! يتهيأ لي أنني أطلبها، يردد صداها الفراغُ، يملأ الماء جميع منافذ الصوت. يفزعُ البغل ويرمي القِربتين... أتمسك بالحبل... هل هو الحبل المربوط بالسطل أم الحبل المربوط بالبغل؟!
البلد
المغرب
هذا الموقع يعتمد على ملفات تعريف الارتباط لتحسين خدماته، الاستمرار في تصفح الموقع يعني موافقتك على استخدام هذه الملفات.