محمود حمدي عبد السميع حسن

الميلاد
Nov 10, 1998 (العمر: 27)
نموذج من كتاباتك
زائر الحنين

في ما تصفحتُ - كعادتي - الماضي سواء كان ذهنياً مُرهقاً كالركضِ تَحت تأثير الموسيقى الحزينة أو كانت مُحادثةً أحفظُ تفاصيلها كالقصائد النازفة كُنت أمتنعُ عنِ الكِتابة كي لا أفقِد الشعور. مع أنني أحترقُ بجمرةٍ تستعرُ تحت جلدي حين أرصُ الكلمات وأسكب فوقها الدموع التي أعجزُ عن ذرفها بين وجنتاي إلا أنني أبْرُدُ بعدها ويعاودني شلل الأحاسيس مجدداً.

في الماضي دوماً ما يثير الدفء حتى وإن استحال إلى حريقٍ يخلف وراءه الرماد إلا أنهُ دفءٌ مصاحبٌ للحنين. والحنين هو صحبتي الخيرة هذه الأيام. يتركني الإكتئاب جثةً لا تَعلمُ متى يزول قلقُ السيولة مِن حياتها، لا شئ يُقبض عليه، حتى في حدود الأيام.

فقدتُ قُدرة السيطرة لست متأكداً من أي شئ، كأسُ الشايِ سيكون لذيذاً؟ أم أن ارتجافةَ يدي سممت صفير المياه الصارخة مِن الغليان؟

أتوجسُ قلقاً مِن خطواتي المجردةِ من الهدف في منتصف الليل، حتى اتصالي بوالدي يكون عبثياً وقتها فهو نائم، مريضٌ، يحمل هموماً لخمسةِ أرواح عداه وشظايا تخصني.

منتصفُ الليل هو بابُ الحنين المفضل، يستقبلهُ النسيمُ المصاحب للصمت في السُحُبِ المارة وحين يطرقُ الباب يعلم بأنني لن أجيب. ولذلك دوماً يُفضل المباغتة، سيجدني مستلقياً فوق خيبةِ غيري منكباً على الحروف والمعاني لأشعر بأنها تحتلُ مكاناً مؤقتاً في داخلي. الحنين لن يصدر أي صوت ولكنني سأعتدل في جلستي بين الظلمات المتداخلة، ظلام الغرفةِ والليل وبعضُ الثقوب في قلبي لا تشع. صالباً قدماً فوق أختها وعاقداً يداي حولهما كأنني أحرسُ قلبي مما سيتعثر فيه ماضياً بعد اللحظات الأخرى، وفجأة..
كما لو أنني أتذكرُ تفاصيلَ ولادةٍ جديدة، دوماً لا نختار متى نولد ولا نختار الولادة كمصيرٍ من الأساس، إذ أنها تستلزم الموت كشرط للعودة، ولكن حين استرجع لحظاتٍ أختطفها مِن عام مضى أشهد نشأة رقيقة ربما تُبرر وهناً أصابني بعد اغتيال الزمان لكائنٍ لم يكتمل نموه بداخلي.
لا يمكنك أن توقِفَ الأفعى عن تغيير جلدها، لن ترى الموت والحياة في جسدٍ إلا وكان مقهوراً مغصوباً بصورةٍ زائفة عن الحرية والأعين المتطلعةِ إلى الأمام. الصدأ يبطن حلقي كلما جال بخاطري أنني اتُهمت بأنني صاحب نظرة قصيرة، لا أرى ما ينتظرني بما فيه الكفاية. حسناً الآن لم أعد أرى مِن الأساس.
كان سموي إلى اللذة ذِكرى حارقة في هذه اللحظة، وهنا ينسحبُ الحنين كزائرِ المصائب، تنشغلُ بسيلِ الزُرقةِ الباكية عن الوسيلة وفقط حينَ تتذكرُ اللحظات المسماة بالنوستالجيا يعادوك الدفء. درويش يقول : «الحنين وجعٌ لا يحن إلى وجع» وصدق فهو ماكِرٌ لا يُقبض عليهِ بجرمٍ مشهود قاتِلٌ يُذكر بكلِ خير، يغرسُ أسواراً مِن الماضي إن أطلنا التحديق في مرآةِ الماضي منشغلينَ عنه لضعنا في الزمان، ولأصابتنا الحسرةُ كلما طلعت شمسٌ جديدة تُذكرنا بشمسٍ واحدة في عينِ محبوبةٍ لا عسلَ إلا في عينيها.
كُلُ الأيام تُذكِرني بعينيها، كُل الشموس وصفحةُ القمرِ في منتصف الألم، ترددات الخيبة على شواطئ الحيرة، خوفي مِن الندم على ما لم اقترفه يذكرني بها، صِغارُ القطط والكعكُ المخملي، البكاءُ والزيارات الخيالية، هربي إلى الخيال وعودتي المكبلةِ بالواقع تذكري بأنني فقدتها، استحقاقاً لوجودها أو طلباً مِنها، ذُلاً أو عزةً بمبدأٍ أو بتخبطٍ بين الشوارع أتذكرها.
ممسكاً قلبي كأنني طُعِنت بالبرد ووهن العظام، محاولاً تقليد غناءٍ تُحِبهُ ولا أقبلهُ إلا لأنها تختبئ بين ألحانه. هيّ بين دموعي المختبئة في جوفي، وبين خيباتي، حينَ يحزنني الجمالُ وحين أغارُ مِن الفنون، حين أحتاج دفئاً مغايراً للحنين في جوفِ الليل وفي وحدةِ كالمصابِ بانتظار الإعدام، حين أراقب شخصاً يراقب الحياة تكون هيّ الحياة. وحينَ أرى الطفولة .. تكون أماً
حين أرى أمومةً أشعرُ بالوحدةِ. بين ألحان مارسيل التي لم ترق لها لكننا سمعناها سوياً لمرةٍ أولى وأخيرة، وحين أرى «بو» الطفلة التي تكون هيّ كلما لمحتُ ثوبها الوردي كزهورِ الساكورا اليابانية وحين أكون قطةً ضخمةً إسقاطاً لعقدتي مِن الحياة كانت مرطباً لصيفٍ يذيب السعادة. وحين أتذكر أنني كتبتُ أول رسالةً لغيري .. وكانت لها
أوقن أنني لم أمارس نزيف الكتابةِ إلا لأتذكرها.

يتوقفُ الحنين عن التلصص مِن شِق الباب، وأعود لأستلقي بهدوءِ على جنبي مائلاً على بطني، فكأي شخصٍ بالعشرين من عمره ظهري لم يعد يتحمل المزيد مِن الضغط. تلوح دمعةٌ على طرفِ عيناي ثمُ تفيق وتختفي كأنها ستحنث بقسمٍ لم أشهده ولكنني أُمارس حقي كُل يوم في الإعتراض على وجوده.

كجندي لم يُرح رأسه إلى على دمائه، أنتظر تربيتتاً مِن الحياة وحِجراً ليناً ويداً حانية أمارسُ أحلامي بعدها مطمئناً وصادقاً.
البلد
مصر
أعلى