إدوارد وليم لين - 21 - المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر.. للأستاذ عدلي طاهر نور

تابع الفصل السادس - عاداتهم

سرعان ما يترك العريس - بعد عودته من المسجد - أصدقاءه في الدور الأسفل ينعمون بتدخين الشبك واحتساء القهوة والأشربة. وتظل أم العروس وأختها أو غيرهما من قريباتها في الدور الأعلى بينما تكون هي والبلانة في غرفة منفصلة. وينبغي أن يبدي العريس الشاب بعض الحياء مثل العروس؛ فيحمله لذلك أحد أصدقائه في بعض الطريق المؤدي إلى الحريم. وقد تجلى العروس إذا كانت من الطبقات الموسرة أمام العريس في ملابس مختلفة تصل إلى سبعة. وعلى العموم يرى العريس عروسه مع البلانة وحدها، فيمنحها عند دخوله الغرفة منحة فتنسحب في الحال. وتغطى العروس رأسها بشال لا يرفعه العريس قبل أن يهبها هبة مالية تسمى (كشف الوش) بينما تظهر العروس في سبيل رفع الغطاء نفوراً وممانعة شديدة لتعبر عن خفرها البتولي. ويبسمل العريس عند كشف النقاب ثم يحي العروس قائلاً: (ليلة مباركة!) فتجيبه إن لم يرتج عليها من الخجل: (بارك الله فيك). وقد يرى العريس حينئذ لأول مرة وجه عروسه. ويجد العريس على العموم أن العروس كما وصفت له تقريباً. وكثيراً ما تنجز حينئذ طقوس عجيبة، فيرفع العريس ملابس العروس جميعها ما عدا القميص، ويجلسها على حشية سرير يتجه نحو مكة كما يولي ظهر العروس هذه الجهة، ثم يجذب حجر قميصها إلى الأمام ويبسطه على الحشية ويقف أمامها على بعد ثلاث أقدام تقريباً ويصلي ركعتين واضعاً رأسه ويديه عند السجود على هذا الجزء من القميص. ولا يبقى العريس مع عروسه أكثر من بضع دقائق بعد أن يكون قد أشبع فضوله بمشاهدة جاذبيتها، ويطلب من النساء - اللاتي يتجمعن عند الباب وهن قلقات - أن يزغردن. وتصل الصيحات الحادة إلى مسامع الرجال في الدور الأسفل وإلى الجيران وتتجاوب النساء بالزغاريد مخبرات أن العريس رضي بعروسه. ثم يهبط العريس إلى أصدقائه ويبقى معهم ساعة أو أكثر قبل أن يعود إلى زوجته، ويندر جداً أن يطلق الزوج زوجه إذا خاب فيها رجاؤه وإنما يستبقيها أسبوعاً أو أكثر

الآن وقد وصفت طريقة الاحتفال بزواج العذراء في القاهرة أضيف بعض كلمات عن بعض حفلات شاهدتها في أحوال أخرى خاصة بالعذراى والثيبات سواء

يندر أن يذهب بنات العظماء إلى الحمام العمومي قبل الزواج لوجود الحمام في المنزل. وعندما تخلو منازل العائلات الموسرة أو المتحضرة من حمام، تذهب العروس مع قريباتها وصديقاتها إلى حمام عمومي يستأجر لهن خاصة. ويفضل الكثيرات الذهاب إلى الحمام وإلى منزل العريس دون زفة راكبات الحمير فوق البراذع المرتفعة. وتتدثر العروس بشال كشميري على طريقة الحبرة. وقد ترافق حاشية العروس فرقة عوالم يركبن الحمير أيضاً ويغنين طول الطريق

وقد يكون لعائلة العروس أو العريس أغاوات فيتقدمون العروس راكبين. وقد يجري على رأس الزفة رجل يصيح: (صلوا على النبي) وينثر هذا الرجل عند باب المنزل بعض أوراق السلق ليسير عليها السيدات اتقاء لأحداث الدهر. ثم يصيح الرجل نفسه قائلاً: (نصر من الله وفتح قريب)

وقد يتم عقد الزواج عند المصريين من غير أبهة ولا احتفال حتى في حالة زواج العذراء، برضا عائلتي العروسين المتبادل، أو بموافقة العروس نفسها. أما الثيب فلا تزف أبداً عند الزواج. ويكفي أن تقول المرأة لمن يتقدم لزواجها: (وهبت لك نفسي) فتصبح امرأته شرعاً متى كانت بالغة من دون شهادة إذا استحال الحصول عليها. وقد يعقد المسلمون في مصر وغيرها من البلاد العربية الزواج بالثيب بهذه الطريقة البسيطة. ويبلغ مهر الثيب على العموم ربع مهر العذراء أو ثلثه أو نصفه

وتتم حفلات الزواج في القاهرة عند الطبقات التي تعلو الطبقات السلفى وإن حقرت معيشتها بنفس طريقة الطبقة الوسطى. إلا أنهم يراعون البساطة عندما يستحيل تحمل نفقات مثل هذه الزفة السابق وصفها، فتسير العروس متدثرة بشال أحمر ويحيط بها فريق من قريباتها وصديقاتها في أحسن حللهن أو فيما يستعرن من الملابس. ولا يبهج الموكب من صيحات الفرح غير الزغاريد التي يرددنها من وقت لآخر

وتختلف الزفة في القرى عن الزفة السابقة. فالعادة أن تركب العروس جملاً وهي متدثرة بشال حتى تبلغ منزل العريس. وقد يجلس معها على الجمل بعض النساء والبنات، اثنتان على جانبها واثنتان أو ثلاث وراءها. ويكون الهودج كبيراً ويغطى بالبسط وغيرها. ويتبع العروس جماعة من النساء يغنين. وكثيراً ما يتقابل أصدقاء الطرفين وصديقاتهما في منزل العريس مساء يوم الاحتفال والأيام السابقة ويلهون في الهواء الطلق طويلاً بالأغاني والرقص الذي ينقصه المهارة على ألحان الدف والطبل. ويغني الجميع رجالاً ونساء ويرقص النساء فقط. وقد اختصرت الكلام في وصف الحفلات الريفية لتجنب ترديد الوصف في موضوعات متشابهة. ولنرجع إلى عادات أهل القاهرة.

في الصباح التالي للزفاف يعرض (الخولات) والغوازي (رجالاً ونساء) ألعابهم أمام منزل العريس أو في الفناء. وفي الصباح عينه إذا كان العريس شاباً يدعوه الشخص الذي سبق أن حمله إلى الحريم إلى قضاء اليوم في الريف مع الأصدقاء. ويسمى هذا (الهروبة). وقد ينظم ذلك العريس نفسه ويشترك في النفقات إذا زادت على ما يقدمه أصدقاؤه من النقوط في هذه المناسبة. ويستأجر الموسيقيون والراقصات لتسليتهم. ويسير العريس من الطبقة السلفى في مؤخرة الموكب مسبوقاً ببعض الطبالين والزمارين. ويحمل كل من أصدقائه وغيرهم باقة من الزهر كما يفعلون عادة في زفة الليلة السابقة. ويرافق الحاشية حاملو المشاعل والمصابيح عند عودتها بعد الغروب بينما يحمل الأصدقاء علاوة على الباقات شمعاً. وهناك حفلات لاحقة تقام بمناسبة الزواج أيضاً ستوصف في فصل لاحق

ويفضل العريس على العموم إذا وفق إلى ذلك أن تعيش أمه في منزله حتى يتسنى لها أن تحمل شرف زوجته وبالتالي شرفه أيضاً. ويقال إن الحماة تسمى كذلك لهذا السبب ويقال إن المصريات يملن إلى الدسائس، وأخشى ألا يكون هذا الحكم ظلما. وقد يسكن الزوج زوجه في بيت أمها ويتولى الإنفاق عليهما. وهذا يوجب على الأم أن تهتم بالنفقات جد الاهتمام وأن تدقق في ملاحظة ابنتها خوفاً من أن تطلق. ولكن يقال إن الأم في هذه الحالة تعمل وسيطة لابنتها، فتعلمها الحيل والمكايد التي تتسلط بها على زوجها وتبذر نقوده.

ويندر أن يقل الخوف من تأثير أم الزوجة عليها ولو كانت لا تنعم برؤية ابنتها إلا في مناسبات عرضية. ولذلك يرى الرجال أنه من الحكمة أن يتزوجوا بنتاً لا أم لها ولا قريبات، حتى أن بعضهم يحرم على زوجته أن تستقبل امرأة غير قريباته؛ ولكن قلما يفرض هذا التقييد الشديد.

(يتبع)

عدلي طاهر نور


تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين


مجلة الرسالة - العدد 445
بتاريخ: 12 - 01 - 1942

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...