أدب أندلسي صلاح فضل - هي أغنية أندلسية

تتميز الموشحة عن القصيدة العربية بأن الأصل فيها هو الغناء والتلحين الموسيقي، فكلماتها كانت توضع طبقاً لأنغام سارية على الألسن، والمقطع الأخير فيها يحسن أن يكون أشطاراً مغناة بالفعل بالعامية الأندلسية أو بالأعجمية الرومانثية، وهى الإسبانية القديمة. وهذه الخرجة ـ كما تسمى ـ يقول عنها ابن سناء الملك فى كتابه “دار الطراز” هي “إبراز الموشح وملحه وسكره، ومسكه وعنبره، وهي العاقبة، وينبغي أن تكون حميدة، والخاتمة ـ بل السابقة ـ وإن كانت الأخيرة، وقولي السابقة لأنها هي التي ينبغي أن يسبق الخاطر إليها، ويعملها من ينظم الموشح في الأول، وقبل أن يتقيد بوزن أو قافية”. أي أنه يختار جزءاً من أغنية دارجة وينظم الموشح على أساسه، فإن لم يفعل ذلك كان نظمه بارداً خالياً من الحيوية، غير أن هناك مشكلة في تناقل هذه النصوص في المصادر الأولى؛ إذ امتنعت الكتب العربية الكلاسيكية عن إيرادها، وتداولها من لا يعرف اللهجة الأندلسية ولا اللغة الإسبانية، فحرفوها وعربوها وأفقدوها مذاقها الغنائي الأصيل حتى جاء بعض الباحثين الإسبان فاكتشفوا هذه الخاصية وأجادوا قراءة النصوص الأصلية. لكننا نتابع الآن قراءة بعض نماذج عصر الطوائف، ومنها هذه الموشحة لابن رافع رأسه:

الراح والرضابُ / ما فيهما حرجٌ
إلا لكل بدعٍ / عن ديننا خرج

ولا يمكن لهذه المجاهرة بالمجون إلا أن تكون في مجالس الغناء والشراب في الأندلس، حيث استقر نمط من السلوك المتحرر يعيش جنبا إلى جنب مع الأنماط المحافظة على التقاليد، فتعايش الأديان والأجناس، وتحاور الثقافات واللغات قد صنع مجتمعاً مهجّناً متسامحاً، تجلى بدوره في الشعر والأدب، ثم يتابع الوشاح قوله في البيت الأول:

طوبى لمن تروّى / من ذا وهذه
مع من يميس زهوا / في ثوب لاذه
والقلب مني يهوى / سرّ التذاذه
مراشف عذابُ / من ثغر ذي فَلَجْ
فيها دمي ودمعي / هذا بذا مُزجْ “

وليس هناك أظرف من هذا الجمع بين الخمر وريق الأحبة، ولا أطرف من التعبير عنهما باسمي الإشارة ذا وهذه، وهي تقيم القافية مع اللاذ، وهو فيما يبدو نوع من الحرير الشهير في المغرب والأندلس، ثم يعود الشاعر لقافية المطلع الجيمية فيجعل الثغر ذا فَلَج، ويزيد من قوة تعبيره بامتزاج الدمع والدم فيه بلغته مؤثرة. ثم يعود للتغزل الرقيق بقوله:

يا حسن كل حسين / اليأس بي أسا
يا جنتى وعدني / عِدنى وقل عسى
أن تلتقي بجفني / وردا ونرجسا
تحميهما عُضابُ / سُلَّت من الدعجِ
وعقرب لِلَسْعٍ / دبّت من السبجِ

وهو هنا يرسم صورة تشكيلية لملامح المحبوب الذى يمثل جنته وفردوسه، خاصة عندما يعده بالوصال ويمنيه بأن يشهد ورد خدوده ونرجس مفاتنه، تحميهما نظرات قاطعة كالسيف الذي سُلَّ من العينين الكحيلتين، وتحرسهما خصلة الشعر السوداء المتدلية أسفل الأذن كالعقرب اللاسع الذي يدب من الشعر الكثيف. أوصاف حسية شهوانية للمرأة، مترعة بالموسيقى والإيقاع والنزعة الأيروسية الغالبة.



صلاح فضل
هي أغنية أندلسية
الخميس 09 يونيو 2011
alittihad ae

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...