العربي الرودالي - نقوس المهدي بين ثورته الكتابية وكتابته الثورية في ملحمة "عباس" فارس الفقر والقهر

(الجزء الأول)

* البسط المنهجي


- نصوص " عباس" السبعة، على التوالي: ( البحث عن عباس الأول - تغريبة الفتى عباس الثاني - هكذا تكلم عباس الثالث - "عباس الرابع" (هنا استثناء في عدم النشر: لا في المنتديات، ولا في الصحف، وحتى في موقع الكاتب الخاص "الحوار المتمدن" بالفايس بوك..)- هواجس عباس الخامس- رحلة عباس السادس البري- رحلة عباس السابع البحري).. وانطلاقا مما نشر، سأحاول جاهدا وجادا أن أركب منها تصورا خلاقا، هو رواية وملحمة وسيرة ذاتية، كما هي ضمنيا وفعليا، إلا أن الكاتب ارتأى وضع هذا البناء المتمفصل وفق توجهه..
+ولا يسعفني في ذلك إلا كل من المنهج الهيرميوطيقي (للتغلب على التأويل بمنطق البحث عن الدلالات الفكرية والتاريخية وقراءة الفلتات التعبيرية والإسقاطات الانفعالية..) وأيضا منهجية المقاربات الاستدلالية (من خلال منشورات الكاتب لمواضيع متعددة ومتشعبة تصب كلها في رؤيته الفكرية والنضالية والإبداعية)، وكذا منهجية التحليل المقارن (للوقوف على أوجه التوحد وأوجه التمايز بين فروع هذا العمل القصصي/الروائي) وأيضا المنهج التفكيكي لبؤر النصوص والمقاطع والألفاظ ، صنيعة مخيال ملتزم ومنتوج هادف ورؤية تصورية حادة...
ولا أنكر اصطدامي بصعوبة الفرز والتفريغ والاستنتاج، تسبب فيه تورط البحث في كتل من التعابير متشابكة ، ولغة حلزونية وأسلوب تفصل بين ثناياه خيوط جد رفيعة، لا يمكن أن تتمفصل فيها التصورات لتحديد خريطة نصية متباينة الملامح.. فكان علي أن أكرر القراءات وأن أقاربها مع كتابات أخرى بمواضيع مغايرة لنفس الكاتب.. وأستطيع في آخر الأمر أن اقدم ما تمكنت من رصده، وفق الجهد المبذول تقديرا...

* البسط الأفقي

(هي حكاية نضال على امتداد مسافة نقدية، بأسلوب معر وموجع وهجومي .. ابتداء من القحط إلى ا لنفط).. وتشمل أشكال الرداءات التي تتخبط فيها كل من الوطنية والقومية ، إضافة إلى العالم المهمش كونيا..
- هي فعلا وكليا تراجيديا، كما أشار النص التمهيدي " تراجيديا بزمن الحزن"، هذه السلسلة من النصوص السبعة التي تروي عن شخصية "عباس".. إنها بحق سلسلة سندبادية برية وبحرية معا..الشيء الذي لم يحققه " السندباد البحري"، وهو بحري فقط في حكايات ألف ليلة وليلة، وحققه عباس مع المحتضن له، راوي هذا المتن..ولا أشك في أنه هو نفسه الشخص الذي جاء إلى هذا العالم ولم يدر أنه سيكون " نقوس المهدي".. هو سرد ولكن بآليات باهرة من تقنيات الكتابة إضافة إلى التلقائية الجياشة دون حدود للمشاعر الاستنكارية الغيورة والصادقة.. هناك قدرة على التمثل، على الاقتناص، وبالأخص على الوصف الفاضح المعري، لأدق مسكوت عنه في الكتابات المغربية وعلى كل الأصعدة، ولأحط درجات النفس البشرية المريضة بأفدح إسقاطاتها اللاإنسانية.. وأيضا قدرة على رصد الأحداث الاجتماعية والوقائع التاريخية، الوطنية منها والقومية العربية والصراعات العالمية...ابتداء من سنوات الرصاص إلى دنو السكتة القلبية للمغرب، وبداية المحنة عربيا مع انتكاسة الناصرية وتداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي، واليأس والتذمر الذي أصاب أجيال العقود الثلاثة (المنطلقين من المنظور " التقدمي" الذي يؤمن به بطل السلسة: ستينيات حالة الاستثناء، وسبعينيات الرصاص، وثمانينيات قمع المؤسسات الطلابية والنقابية، ومصادرة الحقوق الطموحة لرجال التعليم في تطوير كفاءاتهم التعلمية وإصلاح وضعيتهم المهنية، وبدأ نهوض الهيمنة الامبريالية بعد نهاية الحرب الباردة مباشرة، ليبدأ التخطيط للهيمنة العولماتية والانفراد بالقرارات العالمية..إنه المناخ المفترض الذي زخت فيه خصوبة الإبداع لجمالية القبح في نصوص " عباس" لدى نقوس المهدي...
إذن هو سرد لسيرة ذاتية فكرية وسياسية/نضالية/ مبدئية، إن لم نقل إيديولوجية، واكبت كل المراحل الانتكاسية... ويمكن اعتبار النص وثيقة أو مجموعة وثائق ناجعة للدراسة التاريخية أو الإثنوغرافية السوسيولوجية أو سيكولوجية الشعوب أو الأنتروبولوجية الدارسة للمفاهيم السوسيوثقافية، بجميع مستوياتها الأفقية والعمودية للمجتمع المغربي خاصة...
إنه نص عباس بجميع فروعه، قيم وغني بالتصورات التي رصدت لمرحلة من تاريخ المغرب الحديث...نص سردي يمتطي أسلوب " واقعية الواقعية" بامتياز.. فهو مفعم بالثورية والنزعة الوجودية الغير سريالية، خاصة منها "الكاموية" نسبة إلى " ألبير كاموي"، المتمردة على أية استاتيكية مرصوصة تستوجب الخلخلة، والنافرة من الانتهازية، متماهية نسبيا مع الجدلية التاريخية ( الدياليكتيكية المادية) والوجودية الهيدجرية.. لكن ، بقلم إبداعي خبر الثقافة وبلور منها شكلا متمايزا في الخطاب ومتأصلا في الأسلوب وإيحائيا في الذاكرة الذاتية الخالصة..هذا النص/الرواية بأجزائه السبعة، ومن منظور شمولي دلالي، تنبني تيمته على الرفض الإيديولوجي والحقوقي والتصحيحي، الطامح إلى التغيير الجذري الراديكالي، والمحرض على الانتفاض القطري والقومي، للتخلص من تابوهات الرجعية والوصاية، والاستحواذ على السلط بما فيها الديني والسياسي والاقتصادي، مما يبدو نظريا وأيديولوجيا، معانقة للنزعات التحررية التقدمية، من اشتراكية وناصرية خاصة... وقد بنى الكاتب أسلوبيا رواية " عباس" بأجزائها السبعة في سياق موحد، على واقعية الواقعية، كما ذكر آنفا.. " الواقعية المجهرية"، التي لا مهادنة فيها ولا تمويهات، كاشفا عن الأحداث والخلفيات الراكدة وراء الحجب، والأحوال التراكمية لظرفيات تفتقت عنها عقلنة طلائعية لا تؤمن بالثوابت، دفاعا عن معاناة من شيمتها الرفض والاستنكار.. (ومن ذلك ما يعيشه يوميا الفرد المحاصر والموبوء بالقمع والفقر والتخلف والتهميش والأمراض، وكذا بالانتكاسات الاجتماعية والقومية وحتى الدولية).. كما بناها على الأخلاق المبدئية (من غيرة على الوطن والشعب، وطموح نحو التقدم، ونضال ضد التخلف واللاوعي والفقر القابع على صدور المساكين...) وأيضا بني الأسلوب الروائي هذا، إضافة إلى ذلك، على " اللاستحياء" اللفظي والتعبيري والخطابي، في الحق، ( من هجوم على الاستغلاليين والانتهازيين هاضمي الحقوق، مع فضح نفاقهم المدسوس وأنانيتهم الفاحشة ومكرهم المتعفن، وعلى متسكعي المقاهي والثرثارين المخذلين والمتلاهين بالنميمة وتتبع عيونهم لمؤخرات الفتيات والنسوة والعاهرات عند مرورهن.. فلا يحجم عن تسمية الأشياء بمسمياتها المخجلة والتي لا يطاق سماعها، مما ينصح تورعا، في مجتمعاتنا المحافظة، بتجنب النطق بها، بوصفها " كلام الخنا"، فكان عباس يشق بها الحياء دون مواربة أو ومداهنة).. (الخراء - القواد- / ينكحوننا - مؤخرات النسوة- الفرج..إلخ
- النص إذن بأجزائه الحكائية المتكاملة والمسترسلة هو مجموعة قصص سميت قصيرة / لكنها بحق هي رواية بل وملحمة..بطلها واحد، في مزج هلامي بينه وبين كاتبه، يجاهد كدحا ويفشي فضحا وينتقم قدحا..له مقاربات ضمنيا، لجولات ومغامرات ومخاطرات واقعية وسياسية وحقوقية ونضالية جمعوية، نقابية وصحافية..ويتواجد هذا البطل باستطراد في كل شهادات الكاتب ومعارضاته ومقالاته، وعلى سبيل المثال لا الحصر الكتابات التالية:
- وليمة سقراط (كنموذج لشهداء الفكر والرأي سواء كان ذلك إبداعا أو سياسة أو غير ذلك)
- من هموم امرئ القيس ( تصوير للتردي العربي من النخوة إلى النشوة فالهفوة..........)
- أربع سنوات على تأسيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان باليوسفية (التزامه بالجدية العملية والنضالية والتي لاحظ اهتراءها لدى الغوغائيين وبالتالي إجهاضها قبل أن تؤتي أهدافها...)
- مقالات عن دفاعه باستماثة على مدينته، " مدينة اليوسفية"، بخيراتها المنهوبة وحالتها المهملة وإنسانها المهمش... (من أجل مدينة تتسع لجميع أهلها..)
+ و من هنا يبدو أن قناعة الكاتب بهذا التوجه التصحيحي، وليس الإصلاحي، هي التي أطرت فكر " سلسلة عباس" وأطروحاتها، ودفعت بها إلى الانفعالات اللفظية والتصورية المتفجرة والصارخة بما هو حق للشعوب في العيش الكريم، بغضب ثائر مع " محالفة" كل الأفكار الداعية إلى التطور والتغيير والتخلص من الطغيان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.. وذلك باعتباره مناضلا .. أما باعتباره مثقفا، فإنه تبنى هذا النهج الذي انعكس على كل كتاباته المكسرة للتابوهات، ومنها موسوعته الشهيرة بالذات والمنشورة في أهم المنتديات الرقمية، كدليل قاطع، حيث نجد من انتقاءاته ومختاراته للقراء تنوع كبير في المعلومات والشخصيات والمفكرين والموضوعات الأدبية والفكرية والتاريخية، والحوارات والسير والرسائل والنماذج في الدين والفلسفة والاجتماع والسياسة والجنس، وحتى في الأشعار المختارة، والمستملحات والحكايات التي بليت على الرفوف أو طمست معالمها... كلها عبارة عن انعكاس واقعي لذهنية الكاتب ووعيه بالرهان، من أجل التنوير والتوعية واستنهاض الذاكرة الحية، انطلاقا من تجربة محنكة، لتبرير ما كان ملتزما به " أفقيا" من طرف الشرائح الطلائعية التي خاضت التجربة النضالية السابقة ثوريا وأيديولوجيا وثقافيا، بعد الاستعمار، في مرحلة بناء الاستقلال والتقدمية والإنسان المغربي والعربي والعالم/ثالثي، من الخليج إلى المحيط إلى شعوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية... ويبني نقوس المهدي، باختلاف موضوعاتي، فلسفته النضالية في " هكذا تكلم عباس الثالث"، على صيغة مقولة " هكذا تكلم زرادش" و" هكذا تكلم نيتشة"، ليثبت المبدئية والالتزام الفكري إلى **درجة الاعتقاد الصرف..وذلك خارج ما طرحته فلسفة ومعتقد القطبين في عصر كلامهما، من تأليه النار إلى ضحد رياء الكنيسة وخداعها...
أما عباس فيتكلم من منظور آخر مضحدا طقوس السيطرة القمعية التي تضرب بقفازات حديدية مغلفة بحرير ناعم، من أجل أن تحمي نظام السلطة المخزنية والليبرالية الرأسمالية، كي تبقى للمؤسسة الحاكمة هيبتها وتخضع الطبقة المستضعفة...
- إن الشهادات التالية ستجعل، من خلال المنظور التفكيكي والتحليلي، منطق التأويل يتقوى لإثبات كون الدلالات النقدية تسعف لفهم المنظومة الفكرية والثقافية والإيديولوجية لدى عباس، متطورة وواعية ونهضوية، رغم أن الكاتب يضفي على شخصية عباس هذا صبغة المهمش الفاقد للأمال والمحدودة طموحاته المصلحية، من أجل الانعتاق فقط من فقره وبؤسه اللحظي.. إذن، ل"عباس" خطان متوازيان: هاجس واقعي وهاجس ثقافي..وسيتبين ذلك أكثر من خلال الاستنتاجات النصية في الجزء المقبل..

***

(الجزء الثاني)

* البسط النصي: (أرتئي البدء بالنص التالي للضرورة أدناه)

* هكذا تكلم عباس الثالث: إنه نص قصصي من المجموعة/الرواية بفروعها السبعة، ويأتي ضمن دائرة المحكي.. ويعتبر مركز التصور السردي والفكري والنضالي الملتزم لدى الكاتب، لأنه يستخلص التجارب السابقة، ويكرس المعانات اللاحقة..فقد تكلم فيه "عباس" بتأمل فلسفة الواقع، وشاعرية التدمر الوجداني، المستشعر لما يجنى من" أزهار الألم " الفولتيرية، وكذا تنظير معر للوضع المتفاقم على مستوى الفرد والمجتمع والقومية والصراعات العالمية لبحث الخروج من براثين هذا الوضع المنذر بالجحيم التاريخي، والتوق إلى تصحيح جذري لحقل الخذلان و اللاوعي والتبعية، مرتع حركية النهج الإمبريالي " آنذاك" وعملائه، ضد انتفاض الحركات التحررية...
- فبماذا تكلم عباس هذا كما تكلم من قبله ومن بعده كل عباس؟

1) دعوة لنبيذ الأحزان
إن الملاحظ، هو أن هذا النبيذ يحتسيه عباس على امتداد كل المراحل..فكل " عباس" في وطن عباس، هو عباس الأحزان، يشرب الظلم والقهر والقحط...
إنها سنوات الجذب تحضر بالقحط، ليس كذاك الذي له علاج في المخططات التنموية فلاحيا واقتصاديا.. فهو فاسد أساسا، خاصة إذا ما انضافت إليه الكوارث الطبيعية، إنها مأساة مستدامة.. الأوبئة الفتاكة والطفيليات اللصيقة بالإنسان تمتص دمه،هي والطغيان والجوع والأمراض والتهميش... وقد قدر أن تكون حمولتها ثقلا على كاهل "عباس" بطل الملحمة المروية بوعي سارده..هذا البطل المقتحم لكل شيء والمتهجم على كل شيء والمقهور أمام كل شيء، محاصر باللاوعي والخوف في رؤوس وأدمغة ونفوس العباد .. إنه فارس القهر والمذلة والعفونة، يحمل سيف لسانه الشنيع ورمح غضبه الهائج ونبال نقده الفتاك.. فكانت تلك، مسامرة على نبيذ الأحزان التي لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وعمقت الحزن وكأنه " أزلية شيقة يستأنس بها.. وهنا نلمس تدفق شاعريته المليئة بأزهار آلامه:

( أيها القحط..
هذه السماوات هل تبكي..
هل في مآقيها يورد الياسمين..
هل تهدينا الرياح ضفائرها..
ها أنا أبدأ الآن صقل ربيع جديد..
أنثر بهاراتي على ضفاف الكلمات..

إلى أن يقول:

(... لنبدأ من هنا الآن..
ورويدا رويدا
تبدأ وصلة رقصات قارية
يفرزها ظل القراءة تحت لسان الحقيقة..
كي تطلع القصيدة)...


2) حكاية التيه
حكاية عباس الثالث الذي لا يعرف كيف يعيش ولا كيف يندمج مع الإحباط المحيط به، من الذين لا يملكون إلا قلة الوعي وقلة الحاجة وقلة التفاؤل كذلك.. لأنه عباس سليل أسر المحرومين والبؤساء والمفلسين، يلتجأ إلى السكر تائها في السراديب المظلمة، والقمم العربية المفرخة والرغبات المحبطة الغامضة والحرب الباردة والحروب النووية.. وما على الفقراء إلا أن يكتفوا بالنظر والخشوع والإعجاب والركون للاستسلام... أما الأغنياء فلا يحبون رؤية البؤس والفقر في أبهاء قصورهم..

( لكن ياترى بماذا يحلم الأغنياء والصيارفة والمرابون والمضاربون وعقيلات الأعيان والقادمون من دنى حياة محنطة بالحرمان والكبت وأقراص الفياغرا..؟"..

دوامة تثير الغثيان، وتدوخ أيا كان بالدوران والتيهان...فيصرخ برؤية تنظيرية:

( لنحاول معا ترتيب هذا العالم من جديد...)

3//) حكاية الفتى الساقط على رأسه

( أدركتني التخمة من أكل الغبار)

وهنا تصوير لمأساة مدينته " اليوسفية" مع ثروة " الفوسفاط".. زيارة الفقر لموطن هذا الفتى المنهوب الثروات.. فقر لا تحضر معه رأفة أو حماية...بل يحضر معه (القمل والطفيليات والأمراض والجوع وما فوقها من انتكاسات، بدأ من رقم 67 الممقوت لديه، ثم بداية التردي والمآسي.. فحتى الجهاد الوهمي والمموه لدى العرب ، كان بالأناشيد.. حيث اندثر وهم الناصرية وحلمها وما تعاقب بعدها.. إضافة إلى ضغوط الضائقة المالية من سياسة صندوق النقد الدولي...
- فهل هناك سقوط أفدح من مآسي محلية، وإحباطات قومية، ورأس مالية مجحفة، فأدى به كل ذلك إلى فقدان الثقة..سقوط تلو سقوط...

* البحث عن عباس الأول:

- عباس هذا، .يبحث عنه في غمار تيهانه..لفظه وطنه، مدينته، حياته..إنه المبحوث عنه من أجل أن يحكي لنا ما الذي هجره وشرده وهمشه..أين أنت ياعباس، في أولك لنتعرف على آخرك؟.. عباس الأول..آه..

"تشرب قهوتك يا عباس- قهوة سوداء كالليل معقليل من السكر- أنت لا تعشق سوى ذلك - لأن كأسا مترعة بالسائل الأسودبعدساعات العملالمضني تجعلك بمنتهى الخفة والرشاقة.. تبيد ما تحس به من هموموما ترسب في أعماقك من آهات .. لكن ما معنى أن يجلس المرء الى طاولة بأقصى ركن في مقهى.؟ ما معنى أن يرفع عقيرته بالصياح.. يقرأ الجريدة اليومية ويناقش أخباراسياسية مهمومة ويعلق ببرودة أعصاب ويتفرج على حشود المارة ويلحس بؤبؤعينيه مؤخرات الفتيات...؟
- ما معنى أن تجيب " العالم بألف خير، الدنيا بخير، وأنت تموت فقرا" ؟

+لنستمع إلى هذه الأغنية الغيوانية:

العيشة عشات والليل راح..
محلى اللغا يدور بين الملاح
الورد عطى ريحتو..
والذات مازالت حزينة..
والدم جف
ياناس وما نتوما ناس..
يا الزايدين المهموم في همو..
يالمعونين الظالم على ظلمو

* تغريبة الفتى عباس الثاني: (النص الثاني من مجموعة عباس السبعة)

- هي هجرة إلى المدينة بحثا عن وظيفة شريفة، وجد نفسه غريبا.. رحلة مأساة أخرى في عالم لا يعرف عباس معارجه.. عفريت بالليل وغول بالنهار.. أتى إلى عالم كل شيء فيه يباع ويشترى.. يرى ما يؤكل وما تشتهي النفس ولا يسعه إلا أن يعقد معه مواعيد في " الجنة"...

(أيها المزخرف من الظاهر كيف هي أخبارك من الباطن؟)..

لماذا أتى معتديا على هؤلاء "القساة" وهو " الفاعل التارك الذي ضحك عليه ماركس ولينين وتروسكي وتشي-غيفارا بالتفاهات التي ملأت الكتب.. وهكذا بدأ يفرغ جام غضبه بعد انكسار أمله.. فأخذ يجلد ذاته بأسوئ الأسماء والصفات اللاحسنى

( أنا الأحمق الخامل الأخرق المعتوه اللقيط الأبله الفاسق ...المتسخ الفاشل الجبان الخسيس... الحقير السفيه الكريه الشقي السافل الجاهل الأمي ............... العديم الحياء الآتي من مراتع البقر والحمير.. لا أراعي الأعراف وسطوة ووقار الوظيفة ...)

يلوم نفسه لتعكيره صفو هيبة أناس قابعين في مكاتبهم لا يجرؤون على أحد، وهو يجرؤ عليهم بطلب حقوق هي " لهم" قبله.. هم الأحق بها، لأن المكاتب ملك لهم.. ولهذا أقفلوا أمامه كل الاأبواب...

( وجدثني أمام مكتب من خشب رفيع ومجلة وخيط دخان.. المجلة يحمل غلافها صورة لامرأة عارية.. لاشك أن وراءها بطل لا يكل من النزول.. الآن عرفت سر المثل القائل بأن وراء كل عظيم امرأة...)


- إنه الفتى عباس الثاني المطرود من مدينتهم مثل جرو خرج خاسرا من معركة كلابية.. فر نحو حنينه (إنه عباس القادم من الرحامنة..).. تغريبة وغربة في هذا الوطن الذي يذكره بكل المآسي... مقالة: (ما معنى أن تكون مواطنا في المغرب؟)..

* هواجس عباس الخامس: ( استمرارية للتغريبة أواسترجاع لتداعياتها)

* التغريبة كانت وبقيت منذ البحث عن عباس األأول إلى الارتماء خارج الزورق حافيا يسيبح في الهزيع من الليل نحو المجهول..
- لا يذكر كيف خرج من البناية(مكاتب الإدارة)، بعد أن اشتد النباح المطارد له، وهو يجري (استمرار لحالة تغريبة عباس الثاني)... المارة يضحكون والسيارات تزعق.. وهو يجري ويلتفت... والمدينة التي يفر منها مدائن فوق مدائن (تعقيدات العمران الحديث وأخلاقياته).. شرفاتها معلق عليها ملابس داخلية تنز منها رائحة الجنس.. شاهد العسس والشرطة بدورياتها والكلاب تعدو وخفر الساحل، وهو يجري دون شعور... لا إرادة.. لاشيء.. الليل موحش خال، سماء وأرضا ونجوما وقمرا وحشرات وفراغا ناطقا بآلاف الخشخشات والحركات الغريبة التي يستأنس بها وتستأنس به.. هي مخلوقات، شبيهته في العزلة، والتي هي علاقته الوحيدة بالوجود.. " أنا خائف إذن أنا موجود".. توقف عن الجري بعد تعرضه للتشرد والرعب والعياء والهواجس... وبعد التحاقه بمنزله، وجد أباه الذي سأله عما قضاه من حاجاته والتي غاب لأجلها.. فانهال عليه بالتوبيخ والشتم والحط من معنوياته، لإنه عاد خاوي الوفاض..

* رحلة عباس السادس البري: (استمرارية تجمع بين الهواجس المقبلة ورحلة البر)

- في البداية كانت الأوجاع والمهانة والصقيع... " كنا قاب فقر من البحر" توحدنا في همومنا عبر الطريق.. فرضت علينا أوامر وإذعان.. وغرنا في مسالكنا، نشق الطريق وسط الحشرات و الأعشاب وجغرافية تضاريسها مضنية، نمشيها خوفا من مصادفة دورية ليلية لها ( عيون تسقط الطيور من فوق السور) والكل منعدم، النقاء والنظافة.. (ظلم العالم.. ظلم القامعين.. والبصاصين والهراوات...) وإثارة المشاكل والفتن... البحر الطويل والمديد والوافر والكامل... المعاناة وأنواعها... كل ذلك ونحن خلف الدليل الذي ينصح ويحث ويحذر... (وهنا كانت نهاية البر وبداية البحر).. انبهرنا لرؤية هذا البحر الغريب...

* رحلة عباس السابع البحري: (استمرارية وارتباط وثيق بعباس السادس البري)

( خرج الريس من بين الصخور وجلا مرتعدا، أكتافه كالبغل.. " الحياة كلبة بنت الكلب.. تمنح اللوز لمن لا أضراس له)..

الريس يشجع ويسأل عن مدى استعدادنا لكل مغامرة وطارئ وعن قدراتنا ومهاراتنا.. خاصة السباحة...

( البحر عظيم.. لم يكن يوما وصيفا ولا زيرا ولا قوادا لأحد.. أحنى ظهره للسندباد " البحري 27 سنة.. سافر خلالها سبع مرات.. كما غنمت الأميرة شهرزاد 33 شهرا، و30 فرصة للنجاة بواسطة حكاياته الجميلة... ومر منه نوح ويونس وعوليس وابن ماجد وطارق بن زياد...)

تعظيم للبحر وتقدير لرحابته أمام المحرومين مقارنة مع القساة من بني البشر الذين طردوه...

- تكونت بيننا حميمية مثالية - نحن العابرون- على الزورق، فكانت مسامرة وتعاضد ومؤانسة ومذاكرة ورقص وغناء.. يتحدون في الخسارة والانكسار ...

" عرب عرب عرب.."، ركبنا رؤوسنا بدل البحر.. لم نخاطر وخاطرنا بوحدتنا.. لم نجرب وجربنا أحقادنا.. لم نحول المستحيل إلى الممكن وحولنا هزائمنا إلى انتصارات.. وأسقطت من السماء البلاغات السرية لحروب انتصرنا فيها ولم نخضها.. أفشينا للأعداء ما تيسر من سيرة النفط الحزين.. وانهزمنا.. الله خلق الأرض في 6 أيام ونحن أضعناها في 5..أي خراء هذا..؟.. وأي تاريخ يتلج القلوب سوف نخلفه لأحفاذنا ؟...)

هنا مزج بين توحد المحرومين في مغامرتهم المظلمة، وظلام وغموض لمعنى الوطنية والقومية المتخاذلة..

- ( وتهللت سحناتنا وبدأنا بالصياح والزعيق...أمرنا الريس بالتهيئ للنزول.. تعانقنا.. واندفعنا كافة خارج الزورق حفاة، وأقبلنا على الارتماء للسباحة في الهزيع من الليل..)

***

(الجزء الأخير)

تقييم عمودي تقاطعي


من الواضح أن ثقافة الكاتب البطل عالية.. (ذكر أعلاما وأعلاما.. ومنهم ابن عبد الجبار النفري وتشيخوف وتروتسكي وهمنغواي وهنري ميلر..و...).. فهنا تتماهى شخصية عباس مع شخص الكاتب، في مرحلة " التنظير".. ويتماهى شخص الكاتب مع شخصية عباس في مرحلة التجريب.. حيث تكون فرجة ركحية يحدث أثناءها لعب الأدوار الحوارية والتكاملية بين الثقافي والواقعي، أي بين التنظير والتجريب.. ويتلاقيا عند ما تلاحظ سلوكيات الناس الغير متمدنة والغير متحضرة والغير وطنية والغير واعية، إلى حد التدمر، حيث تكون لعبة التشريح والمكاشفة المجهرية للواقع.. هذا الواقع الذي يقرأ بسعة أفق إيديولوجي وسياسي وتاريخي وحقوقي وسوسيوثقافي... وكذا بدراية للقوالب والنماذج اللفظية والتعبيرية الشعبية والنخبوية، كالألفاظ المعبرة والمصورة للبداءة، وما يوحي به مأثور الكلام المقتبس في غناء " ناس الغيوان" (قلبي جا بين ايدين الحداد...) وبالتوازي مع أشعار محمود درويش والأفكار الاستنهاضية: (ومن لا بر له لا بحر له.. ومن لا أرض له.. لا قبر له)... وفلاسفة مثل تشيخوف وهيدجر، ومضامين كتاب " ألف ليلة وليلة" والمطبعة التي أشرفت على طبعه،ترويجا للأوهام... وأيضا السياسات العربية والاقتصاد الدولي والأزمات العالمية وتبعاتها.. مما يدل على " التوافق المبدئي" لكل النصوص، من خلال تناغم الأسلوب مع المضامين، والكاتب مع بطله عباس، حيث الالتزام النضالي والتوجه التصحيحي الجدري، في إطار الوطن والعالم العربي والمنظور الدولي... ويبدو أن أقطاب فكره الذين قرأ لهم لم يصدقوه القول إلا في الظروف التي اكتشفوا شروطها.. بل أخذلوه بكونهم جعلوا الثورة تمتد عالميا خطأ وأوقفوها في وطنهم بالقوة.. الشيء الذي تناقض فيه كل من تروتسكي واستالين.. لقد وجد عباس مفارقة غريبة تتجاوزالتنظير لديالكتيك التاريخ، في مجتمعه الذي يمتهن بمهارة الالتواءات والتحايل على القانون والحقوق والشعارات، ويتقمص بحنكة مناورة، المخزنة السلطوية والقمعية...إنه شعور بالغبن واليأس والإحباط جعله يتأرجح بين الردة عن مبادئه والعودة إليها في تسلسل تبادلي، ناقما بكلام استنكاري وبأبشع أسلوب النقمة ضد الخذلان والتيئيس.. إنه الأسلوب الذي أعطى للنصوص الروائية السبعة شحنة من الثورية الاستنكارية اللفظية والثقافية والفكرية، بعدما كانت أمل نضاله المبدئي والفعلي.. فانعزل في تيهانه وهروبه:

( سأحزم حقائبي وارحل وإذا اردتموني ابحثوا عني في مزابل الفقراء... لم يتركوا لنا أي شيء..فرقوا المناصب والأرصدة والأوسمة.. فرقوا بينهم البر والبحر والجو.. وتركوا لنا الإفلاس والجوع والعرق والنكد..ليس لدي ما أخسره..).

- ذاك هو البحث عن الفتى عباس الأول، الذي سيوجد في تغريبته، ليطلق العنان لكلام لسانه، ويتخبط في هواجسه، ثم يتيه راحلا في البر والبحر، دون أن يتوقف عن النضال المبدئي في مدينته ووطنه وقوميته وعالمه، ليصبح بعد كل هذا، كاتبا في عباسه وعباسا في كتابته...


العربي الرودالي


التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...