وائل أحمد خليل الكردي, - شيء في نفس (ليفيوس)

ما أن كان ميكيافيللي Machiavelli يُذكر إلا وقرن بذكره كتاب (الأمير) The Princeكأحد أهم الكتب الأكثر شهرة وتأثيراً في فلسفة السياسة ، حتى كدنا لا نعلم له أثر غيره .. ولكن الدكتور لويس عوض كانت له كلمة أخرى ، إذ كشف عن كتاب مختلف ألفه ميكيافيللي أيضأ بعنوان (أحاديث عن ليفيوس) .. في هذا الكتاب أورد ميكيافيللي أفكاراً تبدو لأول وهلة غريبة عن نحوه الأول في (الأمير) وهي أن على السياسي الاحتفاظ في كل الأحوال والمراحل بشيء ما مخبئا في نفسه ، فعندما يعطي أفكاره يكون فعله كاشف عن جزء كبير أو ضئيل من فكرته وليس كلها .. ولقد عبر ميكيافيللي تعبيراً متقناً يؤيد فيه اولئك الذين يستخدمون الدين واجهة لتنظيماتهم يخفون ورائها حقيقة ايديولوجياتهم السياسية ، ليس من أجل صالح الدين نفسه وإنما لصالح أنفسهم فتمثل ميكيافيللي ما يدور في أذهانهم وما يصدر على لسانهم . وعلى هذا تأتي أقوال ميكيافيللي مرتبة يكشف آخرها عما اضمره أولها ، إذ قال :
(الأمراء والحكومات الجمهورية الذين يريدون أن يحافظوا على انفسهم من الفساد ينبغي عليهم قبل كل شيء آخر أن يحافظوا على شعائر دينهم مبرأة من الفساد ، وأن يحترموها على الدوام ، فليست هناك دلالة على خراب دولة أوضح من الاستهانة بقدر العبادات الإلهية . ومن اليسير إدراك ذلك إذا عرف المرء على أية قواعد يقوم الدين الذي يولد به الإنسان ... فواجب من يحكمون الجمهورية إذن هو أن يحافظوا على أسس الدين الذي يتبعونه ... حتى ولو كانوا يعتقدون أنها كاذبة) .. إن من يتأمل هذا الكلام – كما أشار لويس عوض – يجد أن (ميكيافيللي) يقصد بوضوح معنى أن قضية الدين ليست في صحته أو زيفه ولكن في وجوب التمسك به نظراً لوظيفته الهامة في ضبط المجتمع ، وليس من الضروري أن تكون المعجزات أو الكرامات مثلاً صحيحة ، وإنما المهم أن يعاملها الحكام على أنها صحيحة ، وعلى حد قوله ( وهكذا تضفي حجتهم على المعجزات مصداقية عند كل الناس) .. وهذه النظرة – والكلام مازال للويس عوض - نجدها فيما بعد لدى دعاة الحق الإلهي ، فالمؤسسة الدينية ظلت تستخدم لديهم كمانعة ثورات وضمان للسلام الاجتماعي ، وهي تقيم داخل كل مواطن شرطياً غير مرئي يحفظ الأمن العام دون قهر من الخارج (انتهى كلامه) .. وهكذا ، لم يخرج ميكيافيللي عن خطه الأساسي بأن الغاية تبرر الوسيلة ، ولكنه البسه ثوباً آخر ..
والسؤال الآن .. أليس هذا هو نفس ما تفعله التنظيمات السياسية المعاصرة باسم الدين لتحقيق أغراضاً مغايرةً تماماً لحقيقة وجوهر تعاليم الدين وقيمه ، ألم يجعلوه أداة سلطة وسيطرة وتمكين لأنفسهم ولمن والاهم .. الأمر الذي مجد العنف السياسي والاجتماعي لديهم فصار عندهم مبرراً وقطعوا له من النصوص الربانية ما يوافق غاياتهم وبغض النظر عن السياقات الكاملة لهذه النصوص وما شُرعت له .. وكم من ابرياء راحوا ضحايا للوسائل التي تبررها الغايات غير الشريفة ، وتعميد مقولة (إرادة القوة) سراً على نحو ما أرادها الفيلسوف نيتشه Nizsche وعلى نحو ما طبقتها جماعات الدين السياسي على المجتمعات والبلدان ، وبدعوى ميكيافيللي (أن العالم قد غدى مخنثاً والسماء لا تحارب دفاعاً عن الضعفاء ، فقد وصلنا إلى هذه الحالة نتيجة لتفاهة الرجال الذين فسروا ديننا وفقاً لروح الخمول وليس وفقاً لروح القوة) .. ولعل ميكيافيللي لم يستبعد أن تصدر أحاديث ليفيوس ايديولوجيات الدين السياسي ولكن دون تصريح عنها ، ولكي لا تعلم الشعوب أي منقلب هم ينقلبون ..
إن الفرق كبير بين من قال عن نفسه أنا مسلم ومن قال أنا إسلامي .. وبين من قال أنا مسيحي ومن قال أنا قديس دولة .. وبين من قال أنا يهودي ومن قال أنا صهيوني ..فبين الأصل والفرع مناط النفاق ، وكان النفاق دوماً علة ضياع الدين والدنيا معاً .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...