بافل زاهرادكا - نقد نظرية التسلسل الهرمى الجمالية ونتائجها فيما يتعلق بالفن والنقد الفنى والقيمة الجمالية.. ترجمة: د. رمضان الصباغ

( I ) مقدمة
سوف أتناول بداية فى هذا المقال مسأ لة التمييزالمفاهيمى بين الفن الرفيع والفن الشعبى من وجهة نظر فلسفية . وهذا يعنى أننى سوف اتطرق الى مسألة شرعيتها .وقد بدأ استخدام التمييز من قبل النقاد الثقافيين والمنظرين فى علاقته بالانتاج الضخم والتوزيع وتناول الموضوعات الثقافية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر . وكان اساس هذا التمييز هو الاعتقاد بأن هناك نوعين متميزين من الاعمال الفنية ، أوالموضوعات الثقافية التى تختلف جوهريا ليس فقط فى خصائصها البنيوية ، بل ومن حيث قيمتها أيضا . " هناك اسباب نظريةهى السبب فى أن الثقافة الجماهيرية ليست ، ولا يمكن أن تكون أبدا جيدة .
وهكذا ، فى حين أن اعمال الفن الشعبى تساهم فى تدنى او انعدام القيمة الجمالية ، فان أعمال الفن الرفيع تمثل " افضل معرفة وفكر فى العا لم . بغرض الاستيفاء ، يجب أن نضيف أن هذا التمييز يقسم فئا ت الانتاج الثقافى ، أى الانواع الفنية ، والانواع والاساليب . وفى الوقت نفسه كان الفرق بين الفن الرفيع والفن الشعبى – سواء صراحة أو ضمنا – يفسر باعتباره اختلافا فى القيمة الجمالية فى
نصوص النقاد الثقافيين والمنظرين . لقد أثبت " شوستر مان " عام 1991 بشكل مقنع أن نقد الفن الشعبى المبنى على نتائجه الاجتماعية السلبية يستند منطفيا على نقد قيمته الجمالية أيضا .
على سبيل المثال – حقيقة أن الفن الشعبى يقود الجمهور – وفقا لأدرنو وهوركهايمر – الى السلبية المدنية والسياسية والاستناد المنطقى على الاعتقاد بأن أعمال الفن الشعبى تضعف القدرات العقلية للمتلقين من خلال ضعفها الجمالى ( البلادة وسهولة التنبؤ ، والتبسيط الشكلى ) . وبالتالى فان هذه القضية الاساسية للجزء الاول هى مسالة ما اذاكان التمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبى يمكن الدفاع عنها بشكل مقنع ، أو بالاحرى ما اذا كان أساس هذا التمييز يكمن فى الأعمال نفسها ، أو ما اذاكان البناء الاجتماعى الاصطناعى الذى لا أساس له فى الواقع . الجزء الاول من هذه المقالة سوف يلخص الأسباب الرئيسية لاعتبارى ان التمييز غير قابل للاستمرار من وجهة النظر الجمالية .
مع ذلك اذا كان الفرق بين الفن الرفيع والفن الشعبى لا يمكن تبريره على أساس المعايير الجمالية ، فلابد ان يكون هناك تفسيرا آخرلسبب استخدامنا لهذا التمييز . وفقا لعلماء الاجتماع ، من الضرورى البحث عن اجابة على هذا السؤال فى مجال الخصا ئص العلا ئقية المرتبطة بالاعمال الفنية على أساس علا قتها بالسيا ق الاجتماعى الكا ئنة فيه .
وبالتالى ، سوف اتناول فى الجزء الثانى باختصار التفسير الذى قدمه المؤرخ الثقافى " لورانس ليفين " وعالم اجتماع الثقافة " بيير بوردو " حول الأسباب المتعلقة بالابداع والوظيفة الاجتماعية للتمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبى فى الولا يات المتحدة الامريكية واوروبا عند الانتقال من القرن التاسع عشر الى القرن العشرين .
فى الجزء الأخير من النص ، سوف أناقش التداعيات والتحديات التى تنشأ من المناقشة حول شرعية التمييز الهرمى المذكور فيما يتعلق بنظرية الفن والنقد الفنى والقيم الجمالية .
اولا : سوف اناقش مسالة ما اذاكان مفهوم الفن الشعبى يمكن نزعه من ازدواجية التسلسل الهرمى واعادة تأهيله لغرض الد راسة االامبريقية للاعمال الفنية . وسوف احاول الاجابة على هذا السؤال باستخدام المحاولة الاخيرة التى قام بها " نويل كارول " لاعاة تعريف مفهوم الشعبية ، او بالأحرى الجماهيرية ، والفن بشكل مستقل عن التمييز الهرمى بين الفن الرفيع والفن الشعبى .
ثانيا : سوف أحاول تبرير القواعد الاساسية التى تنبثق من النقاش حول شرعية الفرق بين الفن الرفيع والفن الشعبى فيما يتعلق بممارسة النقد الفنى .
ثا لثا :ساحاول توضيح التحد يا ت الأسا سية التى تواجهها القيم الجمالية نتيجة للنقاش حول شرعية التمييز قيد البحث والدراسة .
فى البداية لابد من الاشارة الى الأسس الجوهرية التى تستند عليها المناقشة التالية . دراسة التمييز تتعلق هنا بالفنون على الرغم من أن النقاد الثقافيين والمنظرين يتعاملون أحيانا مع الفرق بين نوعى الثقافة ( الثقافة الرفيعة فى مقابل الثقافة الأدنى – أو المنحطة - ) وبالتناوب بين الفن الحقيقى والترفيه الجماهيرى أو الفن الزائف .
-1- مسألة ما الفن ؟ وبالتا لى اذا لم نكن نعرف ما الفن ، فا ننا لا نستطيع أن نحدد بدقة معنى مفهومى الفن الرفيع والفن الشعبى .
-2- بالاضافة الى ذلك ، فان السؤال الذى يطرح نفسه هو ما اذا كان من المقبول ان التمييز الهرمى الذى يأخذ أشكالا مفاهيمية متنوعة فى نصوص النقد الثقافى يمكن أن تقتصر على الفن الرفيع والفن الشعبى .
-3- واخيرا ، يمكن أن تنشأ المسأ لة من ما ذا تكون القيمة الجمالية – فى الواقع - أو بالأحرى ، ما حدود الجمالى . فاذا كان الفرق بين الفن الرفيع والفن الشعبى يفسر هنا على أنه فى الأساس تمييز جما لى ، فكيف لنا أن نعرف أنه يمثل تمييزا جماليا ؟ وكيف – من ثم – لو أننا انكرنا الفروق الجما لية الهرمية بين الفن الرفيع والفن الشعبى ، هل يمكننا أن نكون واثفين من أننا استنفذنا كل احتمالات التبرير الجمالى .
( 1 ) أحد افتراضا ت هذا المقال هو تمكننا من تحديد معنى الفن ، ولأغراض هذه الدراسة ، سوف استخدم تعريف المؤسسات الفنية التى لا تنص ( جماليا أو فنيا ) على الخصائص التى يجب أن تكون لدى الموضوع المحدد اذا اعتبر عملا فيا ، بل بالا حرى تصف كيف يصبح الموضوع عملا فنيا ، وهذا من خلال حقيقة أن ممثل عا لم الفن قد أسبغ على نتاج من صنع الانسان حا لة مرشحة للتقدير .
ميزة تعريف الفن هذه هى حقيقة أنها ليست تقويما ، أى ، أنه لايستند الى فكرة محددة عن الجدارة الفنية ، وتقويم الأعمال متروك للممثلين أنفسهم اعتمادا بالدرجة الأ ولى على مفهوم الفن فى اللغة اليومية بالمعنى المتصور . يراعى هذا التعريف بالتا لى حقيقة أنه على الرغم من أن ما نعنيه عندما نسمى موضوعا عملا فنيا ، الا اننا لسنا بحاجة الى الاتفاق على مايستحق هذه التسمية من هذه الموضوعا ت .
( 2 ) أرى ان الحد من الانقسام الهرمى ( التفرقة بين الثقافة الرفيعة والثقافة الأدنى ، أو الفن الحقيقى والترفيه الجماهيرى ) وللتفرقة بين الفن الرفيع والفن الشعبى لغرض الوضوح بشكل أكبر فى مناقشة تبرير ذلك ، لأن التبرير الجارى بحثه هنا يصف شرطين لنظرية الانقسام الهرمى الجمالية التى تشكلت فى نصوص النقد الثقافى فى النصفين الأول والثا نى من القرن التاسع عشر .
اولا ، هذا التمييز يعنى فرقا جوهريا بين الخصائص المكونة للنوعين المتبا ينين من الاعمال الفنية ، وثا نيا ، يعنى الاختلاف فى القيمة أيضا . فى هذا السياق ، تم التعبير عن التمييز المفاهيمى حقيقة بطرق متباينة فى اللغة ليست ذات صلة بالموضوع .

( 3 ) ما قادنى الى تمييز الفرق القيمى ، باعتبار ان الفرق فى القيمة الجمالية يعد حقيقة ان انصار الفرق الهرمى انفسهم كتبوا عن المزايا الجمالية او عن أوجه قصور الفن الرفيع والفن الشعبى ، ولكن قاموا بذلك دون الاستناد بشكل صريح على أى تعريف للجمالية . والنظر الى تذبذب وتقلب مفهوم الجمالية وفقا للنظريات المختلفة ، فان من غير المحتمل ايضا ان يوافق انصار نظرية التسلسل الهرمى الجمالية على تعريف وحيد للقيمة الجمالية . ومع ذلك ، اعتقد ان من الممكن على المستوى الشكلى أن نحدد – على الأقل – السما ت الأسا سية للقيمة الجمالية .
القيمة الجمالية هى القيمة الجوهرية التى يمتلكها الموضوع على أسا س خبرتنا المباشرة بالموضوع ( ولا يمكن أن تستمد بشكل استنباطى أو تحسب بشكل كمى ) باعتبارها مقابل القيمة الخارجية للموضوع بفضل تأثيره أو علافته با لمجالات الاجتماعية والسياسية والا قتصادية وتقويمها - أى القيمة الجمالية - لا يتطلب خبرة مباشرة با لموضوع المعطى . ويبقى السؤال ، كيف نكون متأ كدين مرة واحدة وللأبد من دحض امكانية التبرير الجمالى للتمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبى .
ليس بوسعنا الوثوق على الاطلاق ، لأن دحضنا لنظرية التسلسل الهرمى الجمالية له طابع الجدل الاستقرائى . ولكن اذا كانت كل المحاولات السايقة المعروفة لنا لتبرير الفرق الجوهرى بين الفن الرفيع والفن الشعبى قد فند ت على أسا س معيارى مشكوك فيه ( قابل للنقاش حوله ) ، فمن الواضح أن علينا أن نبحث عن تفسير آخر لهذه الا زدواجية الثقافية .
( II ) نظرية التسلسل الهرمى الجمالية من وجهة نظر امبريقية
اعتقد أن نظرية التسلسل الهرمى الجما لية غير قابلة للاستمرار ، سواء من وجهة النظر الامبريقية أو المعيارية . وبعبارة أخرى فان مثل هذا التمييز لا يمكن تبريره من خلال الاشارة الى وجود نوعين مختلفين من الاعمال الفنية ، أو بالاشارة الى سبب مسبق صحيح . لقد حاولت اظهار عدم استمرارية الانقسام الهرمى من وجهة نظر امبريقية فى عملى- Vysoké versus populá-;-rní-;- umě-;-ní-;- - ( الفن الرفيع مقابل الفن الشعبى ) – ( 2009 ) . وسوف اقدم لمحة فقط عن أهم المحاولات لتبرير نظرية التسلسل الهرمى الجما لية والتشكيك فى شرعيتها عبر الأمثلة المضادة .
-1- الوسائط المختلفة لابداع الأعمال الفنية الرفيعة ( مستقلة والمبدع مستقل بذاته ) وفى الفن الشعبى ( تعاون جماعى خاضع لضغوط خارجية تؤدى الى ابتكار حلول توفيقية ) –وفقا ل " ماكدونالد " ولها تأثيرات جمالية متميزة على نتائج العملية الابداعية . ففى حين أن الأعمال الفنية الرفيعة متسقة ، فان الأعمال الشعبية تفتقر الى هذه الصفة الجمالية الايجابية .
مع ذلك ، يتناقض هذا التصريح مع عدد من الأعمال المعترف بها من الشرائع الفنية ( المبانى المعمارية ، والحكا يا ت الشعبية ، ولوحات عصر النهضة ، والافلام ) النا تجة عن عمل جماعى . فى نفس الوقت ، من بين الأعمال المسماة بالفن الرفيع نجد أمثلة عديدة من اعمال ذات مستوى متوسط من الجودة أو أقل من ذلك ، والتى تم ابداعها من قبل مبدع فرد .

-2- لقد دافع أنصار آخرون لنظربة التسلسل الهرمى الجما لية عن فكرة أن الأعمال الفنية الرفيعة والأعمال الفنية الشعبية تتبا ين فى الأثير الانفعا لى على المتلقين . فى حين يقدم الفن الشعبى – أو الترفيهى – باعتباره وسيلة تكنيكية للتحريض محددة سلفا ، وحالة انفعا لية معروفة ( خوف وحزن وانفعال وشهوة ) ، يعبر الفن الحقيقى عن التفرد وعن حالة انفعالية ملتبسة للفنان .
مرة أخرى مشكلة هذه الحجة هى أن تأثير التحفيز والانفعالات المعروفة يمكن أن بنسب ليس فقط للفن الشعبى بل يعزى أيضا الى الفن الرفيع . على سبيل المثال ، اللوحا ت الدينية لمصورى العصور الوسطى تثير المشاهد سلفا بمشاعر الرهبة والخوف . ومن جهة أخرى ، نجد أن العديد من الأعمال الفنية الشعبية تثير فى المشاهد عددا من الانفعالات الفريدة وغير العادية ، مثل المسلسل التليفزيونى الناجح تجاريا " ربات بيوت با ئسا ت Desperate Housewives " على أسا س المزج بين انواع من أفلام الكوميديا ، والمسلسلات الطويلة والاثارة البوليسية .
-3- يرى " ابرهام كابلان " أن الفرق الجمالى بين النوعين من الاعمال الفنية يكمن فى أنه ، فى حين أن مبدع الأعمال الفنية الشعبية يستخدم العمليا ت الفنية المجربة ( التى ثبتت جدواها ) بشكل ميكانيكى وبخنوع ، فان صناع الفن الرفيع يحاولون التجريب فى هذه العمليا ت والابتكار بصفة مستمرة . الشكوى من استخدام العمليا ت المجربة والنهج الابداعى النمطى – مع ذلك – يمكن تطبيقة ليس فحسب على الأعمال الفنية الشعبية ، بل على أعمال الفن الرفيع أيضا ، فأعمال العصور الوسطى الفنية أو الأعمال الواقعية الاكاديمية يمكن أن تخدم باعتبارها أمثلة مضادة . فقد سعى مبدعوها للتعبير عن بعض المعتقدات الدينية أوتقليد التصميم الكلاسيكى القديم من خلال قواعد اتناج محددة مسبقا .
من جهة اخرى ، نلتقى مع الابداع والابتكار فى الاعمال الفنية الشعبية . على سبيل المثال ، الكتاب الكوميدى ل " فرانك ميللر " ( عودة فارس الظلام ) ول " آلان مور " ( الحراس ) ، حيث يتم تفكيك والقاء نظرة جديدة على البطل السوبر ( الخارق للعادة ) . فيهما يجد الابطال السوبر انفسهم فى صراع مع مجتمع الأغلبية ، والشيخوخة ، التى تعد غير حصينة ويواجهون العديد من المشكلات النفسية والهواجس .
-4- توجد حجة ذات نفوذ لصا لح التمييز الجمالى بين الفن الرفيع والفن الشعبى قدمها " كليمنت جرينبيرج " فى مقاله ( الفن الطليعى والفن الهابط ) . وفقا لرأيه الفن الشعبى ( الفن الهابط ) ليس معقدا بالمقارنة مع الفن الرفيع ( الفن الحقيقى ) ، وبالتا لى لا يتطلب دورا كبيرا من المتلقى . الفن الحقيقى – والمثال النموذجى الذى يعتبره " جورينبيرج " فنا طليعيا – على النقيض من ذلك ، يتطلب مشاركة فعا لة كبيرة أى يتطلب مجهودا تامليا وتفسيريا من الجمهور بسبب تعقيده .
المشكلة فى هذه الحجة هى أن البساطة والتعقيد ليستا من الخصائص الجوهرية للاعمال الفنية بل هى خصائص علائقية – اى – تنتمى الى موضوع محدد على أسا س علاقته بموضوع آخر ، او بتعبير أكثر دقة ، الى الكفاءة الثقافية للمتلقى . مع ذلك ، بما ان راس المال الثقافى للمجتمع لا يوزع بشكل متساو ، فان العمل نفسه ( من اعمال الموسيقى الكلاسيكية والكوميديا ) يمكن أن يكون من الصعب فهمه بالنسبة لشخص معين ( أى يعد كفن رفيع ) بينما يكون من السهل تلقيه وفهمه ( أى كفن شعبى ) بالنسبة لشخص آخر .
- 5 - انصار نظرية التذوق الجماهيرى يعزون للفن الشعبى قيمة جمالية أقل لانهم يعتبرون أنه قد تم تصميمه أصلا للاستهلاك الجماهيرى . الفن الشعبى – أو الجماهيرى – يجب أن يركز على شىء مشترك بين أكبر عدد من المستهلكين . القاسم المشترك هو الذوق الجماهيرى الذى فى صورته الأكثر اقناعا – يتم تفسيره من قبل نقاد الفن الشعبى باعتبا ره ذوقا متوسطا ( أى غير متميز ) . مع ذلك – حتى هنا – نواجه الأمثلة المضادة لأعمال فنية شعبية على نطاق واسع – والتى - مع ذلك – تمضى خارج نطاق فكرة الذوق المتوسط . على سبيل المثال نجد ان أغنيا ت الراب على درجة عالية من الشعبية وتتحدى الفكرة العامة عن ما هو مقبول اجتماعيا ( فهى مبتذلة ، وموجهة ضد التيار الرئيسى للمجتمع ، وموضوعها غالبا الجنس والعنف ، وقصائدها المغناة كثيرا ما تستفيد من التعبيرات الشعبية .
انصار نظرية التسلسل الهرمى الجمالية تجنبوا مشكلة الامثلة المضادة من خلال زعمهم بان التمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبى ليس وصفيا ، اى أنه لا يحاول التقاط اضافة أصلية للمفهومين من خلال التحليل الدلالى ، بل يمثل فرضا معياريا عن كيفية استخدام كلا المفهومين بشكل صحيح ( بأكثر منهجية – تبعا لتفسير كارناب ) . وهكذا فان الحد الفاصل المحدد بين الفن الرفيع والفن الشعبى – بالطبع – لايعمل بين الأساليب والأنواع الفنية ، بل بينهما عبر أعمال الفن الفردية .
ومع ذلك فان مؤيدى المفهوم التحريفى لنظرية التسلسل الهرمى الجما لية من ثم يشرحون لماذا يجب علينا قبول اعادة تعريف الفن الرفيع والفن الشعبى ، او بتعبير أدق ما المزايا التى يجب علينا الحصول عليها من هذا التنقيح . اذا قبلنا هذا الاقتراح التحريفى ، عندئذ ، يصبح التمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبى معادلا للتمييز بين الفن الجيد والفن الردىء . مع ذلك – ما الجيد ، هل هما التمييزين اللذين لهما نفس الوظيفة ؟
يمكن للمرء ان يشير أيضا الى حقيقة أن عرض الامثلة المضادة يعتمد على فهمنا ما قبل النظرى لمفهومى الفن الرفيع والفن الشعبى ، او بالأحرى با لاضافة الأصلية لكلا المصطلحين . هذه الاضافة – مع ذلك – غا لبا ماتختلف اختلافا كبيرا ، وتعتمد اسا اسا على الفترة الزمنية المعنية والمجتمع المعنى ( زولبيرج ).
احدى اول حالات تسليط الضوء على التقلبا ت التاريخية للتمييز الهرمى بين الفن الرفيع والفن الشعبى كانت من قبل المؤرخ الأمريكى "لورانس ليفين " فى كتابه ( الفن الرفيع والفن التافه ) : وقد ظهر التسلسل الهرمى فى االثقافة الامريكية عام 1988 . اظهر" ليفن " أمثلة باستخدام مسرحيا ت شكسبير والاوبرا ، حيث ينظر الى العمل أوالنوع فى زمن باعتباره عملا جماهيريا ترفيهيا وفى وقت لاحق يمكن أن يصبح جزءا من الثقافة الرفيعة .
فى حين أنه فى النصف الاول من القرن التاسع عشر فى الولايا ت المتحدة ، كانت مسرحيات شكسبير جزءا لا يتجزأ من وسا ئل الترفيه الشعبية ، فانها قد تحولت فى النصف الثا نى من القرن التاسع عشر الى( ويرجع ذلك الى جزئيا الى انشاء المسارح الدائمة باعتبارها مؤسسا ت خاصة مع قواعد للسلوك السليم والملابس الخاصة ، كما يرجع ذلك جزئيا الى حقيقة ان شكسبير أصبح جزءا من التعليم الالزامى فى المدارس ) أعمال ثقافية رفيعة - وحيث – على سبيل المثال – قد اصبحت الاوبرا خاصة تتمتع بحماية النخب الثقافية والاقتصادية .
لقد اخترقت الحدود بين الفن الرفيع والفن الشعبى فى كلا الاتجاهين . على سبيل المثال ، نشهد اليوم شعبية المسلسل التليفزيونى (Twin Peaks )الذى أخرج من قبل كاتبى السيناريو " ديفيد لينش " و " مارك فروست " باعتبارها نوعا تافها فى مشروع الفن الساخر ولم يكن ناجحا مع الجمهور فى الوقت الذى بث فيه . بالمثل أفلام الكوميديا من الموجة الجديدة التشيكوسلافكية ((Homolkovi [Ecce Homo Homolka], Č-;-erný-;- Petr[Black Peter], Hoř-;-í-;-, má-;- panenko [The Firemen’s Ball]) ظهرت باعتبارها تصويرا سينيما ئيا مبتكرا مستوحى من أفلام الموجة الجديدة التى جاءت من خارج البلاد ، ولكن تم تبنيها لعقود باعتبارها كوميديا شعبية .
التقلب التاريخى لنطاق مفهومى الفن الرفيع والفن الشعبى يقودنا الى الاعتقاد بأن التمييز بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية هو تفسير اجتماعى لا أسا س له فى خصا ئص الأعمال الفنية فى حد ذاتها ، بل فى الطريقة التى تعا لج بها هذه الأعمال . اذا كان الحد الفا صل بين الفن الرفيع والفن الشعبى قابلا للاختراق فى كلا الاتجاهين ، فيبدو من غير المحتمل للغاية أن يكون الفرق بين هذين النوعين من الاعمال الفنية له أسا س فى أى خصا ئص جوهرية فى الأعمال نفسها .
معيار التمييز موجود بالأحرى فى الخصا ئص العلائقية المرتبطة بالأعمال الفنية على اسا س علاقتها بالسيا ق الاجنماعى الذى يتم فيه استهلاكها . وفقا لعا لمى الاجتماع " بوردو " و " دي ماجيو " يكمن الفرق الجوهرى بين الفن الرفيع والفن الشعبى فى التمييز الاجتماعى الذى يعد نتيجة لديمقراطية التعليم وتقليد الاستهلاك الثقافى للطبقا ت العليا من جانب الطبقا ت الدنيا ، والتحول والتغير الدائبين ( للتمييز الاجتماعى ) .
يبرهن " بورديو " فى كتابه المكثف ( التمييز ) -1984- من خلال أبحاثه الامبريقية الخاصة أن السلع الثقافية التى بسبب خصا ئصها ( الغموض والأسلبة – التنميق –والتجريد والشكلية الجمالية ) كان من الصعب على التيار الرئيسى للجمهور فى فرنسا فى الستينيا ت والسبعينيا ت من القرن الماضى التعامل معها ، لا فتقا ره – أى الجمهور – الى الكفاءات الثقافية والتعليمية الضرورية – فكانت توصف باعتبارها ثقافة رفيعة ( مشروعة ) ، حيث مثلت المعيار المقبول عموما للثقافة والذوق السليم ، وفى المقا بل اكتسبت الصفة الشرعية واستنسخت الانقسا ما ت الاجتما عية الموجودة . ومن خلال نقيض ذلك ، انعكست موضوعا ت الاستهلاك الثقافى للشرائح الاجتماعية الدنيا اجتماعيا واقتصاديا على اسلوب حياتهم المحدد ، وبالتالى افتقرت الى البعد عن الحياة العملية ، اى ان الموضوعات كانت واضحة لالبس فيها ، وواقعية مفضلة التوظيف ( الاخلاقى والانفعا لى – على سبيل المثال ) وكانت بصورة رمزية متدهورة باعتبارها مظاهر للثقا فة الشعبية والبربرية أو المبتذلة .

(III ) الأساس المعيارى لنظرية التسلسل الهرمى الجمالية :
التحفظا ت المذكورة سابقا حول الصلاحية العامة للتمييز الهرمى بين الفن الرفيع والفن الشعبى وكشف بعدها الاجتماعى يشير الى موقف نخبوى يمكن العثور عليه فى اسا سه . ويستند هذا الموقف للمعا رضة المعتادة ضد أنواع وأشكال الفن الشعبى .ويمكن تلخيصها بشكل مناسب بعبارة " ذوقى أفضل من ذوقكم " . المشكلة الأسا سية مع هذا الموقف الذى يعتبر الفن الشعبى مجالا أدنى جما ليا فى الانتاج الثقا فى – مع ذلك – يكمن فى حقيقة أن من الصعب جدا تقديم حجة من شأنها أن تبرهن على أن مجموعة من القيم أسمى من مجموعة قيم أخرى .
يؤدى هذا – فى الحقيقة – الى الطريق الهرمية التى تتم فيها التفضيلا ت الثقافية ويأتى تحديدها عن طريق الترتب الهرمى الاجتماعى القائم – مثل – الفنون البصرية والمسرح والموسيقى الكلاسيكية والانشطة الثقا فية الأخرى المفضلة من قبل الطبقات الاجتماعية العليا والأكثر قيمة من الناحية الجمالية من الافلام وموسيقى الروك وألعاب الفيديو .
يمكن أن يتم الكشف عن الأسا س المعيارى غير المبرر المرتكز على نظرية التسلسل الهرمى الجما لية بالدراسة النقدية لبعض حجج المدافعين عنها .

-1- على سبيل المثال – لماذا تكون مشاركة عدد كبير من الأفراد فى ابداع العمل الفنى ذات تأثير سلبى على صفا ته الجما لية ، ووحدته الشكلية ؟ اذا كان الارتباط بين جما عية الابداع والتأثير السلبى صحيحا ، فاننا يمكن أن نشكك أيضا فى شرعية جما لية المعابد اليونا نية والكنا ئس القوطية او القصص التى تم تنا قلها شفويا .
-2- الادعاء بأن المشاركة على نطاق واسع والانفعالات المألوفة المحرضة لمتلقى الفن الشعبى هى أقل شأ نا من الناحية الجما لية بالمقارنة مع المشاعر الفريدة وغير العادية التى تنشأ عن تلقى الفن الرفيع ترتكز على الأسا س المعيارى غير المبرر أيضا . وحينئذ لماذا يحب قبول هذا الزعم ؟ . ان المشاعر المشتركة على نطاق واسع للوقوع فى الحب ، وخيبة الأمل فى الحب ، والعداوة ـ او الحزن لفقد شخص محبوب ، تلعب دورا هاما فى الحياة الانسانية .
-3- يمكننا بالمثل التشكيك فى صعوبة معيار القيمة الجما لية . ما ذا عن الصعوبة التى تجعله – أى المعيار – جما ليا ذا قيمة ؟ ولماذا يعد العمل الفنى الصعب استيعابه فنا حقيقيا ، أى جما ليا أكثر قيمة من تلك الأعمال البسيطة ؟ . فى مقاله ( الفن الطليعى والفن الهابط ) نصير القضية فى الادعاء – اعلاه – " كليمنت جرينبيرج " لايجيب على هذا السؤال .
القيمة الجما لية الأسمى لما يعد معقدا على هذا النحو يمكن الدفاع عنها بادعاء أن التعقيد – بعكس البساطة – يتطلب تلقيا نشطا ويؤدى الى تطوير قدراتنا العقلية . وقد دعم هذا الافتراض – على سبيل المثل – من قبل أنصار نظرية التسلسل الهرمى الجما لية ، الذين رأوا أن وضوح وسهولة استيعاب الأعمال الفنية الشعبية يقود الجمهور الى السلبية العقلية والسيا سية ( ادرنو وهوركهايمر ) . هذا الموقف – مع ذلك – غير قا بل للاستمرار حا ليا نظرا لأنه يعتمد على الصراع الزائف بين الوضوح والجمهور النشيط .
على سبيل المثال – أظهر المنظر الجمالى الأمريكى " نويل كارول " بشكل مقنع – مستخدما العديد من أمثلة الفن الشعبى (الرواية البوليسية وأفلام الرعب والتمثيليا ت الاذاعية وغيرها ) – أن تلقى هذه الأعمال يتطلب المشاركة الفعالة من الجمهور ، بما فى ذلك التفسير ةالتنبؤوملء المساحا ت الفارغة فى سلسلة السرد ، والتقويم الأخلاقى ، وردود الفعل الانفعا لية ، وما الى ذلك . والقابلية للفهم والنشاط من الجمهور لا يستبعد أحدهما الآخر .
-4- واخيرا نظرية الذوق المتوسط للجماهير تقع أيضا فى الاسا س المعيارى . الافتراض الأسا سى لنظرية ذوق الجماهير المتوسط هو الادعاء بأن ماهو مخصص لجمهور واسع لا يمكن أن يكون حاصلا على التعبير الفنى الأصيل أيضا . من وجهة نظر شكلية منطقية ، ليس واضحا – مع ذلك – لماذا يكون العمل المميز والمعبر فنيا بشكل غير مالوف لا يحظى باهتمام واستقبال واسع من الجمهور . اذا كان هناك شىء أصلى وغير عادى ، فان هذا لا يعنى أنه غير مفهوم وغير مهم بالنسبة لمعظم الناس .
يبدو أن التنا قض الزائف بين محاولة جذب جمهور كبير والتعبير الفنى غير المميز من بقايا الأفكار الرومانتيكية الخاطئة عن العبقرى الفنى الذى يبدع فى عزلة اجتماعية ويزدرى قيم المجتمع . صناع الفن هم – مع ذلك – جزء من الجمهور الذى يبدعون من أجله . يشاركونه فى كثير من الاحيان احتيا جا ته ، وقيمه ومعتقداته . الهدف المميز للفنان – بالتا لى – لا يتعارض بأى حال مع الهدف لمشاركة الجمهور المناسب .
(IV) تداعيات وتحديات لنظرية الفن ، والنقد الفنى ، والقيمة الجمالية :
يبدو ا ن التمييز الهرمى بين الفن الرفيع والفن الشعبى ، لا يمكن الدفاع عنه جما ليا . يسلط المنظور التاريخى الضوء على أصله – أى التمييز – فى النصف الثا نى من القرن التاسع عشر ، ويؤكد على الوظيفة الاجتاعية ، أو بتعبير أدق على التقسيم الطبقى الاجتماعى . لقد اصبح الحد الفاصل بين الفن الرفيع والفن الشعبى اليوم مفارقة تاريخية . تظهر الدراسا ت السسيولوجية المعاصرة عن الاستهلاك الثقافى فى البلدان الصناعية أن الثقافة اليوم ليست شعبية ولا رفيعة ويمكن ان تكون بمثابة مؤشر موثوق فيه للوضع الاجتماعى للمستهلكين .
الطريقة التى يتم بها استنساخ التسلسل الهرمى حا ليا واضفاء الشرعية علي التسلسل الهرمى الاجتماعى قد تغيرت نتيجة لارتفاع مستويا ت المعيشة وديمقراطية التعليم والتغطية الاعلامية للثقا فة الرفيعة والحراك الاجتماعى والجغرافى والتعددية الجمالية . بالاضافة الى ذلك ، لا وجود للأهمية الاجتماعية للحدود الثقا فية فى الفنون أسا سا ، بل توجد أسا سا فى الملبس والمأ كل والترفيه .
على الرغم من ذلك فاننا هنا نبدى اهتماما بمسألة ما اذا كانت المناقشة حول شرعية التمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبى تؤدى الى بعض التداعيا ت والنتا ئج الأخرى ذات الصلة بنظرية الفن وعلم الجمال والنقد الفنى . فى الجزء الأخير من النص ، ساحاول فى ثلاث نقاط أسا سية أن ألخص هذه النتا ئج والاتجاها ت الجديدة للبحث .

-1- نظرية الفن
اعتقد أن الاهتمام المكرس حا ليا للفن الشعبى ورد الاعتبار له جما ليا يجب أن يؤدى الى التفكير النقدى واعادة تقويم الادوات المفاهيمية الاسا سية ( لما بعد ) الجما ليا ت الكا نطية ، ونظرية الفن ، مثل "المتعة المنزهة عن الغرض " و " اللعب الحر للخيال والبراعة " و " الغا ئية بدون غا ية " ( ايمانويل كانط ) و "التأمل الجما لى " ( شوبنهاور ) ، و " البعد النفسى " ( ادوارد بولو ) او " اللا معقولية" ( ستيورات هامبشير ).
لاشىء من هذه المقولات المفاهيمية يمكن أن بكون الأداة التى تصف بدقة التجربة الجما لية التى المشارك فيها المتلقى لبعض الأشكال الجديدة من الفن الشعبى ، مثل الاستماع الى المنافسة الشعرية أو حضور حفلات موسيقى الروك والموسيقى الالكترونية لتى لا تتطلب الاستماع فحسب ، بل تتطلب ايضا ردود فعل جسدية ، ومثل الغناء أو الرقص .
على سبيل المثال – فى اثارة زائر حفل ( الرولنج ستونز Rolling Stones ) الموسيقى " ، لا يمكن ادراك المتعة المنزهة عن الغرض التى اعتبرها " كانط " نوعا من المتعة العقلية النا بعة من تقدير الصفا ت الشكلية للعمل المتصور الذى ينتج تفاعلا متنا غما للملكا ت الادراكية فى الملاحظ .
هنا تنشا أيضا مسألة ما اذا كان مفهوم الفن الشعبى لا يمكن فصله عن التسلسل الهرمى التقويمى ، واعادة التعريف والتقدم نحو أداة مفاهيمية مفيدة لاجراء المزيد من البحوث الامبريقية . لقد خطا هذه الخطوة " نويل كارول " فى كتابه ( فلسفة الفن الجماهيرى ) – 1988- بدلا من مفهوم الفن الشعبى اللا تاريخى من وجهة نظره ، وصنف الاعمال الأكثر شعبية بين المتلقين فى وقت معين وفى مجتمع محدد، وقد استخدم " كارول " مفهوما محددا تاريخيا للفن الجماهيرى محولا تعريفه بطريقة محايدة .
يجب أن يحقق العمل الفنى الجماهيرى – وفقا لرأى كارول – ثلاثة شروط وافية بالغرض وأسا سية تعمل معا : ( 1 ) يجب أن يكون مثالا أو نموذجا للعمل الفنى . ( 2 ) يجب أن ينتج العمل الفنى ويوزع من خلال تقنيا ت الاتصال الجماهيرى ، ويرى " كارول " ان العمل الفنى يمكن ان ينظر البه فى مواقع مختلفة فى نفس الوقت عن طريق النماذج او الرموز . ( 3 ) ويجب أن تنتج الأعمال الفنية يشكل متعمد بطريقة تكون خصا ئصها البنيوية فى متناول اوسع نطاق ممكن من المتلقين السذج – غير المثقفين – نسبيا مع الحد الأدنى من الجهد التفسيرى المبذول .
مع ذلك – يواحه هذا التعريف الجماهيرى للفن عددا من التحديا ت والشكوك . أولا ليس من الواضح تماما كيفية حالة الجمهور الساذج نسبيا . هل يعنى هذا أنه اذا أبدع العمل الفنى فى أى لغة معينة ، فانه يستبعد تلقا ئيا كعمل جماهيرى ، لأن امكا نية فهم أى لغة تكتسب عن طريق التعلم ؟ . أو هل يجب أن نفهم الشرط الثا لث بمعنى أن فهم العمل الفنى الجماهيرى لا يتطلب أى معرفة معينة اضافية أو اى مهارات تفسيرية تتجاوز المعرفة العامة المشتركة فى زمن معين ومجتمع محدد ؟
المشكلة مع التفسير الثا نى هى الجهل او الكفاءة الثقا فية الموزعة بشكل غير متساو فى المجتمع . يختلف كل فرد – الى حد ما – فى تقا ليده الثقا فية عن الفرد الآخر ، وبا لتا لى ، يمكن أن يكون نفس العمل الفنى سهلا وواضحا ومباشرا لشخص ما ، فى حين يعانى شخص آخر ويبذل جهدا كبيرا ويخضع لتدريب خاص لكى يفهم نفس العمل .
على سبيل المثال – بالنسبة لمحبى الموسيقى الكلاسيكية و( الميتال ميوزيك metal music ) كمثا لين لنوع االفن الجماهيرى يمكن ان يكونا بشكل كا مل صعبا الاستيعاب . وعلى الرغم من أن الأعمال الكوميد ية غا لبا ما تعد أعمالا فنية شعبية ، الا أن العديد من كبار السن من الناس – غا لبا – يجدون صعوبة فى فهمها أو يرفضون فهمها ، لأنهم لايستطيعون فك شفرتها اللغوية ورموزها البصرية ، أى انهم ليست لديهم الخبرة مع وسا ئل معينة للتعبير موجودة فى الكوميديا . بالاضافة الى ذلك ،بعض انواع الثقا فة الجماهيرية ( مثل ما ذكرناه عن الميتال ميوزيك أو الروايا ت الخيا لية ) مصممة بشكل متعمد لكى لا تكون مفهومة للغا لبية العظمى من الجمهور . قد يكون من الصعب تصور أن البساطة يمكن أن تكون معيارا ذاتيا داخليا موثوقا فيه لتعريف االفن الجماهيرى ( الشعبى ) .
تكمن المشكلة الثا نية مع اعادة تعريف " كارول " – على ما اعتقد – فى حقيقة أن لا البا حثين الامبريقيين ولا النقاد يستخدمونه – اى الشرط الثا لث – باعتباره أسا سا للبحث أو لتقويم أعمال الثقا فة الاعلامية الجماهيرية . وهذا – بالطبع – لايقصى تعريف كارول تلقا ئيا . الا أنه يثير الشكوك عما اذا كان تعريف " كارول " للفن الجماعيرى مفيدا على الاطلاق . حتى لو كنا تنجاهل الشكوك السا بقة فيما يتعلق بالشرط الثا لث لتعريف الفن الجماهيرى ، فلا يزال مفهوم الفن الجماهيرى يبدو عاما للغاية ، وبالتا لى ، ليس مفيدا بما فيه الكفاية ليكون اداة تحليلية ناجعة فى دراسة أعمال وأنواع الفن الجماهيرى أو باعتباره مقولة مرجعية كا منة فى عمل معين يتم تفسيره أو تقويمه .
اعتقد أن هذا الغرض يلتقى بشكل أفضل كثيرا بفئا ت معينة من الانواع ( ادب الخيال العلمى ، والأدب الخيا لى ) أو اسا ليب ( الايقاع الحزين ، وموسيقى الروك ) ، لأنه يمكن تحديد الخصا ئص القيا سية وغير القيا سية والمتغيره لهذه الأعمال ا لمند رجة تحت هذه الفئة . دور الفئا ت العامة للانتاج الثقا فى فى تفسير وتقويم الأعمال سوف ننا قشه فى الفقرة التا لية .

-2- ممارسة النقد الفنى :
استكشا ف التمييز بين الفن الفيع والفن الشعبى أظهر أنه لايوجد سبب – على أسا سه – نستطيع أن نحدد نوعا واحدا ( مثل الاوبرا أو الروايا ت السيكولوجية ) على أن قيمته الجما لية أسمى من نوع آخر ( مثل موسيقى الروك أو ادب الخيال العلمى ) . ولذا لا يوجد سبب أيضا للتفضيلات الثقا فية المختلفة للمجموعا ت الاجتماعية المتبا ينة فيما يتعلق بهذه الانواع يوجب التنظيم الهرمى الى فئات أكثر قيمة جما ليا وفئا ت أقل قيمة جما ليا ، فالتسلسل الهرمى للقيمة بين الفئا ت الثقا فية لا يمكن تبريره بالتسلسل الهرمى بين الفئا ت الاجتماعية . لذا فاننى اعتقد ان من الضرورى فى النقد الفنى قبول مسلمة مساواة القيمة بين الفئا ت العامة للانتاج الثقا فى .
كذلك من المهم أن تدرك ان رفض التمييز الهرمى بين الفن الرفيع والفن الشعبى لا يعنى ايضا رفض كل الا نقسا م الهرمى فى مجال انتاج وتلقى الأعمال لفنية . هذا الاستنتاج المتسرع يمكن تجنبه اذا أدركنا أن أحكامنا الجما لية مرتبطة بالموضوعا ت الفردية لتفسيرنا وتقويمنا الجما لى . وهكذا فى حين يجب تطبيق مبدأ مساواة القيمة بين الفئا ت العامة للانتاج الثقافى مثل – الاوبرا وموسيقى الروك – فان الأعمال الفنية الفردية يمكن أن تقوم جما ليا ومقارنتها تحت فئة مشتركة .
يمكن مقارنة فيلم ( اجازة مستر بين Mr. Bean’s Holiday ) بفيلم ) يوم جراوندفوج Groundfog day ) ضمن فئة مشتركة لفيلم الكوميديا . وبعبارة أخرى، مساواة القيمة بين الفئا ت الثقا فية لاتعنى مساواة القيمة بين الموضوعا ت التى تقع ضمن هذه الفئا ت . فى التقويم الجما لى للأعمال الخاصة ، على العكس مع الفئا ت العا مة ، من الممكن الاشارة الى أسباب يمكن التحقق منها بشكل ذاتى مشترك لماذا نعتقد أن عملا فنيا ما أفضل جما ليا من عمل آخر . تصنيف الأعمال الى فئة ما ( مثل النوع ) يسمح لنا بالتعرف على غرض العمل ( على سبيل المثال ، هدف الفيلم الكوميدى هو الترفيه ، والتحفيز على الضحك ،أو تخفيف جدية الحالة ) ، وبا لتا لى ، على تحديد الخصا ئص التى تسا هم فى تحقيق الهدف ، وتجعل من عمل معين مثالا ناجحا لنوع محدد يشكل نهائى . تنوع الاهداف ضمن الفئا ت العامة للانتاج الثقا فى ، على نحو طارىء ، وبا ثر رجعى يؤكد عدم صلاحية المقارنة الهرمية للانواع او أنماط الفن أو الأعمال التى تنتمى الى فئا ت مختلفة .
الدراسة الجما لية للاعمال الفنية الشعبية – فى رايى – يجب ان تركز فى الأسا س على التحليل غير المتحيز لأنواع وأسا ليب وأشكال ثقا فة الاعلام الجماهيرية ، وذلك بوضع أهداف الفئة الثقا فية ذات الصلة ، وفيما بعد الخصا ئص القيا سية وغير القيا سية والمتغيرة للأعمال المنتمية الى الفئة ذات الصلة بالانتاج الثقا فى المؤثرة فى القيمة الجما لية النا تجة للعمل ، ومعرفة ما قد يكون – بالتا لى – اداة مفيدة للنفد الفنى . للاستيفاء ، يجب ان نضيف انه بالنسبة للنقد الفنى ، وتحديد الملامح المؤسسة وأهداف الموضوعا ت الفردية ، التى لاتخدم اسا سا فى المقارنة بين قيمة الأعمال تحت فئة مشتركة ، بل كأداة لتفسير الأعمال والكشف عن خصا ئصها .
اذا كان نقاد الفن يلجأون الى تجاوز الأعمال المنتمية الى نفس الفئة ، فهم يفعلون ذلك – الى حد كبير – لكى يشيروا الى الاسبا ب التى أدت الى اختيار استراتيجية ابداعية خاصة أكثر فعالية فى انجاز الهدف المحدد من الاستراتيجيا ت البد يلة فى عمل آخر .

-3- القيمة الجمالية :
النقد الاجتماعى للتسلسل الهرمى الثقا فى بين الفن الرفيع والفن الشعبى – مع ذلك – يثير الشكوك ايضا حول الحالة المعرفية للحكم الجما لى .
اولا وقبل كل شىء ، تفكيك الفرق الهرمى أظهر ان هذا الاختلاف كان على أ سا س أحكام جما لية مشكوك فيها ومتأ ثرة غالبا بعوامل غير جما لية ، مثل مفهوم المكا نة الاجتماعية أو الجهود الرامية الى تمييز الشخصية نفسها اجتماعيا عن الفئا ت الاجتماعية الأخرى .
تغلغل العوامل غير الجما لية فى الحكم الجما لى قد وصف ببلاغة من قبل " تورستين فيليبين " . يعرض " فيليبين " مثال ملعقة الفضة المصنوعة يدويا ، والتى تعتبر بصفة عامة موضوعا أجمل كثيرا من الملعقة الالومنيوم المصنوعة ميكا نيكيا . والسبب فى ذلك ليس – مع ذلك – لأن الملعقة الفضية أجمل من ملعقة الالومنيوم ، بل لأنها نادرة الوجود . السببالثانى بالنسبة للقيمة الجمالية الرفيعة للملعقة الفضية – وفقا ل " فيليبين " هو أنه بالنظر لهدفها الأسا سى ، هى أقل فائدة من ملعقة الألومنيوم . من خلال جدواها العملية تصبح الملعقة الفضية – فى الحقيقة – مفيدة اجتاعيا ، لأنها يمكن أن تستخدم وغفا للاستاتيجية الترفيهية الواضحة لتبرهن على المكانة الاجتماعية الرفيعة.
ثانيا ، يعمل علماء الاجتماع على البحث عن العلاقة بين المكا نة الاجتماعية والتفضيلات الثقا فية للاشخاص الجارى عليهم البحث ، وقد خلصوا الى أن التفضيلات الثقا فية والأحكام الجمالية للأفراد مشروطة بالخلفية الاجتماعية للفرد ، والمستوى التعليمى والوضع الاجتماعى الذى ينتمى اليه . فى وصفهم للاستهلاك الثقا فى عندئذ ، حددوا مجموعة اجتما عية معينة ونمط معين للاستهلاك الثقا فى وتقويما جما ليا . والقيم الجما لبة بالتا لى يمكن أن تواجه مسأ لة ما اذا كانت الأحكام الجما لية يمكن الزعم بأنها مشروعة بصفة عا مة او صالحة بشكل ذاتى مشترك اذا أعربت سببيا عن شكل مختلف للحياة ونمط استهلاكى مشروط اجتما عيا للفرد .
تتحدى النظرية النسبية السسيولوجية فى نسختها الاكثر اعتدالا مفهوم الاستقلال الذاتى للقيمة الجما لية ، بمعنى أن معايير استخدام القيمة الجما لية لا يمكن أن تستمد تماما من هذه القيمة فى حد ذاتها . فى هذه النسخة المتطرفة ( الراديكالية ) ، تقودنا النظرية النسبية الاجتماعية الى التساؤل عن استقلا ل القيمة الجما لية من حيث عدم الاختزال الى قيمة أخرى او عامل غير جما لى . هل مسألة القيمة الجما لية مسأ لة نفوذ ومنظور اجتماعى ؟ هل للعمل الفنى وظيفة جما لية ، ام أنه يتخذ وظيفته وقيمته من التمايز الاجتماعى ؟ . هل نسبت القيمة الجما لية الرفيعة لمسرحيا ت " تشيكوف " – على سبيل المثال – نتيجة للمكانة الاجتماعية الرفيعة لمتلقيها ؟
هل صلاحية الحكم الجما لى الذى يعزو قيمة جما لية رفيعة لأفلام " بيرجمان " متحداة بأنه وفقا للاحصاءات ، يمكن فهمها فحسب من الأشخاص الحاصلين على التعليم الجامعى ؟ . يبدو لى أن القيمة الجما لية يجب ان تعا لج هذه القضايا على وجه التحديد على الرغم من ( وربما بسبب أن ) حقيقة أن جزءا من موقفنا الطبيعى هو افتراض انه من الممكن أن يتم الحكم الجما لى المستقل ذاتيا . وتوضيح الأسئلة المعرفية الأسا سية للحكم الجما لى ، سوف يساعد – على سبيل المثال – على تحديد حدود وامكانيا ت النقد الفنى – أى – المطابا ت والحدود التى يمكن أن تكون ذات معنى ومرتبطة بالحكم الجما لى .

**********************************************************************

ايضاحات
تعريف ببعض الاسماء واموضوعات الواردة بالبحث ( المترجم )
شخصيات
1- ريتشارد شوسترمان ( 1944- ) فيلسوف براجماتى امريكى – له اسهامات فى علم الجمال –استاذ الفلسفة فى جامعة فلوريدا اتلنتك
2- لورانس ليفين Lawerence .W. Levine ( 1933-2006 ) مؤرخ ثقافى امريكى – يؤكد على التعددية الثقافية ووجهات نظر الناس العاديين فى دراسة التاريخ .
3- ارنست انجمار بريجمان Ernest Ingmar Bergman ( 1918-2007 ) مخرج وكاتب ومنتج سويدى – كان اكثر المؤلفين انجازا وتأثيرا واكثر شهرة .
4- نويل كارول Noël Carroll (مواليد 1947) فيلسوف امريكى - يعتبر واحدا من الشخصيات الرائدة في الفلسفة المعاصرة للفن . اهتم بفلسفة الفيلم، و نظرية وسائل الإعلام، وأيضا فلسفة التاريخ.
5 - بيير بورديو Pierre Bourdieu ( 1930- 2002 ) عا لم اجتماع فرنسى معاصر - شدد على دور الممارسة والتجسيد في الديناميات الاجتماعية. بناء على نظريات مارتن هايدغر، لودفيغ فيتجنشتا ين، موريس ميرلو بونتي، إدموند هوسرل، كارل ماركس، غاستون باشلار، ماكس فيبر، إميل دوركهايم، كلود ليفي شتراوس قدم مساهمات كبيرة فى اجتماعيات التربية، نظرية علم الاجتماع، وعلم الاجتماع الجمالي.
6جورج ديكي George Dickie ( 1926 - ) هو أستاذ فخري في الفلسفة في جامعة إلينوي في شيكاغو. متخصص فى علم الجمال، وفلسفة الفن .
7- بول جوزيف ديماجيو Paul Joseph DiMaggio ( 1951 - ) أستاذ علم الاجتماع في جامعة برينستون منذ عام 1992 .
8- جون فيسك John Fiske ( 1901 - 1842). الفيلسوف الأمريكي ومؤرخ -
9-كارل غوس تاف "بيتر" همبل Carl Gustav "Peter" Hempel ( 1997 - 1905). الكاتب والفيلسوف الألماني - وكان شخصية رئيسية في التجريبية المنطقية، وهي حركة القرن ال20 في فلسفة العلوم.
10-- إبراهيم كابلان Abraham Kaplan ( 1993 11 - 1918). وقد تأثر تفكيره من قبل البراغماتيين تشارلز ساندرز بيرس ووليام جيمس وجون ديوي.
11-كارلهاينز لودكينغ Karlheinz Lüdeking (1950 - ) هو أستاذ تاريخ الفن وتاريخ الفن في جامعة الفنون في برلين.
12- دوايت ماكدونالد Dwight Macdonald ( 1906 – 1982 ) الكاتب الأمريكي، محرر، الناقد السينمائي والناقد الاجتماعي، الفيلسوف .
13- ريتشارد ل. بيترسون Dr. Richard L. Peterson . خبير اقتصادي سلوكي أمريكي وطبيب النفسي.
14- كيندال لويس والتون Kendall Lewis Walton ( 1939 - ) هو الفيلسوف الأمريكي
يهتم أساسا بدراسة المسائل النظرية حول الفنون وقضايا فلسفة العقل ، والميتافيزيقيا، وفلسفة اللغة .

أفلام وموسيقى
-1 فيلم اجازة السيد بين Mr.Bean ,s holiday فيلم كوميدى بطولة روان تكينسون فى دور مستر بين – عرض فى 30 مارس 2007 فى المملكة المتحدة
2- يوم جرذ الارض Groundfog Day فيلم كوميدى – فنتازيا امريكية – اخراج هارولد رميس بطولة بيل موراى & اندى واكدويل & وكريس اليوت – يستند الى قصة كتبها دانى روين – صدر فى 1993 – من المقرر عرض النسخة الموسيقية على المسرح عام 2016 .
3- الميتال ميوزيك وهى اختصار ل Heavy Metal MUSIC لون من الوان موسيقى الروك تطور فى سبعينيا ت القرن العشرين من البلوز والهارد روك – يمتاز با لقوة والتحرر من القيود والصوت القوى للجيتار واستعمال الدرامزوالباس جيتار –وتتحدث الاغا نى فيه عن الحروب والاحداث السياسية والاجتماعية والموت والقصص الخيا لية والحزن .


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...