نادين قورديمر Nadine Gordimer - في سالِفِ الأيّام Once upon a Time.. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

كتب لي أحدهم يطلب مني المساهمة في كتاب يحوي مجموعة قصص للأطفال. أجبته بأني لا أكتب قصصا للأطفال، فكتب إلي مجددا بالقول إن أحد الروائيين ذكر في مؤتمر / معرض كتاب / سمنار عُقد مؤخرا بأنه يجب على كل مُؤَلَّف أن يكتب على الأقل قصة واحدة للأطفال. فكرت في أن أبعث للرجل ببطاقة بريدية صغيرة أقول له فيها إنني لا أقبل بأنه "يجب" على كتابة أي شيء.

ثم استيقظت من منامي ليلة البارحة – أو بالأصح استيقظت دون أن أعرف من أيقظني.

أهو صوت من غرفة صدى العقل الباطن؟

أم صوت.

صرير، مثل الذي يحدثه ثقل قدم واحدة بعد أخرى على أرضية خشبية. أنصَت. أحسست بفتحتي أذني تتوسعان من فرط التركيز. مرة أخرى: ذلك الصرير. كنت أنتظره مترقبة. كنت أنتظر أن أسمعه وأن أعلم إن كانت تَانِكَ القدمان تتحركان من غرفة لأخرى، وهما تتقدمان عبر المَمَرّ - إلى بابي. لم يكن بابي مزودا بقضبان تمنع السُرّاق، وليس لي مسدس أخفيه تحت وسادتي. غير أني كنت أحمل مشاعر الخوف نفسها التي تمور في دواخل الذين يتخذون تلك الاحتياطات. كانت قطع زجاج نوافذ غرفتي في رقة قشرة الصقيع، يمكن كسرها مثل كأس نبيذ. قُتلت امرأة (كيف يمكن لهم أن يخففوا من وقع ذلك) في عز النهار على بعد شارعين مني. وفي العام الماضي قُتل خنقا وطعنا بالسكين أرمل يمتلك ساعات أثرية قيمة مع كلب حراسته، وأتضح أن قاتله كان هو عامله الذي كان قد فصله من خدمته دون أن يدفع له راتبه. بقيت أحدق ساهمةً في الباب، وأصنعه بخيالي أكثر من أن أشاهده في ذلك الظلام. استلقيت دون حراك - فأنا قد عددت نفسي ضحية بالفعل – واختلال نَّظْمية قلبي تتسارع وتسابق الريح ضاربة بتلك الجهة أو تلك على قفصي الصدري. يا لدقة ضبط تلك الحواس، وأنا قد صحوت لتوي من فترة راحة، نوم! لم أكن بوسعي أن أستمع قط لضربات قلبي باهتمام مثل ذلك الاهتمام وأنا في وسط مُلْهِيات النهار. بقيت أتفحص في أي صوت بالغ الخفوت أسمعه، واسْتعْرف عليه، وأصنف خطره الممكن.

غير أن أدركت أن ليس هنالك ما يهددني أو ينقذني. فليس هنالك ثقل بشري يدوس على خشب الأرضية. كان ذلك الصرير هو نتيجة لتحدب الخشب في مركز التوتر. كنت في وسطه. فالبيت الذي يحيط بي عندما أكون نائمة قد بُني على أرض مقوّضة. كانت تلك الأرض محفورة لعمق كبير تحت سريري وأرضية الغرفة. وكانت أساسات البيت، وفتحات مناجم الذهب وممراتها قد جوفت الصخور. وصارت الأرض على عمق ثلاثة آلاف قدم تهتز وتتمايل، فيتحرك البيت بأكمله بعض الشيء، فيحدث خللا في توازن وموازنة ما يحفظ من حولي شكل البيت من طوب واسمنت وخشب وزجاج. ثم بدأ اختلال نظمية ضربات قلبي يتناقص تدريجيا مثل آخر أنفاس مقطوعات آلة الزايلفون الخشبية التي يصنعها رجال التسونجا والتشوبي الموزمبيقيين المهاجرين الذين ربما يكونون في هذه اللحظة يعملون في المناجم أسفل بيتي. وقد تكون فتحات مناجمهم قد انهارت وغدت تنزف ماءً من أوردتها الممزقة ولم تعد تستخدم، وربما كان أولئك الرجال قد قبروا عميقا تحتها.

لم أجد لعقلي مكانا يمكن له فيه من أن ينفك عن جسدي – وأن يطلقني لأنام مجددا. لذا قررت أن أحكى لنفسي قصة، قصة ما قبل النوم.

**** **** ****

في بيت بأحد ضواحي المدينة عاش رجل مع زوجه التي كان يحبها حبا جما في سعادة لم يكدر صفوها شيء لسنوات وسنوات. وكانا قد رزقا بابن كانا يحبانه حبا عظيما. وكان لهما قط وكلب يحبانهما حبا شديدا. وكان لهما أيضا سيارة ومقطورة (كارافان) يستخدمانها في العطلات، وحوض سباحة أحاطاه بسياج كي يمنعا سقوط ولدهما الصغير وأصحابه الذين يأتون للعب معه. وكانت لهما خادمة منزل هي موضع ثقتهما ومحط اعتمادهما، وبستاني متجول زكاه لهما بشدة جيرانهما.

كانا قد بدأ حياتهما السعيدة معا بعد أن نصحتهما أم الزوج، تلك الساحرة العجوز، بألا يدخلا عليهما أي شخص مجهول الهوية يأتيهما من الشارع. وكانا قد اشتركا في جمعية طبية خيرية، وكان كلبهما مرخصا، وبيتهما مؤمنا ضد الحريق والفيضان والسرقة. وكانا ضمن عضوية لجنة مراقبة الأمن بالحي، التي زودتهما بلوحة كتب عليها بحروف كبيرة فوق رسم صورة ظلية لمتسلل مفترض: "لقد أنذرناك". كان ذلك المتسلل يضع قناعا عل وجهه، لذا ليس من الممكن معرفة إن كان أبيضا أو أسودا. وهذا ما يثبت أن صاحب البناية ليس عنصريا!

لم يكن ممكنا تأمين البيت أو حوض السباحة أو السيارة ضد أضرار حوادث الشغب. كانت هنالك بالفعل مظاهرات عنيفة وشغب، ولكنها كانت خارج المدينة، حيث يسكن أناس ذوي بشرة مختلفة اللون. لم يكن مسموحا لهؤلاء الناس بدخول ضواحي المدنية إلا إن كانوا من فئة خدم المنازل وعمال البساتين. ولذا أخبر الرجل زوجه بأنه ليس هنالك خوف من ذلك البستاني المتجول. ورغم ذلك فقد ظلت الزوجة تخشى من أن يأتي يوم تدخل فيه جموع أولئك الناس إلى شارعهم ويمزقوا تلك اللافتة التي كتب عليها "لقد أنذرناك"، ويقتحموا البوابات ويندفعوا للداخل....

"هذا كلام فارغ يا عزيزي". هكذا قال الزوج. "هنالك شرطة وجنود وغازات مسيلة للدموع وبنادق قادرة على إبقاء هؤلاء بعيدا".

ولكن من أجل إرضائها – ولأنه كان يحبها حبا جما، (وكانت الحافلات تحرق، والسيارات تحصب بالحجارة، وأطفال المدارس يُضربون برصاص الشرطة في تلك الأحياء البعيدة عن الأنظار) قام زوجها بوضع كاميرات مراقبة على البوابات. وكان كل من ينزل لافتة "لقد أنذرناك"، ويحاول فتح البوابات أن يعلن عن نواياه بالضغط على زر ليتحدث عبر راديو ينقل كلامه للبيت. وكان ولدهما الصغير معجبا ومبهورا بذلك الجهاز فبدأ في استخدامه كجهاز اتصال يدوي يلعب به لعبة "شرطي ولصوص" مع أصحابه الصغار.

تم إخماد كل المظاهرات المثيرة للشغب، غير أن هنالك الكثير من السُرّاق ما زالوا في تلك الضاحية. وكان أحد السكان قد أَمِنَ لخادمته، ولكن اللصوص قاموا بتقييده وحشره في خزانة للملابس، بينما بقي بيت مخدمها تحت رعايتها. انزعجت خادمة الرجل وزوجه وطفلهما الصغير، وهي المُؤتَمَنة الموثوق بها، مما حاق بذلك الرجل. وكانت ترى نفسها مسؤولة عن الرجل وزوجه وطفله. فطلبت في الحاح من رب البيت أن يقوم بتركيب قضبان حديدية على أبوب البيت ونوافذه لمنع تسلل اللصوص لداخله، وأن يجلب للبيت نظام إنذار. أيدت الزوجة اقتراح خادمتها وناشدت الزوج أن يأخذ بنصيحتها. وبذا صاروا يرون الأشجار والسماء من كل باب أو نافذة في البيت الذي كانوا يعيشون فيه في أمن وسعادة ولكن عبر القضبان الحديدية. وذات ليلة، عندما حاول القط – كما هي عادته - أن يصعد عبر النافذة المشبكة إلى سرير الصبي الصغير ليؤنس وحشته، أثار ذلك جرس إنذار الخطر، فانطلق عاليا يدوي في البيت الهادئ.

وكان جرس إنذار الخطر في بيتهم يتأثر فيما يبدو بأجراس الانذار في البيوت المجاورة. وصار الجرس يثار بأي حركة من قط أو قضمة من فأر. وصارت أجراس إنذار كل بيوت الحي تنادي بعضها البعض في نوبات ثغاء وصراخ وعويل. ومع التكرار تعود سكان الضاحية على ذلك التناغم. وصارت تلك الأجراس الزاعقة لا تثير سوى نقيق الضفادع وما تصدره أرجل حشرة الزيز من أصوات موسيقية. وتحت غطاء من التلاعب الاليكتروني أفلح المتسللون في نَشْر القضبان الحديدية واقتحام المنازل وسرقة أجهزة الوايف اي والتلفاز والمسجلات والكاميرات والراديو والمجوهرات والملابس، وكانوا أحيانا يهجمون على الثلاجات إن كانوا جوعى بما فيه الكفاية ويلتهمون كل ما يجدونه فيها، أو يأخذون – في تهور- استراحة قصيرة، ليشربوا ما يجدونه في الخزائن والبارات المنزلية من ويسكي فاخر. ولم تقم شركات التأمين بتعويض المتضررين عن تلك المشروبات الروحية الغالية الثمن. وكان مما أغاظ أصحاب البيوت المسروقة أن أولئك السُرّاق لم يكن بمقدورهم تقدير القيمة النوعية لما احتسوه.

ثم أتى وقت تكاثرت فيه أعداد العَوَاطِل في الضاحية من الذين كانوا يعملون سابقا خدما مؤتمنين وعمال بساتين. وألحف بعضهم في طلب العمل في أي مجال: لطلاء سقف أو حَشَّ عشب، أو أي شيء يا مدام أو "بوص Boss". غير أن الرجل وزوجه تذكرا التحذير بخصوص تشغيل كل من يأتي من الشارع. كان بعضهم يحتسي الخمور الرخيصة ويلقي بقواريها الفارغة على قارعة الطريق ويلوثه. ولجأ بعضهم للتسول، فكانوا ينتظرون السيد أو السيدة عند لحظة قيادتها لسيارتها إلى خارج البوابة الإليكترونية ويمدون أيديهم طلبا للعون. كانوا يقضون وقتهم في حالة بؤس شديد تحت ظلال أشجار الجاكاراندا التي كانت تجعل من الشارع نفقا أخضر. كانت تلك الضاحية بالفعل ضاحية جميلة، ولا يعيبها سوى وجود هؤلاء. فقد كان بعضهم يفرط في الشراب فينامون على الأرض خارج البوابات تحت شمس الظهيرة.

لم تكن زوجة الرجل تطيق رؤية أي بشر وهو جوعان، فدأبت على أن تبعث بخادمتها المؤتمنة لهم حاملة الخبز والشاي. غير أن الخادمة كانت كثيرا ما كانت تحذرها من أولئك المتسكعين مثيري الشغب الذين سيأتون يوما ويقيدونها ويرمون بها في خزانة الملابس. أيد الزوج ما قالته الخادمة، ونصح زوجته بأخذ تلك النصيحة على محمل الجد. قال لها: "إنك تشجعينهم بما تقدمينه لهم من خبز وشاي. إنهم يترقبون فرصتهم". قال لها ذلك ونهض من فوره ليحضر دراجة ولده الهوائية من الحديقة إلى داخل المنزل. وظل يفعل ذلك كل ليلة. صحيح أن البيت يصبح مؤمنا بعد غلقه وتشغيل جهاز الإنذار. رغم ذلك فقد يتسلق أحدهم السور أو يعبر البوابة إلى داخل الحديقة. وافقته زوجته على رأيه واقترحت أن يزيد من ارتفاع الجدار. وتولت أم الزوج الحكيمة، تلك الساحرة العجوز، دفع تكلفة تعلية السور كهدية عيد الميلاد لابنها وزوجه، بينما حصل حفيدها على ملابس رجل فضاء وكتاب قصص خرافية.

وتواترت الأخبار كل أسبوع عن حالات تعدٍ على البيوت، في عتمة الليل، وقبيل بزوغ الفجر، وفي وضح النهار أيضا، بل وفي أصيل أيام الصيف الرائعة – فقد كانت إحدى العائلات تتناول عشاءها بينما كانت غرف نومها في الطابق الأعلى تُنهب.

التهى الرجل وزوجه بالحديث عن آخر حادثة سطو وقعت في الضاحية عن منظر قط ولدهما الصغير وهو يظهر في يسر وسهولة عبر الجدار الذي يبلغ طوله سبعة أقدام، ويهبط منه بعد استعد لذلك بمط طرفيه الأماميين نحو السطح العمودي الهائل، ثم انطلق للأسفل في حركة رشيقة. وهبط في داخل البناية وذيله يطلق حفيفا خافتا. ترك صعود وهبوط القط آثارا واضحة على الجدار الناصع البياض. وكانت هنالك على الجدار في الجهة المقابلة للشارع لطخات في لون الرمل الأحمر قد تكون من آثار أحذية رياضية ممزقة كانت تُشاهد في أقدام المتسللين العَوَاطِل الذين يجوبون الضاحية لأهداف تعوزها البراءة.

وعندما قام الرجل وزوجه وولدهما الصغير بأخذ الكلب في جولة بالأقدام في الشوارع المجاورة لم يعودوا يتوقفون أمام تلك الزهور المنسقة ولا ذلك المسطح العشبي البديع، فقد كان كل ذلك مخفي خلف مختلف أنواع الأسوار الأمنية والجدران والأجهزة. ومر الزوج والزوجة والطفل وكلبهم بنوع آخر من الحماية قليلة التكاليف: زجاج مكسور خلط مع الاسمنت ووضع على طول الجزء العلوي من الجدران. وكانت هنالك أيضا جدران ثبتت في أعلاها قضبانا حديدية تنتهي برؤوس حراب حادة. كانت هنالك أيضا محاولات لإضفاء لمسات جمالية على معمار السجون في أسلوب بناء الفلل الاسبانية بطلاء تلك الحراب الحادة باللون الوردي، وطلاء الجرار الجصية في الواجهات ذات الأسلوب الكلاسيكي الجديد باللون الأبيض الناصع. وثبتت في بعض الجدران لوحات صغيرة كتبت عليها اسم شركة الأمن التي زودت البيت بجهاز الإنذار بالبيت ورقم هاتفها. وبينما أنشغل الولد الصغير أمامهما بالسباق مع الكلب، وجد الزوج وزوجه نفسيهما في نقاش قارنوا فيه بين مختلف أنواع الحماية التي شاهدوها في جولتهم، وأيها أكثر فعالية وأجمل منظرا. وتكررت تلك الجولة والوقوف أمام هذا السور أو ذاك، وعقب النقاش لعدة أسابيع، توصل الزوجان في ختامها إلى أفضل وسيلة حماية يمكن لهما جلبها لبيتهم. كانت تلك أقبح وسيلة للحماية، ولكنها كانت أمينة في أسلوبها الذي يُذكر النَّاظِر بمعسكرات الاعتقال، دون رتوش ولا تزويق، بل بالدليل القاطع على تمام الفعالية. كانت وسيلة الحماية المختارة تلك تتكون من لفائف مستمرة من معدن لامع صلب، ومسننة على شكل شفرات خشنة ثبتت على طول الجدران. كانت تلك اللفائف تمنع أي مخلوق من العبور فوقها أو عبرها دون أن يقع في شراك أنيابها، حين لا فكاك، بل صراع يزداد دموية وتمزيقا للحم مع تكرار محاولات الخروج من شراكها الحادة. ارتعدت الزوجة وهي تراها، وطمأنها الزوج بالقول بأنها محقة، فكل لص أو متسلل سيفكر مرتين ... لاحظا أيضا النصيحة المكتوبة على اللوحة الصغيرة المثبتة على الجدران: " اِسْتَشِرْ شركة أسنان التنين. خبراء الأمن الشامل".

وما أن أصبح اليوم التالي حتى أتت جماعة من عمال تلك الشركة لتثبيت اللفائف المعدنية اللامعة الصلبة المسننة في البيت الذي كان يعيش فيه الزوج والزوجة والولد الصغير والكلب والقط في سعادة دائمة.

وسقطت أشعة الشمس الساطعة على المعدن، مضفية لمعانا زائدا على إِفْرِيزالأشواك الحادة المحيطة بالبيت. فقال الزوج لأمرأته: "لا عليك. سيتغير لون تلك اللفائف." ردت الزوجة بالقول: "أنت مخطئ. الشركة أكدت لنا أن هذا المعدن مقاوم للصدأ. " وانتظرت حتى غادر الصبي الصغير البيت للعب خارج الدار قبل أن تقول له: "أتمنى أن ينتبه القط ...". رد عليها الزوج: "لا تقلقي يا عزيزي. القطط تنظر ما حولها قبل أن تقفز إلى الأرض.". وصدق، فمنذ ذلك اليوم لزم القط الحديقة نهارا وسرير الطفل في الليل، ولم يخاطر قط بالاقتراب من ذلك الحاجز المعدني.

وذات ليلة كانت الأم تقرأ لولدها حكاية خيالية قبل النوم من كتاب كانت أم الزوج، تلك الساحرة العجوز، قد أهدته له في عيد الميلاد. وفي اليوم التالي تقمص الولد الصغير دور الأمير الشجاع الذي يقتحم غابة كثيفة من الأشجار الشوكية ليدخل القصر ويقبل "الأميرة النائمة" ويعيدها للحياة من جديد. جر سلما وثبته على الجدار، وكانت الفتحات بين اللفائف المعدنية كافية له للزحف لوسطها وحشر جسده الصغير. ومع أول طعنات في يديه وركبتيه من أشواك ذلك المعدن الحادة أطلق الولد صرخة ألم حاد. حاول التخلص من شراكها فزادت عليه الطعنات المؤلمة. وهرولت الخادمة المؤتمنة وذلك البستاني المتجول (وكان ذلك يومه في العمل عندهم) نحو مصدر الصراخ، وشاركت الخادمة الطفل في الصراخ، وتعرض البستاني لجروح كثيرة وهو يحاول تخليصه مما حاق به. ثم أندفع الوالد والوالدة في جنون نحو الحديقة. ولسبب ما (ربما بسبب القط) انطلق صوت الإنذار عاليا وغطى على صرخات الصبي، بينما كان رجال الإنقاذ يعملون المناشير وقواطع الأسلاك والمفارم لتخليص الصبي الدَّامي. وحمل الأب والأم والخادمة المؤتمنة – وهي في حالة حادة من الهيستيريا - والبستاني – وهو يبكي في حرقة - الصبي إلى داخل المنزل.


*** **** ****

نبذة عن الكاتبة: ولدت نادين قورديمر (1923 – 2014م) بالقرب من جوهانسبرج لأب ليتواني يهودي وأم إنجليزية كاثوليكية، ونشأت في بيئة برجوازية ثرية بيضاء. بدأت الكتابة الأدبية في عمر باكر واستطاعت أن تنشر قصتها الأولى وهي بعد في الخامسة عشرة من العمر بمجلة (فورام). بلغ انتاجها الأدبي 15 رواية و15 مجموعة قصصية، إضافة لبعض الأعمال المتفرقة الأخرى، ونالت عن أعمالها جائزة نوبل في الآداب عام 1991م. كانت نادين قورديمر من نشطاء الكفاح ضد التمييز العنصري ومن قياديي "المؤتمر الوطني الأفريقي".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...